فتح باب السيارة وساعدها بالجلوس، ثم قام بالرد على رنين هاتفه. "أيوة ياعمو، حاضر ياعمو راجعين." استقل السيارة وعيناه تراقبها بصمت. وضعت رأسها على الزجاج مغمضة العينين. جذب كفيها، ينظر إليها بآسى من برودتهما التي تشبه برودة الثلج. "جنى.. بصيلي." عصرت عيناها ألمًا، فصوته يرسل إليها ذبذبات غير قادرة على تحنيها. "جنى." كررها عدة مرات، حتى أدار ذقنها إليه. "متعمليش كدا لو سمحتي، بلاش توجعي قلبي لو سمحتي."
"بص قدامك ياجاسر، لو عايز نوصل سالمين، مش عايزة اسمع حاجة." قالتها بجمود، ثم نزعت كفيها من بين يديه واستدارت تنظر من نافذة السيارة قائلة: "البيت كله اتحرق، ولا لسة فيه ذكريات." أطبق على جفنيه وكأن كلماتها سوط يطبق على عنقه، ورغم ما شعر به من آلام أجابها: "ياسين راح البيت وبيقول الدور العلوي بس، تحت كله تمام، حتى هو اللي جاب تليفونتنا، وشوية ذكريات زي ما بتقولي." مازالت تنظر بالخارج تستمع إليه بصمت. حمحم قائلاً:
"لازم نتكلم ياجنى، لازم تعرفي حقيقة رجوع فيروز." "ميهمنيش.. انت ومراتك أحرار." قالتها بنبرة ثلجية. تعاظم الغضب بداخله وغلت دماؤه بداخل عروقه حتى زفر بنيران متأججة من جوفه وهتف بنبرة غاضبة: "لأ يامدام هتسمعي، ولازم تعرفي اني مش خاين ولا كذاب، علشان لوفضلتي كدا يبقى فعلا ثقتك فيا كارثية." طالعته ببرود وتحدثت: "وأنا مش عايزة اسمع، مبقاش يهمني قولتلك، عايزة ارجع جنى قبل ماتحبك." سحب ذراعها بقوة وكأنها أخرجت شيطاينه:
"اسمعي الكلمتين دول علشان مش هعيد كلامي.. انا مخنتكيش، واللي عملته دا كان غصب عني، كان لازم اكون راجل زي ماتربيت، منكرش أن اتلعب بيا، بس مش مهم، كله مردود، وحياتك عندي لأعرف ارجع كرامتي اللي انداس عليها بسببكم، انت وعدم ثقتك فيا وحبك اللي طلع مهزوز، وهي بخداعها وشغل الشياطين، وحاضر مش عايزة تسمعي أن شالله ماسمعتي ولا عايز ابررلك انا كمان."
كلماته أشعلت نيران قلبها حتى تجلى الضيق على ملامحها ممزوج بالحزن فشعرت بالخذلان منه. فأعلنت بينها وبين نفسها استراد كرامتها وأنوثتها بتحديها إليه، فاستدارت مردفة: "خد حقك وذيادة ياحضرة الظابط، بس وانت بتاخد حقك مني افتكر إنك وجعتني في الأول ووجعتني في الآخر، ورغم نفس الوجع لكن المرة دي وجعتني ودبحتني الاتنين مع بعض."
توقف بالسيارة فجأة مما احتك إطارها بالأرض مصدرة صوتًا، ثم جذبها بقوة يحتضن ثغرها حتى يجعلها تصمت ولم يستمع لشيء آخر يؤذي كلا منهم. دفعته بقوة بعدما شعرت بقساوة قبلته لأول مرة. تركها عنوة لاحتياجهما للهواء ثم تحدث بفظاظة: "اسمع نفسك، هعمل أكتر من كدا." قالها وتحرك بسرعة جنونية حتى وصل خلال دقائق معدودة لحي الألفي، توقف يشير إليها: "انزلي." ظلت للحظات بمكانها. صاح بغضب: "انزلي."
ترجلت من السيارة وجدت والدها بإنتظارهما. وزع نظراته بينهما، تراجع بسيارته للمغادرة فأشار إليه: "تعالى عايزك." ذهب ببصره لزوجته، التي تحركت متجهة لوالدها. علم حينها بأن عمه علم بكل شيء. احتضنها يقبل جبينها ثم أردف: "روحي على بيت جوزك، بعدين نتكلم." أومأت له ثم تحدثت: "دا اللي ناوية أعمله، مش عايزة مشاكل بين عز وج وجاسر أكتر من كدا، بلاش تعرفه حاجة، وأنا من جهتي مش هحسسه بحاجة."
"ادخلي حبيبتي ارتاحي، وشك مخطوف، وأنا هتكلم مع جوزك شوية، غنى وصلت من شوية هي وبيجاد، مش عايزك تتكلمي مع حد." تحركت بعدما وصل جاسر: "عندي شغل مهم ياعمو، لو ينفع نأجل أي كلام لما ارجع." استمع إلى صوت غنى تهرول إليه بلهفة: "جاسر." استدار إليها، تحرك حتى وصل إليها. احتضنها بعدما لمعت عيناها بدموع الخوف عليه. بحثت بجسده، نظرت متألمة للأحمرار ذراعيه: "حبيبي، انت كويس؟! لثم جبينها ثم رسم ابتسامة:
"كويس حبيب أخوكي، حمد الله على السلامة." احتضنت وجهه متسائلة: "ازاي البيت يولع حبيبي؟! "حبيبتي أنا عندي شغل، ممكن لما ارجع نتكلم." أشار بعينيه لدلوف جنى: "خلي بالك من جنى، لسة متأثرة من اللي حصل، وياريت تخليها ترتاح." ابتسمت له: "في عيوني حبيبي متخافش، قلبك أمانة عند اختك." طبع قبلة على كفيها: "حبيبة اخوها اللي بتفهمه من غير كلام." ضحكت واستدارت متحركة لداخل المنزل. اختفت ابتسامته وعبثت ملامحه عندما استمع لصوت صهيب:
"دا وعدك ليا ياجاسر، ليه تعمل كدا يابني." استدار بهدوء واقترب مردفًا: "أنا ماخذلتكش ولا خنتك، وافتكر حضرتك طلبت مني ارجعها وأنا رفضت، يعني لو كان في نيتي حاجة كنت ماصدقت، لكن للأسف سوء الفهم وجعنا كلنا." أشار صهيب بكفيه: "تعالى لازم توضحلي اللي حصل قبل ما أبوك يوصل." توقف متسمرًا ثم تسائل: "بابا عرف حاجة؟ هز كتفه بعدم معرفة، ثم تحدث: "أكيد دا جواد الألفي." جلس وأشار إليه: "تشرب قهوة، ولا اخلي نهى تعملك فطار."
رجع بجسده على المقعد: "ماليش نفس، كنت عايز تتكلم معايا في اللي حصل مش كدا؟! "الأول قولي الكلام صح ولا لأ.. أنت فعلاً رجعت فيروز؟ زفرة حارقة خرجت من أعماق جوفه ثم سحب بصره بكل الاتجاهات بعيدًا عن عمه: "الأول حضرتك مصدق إني ممكن أذي جنى أو اخونها؟ "لأ." قالها صهيب بهدوء، ثم استند بذراعيه على المائدة: "بس عارف قراراتك الغلط، ساعات بتدي قرارات من غير ما تفكر نتائج القرارات دي إيه." دقق النظر بعينيه ثم تسائل:
"رجعت فيروز علشان هددتك أنها تعمل حاجة في جنى مثلاً؟ هز رأسه بالنفي ثم تحدث: "فيروز كلمتني واحنا مسافرين وقالت لي عايزة خدمة ومحدش يقدر يساعدني غيرك." تنهد ثم سحب نفسًا وأخرجه بهدوء: "كانت مقدمة على وظيفة في الخارجية لإحدى الدول العربية والوظيفة دي ليها بعض الشروط." كان يستمع إليه باهتمام، فاستطرد حديثه:
"كلمت راكان البنداري وطلبت منه يتدخل ويمشيلها الدنيا، بس طبعًا الوظيفة دي مش بالوسطة بالشهادات والتاريخ العائلي، وفوق دا كله لازم يكون حد ضامنها." اتجه بنظره لعمه واستأنف: "رفضوا ورقها بحجة أنها مطلقة، والشرط يكون أنها متزوجة." مسح على وجهه بعنف يفرك جبينه: "والله يا عمو أنا حاولت أساعدها، حاولت أخرجها من تحكم أمها فيها، وخاصة لما عرفت الحفلات والقرف بتاع كل ليلة." سحب كم من الهواء ثم لفظه بقوة واستأنف:
"فيروز كويسة يا عمو، ظروفها وحشة وأمها دي... بتر حديثه صهيب: "لما هي كويسة يا ابن أخويا طلقتها ليه؟! باغته صهيب بنظرة مطولة حتى يكتشف دواخله. أشاح جاسر بعينيه بعيدًا عنه: "دا سؤال ولا شك يا عمو؟ نهض صهيب يضع كفيه بجيب بنطاله: "بنتي حاولت تنتحر وحضرتك جاي تبررلي بحجة متدخلش طفل عيل، مالي ومال فيروز." حدقه صهيب غاضبًا: "متبصليش كدا، أنت ظابط يا بني، ولازم يكون عندك الحس البوليسي." أشار بإبهامه إليه:
"خدت إيه غير مراتك كانت هتموت، قولي وقتها فيروز كانت هتفدني بأيه يا جاسر، إنت وعدتني وللأسف طلعت عيل." أردف بها صهيب متحركًا لمنزله. توقف ينظر لأثر عمه ثم تذكر ما فعلته فيروز: "ازاي قدرتي تلعبي بيا كدا، دا جزاتي." استمع إلى صوت خلفه: "عامل إيه؟! استدار برأسه ثم أومأ له: "كويس.. إنت أخبارك إيه ومرحتش الكلية ليه؟ جلس أمامه يطالعه بترقب ثم تسائل:
"أنا عارف إنك أكبر مني وليك احترامك انت وأوس، بس متزعلش مني قراراتك كلها غلط." تراجع جاسر بظهره للخلف: "لو مكاني هتعمل إيه؟! تسائل بها جاسر. كتف ياسين ذراعيه على صدره واجابه: "هواجه نفسي قبل ما أواجه الكل، أشوف عايز إيه." لاحت على وجه جاسر ابتسامة ساخرة فهز رأسه: "متبقاش واثق أوي من نفسك." اقترب منه ياسين بالمقعد ثم انحنى بجسده ينظر بعمق لعيناه: "جاسر إنت فعلاً بتحب جنى ولا اتجوزتها علشان موضوع الاغتصاب دا؟
"ياااه دا حضرة الظابط كبر وجاي يحاسب أخوه الكبير." لكزه بكتفه: "مبقتش صغير يا حبيبي.. بقالي سنة وأكون ظابط حربية أد الدنيا." داعب خصلاته ثم ذهب ببصره ينظر أمامه: "محبتش غيرها." اعتدل ياسين يستمع إليه باهتمام بقلبًا يحترق على حزن أخيه الذي تجلى بنبرة صوته. ابتسم جاسر لذكرى فرح عز واخته ثم اتجه إليه مردفًا: "أقولك حاجة.. يوم فرح عز كنت بهزر معاها وأقولها تعالي نتجوز وسيبك من موضوع أخويا واختي دا." أفلت ضحكة
بعبرة تكورت تحت جفنيه: "والله كنت بقولها من جوا قلبي وقتها، رغم عارف إنها هزار." أشاح بصره مرة أخرى وذكريات ذاك اليوم.. فأطلق تنهيدة مرتعشة من نبضات قلبه المؤلم واستأنف: "اليوم دا كانت بتعيط وزعلانة من ابن عمتك علشان لعب بمشاعرها." أطبق على جفنيه وصورتها بأحضان جواد تحرق أوردته. نهض فزعًا عندما تذكر ذاك وتحرك للداخل. أوقفه ياسين: "جاسر!! توقف يواليه ظهره وانفاسه المرتفعة تحرق من يقترب منه:
"مش همشي لما تحكيلي مش يمكن عايز آخد منك درس يفوقني." استدار جاسر بجسده ينظر إليه مستفهماً. اقترب بخطواته وجذب ذراعيه: "بتكلم جد يا جاسر، عايز أعرف ليه اتجوزت جنى، ومتقنعنيش إنك بتحبها." رمقه جاسر بنظرة صارمة ثم أردف: "اومال بتسأل ليه بدل مش مقتنع، انت أهبل يلا." جلس ثم وضع خديه فوق راحتيه وطالعه بصمت. نفخ جاسر ثم دفعه حتى سقط على المنضدة يضحك بصوت مرتفع: "خلاص.. عايز أعرف يالا متبقاش تقيل في نفسك."
ضرب جاسر كفيه ببعضهما: "إنت أهبل يابني، أحكيلك إيه، هي حكاية." "لأ.. درس يابن أمي وأبويا." مسح جاسر على وجهه بعنف حتى كاد أن يقتلع جلده ثم نظر إليه قائلاً: "جنى روحي يا ياسين، سواء اقتنعت ولا لأ، ومستحيل اخلي حد يدخل بينا ويبعدنا عن بعض." ابتسامة تهكمية ظهرت على ملامح ياسين ثم تسائل: "اه.. علشان كدا روحت اتجوزت واحدة تانية، هو اللي بيحب بيوجع حبيبه، ليه دايما بتوجعوا اللي بيحب بصدق؟
ذهل جاسر من حديثه فاقترب يجز على أسنانه مردفًا: "لو كنت شكيت في حبها صدقني مكنش قوة على الأرض تبعدني عنها، لكن يا حضرة الظابط تقيلة أوي على راجل يفرض نفسه على ست ولما تكون الست دي كل حياته، وخايف عليها لمجرد دمعة تنزل من عينها." ضغط بقبضته على الكوب الذي بيديه وأكمل بنيران قلبه: "تتحمل تقرب من واحدة وقلبها مع واحد تاني، تقدر تنام جنب واحدة ودموعها على مخدتها لمجرد أنها رضيت بنصيبها معاك، هتكون خسيس يا حضرة الظابط."
قالها وتوقف ولكن فجأة ياسين بسؤاله الذي جعله متسمر عندما أردف: "طيب ليه اديت الحق دا لنفسك يا حضرة الظابط؟ استدار وقد أخرج شيطانيه فاقترب وضرب بكفيه على الطاولة: "بدل ما عشتش الإحساس دا مش من حقك تقولي كدا، متجيش تقارني بواحد اختار أنه يكون كدا." نهض ياسين بمحاذته يضع كفيه بجيب بنطاله: "بس ظلمت يا جاسر، بغض النظر عن إحساسك انت ظلمت نفسك وفيروز وجنى." ركل المقعد وجن جنونه، واقترب من ياسين يمسكه من تلابيبه:
"أنا اللي اتظلمت يا حضرة الظابط، اتظلمت لما ضغطت على نفسي واتجوزت واحدة وأنا بقنع نفسي أنها كل حياتي وفي الآخر أفوّق على كابوس يحرق كل راجل.. أنا اللي اتظلمت يا حضرة الظابط لما أشوف البنت اللي حبها بيكبر يوم عن يوم والكل بيعاملنا على إننا أخوات."
"جاسر عيد ميلاد اختك بكرة، جاسر روح هات اختك من المدرسة، جاسر اختك خلي بالك منها هي رايحة عيد ميلاد صاحبتها، أنت أخوها أوعى تخلي حد يقربلها.. لا وحبيبتي تمشي معايا ومليش غير على لسانها بحبك أنت وعز زي بعض.. أخويا حبيبي اللي بيغير عليا." أشار على صدره وتحدث بقهر: "عايز من دا يعمل إيه والكل شايف جنى اخت جاسر، وجايين بعد ما أشوفها في حضن أخويا، دني من ياسين يجذب عنقه ويهمس له:"
"لما تشوف حبيبتك في حضن أخوك وهو بيبوسها كنت منتظر إيه تروح تحارب مين ضد مين يا حضرة الظابط." تراجع وعيناه على ياسين وأكمل وهو يلوح بيديه: "وبعد دا كله عمك جاي يوقف قدامي ويطلب مني أمثل بحبها اللي هي أصلاً حبيبتي." ضرب كفيه ببعضهما: "شوفت قهر أكتر من كدا، وياريت توقف على كدا." جلس ورفع ساقيه على المنضدة وكأنه تحول لشخص فقد عقله وبدأت ضحكاته بالارتفاع:
"طلبوا مني أمثل إني بحبها هههه، لا ومش بس كدا الأستاذة العظيمة جاية تقولي كلم بابا يا جاسر خليه يوافق على خطوبتي من جواد أصل أموت نفسي." قهقهات مرتفعة منه حتى أدمعت عيناه ثم صمت وتحدث بنبرة متحشرجة من الألم وأكمل:
"كان مطلوب مني إيه يا حضرة الظابط وياريت توقف على كدا بس، لا دا جايين يسألوني بعد دا كله، بعد ما خلاص وعدت نفسي إني أدوس على قلبي وأبني حياة بعيد عن الوجع دا كله.. ماما جاية تقولي حبيبي هو أنت بتحب جنى، حاسة نظراتكم لبعض مش نظرات أخوية." تنهيدة عميقة بأنفاسٍ محترقة ثم رفع بصره لأخيه:
"مامتك ما أخدتش بالها إلا لما دمرت نفسي وخلاص تعايشت مع وجع قلبي واقنعته عيب احترم نفسك دي اختك، دي ثقة عمك وابن عمك، اتجننت عايز منها إيه عايز تسرق سعادتها." أشار له بيديه: "امشي يا ياسين الله لا يسيئك بدل ما تعرفش حاجة متجيش توقف قدامي وتسألني." "جاسر اسمعني." "قلت امشي ياسين، امشي." تحرك ياسين دون حديث.
كان يقف يستمع إليه متأنبًا، هل تحمل صديقه كل هذا، وبعد ذاك الألم لم يرحمه وضغط بجبروته. ظل واقفًا لدقائق يراقبه ووجهه الذي تحول إلى لوحة من الألم والحزن بآن واحد. تحرك إلى أن وصل إليه: "قاعد كدا ليه يالا." أردف بها عز بعدما جذب مقعدًا وجلس عليه. رفع حاجبه ساخراً، ثم نفث سيجاره بوجهه: "أنا سمحتلك تقعد، مش عندك بيت، قوم فز عليه، مش طايق نفسي، هتعمل فيا الظاهر بيبرس والله هموتك أنا على آخري."
رفع عز جانب وجهه بإبتسامة متهكمة، فتحدث: "ليه يا جوز الاتنين، مطرود من عش الزوجية؟ توقف جاسر عن ما يفعله فاقترب بجسده مضيقًا عيناه: "إنت إيه اللي عرفك بموضوع فيروز؟ جذب عز سيجاره وبدأ يدخن ثم ابتعد بنظره عنه صامتًا. نهض جاحظًا عيناه يحاول أن يستوعب ما فطنه يهز رأسه رافضاً: "يعني أنت كنت عارف اللي بيحصل، أنت كنت عارف أن فيروز بتعمل كدا علشان تبعدني عن جنى؟ اقترب منه كالمجنون يجذبه من ثيابه: "إنت تعمل فيا كدا؟!
حاول عز الفكاك من قبضته: "جاسر أهدى وافهم هقولك إيه." لكمه جاسر بقوة حتى شعر بتساقط أسنانه، ورغم ذاك تركه عز أن يفعل به ما يريد. صاح بصوت كالرعد: "تلعب بيا ياحيوان؟! صاح كالذي مسه مسًا جنيًا. خرج الجميع على صوته. توقف أوس يبعد أخيه عن عز، ولكنه لم يقو فلقد تحول لمارد يريد أن يحرق الجميع. جذبه صهيب بمساعدة أوس من فوق عز: "إيه يالا محدش قادركم انتوا الاتنين." قالها صهيب مزمجراً ينهرهما بغضب.
دفع جاسر أوس ووصل إليه يجذبه بقوة ثم دفعه بالجدار وهو مستسلم كلياً. توسعت أعين الجميع مما يراه. انتفض صهيب ذعراً عندما وجد سكون ابنه بين يدي جاسر. وصل ياسين وجنى على صرخاتهما. دفع ياسين عز بعيدًا عن جاسر، وتوقف بجوار أوس حتى يوقفا هجوم جاسر الضاري. بدأ يركل كل ما يقابله كالمجنون: "حقيييييير ياعز، أنت واحد حقييير." صرخ بها ثم دفع ياسين وتحرك متجهًا إلى سيارته.
وقفت بقلبًا يدمي مما رأته من حالته، اتجهت بأنظارها لأخيها ثم اقتربت لجلوسه تضع أناملها على جرحه: "إيه اللي حصل بينكم؟ دفع كفيها وتوقف متجهًا لسيارته. توقف صهيب والشك يرواد عقله بفعل مخزي لابنه. هوى على مقعده عندما فقد الحركة. وصل جاسر بعد قليل لمنزله المحترق. ترجل من السيارة هرول المسؤول عنه إليه: "حمد الله على سلامتك ياباشا." أشار بيديه بالتوقف: "خليك زي ما أنت، هدخل أجيب حاجة وراجع."
ولج للداخل وكأنها تقف تنتظره كعادتها على باب المنزل. أطبق على جفنيه متحركًا ورائحة الحريق تخترق رئتيه. صعد لغرفتهما المحترقة. توقف ينظر لأثر الحريق بقلب منفطر لقد أحرقت كل ذكرياتهما التي وشمها بنبض قلبه. هوى على الأرضية يضع رأسه على ركبتيه ورماديته تبحر فوق الغرفة بأكملها. وذكرياتهما كأنها شريط أمام عيناه. هنا ابتسم وهنا حزن وهنا ضحك بقلبه وهنا وشم حبه بعلاماته إليها. كور قبضته عندما فهم اللعبة التي وقع بها.
تراجع بجسده مطبقًا على جفنيه، لقد سرقت سعادته من بين يديه بغبائه. استمع لرنين هاتفه رفعه مجيبًا عليه: "أيوة يابابا." على الجانب الآخر: "أنا قدام بيتك أنت فين؟ هب من مكانه متجهاً للأسفل: "حضرتك رجعت.. أنا فوق." ترجل جواد من سيارته، خرج سريعا لوالده. هرولت غزل بقلبًا أم فقدت وليدها، تضمه ببكاء: "حبيبي أنت كويس، إيه اللي حصل."
وضع رأسه بأحضان والدته كالضائع الذي فقد والديه للتو، انسابت عبرة رغمًا عنه ولم يقو على رفع رأسه من أحضان والدته. تحرك جواد للداخل منه للأعلى ونظراته الثاقبة على المنزل حتى وصل لغرفة ابنه، توقف بمنتصفها، وعيناه ترسمها كالمخبر الذي يبحث عن دلائل الجريمة. تحرك إلى أن وصل للنافذة المحترقة بالكامل. وصلت غزل وجاسر بعده بدقائق، استدار إليه: "مين اللي ولع في البيت؟ رفع بصره لوالده ثم اتجه لنظره لوالدته واجابه: "ماس كهربائي."
أومأ جواد برأسه متفهماً، ثم تحدث بابتسامة لزوجته: "اطمنتي على ابنك الحيلة، طب ينفع فنجان قهوة بقى، أنا شايف الأوضة بس المحروقة، يعني أكيد المطبخ شغال." سحب جاسر كف والدته: "تعالي ياماما، نعمل قهوة لسيادة اللوا." تحرك خطوة ولكنه توقف على صوت والده: "استني عندك." ثم ابتسم لغزل: "روحي حبيبتي اعمليلي قهوة عايز جاسر في موضوع مهم." ابتلع ريقه واشاح ببصره بعدما أومأت غزل برأسها وتحركت هابطة للأسفل. تحرك جواد خلفها قائلا:
"إحنا في الجنينة يا زوزو، وياريت لو شوية قراميش يا حبيبتي، عارف ابنك طفس واكيد جنجونة عاملة له ماهي عارفة إنه بيحبها." قالها وهو يغرز عينيه بعين ابنه. وصلوا للأسفل ثم جذب مقعدًا وجلس عليه: "سامعك." قالها جواد وهي يبعد بنظراته عنه. سحب جاسر كم من الهواء عندما شعر بعدم تنفسه ثم زفره ببطء ثم اتجه لوالده: "عارف مهما أبرر لحضرتك هفضل المذنب في نظرك." ابتعد عن نظرات والده وتحدث: "رجعت فيروز لعصمتي فترة." قاطعه جواد:
"غيره لأني عارف.. أنا مسألتش عن فيروز، أنا سألت مين ولع في الأوضة." استدار بجسده مذهولاً: "كنت عارف وسكت." اقترب منه وغرز عينيه بأعين ابنه: "جاسر أبوك مش غبي ولا عبيط، متلفش وتدور قولي مين فيكم ولع في الأوضة أنت ولا جنى." تراجع بجسده يبتلع ريقه بصعوبة ثم تحدث بخفوت: "جنى عرفت و.." أشار بسبباته: "جنى عرفت إزاي، متحكيش كتير." "بابا.. اسمعني." توقف جواد يطالعه بغضب: "إيه يا حضرة الظابط السؤال صعب ولا الإجابة أصعب؟
توقف أمامه: "ليه حضرتك مش مديني فرصة أتكلم؟ "تتكلم؟! قالها جواد تهكمًا: "هتقول إيه، هتقول إن حتة بنت عرفت تخرب بيتك." أشار بسبباته: "أنا سبتها مش ضعف ولا حاجة، سبتها علشان مايقولش أن جواد الألفي استضعف بست." جذبه من ياقته واردف: "اسمعني يالا.. مش هتكلم في القديم، بس معاك أسبوع يا جاسر، أسبوع وألاقي البنت دي برة حياتك بلا رجعة." وصلت غزل بالقهوة، وزعت نظراتها عليهما: "عملتلكم قهوة وجبتلك حبيبي مقرمشات."
ارتدى نظارته وتحرك: "اديهم لابنك يمكن يعرف ياخد قرار صح في حياته مرة واحدة." توقفت تنظر إلى جاسر، ثم ربتت على كتفه: "متزعلش من باباك حبيبي، هو مضايق على حالتك." سحب كف والدته: "يالا نرجع البيت، سايب جنى ومعرفش عملت إيه." أشارت للقهوة مبتسمة: "يعني تتعبوني وفي الآخر ماتشربهاش أنت وباباك." حمل فنجانه وتحرك بجوارها لسيارة والده المنتظر بها. بسط يديه بالقهوة قائلاً:
"ينفع تزعل غزالتك منك يا حضرة اللوا، دا حتى قهوتنا واحدة." ضحكت غزل واكملت: "والطبع واحد." أشار جواد على نفسه: "أنا زي ابنك دا.. دا عايز أغسله مخه يمكن ينضف، معرفش هفضل ألم من وراه لأمتى." "اركب يا غزل ولا أسيبك لابنك النغة." انحنى يستند على نافذة السيارة ونظر لوالده: "مش هتصاحبني ياروح أمك لحد ما ترجع جاسر اللي ربيته، مش عيل كلمة توديه وكلمة تجيبه." قالها جواد وتحرك بسيارته دون حديث آخر. توقف ينظر لأثر سيارة والده:
"ودا أقنعه إزاي، ربنا يسامحك يا فيروز." تحرك لسيارته، استمع رنين هاتفه، رفع ودقات قلبه تنبض بعنف كالمراهق، تمنى مهاتفتها منذ خروجه. رفع الهاتف على أذنه وأجاب بهمس: "أيوا." ابتلعت لعابها بصعوبة من صوته المزلزل لكيانها: "إنت فين؟! استقل السيارة، يجلس خلف المقود ثم أجابها: "ياترى سؤال ولا شك؟! جلست على فراشه تتلمسه ثم أطبقت على جفنيها ثم أجابته: "لا دا ولا دا يا جاسر.. أنا راجع على البيت لازم نتكلم." "إنت كويس؟
أجابها متلهفًا: "هتفرق معاكي؟ صمتت تسيطر على دقاتها العنيفة: "هو إنت مش ابن عمي قبل أي حاجة؟ قام بتشغيل السيارة بعدما فقد الأمل قائلاً: "لا يا جنى، لا مش دي ولا دي.. إنتِ قلبي وحبيبته، دي اللي لازم تتقال." انسابت عبراتها رغمًا عنها، ثم تنهدت وشهقة خرجت من جوف آلام قلبها: "مستنياك يابن عمي." أردف بها ثم أغلقت الهاتف. ضرب على المقود حتى شعر بتخدر كفيه هاتفًا بنبرة غاضبة: "ليه بتعاقب على ذنب مش ذنبي، ليه؟! صرخ بها مما
جعل بواب منزله يتوجه إليه: "فيه مشكلة ياباشا؟ قاد السيارة بسرعة جنونية وكأنه لم يستمع إلى أحدٍ، ضرب الرجل كفيه ببعضهما: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم." "ربنا يهديك يابني." وصل بعد قليل لمنزل فيروز. ظل يطرق على باب المنزل حتى خرجت إحدى جيرانها: "أهلا يا حضرة الظابط.. المدام خرجت من ساعة." أومأ برأسه ثم استدار متحركًا. في بيت المزرعة وصل إلى المنزل. قابلته ونيران جحيمية تريد إحراقه. توقفت أمامه تشير بسبباتها
بسأم منه ومن قلبها الضعيف: "لو مروحتنيش دلوقتي هموت نفسي سمعت ولا لا." ابتعد يفسح لها الطريق، وأشار بيديه: "اتفضلي ياروبي." تجمدت بوقوفها عندما وجدت وجه المتورم. ارتجف قلبها من حالته ورغم ذلك تحركت كأنه لا يعني لها. تحركت بخطوات متعثرة تتمنى أن تستدير إليه وتلمس جروحه، ولكن كيف بعدما حطم قلبها وأفقدها ثقتها بنفسها.
لحظات وكانت بجواره بالسيارة، نظرت للخارج تراقب الطريق حتى لا تضعف أمامه. وصل بعد قليل بدلوف سيارة جواد إلى حي الألفي. ترجلت تهرول لوالديها: "بابا." ضمها والدها بأحضانه ونظرات نارية لذاك الذي توقف ينظر بأسى للأسفل. اتجهت لوالدتها، أشارت لها: "براحة حبيبتي، ابنك." أسرعت تلقي نفسها بأحضانها وتركت العنان بدموعها تغسل وجنتيها: "وحشتيني أوي، عايزة أبعد من هنا يا ماما لو سمحتي." سحبتها وتحركت عندما وجدت تحرك جواد إلى عز.
توقف أمام عمه قائلاً بخزي: "آسف مكنش قدامي حل غير كدا." رفع نظره لعمه: "والله بحبها وماقدرش أعيش من غيرها، سامحني يا عمو، وحياة أغلى حاجة عندك اعتبرني عيل وغلط، المهم ماتحرمنيش من مراتي وابني، لو سمحت." ظل صامتًا للحظات وعيناه تراقب ملامح وجهه ثم تحدث: "القرار مش بأيدي، أنا ليا أوافق على طلبهم وبس، وأقول رأيي وافقت وافقت رفضت براحتها." ابتسم لعمه واقترب يلقي نفسه بأحضان: "ربنا يخليك ليا يا عمو."
أبعد جواد ورسم برودًا على ملامحه قائلاً: "أنا لسة مسمحتكش على اللي عملته، وعمري ما هسامحك إلا لما أشوف ضحكة بنتي اللي ضاعت بسببك." قالها وتحرك متجهاً للداخل. بالأعلى بغرفة جاسر تمددت على فراشه، تحتضن وسادته تدفن رأسها بها تسحب رائحتها لرئتيها: "وحشتني لمجرد ساعات، ياربي أعمل إيه في قلبي الضعيف دا." وضعت كفيها على أحشائها:
"فيه حتة منك هنا يا حبيبي، كان نفسي تشاركني فرحتي، لكن للأسف كسرتها يا جاسر، مش عارفة أعمل إيه وانت كاسرني كدا." أغمضت عيناها لعدة دقائق تحاول السيطرة على ارتعاشة قلبها من غيابه، كيف تتحمل غيابه لشهور وربما سنوات وهي التي لم تتحمل غيابه لعدة ساعات. ذهبت بنومها. طرقت ربي عدة مرات على الغرفة، ثم ولجت للداخل تبحث عنها وجدتها تغفو بهدوء.
ابتسمت على طفولية نومها، جذبت قميص أخيها من أحضانها ثم جذبت غطاء خفيف ودثرتها به بعدما اخفضت درجة التكييف. تحركت ولكنها توقفت عندما وجدت هاتف جنى الذي لم ينقطع رنينه بوضع الصامت. رفعته ولكنها ذهلت من اتصال فيروز بها. توقفت حائرة لا تعلم ماذا عليها فعله، اخذت قرارها بالرد: "أيوة." أجابت فيروز بالجانب الآخر: "كنت متوقعة مترديش عليا، المهم حبيت أطمن عليكي أصلك مشيتي من هنا تعبانة، ماهو انتي ضرتي برضو."
صمتت فيروز ثم استأنفت: "متزعليش علشان جاسر سابك تعبانة وجالي، ما أنا عرفتك قبل كدا أننا مينفعش نبعد عن بعض." "خلصتي كلامك؟ أردفت بها ربي. توقفت فيروز كالملسوعة: "فين جنى وازاي ماتعرفنيش إنك اللي بتتكلم؟ "بقولك يا فيروز أنا مش هقل من نفسي وأرد عليكي." قالتها وأغلقت الهاتف تجز باسنانها على أناملها. تحركت سريعا للخارج متجهة لغرفة والدها: "بابي فاضي؟! جلس على الفراش بإرهاق وأشار بكفيه: "تعالي حبيبتي."
تحركت إلى أن وصلت إليه: "فيروز." استمع بإهتمام، قصت له ما صار. مسد على خصلاتها: "روحي ارتاحي حبيبتي متنسيش إنك حامل وأنا هتصرف." أومأت له ثم انحنت تطبع قبلة على وجنتيه: "ربنا يخليك لينا يا حبيبي." ابتسم لها رغم صدره الذي يغلي كالمرجل: "روبي غنى رجعت إسكندرية ليه؟ "عمر أخو بيجاد عمل حادثة ومكنش ينفع تقعد أكتر من كدا، دا اللي فهمته من أوس." أومأ متفهماً ثم تسائل: "أوس مرحش مع مراته ليه؟ هزت كتفها بعدم معرفة:
"معرفش يا بابي، ممكن علشان حادثة جاسر، وممكن علشان.." صمتت فأكمل: "علشان عُملة عز مش كدا؟ "تصبح على خير حبيبي." قالتها وتحركت للخارج. بعد قليل بغرفة جاسر، وصل وجدها تغط بنومٍ عميق، اتجه إلى مرحاضه وخرج بعد دقائق، جلس بجوارها على الفراش يتابع بأعين عاشقة ملامحها القريبة لقلبه. ألقى بالمنشفة على المقعد وتمدد بجوارها، يكفي إرهاق يومين، وجفائها ومعاقبتها بالبعد عن أحضانه. جذبها لأحضانه لتتوسد ذراعه، دفنت
نفسها بأحضانه تهمس باسمه: كيف لقلب عاشق أن يصمت عن النبض بقرب محبوبيه. رفع رأسها يحرك أنامله على وجهها، اقترب يلمس كرزيتها يداعب أنفها. فتحت عيناها مبتسمة كأنه يراود أحلامها همس بجوار أذنها: "وحشتيني مهلكتي." ابتسامة ممزوجة بالنوم ثم همست: "بحبك أوي." كيف يبني دفاعه ويشدد حصونه بعد ذاك الانهيار أمامه، ما كان عليه إلى أن يتذوق تلك الشفاة التي جعلته قديسًا لها.
هبت من مكانها بعدما احتجز ثغرها بين خاصته يقبله بنهم حتى يروي ظمأه. مرت دقائق وهي تحاول دفعه لم يتركها حتى فقدت التنفس. ابتعد عنها لاهثًا وهو يجحزها بين ذراعيه. لحظات تحاول أخذ أنفاسها. ثم هبت من مكانها وتحركت دون حديث إلى غرفة أخرى بجناحه حتى لا تضعف أمامه، فقررت أن تبني حصوناً لها للدافع عن بقايا الأنثى بداخلها. نهض من مكانه متجهاً إليها وجدها تعد ترتيب الفراش: "بتعملي إيه؟ أشارت له بالتوقف:
"لو سمحت ابعد عني دلوقتي علشان منخسرش بعض، لو سمحت." استدار بعد اختناق صوتها بنبرته الحزينة. جلس متنهدًا ولم يعد لديه قدرة على التحمل من ابتعادها عنه. زفر متجهاً للشرفة، فالجو جو ربيعي ممزوج بجو الخريف. تهكم وجلس هامسًا: "حتى الجو متقلب." جذب سجائره وبدأ يدخن بشراسة حتى انتهى من علبته وهو جالسًا. بالداخل:
جلست تضع رأسها بالوسادة تمنع شهقاتها حتى لا يستمع إليها، كيف عاقبت نفسها بالبعد عنه وهو محرر رئتيها للتنفس والحياة، هو القلب للجسد وهو الروح للحياة. ودت لو تحركت وألقت كل شيئًا خلفها وانعمت نفسها باحضانه.
حرب شعواء بين القلب والعقل، حتى غفت بنومها مرة أخرى. ظل بشرفته يحرق بتبغه حتى اختلطت نيران تبغه بنيران صدره، ساعات وأشرق نور الرحمن نهض متجها للمرحاض، خرج بعد دقائق معدودة واتجه لصلاة الفجر، استيقظت على إغلاقه باب جناحهم. نهضت لأداء فرض ربها، جلست فترة لتلاوة وردها وأذكارها حتى دلف من الخارج، ولج لداخل دون حديث.
أخرج ثياب الرياضة وتحرك لغرفتها، كانت تراقبه بصمت وهي تنظر بكتاباته. تنهدت بوجع بعد دلوفه للداخل، ثم نهضت متجهة للشرفة تستنشق الهواء النقي. جلست تستمتع بشروق الشمس حتى خطر على ذهنها أنها تجلس بالشمس للأستفادة من أشعتها الصباحية. نظرت بساعة يديها ثم جلست منتظرة خروجه لعمله. مرت قرابة الساعة حتى استمعت على صوت الباب، تيقنت من خروجه، فنزعت مأزرها وجلست بمنامتها العارية ذو حمالات باللون الأسود، وتنورة منزلية إلى ما فوق الركبة باللون الأحمر. رفعت خصلاتها لأعلى مع تدلي بعضها بشكل عشوائي.
فتحت هاتفها على موسيقى وامسكت كتاباً عن الأدب تقرأه. ظلت جالسة قرابة الساعة وهي مازالت تقرأ بالكتاب حتى ازداد شعاع الشمس، فرفعت الوشاح على أكتافها. فتح عيناه بتمهل حتى اعتدل ينظر بساعته، فقد حان الوقت التاسعة صباحا. ارجع خصلاته المتمردة يفرك عيناه، التقطها تجلس بشرفة الغرفة تحتسي مشروبا وبيدها كتاب مندمجة به. لحظات واستمعت لرنين هاتفها. اعتدل يراقبها.
ظل يراقبها بقلبه قبل عينيه، لأول مرة يراها تجلس بالشرفة في الصباح الباكر. حدثت أخيها وهي مغمضة العينين. كأن حديثه لم يروقها، ابتسم على ملامحها، بريئة كالأطفال، نقية تشبه قطرات الندى. رجع بجسده يتكأ على الفراش، ورماديته تبحران فوق ملامحها بشغف. ود لو ضمها لأحضانه، ولكن ليت الأماني بالتمني. توسعت ابتسامته وهو يستمع إليها: "عز اعمل اللي انت عايزه، بس والله حلال اللي روبي بتعمله فيك، معرفش إيه الجنان دا."
على الجانب الآخر: "وأنا بقولك اتصرفي يا جنى وخليها تكلمني، يا إما هقلب جاسر عليكي." أطلقت ضحكة خافتة، ثم رفعت ساقيها العاريتين على السور الحديدي متراجعة بجسدها للخلف وأجابته: "ولا تهمني ولا أنت ولا هو، ولا أقولك تعالى طلقني منه، هتبقى عز فعلاً، والله انتوا الاتنين تستاهلوا الحرق، ويالا بقى عايزة أتشمس قطعت خلوتي مع نفسي، وقبل ماتتكلم أنا هساعد روبي تطلق منك وعقبالي أنا كمان، رجالة رزلة وعايزة الحر."
نهض من مكانه، يخطو بتمهل وكلماتها أشعلت نيران صدره، امسك كنزته حتى يرتديها، فتوقف ملقيها على الأرض، ثم اتجه إليها بخبث. حاوط مقعدها من الخلف، فارتفعت ساقيها للأعلى صارخة. نظر إليها من فوق رأسها: "مش براحة الصوت المسرسع دا ولا بتصوتي علشان أصحى وأغريني بشكلك دا." رفع المقعد أكثر وغمز بعينيه: "حلوة الشمس في الوقت دا." ثم أزال وشاحها من فوق أكتافها: "بقول دول لازم يتشمسوا برضو." انحنى يهمس لها:
"الشمس فيها فيتامين دال يا حبي، علشان تبقي قوية وتعرفي تضربي كويس." توسعت عيناها من وجوده بتلك الهيئة، نسيت أجازته اليوم، فهمست بتقطع بعدما وجدته عاري الصدر، ولا يرتدي سوى ذاك السروال القصير. وضعت يديها على عيناها: "إيه اللي عامله في نفسك دا، روح استر نفسك." أزال كفيها ونزل بجبينها على خاصتها ومازال على حاله:
"مش مستور وعايز اللي يسترني، إيه رأيك تيجي تستريني قبل ما نطلق يا روحي، أصلي حلمت، بيسألوني نفسك في إيه قبل ما أطلق مهلكتك قولتلهم نفسي تسترني." حاولت إبعاد رأسها: "جاسر ابعد كدا، عيب على فكرة احنا في حكم." صمتت صارخة تضع يديها على وجهها عندما وجدته يرفع شرواله: نظر إليها ساخرًا: "إيه برفع الشورت هيوقع؟ قالها غامزاً. سحب نفسها بقربه المهلك ورائحته التي لا تود سوى استنشاقها فقط، ابتعدت بنظراتها
المرتجفة عنه ورسمت الجمود: "ممكن تسبني عايزة أقعد مع نفسي." جلس على السور أمامها وهتف دون جدال: "لأ.. لما تقعدي معايا الأول يبقى تقعدي مع نفسك." نهضت ورفعت سبباتها: "متنرفزنيش أنت قولت هتسبني براحتي، بترجع في كلامك ليه؟ جذبها بقوة حتى اصطدمت بصدره العاري، وحاوطها بذراعيه. دفن وجهه في حنايا عنقها النقي مثل الثلج يستنشق رائحتها هامسا اسمها بشوق بالغ: "عرفتي تنامي بعيد عن حضني يا جنى، حبيك هان عليكي."
رجفة قوية أصابت جسدها بالكامل، اللعنة على قلبها الذي ينهار أمامه دون مجهود. أنفاسه الحارة تحرق عنقها، تجمد جسدها وتوقف عقلها وارتفع نبضها، لا تريد الابتعاد بينما صفعها عقلها بقوة بأن تبتعد، وكأنه علم بما يصير لها فهدم حصونها بدفاعاته عندما رفعها من خصرها لتكون بمقابلتها هامساً بصوته الأجش بنبرة متحشرجة: "بتقسي على حبيبك حبيبي، بلاش اللي بتفكري فيه، متمشيش ورا شيطانك." اقترب واقترب حتى لمس ثغرها وأكمل حتى
سقط المتبقي من دوافعها: "بموت لما تبعدي عني، مش عايز الأيام دي ترجع تاني." كانت عيناها تحاور عيناه بأن يرحم ضعفها، يتركها وشأنها فهي لم تقو على ما يحدث لها. همست بإسمه عله يبتعد فجسدها خائر ضعيف بحضرته كأنه ألقى تعويذته عليه ليصيبه بشلل كاملاً. طبع قبل سطحية متحدثاً: "إنسي مش هسيبك ولا أرحمك بالبعد عني." أطبقت على جفنيها فجذبها حتى جلست بأحضانه كاملاً. حاوطها بذراعه يعصرها داخل أحضانه:
"جنى أنا مقربتش من فيروز، والله من يوم ما اتجوزنا، حتى من قبل طلاقنا بكتير." هنا هبت فزعة عندما فاقت من أحلامها الوردية التي سيطر قلبها عليها واتجهت للداخل: "ميهمنيش تقرب ولا لا، أنا بفكر جدياً بطلاقنا، سبني لحد ما أقرر حياتي اللي سرقتوه." رفعت عيناها الحزينة واستأنفت بقلب فتته الوجع: "إنت اتجوزتني من غير ما تاخد رأيي، حطتني قدام الأمر الواقع، مكنش ليا خيار أرفض ولا أوافق، سبني أقرر إيه اللي هيحصل بعد كدا."
كلماتها أصابت قلبه بسهم مشتعل، حتى حولته لجحيم مستعر، كأن نار الله أوقدت أحشائه: "يعني؟! تسائل بها بعينان زائغة، ضائعة، وملامح وجمة. تراجعت خطوة للخلف تبتعد عن ذراعيه، حتى شعرت بالعري أمام قلبها، الذي أصبح دافئًا بحوزته، والآن بارد برود الموتى. ارتجف قلبها من كلماته وحالته، فهمست بتقطع: "عايزة أقنع نفسي إن كنت بتحبني ولا لأ." استدارت بجسدها مبتعدة عن عيناه الجائعة لإحراقها بسبب كلماتها واكملت:
"أنا دلوقتي مش متزنة، قلبي بيضغط وعقلي بيبعد، حالة ميؤس منها، عايزة أتأكد إنك بتحبني ولا لأ وخصوصاً بعد اللي هقولوه دا." امسكها من ذراعها يديرها إليه: "عايزة توصلي لأيه يا جنى، عايزة تبعدي عني، عايزة نرجع نتوجع واحنا أقرب من بعض، هتقولي غير كدا هسمعك، أما لو ناوية على دا، فأنا رافض ورفضي نهائي." أشار بسبباته مقربها من عيناها المشتتة: "أنا مش عيل ولا إنتِ عيلة علشان نقيم مشاعرنا، ودا عرفناه لما بعدنا عن بعض."
أطبقت على جفنيها تهز رأسها وانسابت عبراتها: "جاسر لو قولتلك إنني مبخلفش هتعمل إيه؟! صدمة اهتز لها جسده بالكامل، حتى شعر بإنسحاب أنفاسه فهمس ضائعاً: "إيه؟! "عرفتي إزاي؟ ارتبكت قليلاً، فأجابته بتقطع: "عملت تحاليل من فترة. إيه مالك مصدوم مش إنت بتحبني؟ توقف للحظات يستوعب صدمة كلماتها، ثم سحبها يضمها بقوة لأحضانه:
"إنتِ عندي أهم من أي حاجة، أنا بس اتفاجأت كان نفسي يكون عندنا أطفال. متمنتش غير كدا، نبني عيلة مع بعض، رغم كدا راضي بحكم ربنا." رفعت كفيها تحتضن وجهه ثم طبعت قبلة على خاصته وتراجعت مبتعدة: "لازم نبعد شوية يا جاسر، لازم آخد قرارات حياتي بنفسي." جذبها بغضب وضغط على ذراعيها بقوة آلامتها: "مش هتكلم تاني، هتجيبي سيرة البعد أنا بقول البعد بس متكلمتش في حاجة تانية هقطع لسانك يا جنى."
اتسعت حدقيتها بصدمة تطالعه بذهول، لم يعطيها فرصة لتتجاوز صدمتها فهجم عليها كالأسد المفترس، يحجز ثغرها يؤلمها لأول مرة، لحظات منع تنفسها حتى شعرت بإنسحاب روحها لبارئها. انسابت عبراتها رغمًا عنها مما جعله يتذوقها، دفعها بقوة وأشار بسبباته وكأنه لم يفعل شيئًا: "إنت هنا مراتي، دي أوضتنا، ودا سريرنا أكيد فاهمة كلامي، هدخل آخد شاور."
اقترب ولم يعريه حالتها المنهارة، واقترب يجز على أسنانه، فلقد نفذ صبره وأصبح قاب قوسين أو أدنى من احتجازها بين ذراعيه ليذيقها أشد عذاب الحب. رفع ذقنها بأنامله: "جوزك عايز يتليف يامدام، أكيد فاهمة كلامي، ورايا على الحمام." قالها وتحرك ساحبًا نفسًا عميقًا حتى لا يعود ويضمها يزيل آلامها. ولج للمرحاض وكلما تذكر حديثها يشعل صدره كبركان متصاعد الحمم، يريد الانفجار. ضغط على قنينة عطره حتى تناثرت بكفيه، ودمائه انسابت:
"طلاق وفراق." كلمات تصفعه بقوة، زمجر بغضب: "غبية، متعرفش أنا حاسس بأيه دلوقتي." بالخارج هوت بمكانها، ورغم تراقص قلبها فرحاً بتمسكه بها، إلا أن عقلها أيقظها على حقيقة دامية، امتلاك غيرها له، وذاك الفيديو الذي يصفعها بقوة. انشلت حواسها ولم يعد لديها قدرة على التفكير، فركت جبينها وجلست كالضائعة دقائق معدودة ثم اتجهت لمرحاضًا لعدة دقائق، وبحثت عنه وجدته مازال بالحمام.
ألتهب قلبها بالخوف عليه، ألقت المنشفة وتهادت بخطواتها تذهب إليه، ولجت حتى تُطمئن قلبها عليه، ولكن ذهلت عندما وجدته مازال جالسًا بحالته. رفع رأسه يطالعها للحظات، فاقتربت منه، لا تعلم ماذا ستقول له وكأن لسانها انعقد وانحشر الكلام بحلقها، أحبت الاطمئنان ولكنه رآها ظنت أنه بالداخل. توقفت أمامه للحظات وصمتاً مشحونًا بأنفاسهما، هو يحترق من كلماتها وهي من أفعاله. نهض من مكانه: "خير؟! زاغت ابصارها ثم هتفت:
"إيه مش قولت عايز تتليف، جاية أليفك." طالعها بصمت مضيقًا عيناه متسائلاً: "تليفيني وماله يا قلبي، دا يوم الهنا." تراجعت قائلة: "افتكرت حاجة هعملها وارجعلك." لم يجعلها تتجاوز خطوة واحدة فجذبها بقوة من رابطة مأزرها يدفعها بقوة تحت الدش، لم يدعها تتجاوز الصدمة ففتح صنبور المياه لتدفق بقوة عليهما. شهقة خرجت من جوفها تنظر إليه بصدمة: "اقفل المية يامجنون." قهقه عليها بصوت مرتفع:
"ليه ياروحي مش جاية تليفيني، ياله يا قلبي فين عدتك، وبالمرة تعمليلي مساج أصل دهري قافش." رمقته والشرر يتطاير من مقلتيها قائلة بصوت مرتفع: "ابعد عني، أنا مكنتش داخلة أزفتك ولا حاجة، كنت جاية." صمتت تنظر إلى نظراته الاختراقية على جسدها. جحظت عيناها تغلق مأزرها تلكمه بصدره: "وقح وقليل الأدب يابن عمي." لف ذراعيه حول خصرها يجذبها يضمها كالأسيرة بين ذراعيه، حتى التصقت به، والمياه المتدفقة فوقهم قائلًا لاستفزازها:
"إيه ياروحي لسة واخدة بالك إنّي وقح وقليل أدب، مش مهم المهم دلوقتي كنتي عايزة إيه برضه؟ رجفة قوية اجتاحت جسدها، رفعت بصرها وليتها لم تفعلها، فتلاشت بين يديه مهتزة فتحدثت: "ابعد يابن عمي اللي بتعمله دا ظلم وجبروت ليا." أطلق صوتاً اعتراضياً تردد في حلقه وأخرجه من أنفه، ثم انحنى بانفاسه المختلطة بالمياه: "غلطانة يابنت عمي، دا مش ظلم ولا جبروت دا عشق."
"سمعاني يا جنى عشق الجاسر، وقولتهالك قبل كدا وهقولها تاني اللي بعدني عنك في الأول غباء يا روحي دلوقتي صلحت مخي واستوعبت غلطه، إنما لو عايزة تتمادي بالغباء وتلعبي معايا، بعشق اللعب يا حبيبة جاسر." انهارت حصونها بالكامل ولم يعد لديها دوافع لمقاومة عشقه الضاري فهتفت: "طيب لو قولتلك لو بتحبني اديني وقت أتعافى من اللي حصلي." ضغط على خصرها:
"بت عايز آخد شاور بمزاج، هتسوقي الهبل هخلعك هدومك علشان تستوعبي إنك مراتي وبس، مش عايز أسمع غير كدا." أنهى كلماته بحزم وقوة ثم أكمل بتهديد: "لو فتحتي الموضوع دا تاني هروح اتجوز عليكي يا جنى بجد، أقسم بالله أعملها، وأهو عز عملها رغم عشقه لروبي." دفعها بعيداً عنه واستدار يزيل ثيابه: "اطلعي برة عايز أكمل الشاور، أما بقى لو عايزة نكمله سوا معنديش مانع."
تحركت متجهة للخارج، تسبه، ولجت للداخل غرفة الملابس وأخرجت ثوباً مريحاً، وضعت كفيها على أحشائها: "ابوك منحط، بس والله لأربيه." بعد عدة ساعات بمنزل فيروز استمعت لصوت طرقات على باب منزلها، هرولت ظناً أنه جاسر، ولكنها توقفت مشدوهة. خلع نظارته وهتف: "قولتلك هتعملي حاجة غلط لأختي مش هرحمك." قالها وهو يدفعها للداخل. توقفت تعقد ذراعيها: "إيه ياباشمهندس بيقولوا عليك متربي وتعرف في الأصول، ينفع تدخل بيت واحدة لوحدها؟ استند
على الجدار وأشار بسبباته: "جيتي وقولتي هثبتلك أن جاسر مش بيحب جنى، عايز أعرف عملتي إيه ياحيوانة." اقترب منها وهي تتراجع للخلف: "هصوت وألم عليك الناس، وأقولهم عايز تغتصبني." توقف مذهولاً، يبتلع حسرته من ابن عمه لارتباطه بها. غرز عينيه بفيروزتها: "قدامك أربعة وعشرين ساعة لو مسبتيش مصر وحياة ربي لأندمك يابنت." توقف ولم يكمل سبه. كتمت وجعها من حديثه:
"دا كله علشان حقي في جوزك، بص ياباشمهندس جاسر جوزي، واختك اللي خطفته ومش هتنازل عنه، واعمل حسابك هحول حياتها لجحيم، فلو خايف عليها خليها تبعد عنه." نظر إليها بذهول، فاقترب منها وداخله يحترق كمرجل جف مياهه من كثرة الغليان: "اسمعيني كويس أنا مبعدش كلامي، طبعاً أكيد عرفتي أنا عملت إيه في جاسر اللي هو أخويا علشان بس وجع أختي، تخيلي بقى أخويا وعملت فيه كدا، ممكن أعمل فيكي إيه." "ولا تقدر تعمل حاجة."
مسح على أنفه، ثم هز رأسه واستدار ليغادر، توقف بعد عدة خطوات: "قدامك لبكرة الصبح، بعدها متلوميش غير نفسك، عاملتك بما يرضي الله." "طيب ماتبعد ابن عمك عني مثلاً؟ استدار بجسده وضحكاته ارتفعت بالمكان: "أنتِ شكلك هبلة، بس عادي نعقلك ياقطة، أنا ماشي دلوقتي ويبقى سلميلي على هاني ابن عمك، باي قطة." تسمرت بمكانها فأسرعت خلفه إلا أن قطعهما طرقات على باب الشقة: "فتح عز للمغادرة ولكنه توقف جاحظًا عيناه وكأن أحدهم سكب
فوقه دلو من الماء المثلج: "جنى..!! "عز..!! "بتعمل إيه هنا؟ تحدثت: "جاي علشان يتفق معايا على طلاقك من جاسر." استدار يرمقها بغضب: "اتلمي يابت، علشان مجيش أكسرلك دماغك." ثم اتجه لأخته: "أكيد مش هتصدقي كلامها." أزاحته من أمامها: "أهلاً يا ضرتي.. مش ضرتي برضو ولا غيرتي رأيك؟ حاولت لملمت شتات نفسها فاتجهت إليها: "أيوة، بس دا مؤقتاً، أنتِ عارفة سبب جواز جاسر منك؟ راقبت جنى ارتجافة عيناها وكلماتها المتقطعة، فجلست تضع ساقًا
فوق الأخرى: "أيوة عارفة طبعاً اومال إيه، هو جاسر يقدر يبعد عن حبيبته برضو." اتجهت إلى أخيها الذي وقف وعيناه على أخته كأنه يراها لأول مرة: "عز ممكن تسبني مع ضرتي شوية؟ "نعم..!! قالها مذهولاً، أنتِ واعية لكلامك دا، ضرة مين يا جنى، جاسر طلقها. أومأت بعينيها ثم اتجهت إلى فيروز: "لأ.. مدام فيروز أقنعتني بحاجة تانية فأنا جاية علشان نعمل جدول ونتفق مش كدا ولا إيه." اقترب يجذب أخته: "أنتِ اتجننتي يا جنى، نهضت
وتحركت بخطوات متهادية: "سبني ياعزيزو، إحنا ستات مع بعض." "مستحيل، يالا يا جنى، والبت دي من بكرة هتسيب البلد وتمشي." رمقتها جنى بنظرات استفاهمية، ولكن خاب أملها عندما اردفت فيروز: "مش هسيبلك جوزي يا جنى، أنا وجاسر مستحيل نبعد عن بعض، مستحيل يقدر يعيش بعيد عن حضني، هو مجوزك جبر خاطر وبس." اقترب عز كالمجنون إليها، توقفت جنى أمامه:
"إيه ياباشمهندس اتجننت وهتضرب بنت ولا إيه، أنا عايزة أتكلم معاها على انفراد لو سمحت، وياريت تسبنا لوحدنا." "جنى.." تلألأت عيناها بخيط من الدموع: "عز.. لو سمحت." تحرك للخارج، لحظات تحاول السيطرة على ضعف قلبها بعدما رأت صورة زوجها توضع بأحد الأركان وهو يحتضن غريمتها. ضغطت على ثيابها واستدارت إلى فيروز الواقفة خلفها: "إيه يا جنى، جاية وعايزة إيه، مش كفاية مشاركني في جوزي؟ ابتلعت غصتها وجلست عندما فقدت توازنها،
فصوره بكل ركن بهذا المكان: "أنا اللي عايزة أسألك أنتِ عايزة إيه يافيروز، يعني لعبتي بينا، ودلوقتي بتحاولي تقنعيني إنك لسه مراته؟ "علشان أنا لسه في قلبه يا جنى، جاسر مستحيل ينسى أول ست في حياته." "أكيد طبعاً فاهمة قصدي، والصراحة يا جنجون أنا كنت بعرف احتياجاته إزاي يعني كنت بعمل حاجات مستحيل تعرفي تعمليها علشان كدا لازم تعرفي إن جوازك منه ماهو إلا وقتي وبس." عقلها نكر حديثها، فرفعت عيناها وتلاقت بنظرات نارية إليها:
"أنا ماليش ذنب في طلاقكم، هو اتجوزني بعد ما طلقك، وعلى فكرة جاسر مش عايز ولاد هو عايزني أنا، يعني الكلام اللي بتحاولي تقنعيني بيه دا كذب." سحبت نفسا وزفرته: "فيروز، أنا مبحبش أظلم حد، رغم إنك ظلمتيني، فلو سمحتي بلاش وجع قلب لثلاثتنا، ابدأي حياتك مع حد تاني، أما بالنسبة لجاسر فهو دلوقتي جوزي أنا، غير إنه بيحبني أنا." وضعت كفيها على أحشائها:
"الحياة دي نصيب وأنتِ أخدتي نصيبك من جوازك، دلوقتي أنا جاية بكلمك كست بحاول مظلمكيش، ابعدي عن جوزي علشان مش هتنازلك عليه مهما عملتي." تحركت إلى أحد صوره ثم ألقتها حتى سقطت على الأرض متناثرة: "الصور دي مش من حقك أبداً، هو دلوقتي غريب عنك." اقتربت منها تحاوطها بنظرات كارهة: "تعرفي مكرهتش في حياتي قدك." قالتها بقهردنت تغرز فيروزتها بأعين جنى:
"دايماً شايفة نفسك ملاك بريء وأنت شيطان، خربتي بيتي وجاية بكل سفالة توقفي قدامي وتقولي جوزي." دفعتها بغضب وتحدثت بنبرة جنونية: "دا جوزي وحقي أنا، هوت جنى على المقعد، فانحنت إليها:" "جوزي وحافظاه أكتر من أي حاجة، ومستعدة أقولك كل حاجة فيه بالتفصيل، دا حبيبي فاهمة يعني إيه الكلمة دي، يعني ممكن أقتلك يا جنى علشانه، ووعد مني هرجعه ليا وبكرة تقولي فيروز قالت، عارفة ليه؟
"علشان جوازك منه ماهو إلا ضعف بعلاقتنا وبس، وعارفة ومتأكدة مهما يعمل قدامي ويقنعك إنّي مبقاش أعنيله هعرف أرجعه إزاي." "ودلوقتي امشي أطلعي برة، مش عايزة أشوف وشك تاني." توقفت أمامها: "عارفة يافيروز لو عندي شك إنه بيحبك كنت سبتهولك، ماهو أنا سبتهولك زمان." صفقت فيروز بيديها: "أيوة دا اللي بحاول أفهمهولك يا جنى هانم، جاسر لو حبك مكنش جري ورايا أنا، وسابك رغم كان عارف بحبك له." ابتسمت جنى بسخرية ثم انحنت تجذب جذانها:
"اعملي أعلى ما في خيلك يامدام فيروز، وصدقيني لو قدرتي عليه يبقى مبروك عليكي." قهقهت فيروز وتحدثت متهكمة: "هرجعه صدقيني ووعد مني لآخر عمري، دنت تضع كفيها على كتفها:"
"كفاية تفتكري كل ماجاسورة يقربلك إنه كان معايا زيك كدا ياحلوة ويمكن أكتر، اعرفي إنك أخدتي شخص استعملته قبلك وبقيت رقم واحد عنده، طبعاً أنت فاهمة إحساس الراجل بيكون إزاي مش كدا ولا إيه، واكيد فاكرة وقتها هو كان بيعشقني إزاي، تخيلي بقى حياتنا مع بعض كانت إزاي." قالتها وهي تعلم أنها أصابت هدفها بإتقان، فضغطت على جرحها دون رحمة، أشارت عليها:
"أنتِ ولا حاجة، أنا الأولى، أول فرحة حتى أول حمل كان معايا أنا، كل حاجة معايا كانت لأول مرة، دنت تهمس بأذنها:" "حتى كلمات العشق بينا كانت لأول مرة يا جنجون، شوفتي الطفل اللي بيكون في حضن أمه وعايزة تبعديه، لازم ياخد وقت علشان ينسى حضن أمه، اهو أنا كدا بالنسباله.. مستحيل الطفل ينسى حضن أمه علشان هي أكتر واحدة داق الحنان لأول مرة في حضنها."
أنهت كلماتها الموجعة ترمقها بنظرات مشمئزة. اعتصرت ألمها وحاولت ألا تظهر ضعفها، سكنت أوجاع قلبها داخلها وضغطت بقسوة عليه، ثم رفعت نظرها: "مكنش رماكي في أول مذبلة، مكنش طايق دلوقتي لمستك، صدقيني أنتِ غلبانة أوي وصعبانة عليا، لأنك مريضة." "أما موضوع لأول مرة دا اللي فرحان فيه، فلو كان مرسوخ عنده زي ماعمال ترغي فيه مكنش قدر يتجوز عليكي بعد طلاقك بأسبوع." اقتربت منها وأردفت:
"مكنش خطفني بعيد عن الكل علشان محدش يشوفني غيره، مكنش قرب مني قبل ما يكمل شهر من طلاقكوا، مكنش عيشني في جنة متأكدة إنك معشتيهاش يوم واحد." اقتربت أكثر ورفعت يدها تضعها على أحشائها: "مكنش له أجمل نبتة زرعها بعشقه هنا." دنت وهمست لها مثلما فعلت:
"مكنش نادكي باسمي في أحلامه، وأنتِ أول استعمال، مكنش قالي مهلكته، أهلكته بعذاب البعد وانصهر بإشتياق الندم،، وأنتِ أيام أحزانه وندمه، ودلوقتي مستعد يتخلى عن الكون لمجرد أكون بين حضنه." قالتها وتراجعت عدة خطوات: "ابعدي عن حياتي يا فيروز وعن جوزي، دلوقتي أنا كنت عذراكي، لكن حالياً بعد اللي عملتيه ملكيش عذر عندي." قالتها وتحركت للخارج، أغلقت الباب خلفها وسحبت نفسًا عميقًا، تنزرف عبراتها بغزارة كلما تذكرت حديثها.
تحركت وعبراتها تفرش طريقها وصلت للأسفل وجدت أخاها بإنتظارها: "جنى!! أشارت بكفيها: "ابعد عني يا عز، مش عايزة أتكلم مع حد دلوقتي." اقترب ولم يعري كلماتها اهتمام: "حبيبتي.. ممكن تسمعيني." تراجعت ته
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!