الفصل 14 | من 44 فصل

رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سيلا وليد

المشاهدات
26
كلمة
9,847
وقت القراءة
50 د
التقدم في الرواية 32%
حجم الخط: 18

هل تزهق الروح من الجسد دون موته ؟؟؟ هذا ما أشعر به.. إن ادعيت الصمود فإن قلبي مهشم لقطع صغيرة، كل قطعة تصاحبها دمعة عصية تخرج من قلب عصفور مسموم بسهم أخطأ صاحبه الهدف.. هل يدرك قاتلي أنني المغرم في هواه.. المعذب في حبه.. الجريح دون دوائه؟ لاتتعلقوا.. لاتتعودوا.. لا تفتحوا قلوبكم.. ولا تستقبلوا الحب.. إنه يميت الروح ويبقي الجسد عاجزا..

خرجت غزل تنتظر زوجها أمام المسجد النبوي بعد قضاء صلاة العصر. وصل إليها، تحرك باسطًا كفيها. -خلصتي حبيبتي؟ أومأت برأسها وتحركت بجواره. توقف يطالعها متسائلاً: -مالك يا غزل؟ وضعت كفيها على صدرها وتحدثت بنبرة متألمة: -معرفش حاسة بوجع بقلبي يا جواد، ربنا يستر، حاسة فيه حاجة هتحصل وحشة. ضمها من أكتافها وتحرك بجوارها. -إن شاء الله خير حبيبتي، تعالي ناكل حاجة ونرتاح شوية وبعد كدا نكلم الولاد. هزت رأسها رافضة حديثه.

-اتصل بربي يا جواد، قلبي وجعني، مكنش المفروض نسبها في حالتها دي. باغتها بنظرة مطولة ثم هز رأسه بالنفي. -مش دلوقتي يا غزل، لازم نبعد عن الولاد، لازم يتعودوا على نفسهم، رغم إني عارف مصايب ابنك بس سايبه يتعامل مع الموقف بنفسه، لسة في بداية حياته، لازم يقوى، بكرة يكون أب ولازم يتصرف بحكمة. وضعت رأسها بكتفه وانسابت عبراتها. -قلبي وجعني عليه أوي يا جواد، رغم عارفة بحب جنى له بس خايفة لو عرفت أنه رجع فيروز ممكن تعمل إيه.

سحب كفيها وعقله يتضارب بقوة، ورغم ذلك أجابها: -أنا معاها للآخر يا غزل، عايز أشوف آخرها إيه، وجاسر مغلطش في اللي عمله، غلطه الوحيد إنه مأخدش رأي مراته، بس أنا عارف عمل كدا ليه. وصلوا لغرفتهم بإحدى الفنادق. ولجت ثم سحبت حجابها وألقته تحاول أن تأخذ أنفاسها. -أنا بقولك كلم الولاد يا جواد لو سمحت. أومأ لها يحتضنها عندما وجد شحوب وجهها. جلست على الفراش تدلك صدرها بهدوء قائلة: -شغل التكييف الجو خنقني أوي.

اتجه بهاتفه للشرفة وقام بمهاتفة جاسر أولاً. كان جالساً على المقعد واضعاً رأسه بين راحتيه. استمع إلى رنين هاتفه، امسكه وحاول السيطرة على حزنه حتى لا يشعر والده بشيء. -بابا!! تنفس جواد بهدوء، فهو يشعر بثقل بصدره ولكنه أعاده بسبب آلام قلبه. -عاملين إيه يا بابا؟ حمحم جاسر وأجابه: -الحمد لله كويسين، ماما عاملة إيه؟ -كويسة. اتجهت غزل إليه وأخذت الهاتف. -حبيب ماما أخبارك إيه ومراتك عاملة إيه؟

كور قبضته، فقلبه يئن على ما صار بينهما. نهض متجهاً لحديقة منزله عله يستطيع التنفس، كأن أحدهم حاوط عنقه بقيد من نار ليشعر بنيران تغزو رئتيه. توقف ينظر للشجر حوله ثم سحب نفساً وزفره على عدة مرات: -كويسين يا ست الكل، المهم صحتك عاملة إيه، وبابا عامل إيه؟ نظرت إلى جواد وابتسامة زينت روحها قبل وجهها وأجابته: -إحنا كويسين يا حبيبي، خلي بالك من نفسك ومن مراتك. أغلقت معه بإبتسامة ثم وضعت رأسها بصدر زوجها قائلة:

-كان لازم أطمن يا جواد. مسد على خصلاتها ثم طبع قبلة على رأسها. -ولا يهمك يا روح جواد. قام بالاتصال على أوس. -أيوة حبيبي. -عاملين إيه يا بابا، ومراتك وروبي؟ أجابه بابتسامة مستأذناً الحضور ونهض متجهاً لشرفة مكتبه.

-بابا أنا في اجتماع حبيبي، محبتش أفصل الاتصال علشان متقلقش، إحنا كويسين، وروبي خرجت النهاردة راحت الجامعة، ورجعت البيت ولعبت مع خديجة كمان، يعني متخافش عليها، وطلبت من طنط علية تعملها محشي، قالت عايزة تاكل محشي بفراخ مشوية. قهقه جواد وهو يضغط على ذراع غزل التي ابتسمت بعد سماعها حديث أوس. -خلاص يا حبيبي، هسيبك تشوف شغلك، وهكلمك بالليل. رفع ذقنها بعد إنهاء الاتصال. -بنتك قادرة والله يا قلبي، هتخلي عز يركع قدامها.

حاوطت خصره تضع رأسها بأحضانه. -مفترية زي باباها لما كان بيعاقب أمها. تراجع مبتعداً يرفع رأسها ثم نظر إليها. -لأ والله، أنا كنت مفتري، طيب يا ستي المفتري دا جعان هناكل ولا نكلم بناتك. هزت رأسها وابتسمت. -لأ خلاص، أنا كلمت غنى الصبح، وروبي أوس طمنا، اطلب أكل حبيبي. عند عز وربى. حملها متجهًا بها لداخل منزل غزل في المزرعة. وضعها على الفراش، ثم قام بنزع حذائها. ظل يتأمل ملامحها لدقائق. لقد اشتاق إليها حد الجنون.

اتجه إلى الخارج، يضع الأشياء التي جلبها، وقام بإعداد وجبة طعامها حتى تفيق. ابتسم عندما تخيل رد فعلها. نظر للسكين الذي بيديه، وحدث حاله: -عارف لو مسكتك ممكن تموتني فيها، لازم أخبيكم. قالها بإبتسامة. وضع الطعام على السرفيس، ثم نظر بساعته واتجه منتظراً إيقاظها. قام بخلع قميصه، ثم اتجه من الجانب الآخر من الفراش، وتمدد بجوارها عندما غلبه النعاس. جذبها لصدره يستنشق رائحتها ويملأ رئتيه، ضمها بقوة حتى اختفت بأحضانه.

بعد دقائق معدودة فتحت عيناها وثقل برأسها سيطر على جسدها حتى دفنت رأسها مرة أخرى بصدره عندما فقدت اتزانها وكأن جسدها شُل بالكامل. والنوم يداعبها بقوة، حاولت لمرات السيطرة من غمامتها ولكن حملها لم يساعدها حتى أغلقت عيناها مرة أخرى وكأنها تحلم به. جسدها المرهق وحالة السكر التي تعرضت لها جعلتها غير متنبهة حتى دفنت نفسها بالكامل لتذهب بسبات عميق. بالكلية الحربية. اتجه له أحد الأصدقاء. -حمدالله على السلامة يا حضرة الظابط.

ابتسم لصديقه وحضنه. -الله يسلمك يا كريم، عملت إيه في الكام يوم؟ ضحك كريم متحركاً يضع المنشفة حول عنقه. -من غيرك مكنش حلو، المهم أنا هنزل بكرة، وكويس هحضر خطوبة أختي. -مبروك يابني عقبالك.. ضحك كريم بابتسامة. -بدور على عروسة، مش عندك عروسة؟ كان يرتب أشياءه فرفع رأسه وتساءل. -بتتكلم جد يابني، هتتجوز جواز صالونات؟ قفز من فوق مخدعه وتوقف بجواره. -إنت بتأمن بالحب؟ هنا تذكر ياسين ليليان، فتنهد بحزن وهز رأسه قائلاً:

-مفيش حاجة اسمها حب يا كريم، بس برضو دي شريكة حياتك المفروض إنت تختارها حتى لو بالعقل. دقق النظر بعينيه فتساءل. -ياسين إنت حبيت قبل كده؟ أغلق الخزانة بعنف واستدار إليه هاتفاً بغضب: -ممكن منتكلمش في حاجات شخصية كدا. قالها وجذب منشفته بعنف متجهاً للمرحاض. توقف كريم ينظر لسراب خطواته فحدث حاله: -شكلك انضربت بقلبك يابن الألفي. بمنزل جاسر. قبل قليل أنهى اتصاله، وولج للداخل متجهاً إلى المطبخ، يبحث عن العاملة.

-هي راحت فين دي كمان؟ تحرك متجهاً لإعداد فنجان قهوة. توقف أمام الموقد، ودموعها وحديثها الذي مزق صدره، لقد تضاعف الألم بقلبه. جلس لبعض اللحظات محاولاً أن يهدأ حتى يصعد ويحاورها بهدوء، ولكن كرامته منعته بالذهاب خلفها. كيف تطعن به وهي تعلم بكم عشقه لها؟

قلبه ينبض بعنف يكاد يخرج من بين ضلوعه، يريد أن يضمها بقوة حتى يهشم عظامها بين ذراعيه ليعلمها كيف يكون العشق. كيف لكِ حبيبتي أن تشكِ بعشقي لكِ وأنا سلطان الغرام الذي قدم لكِ الولاء والطاعة؟ من بين أنفاسه الملتهبة وقلبه المحترق بعذاب عشقها نهض بعدما ضرب كل شيء عرض الحائط؛ تمرد قلبه على عقله وكرامته وصعد إليها ليعاقبها بأشد العقاب وهو سحقها بين ذراعيه.

تحرك لبعض الخطوات ولكنه استنشق رائحة دخان بالمنزل. نظر بأرجاء المنزل ولكن لم يكن شيئاً. نظر للأعلى بذهول وكاد قلبه يتوقف عندما وجد الأدخنة تخرج من غرفته. هنا شعر بانهيار عالمه وهو يشعر بأن أصابها مكروه. صعد كالمجنون يدفع الباب بكل قوته، ركل الباب يصرخ بها: -جنى.. افتحي الباب، جنى حبيبتي افتحي يا عمري.. صرخة باسمها هزت جدران المنزل وهو يدفعه كالمجنون. بحث بالمكان عن شيء، وكأن عقله توقف ولا يعلم ماذا عليه فعله.

قلبه ينبض بعنف، وجسده يرتجف، نظرات ضائعة معذبة. صرخ وصرخ يدفع الباب بكل ما لديه من قوة. هنا تذكر شيئاً، هرول إلى سيارته، النار بداخل اشتعلت بكل شيء. قبل قليل. بالداخل. جلست تحتضن نفسها وعبراتها كزخات المطر كلما تذكرت قربه من غريمتها. اليوم ذبحت بسكين بارد على يديه، يد الذي وهبته كل حياتها. زفرات بنيران متقدة وكأنها تخرج من قلبها.

بدأت النار تحاوطها من كل مكان. كانت تطالعها وكأنها في عالم آخر. نظرات باردة للنيران وكأن الذي يحاوطها ليست نيران. ورغم أنها بدأت تلتهم كل شيء يقابلها، وازدادت ألهب الشهب حولها، وضعت رأسها على الجدار تنتظر تراجع ذكرياته معها، منذ طفولتهما حتى تلك اللحظة التي هشمتها. انسابت عبراتها وهي تنتظر تلك اللحظة الفارقة لتبتعد عن كل شيء. لما لا.. واليوم فقدته، وبعد فقدانه سُلبت روحها. لم يعد لديها قدرة لتحارب أو تتعايش مع ذاك الألم وهو ابتعاده وامتلاك أخرى له.

ألم الخيانة ينخر بعظام جسدها، ويفتت قلبها. اختنقت من رائحة الدخان المنبعثة التي حاوطتها بالكامل حتى اقتربت النيران من جلوسها. أخذ الألم يسكن روحها. بشفتين مرتجفتين وعينان ذائغتان همست اسمه: -جاسر.. قالتها وشعورها بغمامة سوداء تحاوط جسدها. ظلت تهمس اسمه على صوت صرخاته بالخارج.

جذبت كنزته التي توضع على المقعد بجوارها واستنشقت رائحتها تملأ رئتيها من رائحته بدلاً من الأدخنة التي تسربت لرئتيها لتصيب جهازها التنفسي بالكامل، ولم تقو على التقاط أنفاسها. وضعتها على أنفها واغمضت عيناها وابتسامة على وجهها ما إن لامست أنفها رائحته. ظلت تستنشقها كأنها جرعة مخدر للمدمن. تراجعت برأسها مرحبة بعالمها لتغفو على رائحته. وصل وبيديه سلاحه ثم أطلق رصاصته لتخترق باب الغرفة ويفتح أخيراً.

وقف مشدوهاً يتمزق قلبه من حالتها. هرول إليها يضمها لصدره. -جنى حبيبتي.. جنى افتحي عيونك يا قلب جاسر.. لا يعلم أي جرم ارتكبه ليؤذيه الله بها.. استغفر الله عدة مرات فحملها واستدار ليتحرك ولكن أشعلت الغرفة بالداخل والنار تلتهمها كما تلتهم سنابل القمح. بدأ يسعل بشدة والدخان الممزوج بالخوف يسد مجرى تنفسه. سيطرت النار بالكامل تلتهم المكان حوله كالوحش الضاري، وألسنة اللهب خرجت حتى وصلت النافذة والشرفة.

وقف بمقلتين تغشاهما الدموع وقلب تهشم بالعجز وهو يرى النيران تأكل كل ما يحاوطه. جاهد عجزه وسيطر على ضعفه ثم ضمها بقوة كأنه يحميها بصدره يحاوطها بذراعه لتبتعد عنها النيران. يحميها كالقلعة الحصينة التي تحمي جنودها من الأعداء. انتفض بزعر عندما فقد التنفس والرؤية وهو يحاول أن يجد مخرجاً بها. انسابت عبراته رغماً عنه عندما شعر بأنه كطائر مكسور الجناح داخل قفص حُجز بأغلال مصفدة.

تراجع متجهاً إلى الشرفة كل ما فكر به إنقاذها من تلك النيران. انبعثت الأدخنة بقوة حتى ازداد سعاله وفقد الحركة، وأحس بالدوار وكأن أحدهم ألقاه بعصا غليظة. ورغم ذلك لم ييأس، دفع تلك الستارة التي اشتعلت بالكامل حتى هوت على الأرض. وصل المسؤولون عن حديقته وكذلك حارس المنزل عندما وجدوا ألهبة النيران. رفع قدمه وركل الزجاج حتى تناثر بالأرجاء. نظر للأسفل المكان ليس الارتفاع الشاهق، ولكن يرتفع بعض الأمتار.

وصل حارس منزله يصيح باسمه. توقف عقله لا يعلم كيف يخرج بها من تلك النافذة. نظر لشرفته ولم يستطع الوصول إليها بسبب النيران المتقدة بقوة. صرخ على الحارس. -شوف مرتبة بسرعة يا إسماعيل، بسرعة.

صرخ بها عندما وصلت النيران لذراعه، تراجع بها ينظر لخصلاتها المتدلية. حرك كفيه يجمعها حتى لا تصل إليها النيران. رغم حجز النيران بكفيه عنها نظر حوله بتيه لم يعد سوى مكانه الذي يقف به، وذاك الهواء المنبعث من النافذة لتعيد تنفسهما مرة أخرى.

أمسكت النيران بقميصه من فوق ذراعيه حتى شعر باحتراق جزء من ذراعيه. النار شبت بقميصه من الجنب. احتضنها بقوة وقفز بها يضمها بقوة حتى لا تسقط على الأرضية الصلبة. نزل بها على ركبتيه وذراعه أمانها حتى لا تصطدم بالأرضية. أسرع الرجل محاولاً جذب قميصه من فوق جسده بسبب عدم اتزانه من قفزه، عندما وجد محترقاً من الجنب وبه بعض النيران.

هرول إلى المسبح بملابسه ليطفئ تلك النيران التي لسعت بعض من ذراعه. خرج من المسبح سريعاً ينزع كنزته من فوقه بوصول أحد الجيران وتجمعهم بعد نشوب النيران بالمنزل بالكامل. اتجه إليها يبعدها عن الجمع. أحضر أحد من الجيران ثياباً ارتدى قميصاً وحمل زوجته متجهًا سريعاً لسيارته بوصول سيارة الإطفاء. وصل بعد قليل إلى المشفى، يصرخ بالمسعفين وشرح ما صار. بدأت الحروق تظهر على ذراعه، متألمًا. وصلت الممرضة إليه:

-حضرتك مصاب، ممكن تدخل قسم الحروق يرطبوا الجرح. هز رأسه رافضاً وتحدث: -أطمن على مراتي الأول. بحي الألفي. بحثت ياسمينة على جنى بالحديقة ولكنها لم تعثر عليها. توجهت إلى منزل صهيب. -عمو صهيب، رفع رأسه من فوق الجريدة ينظر إليها. -تعالي حبيبتي. فركت كفيها واقتربت منه. -روبي مش موجودة، بدور عليها مش موجودة في البيت كله. نهض مضيقاً عينيه ثم تساءل: -مش فاهم يعني إيه روبي مش موجودة. هزت كتفيها.

-كانت قاعدة في الجنينة ورحت أشوف خديجة، رجعت ملقتهاش. تحرك بجوارها. -دورتي كويس؟ -دورت واتصلت يا عمو. كور قبضته عندما شك بابنه. هو رآه يدلف من البوابة منذ فترة ولكنه لم يصل إلى الآن. أمسك هاتفه وقام بمهاتفنه. كان يغفو بجوارها يحجزها بجسده. فتح عينيه ثم اتجه ببصره لتلك التي تتشبث بثيابه. -تراجع برأسه يجذب الهاتف حتى لا يوقظها ثم قام بالرد. -بابا!! -روبي معاك يا عز. تململت بنومها ثم فتحت عينيها عندما استمعت لصوته.

-أيوة يا بابا معايا. تحرك متسائلاً: -إزاي معاك يعني؟ استمع إلى صرخاتها. -أنا فين وجيت هنا إزاي؟ حاولت التملص من بين ساقيه ولكنه حجزها بذراعيه ثم أجاب والده. -مراتي وأخدتها محدش له حاجة عندي. قالها وأغلق الهاتف سريعاً. ظلت تلطمه وتصرخ به. اعتدل يحاوطها بجسده ورمقها بنظرة مرعبة.

-هسمع صوتك صدقيني هخليكي تحلمي بكوابيسي، أنا لسة بتعامل معاكي بإنك بنت عمي ومراتي، اتحملت إهانة للعالم كله، ودا مش علشان أنا مش راجل، علشان أنا لسة باقي عليكي. انسابت عبراتها على وجنتيها فهمست بشفتين مرتجفتين. -ابعد عني يا عز متخلنيش أكرهك لو سمحت. انحنى يضع رأسه بعنقها.

-أنا مش هقدر على كدا يا روبي، ارحمي قلبي، عارف إني ظلمتك، وعارف إنك اتكسرتي واتجرحتي مني، بس أنا مش هقدر أبعد عنك أكتر من كدا. صدقيني عز بيموت يا روبي. رفع رأسه وسبح برماديتها. -ربي أنتِ الهوا اللي بتتنفسه، يرضيكي تخنقيني. رفع كفيه يمسد على خصلاتها. -على عيني يا قلبي أشوف دموعك دي، بس إنتوا اللي وصلتونى لكدا. -عز لو سمحت اللي بتعمله دا غلط، لا بابا ولا اخواتي هيسكتوا، إحنا مايقناش ننفع للبعض. هز رأسه رافضاً كلماتها.

-كذب.. كذب يا روبي بتكذبي على نفسك. وضع كفيه على أحشائها. -هنا فيه بذرة حبنا، هتحرميني منها يا روبي، هتقدري تبعدي ابني عني وتعيشي مع ابنك من غيري. حاولت الاعتدال ولكنه كان المتحكم الأكبر بجسدها.

-أنا طلقت البنت اللي اتجوزتها، دي بنت سكرتيرة عندي، ليها أخت مريضة حبيت أساعدها في مقابل تعملي خدمة أضايق جاسر، كنت عايز أحسسه بالنار اللي جوايا، ورغم كدا مقدرتش أعيش الوجع اللي عشته، مستحملتش أخليكي تشوفيها وتتألمي، رغم إن جاسر عذب أختي كتير. -مكنش يعرف يا عز. لكم الفراش بجوار رأسها. -كان حاسس يا روبي، ماهو متقنعنيش إن الكل خد باله وجاسر لا، ده حتى بابا قاله تعرفي رد قاله جنى أختي.

-أقنعيني يا روبي منين كان بيعتبرها أخته، ومنين هيموت الكل عشانها. انسابت عبراتها بقوة. -عز أنا انكسرت من جوا، وإنت اللي كسرتني، ماليش دخل بجاسر إنت اللي كسرتني مش جاسر، رغم إن جاسر بيحارب الكل وانت بترمينى جيت تساوم عليا. اقترب وتحدث بالقرب من شفتيها. -مكنش قصدي أوجعك، هو فيه حد يقدر يوجع روحه يا روبي؟ اقترب يرتشف دموعها بعدما أطبقت على جفنيها وشهقات خرجت متألمة من جوفها مهتزة.

-ابعد يا عز، أرجوك متكهرنيش فيك أكتر من كدا. توقف عما كان يفعله، لقد أصبحت كلماتها كالسهام المخترقة لقلبه حتى تلألأت عباراته. -يااااااه يا روبي، لدرجة دي شايفة عز وحش أوي، كرهتيني يا روبي. نهضت بعدما ابتعد عنها، تدور بعينيها بالمكان. -إنت خطفتني يا عز، خطفت بنت عمك. اقترب يحتضن وجهها بقوة. -إنتِ مراتي مش واحدة من الشارع وخاطفها. صرخت به وهي تحتضن أحشائها. -عز من فضلك رجعني على بيتي.

نهض من فوق الفراش وأشار على الطعام الموضوع. -عملتلك أكل، ياريت تهتمي بنفسك، متنسيش إنك حامل. ومفيش خروج من هنا. قالها وتحرك للخارج. بالمشفى عند جاسر. ولج للداخل، بخطوات مبعثرة مثل دقاته العنيفة التي تخترق صدره بقوة، وحزنه عليها حفر ثقوباً داخل قلبه حتى مما أفقده شعوره بالنبض. وصل إليها وجلس بجوارها على المقعد، يحتضن كفيها ثم رفعه يلثمه. -هونتِ عليا يا جنى، عايزة تموتي وتبعدي عني.

ووخز كالسمامير يخترق صدره من مجرد فكرة ابتعادها عنه. انحنى يضع رأسه بصدرها وبدأت شهقاته بالارتفاع. -ليه يا جنى، ليه تموتيني كدا. رفع رأسه يمرر كفيها على وجنتيها كأنها ينحت معالمها. اقترب يطبع قبلة على وجنتيها. -جنجون حبيبتي افتحي عيونك حبيبتي، متعمليش فيا كدا. رفع كفيها يضعها على خديه وأطبق جفنيه متألمًا على ما وصلا إليه. آآه يا جنى لو تعرفي أنا حاسس بإيه دلوقتي.

طالعها بنظراته، وهناك رجفة اعترت فؤاده وسحبت أنفاسه تقوده إلى سحقها بأحضانه. رفرفت بأهدابها تهمس باسمه. ابتسامة تجلت على ملامحه. -حبيبة جاسر أنتِ. قالها ثم انحنى يقطف قبلة يخطف أنفاسها عندما فقد سيطرته. فتحت عيناها عندما حجز ثغرها الندي بين خاصته. دفعته بكفيها. ابتعد وهو يلهث يحتضن وجهها. -كدا تموتني من الخوف عليكي. ظلت صامتة وسحبت عيناها بعيداً عنه. أدار وجهها إليه. -مش عايزة تكلميني. لمس الجهاز الموضوع بأنفها.

-تنفسك عامل إيه يا حبيبي. دفعت كفيه وتحدثت بتقطع: -ابعد عني إياك تلمسني. قالتها بشهقات. برودة اجتاحت أوصاله وكأنها صفعته بقوة. -أبعد يا جنى، عايزاني أبعد؟ ابتسامة سخرية تجلت على ملامحها بوسط عبراتها الخائنة قائلة: -مستنية أخُدك في حضني بعد كذبك وخداعك وخيانتك ليا. أصبحت عبراتها كالشلال حتى تحولت لشهقات مرتفعة وجسدها يهتز.

-كنتِ عارفة إني مش قادر أبعد عنها، بس تدبحني بالطريقة دي، ليه عملت فيك إيه يا ابن عمي، ده أنت حبيتك حب لو اتوزع على الأرض يغطيها. كانت دمعاتها تنحدر مع كل كلمة تتفوه بها. اقترب منها عندما اعتصرت دموعها قلبه وأحرقته دون رحمة. احتضن كفيها يقبلها. صرخت به: -ابعد ماتلمسنيش، ابعد يا ابن عمي مبقاش ينفع.

هنا شعر بوجع بحجم الكون، حاول السيطرة على غضبه الذي تجلى بأنفاسه الحارقة، بينما هي استأنفت حديثها ببكائها المرير وهي تشعر بالقهر منه ومن قلبها الذي يتمنى قربه. -مبقاش ينفع نكمل مع بعض يا ابن عمي، كسرتني، برافو عليك. لم يتحمل كلماتها ولم يعد يتحمل دموعها التي كوت روحه. جذبها لأحضانه، يشدد من عناقها وهمس بنبرة متحشرجة بآلام صدره. -خدي روحي يا جنى معاكي قبل ما تمشي وتسبيني. شهقت بأحضانه.

-مبقاش ينفع، مش عايزة أكرهك، أرجوك مش عايزة أكرهك. قالتها وهي تلطمه. احتضن وجهها يزيل عبراتها بأنامله. -حبيبتي والله العظيم ما فيه حاجة حصلت بينا، اللي شوفتيه البنت الخادمة دلقت القهوة على قميصي. ظل يحرك أنامله حتى أزال عبراتها، إلى أن رفع ذقنها. -تفتكري بعد الحب ده كله تصدقي إني أخونك. اشتد بكاؤها ودّت لو صرخت من أعماق روحها لتصل آلامها إليه ويشعر بها. -اتجوزتها صح، رديتها لعصمتك تاني، أنا شوفتك نايم جنبها.

أطبقت على جفنيها تعصر جفنيها وكأنها تمحو ذكريات تلك الصور. ضمها. -كنت نايم جنبها وهي نايمة على صدرك. ارتعش جسدها تصرخ كالذي مسها مسٌ من جن. -خاين.. واحد خاين، أنا شوفت كل حاجة، هدومك كانت على الأرض يا كذاب. وضعت يديها على عينيها تصرخ ثم تراجعت تجذب جهاز التنفس من أنفها. -كرهت نفسي، كرهت قلبي مبقتش عايزك، ابعد عني متخلنيش أكرهك أكتر من كدا. هتفت بها بنيران قلبها بدخول أوس إلى الغرفة. -جاسر..

استدار إلى أخيه كالضائع، فلقد شقته إلى نصفين. ثم اتجه إليها. -أنا كذاب، وخاين يا جنى. هزت رأسها وصرخت كالمجنونة. -طلعه برة يا أوس، مش عايزة أشوفه قدامي. كان واقفاً مذهولاً مما استمع إليه. انحنى بجذعه وغرز عينيه بمقلتيها. -إنت بتغلطي يا جنى، ومش أي غلط، قولتلك مفيش حاجة ورجعتها مجرد مساعدة مش أكتر بس مفيش حاجة تانية. -اااااوس.. صاحت بها وتوقفت تلوح بيديها. -ابعده عني، مش عايزة أشوفه.

اقترب أوس الذي يحاول أن يستوعب ماذا صار ليحدث هذا. اقترب منها مستنداً على الفراش يجذبها من كفيها، نزعت كفيها وبكت بصرخات. -ابعد عني يا جاسر، روح لها، هي حبيتك روح لها بدل مش هتقدر تبعد عنها. اقترب منها، جذبه أوس. -جاسر سيبها دلوقتي، خليها ترتاح انت مش شايف حالتها. أظلمت عيناه بنيران الألم وأشار عليها. -أسيبها إزاي، دي حاولت تنتحر. ابعد عني يا أوس.

نزع نفسه منه واقترب يسحبها ثم حاوطها بذراعه. لكمته حتى تفلت من بين فولاذيته، لمست أظافرها جرح حروقه، فابتعد صارخاً، يضغط على آلامه. توقف أوس عاجزاً لا يعلم ماذا عليه فعله، وماذا سيحدث بعد أفعالها. توقف بينهما وحاول إبعاد أخيه، رغم تألمه من حالته، حالته الذي أدمت قلبه، كل ما انتاب عقله أن هناك لبساً في الموضوع. توقف وحاول السيطرة عليه. -جاسر اهدى، سيبني مع جنى شوية، عايز أقعد معاها، إيه مش من حقي؟

إنت ناسي إنها بنت عمي وأنا في مقام أخوها. رفع نظراته المتألمة إليها، كانت تناظره بجمود لأول مرة يراه بسحر عينيها التي تحولت بنيران كرهه. ابتلع غصته وتحدث بهدوء رغم حرق صدره بنيران الخذلان. -أنا برة. وقعت أعين أوس على الحروق التي طالت ذراعيه. -جاسر إنت مصاب في الحريق. استدار متحركاً، رفعت نظرها لذراعه الذي ظهرت به الحروق بشكل مبالغ. اهتز قلبها وارتجفت شفتيها، هامسة باسمه بعد خروجه. جذب المقعد بعنف واردف.

-ارتاحي يا جنى، شوفي حالتك عاملة إزاي، باباكِ زمانه جاي، أكيد بلغوه زي ما بلغوني. استمع لرنين هاتفه عدة مرات، طالعه ثم أغلقه بعدما وجدها زوجته. -احكيلي يا جنى سامعاك، بس الأول لازم تفهمي حاجة مهمة. -جاسر عمره ما كان كذاب ولا خاين يا بنت عمي، بلاش الكلام اللي يكسر الراجل ده. انسابت عبراتها وكل ما تراه صورته بأحضانها. ما أصعب ذاك الشعور الذي يخنقها بسياج من نيران. رفعت بصرها وأردفت بتقطع.

-كنتِ تعرفي إن جاسر رجع فيروز تاني؟ -آه. سحب بصره بعيداً عنها وأجابها بهدوء رجل جليدي. -كنت أعرف إنه رجعها، أو بمعنى أدق قالي من قبلها. -إيه!! قالتها بصدمة غير مستوعبة ما وصل لأذنيها. -كنتِ تعرفي إن أخوك بيدبح فيا وسكت، لدرجة دي شايفاني رخيصة؟ أزالت عبراتها بعنف ثم صاحت بغضب. -ويا ترى يا باشمهندس كنتِ تعرفي إنه زور تقرير المستشفى وطلعني مغتصبة؟

تراجع بجسده على المقعد، عندما أحس بتحطم أضلعه من كلماتها، ورغم ذلك رسم ابتسامة على وجهه وهز رأسه. -مش ده علشان يجوزك، مش ده علشان محدش يقدر يقف قدامه ويقوله لأ. جاية تحاسبيه عشان خدع الكل ليفوز بيكي. انحنى يتكئ بكفيه على الفراش وتعمق ببنيتها. -بلاش الكلام ده ليا يا جنى، علشان إنتِ عارفة رأيي من الأول في علاقتكم وياما حذرتك، عملتي إيه ولا حاجة.

تراجع ساحباً نفساً وزفره بقوة، فلقد بلغ الغضب ذروته ورغم ذلك تحكم بنفسه حتى لا يصفعها. أشار لها بسبابتيه عندما وصله عدم اقتناعها، فهتف دون جدال. -المسؤول الأول عن اللي أنتِ فيه ده.. إنتِ ومحدش غيرك. إنتِ يا باشمهندسة متجيش تحطي غلطك على غيرك وتعملي بريئة. نهض عندما فقد سيطرته واقترب منها.

-إحنا وصلنا لدايرة مغلقة كلنا بسببك مش بسبب جاسر. ارجعي كدا لقبل فرح جاسر لما وقفت وقولتلك يا جنى أنا ليه مش حاسس إنك بتمثلي قدام الكل بخطوبة جاسر الواهية لجواد. رفع حاجبه ودقق النظر بعينيها. -إيه افتكرتي.. افتكرتي يا جنى قولتيلي إيه؟ قولتي جاسر بياخد حقي من جواد وأنا مش شيفاه غير أخ وبس. دار بخطى سلحفية ذهاباً وإياباً بالغرفة. -اكتشف إنك بتتعالجي نفسي علشان مقدرتيش تشوفيه مع حد تاني، إيه يا باشمهندسة شغل الأطفال ده.

اقترب ورمقها بنظرات نارية. -ليه عملتي كدا، ليه دفنتي راسك في الرمل زي النعامة وجاية تحاسبيه على حاجة مالوش دخل بيها. -كان لازم جاسر يبعد وهو شايفك مع أخوه وإنتِ واقفة بتقوليله بتحبي جواد. أما بجسده. -عارف كلامي جارح ويوجع بس ده علشان تفوقي يا جنى وتطلعي من دور الضحية اللي إنتِ فيه. إنتِ مش ضعيفة ولا غبية، بس خطواتك الغلط وقعتينا كلنا في بعض.

-عز بقى عامل زي الوحش بيدوس على الكل، معرفش تعرفي ولا لا، بس عز اتجوز على روبي علشان يحرق جاسر. -إيه رأيك يا بنت عمي. جحظت عيناها بذهول تهز رأسها قائلة: -مستحيل.. عز بيحب روبي مستحيل يكسرها بالشكل المهين ده. قهقه على غير عادته وأشار عليها. -ما إنتِ عملتيها مع جاسر وكسرتيه، يعني ماشاء الله إنتوا الاتنين واحد يدبح في أختي بدل المرة عشر مرات. وحضرتك جاية تحاسبي جاسر على مجرد إنه بيعمل حاجة رجولية.

-اطلع برة مش عايزة أسمع حاجة من حد. تحركت معتدلة على الفراش. -ولا أقولك أنا اللي همشي منها. توقف أمامها وحاوط أكتافها. -جنى بلاش تصعبي الأمور لو سمحتي، كفاية اللي حصل لحد دلوقتي. اعقلي واسمعي جاسر عمل كدا ليه، بلاش إحنا بنوقع من بعض، هتكوني مرتاحة لما نكره بعض وبابا وباباكي يوقفوا قدام بعض عشان مشاكلكم. تنهد بهدوء ثم تحدث بعقلانية.

-هقولك حاجة عاقبي جاسر لو ما اقتنعتيش بكلامه، بس بينكم بلاش تولع دلوقتي، تخيلي كدا لو رجعتي بعد شهر من جوازك بيت أبوكي، الناس هتقول إيه. بلاش دي فكرتي ممكن عز يعمل إيه في جاسر لما يعرف. -فكرتي في عمك يا جنى، أنا مش هتكلم أكتر من كدا. إنتِ عاقلة ما فيه الكفاية مش مستنية حد ينصحك. زفرة حارة خرجت من جوفه ثم تعلقت عيناه بعينيها التائهة المترددة فاستأنف.

-خدي وقتك وفكري كويس بس بعقل صهيب الألفي مش عقل جنى مرات جاسر الغيورة. خانته ساقيها فجلست رغماً عنها. -مكنتش أتخيل تكون قاسي معايا أوي كدا يا أوس. جلس بمقابلتها. -أنا بحاول أتكلم بالعقل صدقيني، أنا لو متحكمتش في نفسي مش عارف ممكن أعمل فيكوا إنتو الاتنين إيه.

أنا أهم حاجة عندي دلوقتي أبويا وعمي. إنتِ وجاسر مش فارقين معايا علشان تستاهلوا اللي بيحصلكم لسبب بسيط هو عشان يهرب من قلبه راح ظلم واحدة واتجوزها، وإنت عشان تكوني العاقلة البريئة دفنتي حبك لحد ما حبك كسرك والنتيجة ما استولتيش ورحتي اتعالجتي.. صح ولا لا. -فيروز مظلومة بعد كل ده يا أوس. زفره حارة خرجت من جوفه يهز رأسه. -من وجهة نظري العادلة آه يا جنى، فيروز أكتر واحدة اتظلمت بينكم. تعالي نعمل معادلة بسيطة كدا.

واحدة اتجوزت واحد وهمها بحبه وبعد الجواز اكتشفت إنه بيحب واحدة تانية. ومش معنى كلامي ده أنا ببرر لجاسر، أبداً والله ولا عجبني أي حاجة عملها، بفكر بكل الاتجاهات. بس رغم كدا عمره ما كان خاين ولا كذاب. ابتسمت بسخرية. -أيوة لما خبى عليا جوازه، لما مراته جاتلي وقالت جاسر اتجوزك عشان الولاد. ضيق عينيه متسائلاً. -فيروز هي اللي قالتلك كدا؟ استمع لطرقات على باب الغرفة، ولج صهيب بقلب منتفض. -إيه اللي حصل يا حبيبتي؟

رفعت بصرها لوالدها، أمانها ولما لا.. فالأب هو الحضن والحصن المنيع. حاوطها بذراعيه يدفنها بأحضانه. -بابا.. أردفت بها بشهقات مرتفعة. قبل رأسها. -اهدي حبيبتي.. خلاص الحمد لله أهم حاجة إنكم بخير. اتجه ببصره لأوس الصامت. -أخوك فين وعامل إيه؟ قطع حديثهم دخول عز فزعاً للغرفة. -إيه اللي حصل؟ جنى قالها بقلب ملتهب يجذبها من أحضان والده يبحث بجسدها عن أي أثر للحروق. احتضن وجهها. -إنتِ كويسة حبيبتي، فيه حاجة فيك اتأذت؟

هزت رأسها بالنفي. -أنا كويسة يا عز، مفيش حاجة. نهض صهيب متجهاً لأوس الصامت. -جاسر فين؟ هنا فاق عز من لهفته ورفع بصره ينتظر إجابة أوس بشق الأنفس ليطمئن عليه. -مش عارف يا عمو، دراعه كان فيه حرق، قالي خليك مع جنى وخرج. تجه لجنى. -إزاي بيتكم ولع يا جنى، وجاسر اتصاب أوي؟ انسابت عبراتها ولم تتحكم بنفسها ثم ألقت نفسها بأحضان أخيها وشهقة خرجت من فمها. -اهدي يا جنى خلاص. تحرك أوس للخارج. -هروح أشوف جاسر.

قالها وعيناه على جنى. استدار متحركاً فتحدث صهيب. -قوم شوف أخوك عامل إيه. نهض عز بعدما طبع قبلة على جبين أخته. -هشوف جاسر وراجعلك يا قلبي. تحرك مغادراً خلف أوس. جلس صهيب بجوارها. -إزاي بيتكم ولع حبيبتي، لما البواب كلمني كنت هموت من الخوف عليكم. زحفت بجسدها للخلف، وبدأت تزيل الكانولا من كفيها. -بابا عايزة أمشي من المستشفى، خدني البيت عند ماما. ضيق عينيه يطالعها بصمت وترقب للحظات ثم تحدث متسائلاً.

-متخانقة مع جاسر ولا إيه؟ أشاحت ببصرها بعيداً عن والدها متراجعة للظهر الفراش ثم أطبقت على جفنيها. -لأ، بس عايزة أرتاح. ظل للحظات وعيناه تراقب نظراتها الهاربة. -مخبية على أبوكي إيه؟ رفع سبابتيه. -إياكي تكذبي عليا، إياكي. نظرت إليه بأعين تقطنها الألم قائلة. -أنا تعبانة يا بابا أوي، عايزة أبعد عن كل حاجة. هكلمك بقلب مريضة الدنيا كسرت فرحتها بس قبل أي حاجة أوعدني تفكر بعقل صهيب الألفي اللي اتعودته منك طول حياتي.

اهتز داخله حتى شعر بضلوعه تنكسر ضلعاً ضلعاً، وكأن صدره ارتطم بصخرة أفقدته ثباته. فتحشرجت حروفه متسائلاً. -إيه اللي حصل واتمنى متكذبيش عليا المرة دي، عشان هزعل منك بجد يا جنى. شعرت بتخدر بجسدها من نظرات والدها المنساقة عليها فهمست بتقطع. -جاسر رجع فيروز لعصمته يا بابا. تصنم جسده وكأنه بإحدى كوابيس حياته التي دعا الله أن لا تحدث أبداً. كظم وجهه بنيران الخذلان من ابن أخيه ورغم ذلك سيطر على انفعاله.

فابتلع غصة بطعم المرار والخذلان متسائلاً. -عرفتي منين؟ رفعت عيناها لوالدها. -جاتلي البيت، وهو كان عندها، شوفتهم مع بعض يا بابا. قالتها بشهقات مرتفعة تضرب بيديها على صدره. -شوفت جوزي في حضن مراته في شهر عسلي يا بابا، راح لها من بعد مارجعنا من شهر العسل بيوم واحد. بعد ما كان مطلعةني لسابع سما راميني لسابع أرض وداس عليا يا بابا، ابن عمي داس عليا لحد ما موتني بالبطيء.

أحس بوجع يغزو أضلعه وكان أحدهم طعنه بخنجر بارد ففقد صوابه، ظلت نظراته على ابنته منتظراً شظايا حديثها الذي وصل إليه بسهم مشتعل لصدره. صمتت تسحب نفساً عندما فقدت قدرتها على التنفس، كأن الهواء انسحب من رئتيها. دقائق وصمت مريع لصهيب بينما هي رفعت نظرها واستأنفت. -واجهته ومنكرش. قالتها تهز رأسها وعيونها التي انتفخت بالبكاء. -وبعدين إيه اللي حصل؟ صمتت للحظات ثم همست بتقطع. -ولعت في البيت عشان أرتاح!!

توسعت أعين والدها بذهول، فهب من مكانه فزعاً. -اتجننتي.. إيه الجنان ده! صرخت بقهر. -كنت عايزة أموت وأريح الكل، أنا بقيت تقيلة على الكل. جذبها لأحضانه بقوة. -ليه يا بنتي عايزة تكسريني كدا.. لدرجة دي أبوكي مش فارق معاكي. خرجت من أحضانه. -بابا قلبي وجعني أوي يا بابا، حوش وجعه يا بابا، جاسر كسرني وحطم قلبي. شدد من احتضانها قائلاً. -لأ يا قلبي أكيد فيه حاجة غلط، جاسر مستحيل يكسرك ولا يوجع قلبك، أنا متأكد.

ابتلع غصته التي وخزت جوفه باشواكٍ حادة واحتضن وجهها. -جاسر بيحبك واللي بيحب مبيخونش يا جنى.. أنا متأكد إن فيه حاجة غلط. هزت رأسها بانسياب عبراتها وقلبها المفتت قائلة. -قلبي بيقولي كدا والله قلبي بيقولي كدا وهموت عليه بس أنا شوفت يا بابا بقلبي المجروح قبل عيني، شوفته يا بابا رغم إني كذبت كل حاجة. هز رأسه بعنف محاولاً السيطرة على نيرانه التي تحرق داخله.

-لأ.. فيه حاجة غلط، ده واحد عاشق مستحيل يخون، أنا طلبت يرجعها وهو رفض، ليه دلوقتي يروح يرجعها بعد ما اتجوزتوا وقربتوا من بعض. ألقت نفسها بأحضانه وشهقات فقط تخرج منها. -نفسي أصدقك يا بابا، نفسي أرتاح وأكون في كابوس وأصحى منه، ادعيلي يا بابا يكون ده كابوس لأني مش هسامحه أبداً. -طيب حبيبتي بطلي عياط وأنا هتكلم معاه وأشوفه، عايز أتأكد. احتضنت كفيه وتعلقت بعينيه.

-بلاش تعرف عز يا بابا، أوس قالي إنه اتجوز على روبي حقيقي، عز عمل كدا. أطبق على جفنيه ثم انحنى يطبع قبلة على جبينها. -هشوف جوزك وأرجع. ولجت نهى تبحث عنها. -إيه اللي سمعته ده يا صهيب. أشار صهيب على جنى. -بنتك كويسة أهي، اهدي الحمد لله شكله ماس كهربائي والحمد لله عدت. احتضنتها تبكي على هيئتها وبدأت تفحص جسدها. -عاملة إيه، حصلك حاجة يا قلبي. احتضنت كف والدتها قائلة. -أنا كويسة يا ماما والله. رفعت عيناها لوالدها.

-بابا روح اطمن على جاسر. تحرك والدها بخطوات متعثرة وكلماتها تخترق روحه، هل جاسر فعل ذلك بالفعل؟ قابله عز فتساءل. -ابن عمك فين؟ أشار على غرفته قائلاً. -في الأوضة دي، معاه أوس وياسين كمان جه، اتصلوا بيه. أومأ متفهماً فتحدث متجهاً إليه دون حديث. -"بابا" فيه حاجة؟ هز رأسه دون حديث وتحرك متجهاً إليه. ولج الغرفة كان مستنداً على ظهر الفراش، رفع أوس نظره لعمه، علم من حالته اخبار جنى له.

كور قبضته محاولاً السيطرة على نفسه حتى لا يتحدث ويغضبه. قطع شروده رنين هاتفه. نهض متوقفاً ثم خرج للإجابة على أخته. -أيوة يا ياسو. أجابته على الجانب الآخر. -عز خد روبي ومشي يا أوس، بقالي فترة بدور عليها، وبعدين دورت عليها ليكون مغمي عليها في مكان في تسجيل الكاميرا، لقيت عز خدها. أنفاساً محترقة خرجت من رئتيه لو اقترب أحدهم منه لأحرقته. دفع الباب وولج إلى صهيب الذي جلس بجوار جاسر ينظر لحرق ذراعيه. -عامل إيه؟

ابتعد بنظره وأجابه. -كويس الحمد لله. رفع نظره إلى ياسين واردف. -ياسو سيبني مع عمو شوية حبيبي، عايزه في موضوع مهم. ابتسامة سخرية تجلت بملامح صهيب، فاتجه لياسين. -سيبني مع أخوك حبيبي. تردد حديثهم دخول أوس كالمارد. -طيب قولي أعمل إيه في ابنك، اديني سبب يخليني عاقل وماروحش أموته دلوقتي. استدار ياسين. -إيه اللي حصل. بينما جاسر الذي أغلق عينيه يريد الاختلاء بنفسه، لا يريد الاستماع لأحد. ولكن فتح عينيه مذهولاً.

-عز خد أختي فين يا عمو، أكيد تعرف، قولي أقول لبابا إيه لما يتصل بيا ويقولي أختك اللي وصيتك عليها فين. ضيق جاسر عينيه متسائلاً. -مش فاهم إيه اللي حصل. تحدث أوس بغضب. -يارب تكون ارتحت دلوقتي يا جاسر باشا، اهو عشان يوجعك عمال يدوس على أختك ويوجعها، يعني مش مكفيه جوازه عليها، لا راح وخطفها كمان. اقترب من صهيب.

-عمو صهيب صدقني بحاول أتعامل مع ابنك على أنه أخويا، بس هيستعبط ويقل بينا مش هستكتمه، ودلوقتي قدامه نص ساعة يرجع أختي. ثم اتجه بنظره إلى جاسر وهتف بقسوة تجلت بنظراته. -بنتِك عندك يا عمو، خليه يبعد عن أختي، أختي حامل ولو حصلها حاجة، صدقني هدوس على صلة الدم اللي بينا. -أوس.. صاح بها جاسر بقوة. -امشِ اطلع برة، مش عايز أسمع نفسك، برررررة. أردف بها بقوة حتى شعر بألم ذراعيه.

كور أوس قبضته وتحرك دون حديث، بينما ياسين الذي خرج عن صمته. -عز خرج عن المألوف يا عمو ولازم اللي يوقفه. تحدث بها ثم تحرك للخارج. تنهد صهيب بغضب، وتحرك للخارج متجهاً إليهم: وصل ياسين إلى غرفة جنى وجد عز يتحدث بهاتفه. توقف ياسين يرمقه بغضب.

-إنت كدا بتتمادى، ومتفكرش عشان ساكتين عليك ده ضعف مننا يا باشمهندس أبداً تبقى غلطان، ده عشان إحنا متربيين ونعرف احترام الصغير للكبير، لكن تغلط وتخبط في الحلال لا أنا هعملك متربي في شبرا متخرجش عفاريتي يا عز.. ربي قبل ما تكون مراتك فهي توأم روحي، فياريت ترجعها. مسح عز على وجهه بعنف. -ياسين ربي مراتي زي ما هي أختك ولازم نقعد نتصافى. -بس هي مش عايزراك دلوقتي، ومتنساش إنها حامل. -أه وكمان متنساش إنه ابني.

دفعه ياسين بقوة حتى اصطدم بالجدار. -طيب عمك جاي في الطريق عايزك تقوله الكلمتين دول. وولج للداخل إلى غرفة جنى. بينما أوس الذي توقف يهاتف بيجاد. -أيوة يا بيجاد. للأسف البيت ولع، لا هم كويسين الحمد لله. تمام. أغلق الهاتف ثم لمح عز متجهاً إليه. -أوس ابعد ياسين عني عشان متغبش عليه. رفع جانب وجهه بابتسامة سخرية واقترب منه بخطى سلحفية. -أنا كنت ساكت عليك وبقول يمكن يهدى، إنما إنت يا عز بتغلط كل غلطة عن اللي قبلها.

عقد ذراعيه مرة، ثم أشار بكفيه. -تقدر تقولي بأي حق تاخد روبي من ورانا. -مراتي يا أوس، ومش هتنازل عنها. جذبه أوس ضاغطاً على أنيابه. -قدامك نص ساعة لو مرجعتش أختي هنسى إنك ابن عمي، ومش هقولك زي جواد الألفي، كرامة ومش كرامة، لا ده أنا لما بدوس بدوس بجد. نفضه عز غاضباً وزمجر مشيراً بسبابتيه. -خوفتني يا له، وشكلك متعرفتيش، دي مراتي وأي مكان حابب أخدها فيه محدش يقدر يوقفني.

اشتعلت أعين أوس بغضب جحيمي فاقترب منه إلى أن توقف صهيب بينهما. -اهدوا انتوا الكل. ثم رفع نظره لابنه. -عز المصايب كلها فوق راسي، روح هات مراتك. ثم اتجه لأوس. -وإنت اطمن على أخوك، مش ناقص غباء من حد. مش عايز حد فيكم هنا، ياله غوروا من وشي. أشار عز بسبابتيه. -الكل لازم يعرف، مراتي مش هتنازل عنها، ومتنسوش إنها حامل. وصل جاسر يوزع نظراته بينهم. -إحنا في مستشفى يا محترم منك له، أظن إحنا متربين ما فيه الكفاية.

اتجه ببصره لأخيه. -هو أنا مقولتش امشي من هنا. ثم رفع نظره لعز. -روبي فين يا عز، على ما أظن إنك كسرتني ما فيه الكفاية، بس نسيت. وإنت بتدور على حاجة تكسرني إنك بتكسر أختي الأول. اقترب منه وغرز رماديته بعينيه. -عايز توصل لإيه، عايزني أطلق جنى. تمام يا عز هطلق أختك وانت طلق أختي وكدا اتصفينا يا ابن عمي. صدمة نزلت على الجميع بوصول، ونهى التي تساند ابنتها للخروج.

وقفت كالذي سلبت روحها، وانسابت عبراتها بصمت. تحركت بجوار والدتها ثم همست بتقطع. -عندك حق يا ابن عمي، كدا يبقى خالصين. أما عز الذي انتفض قلبه بعنف وهو يرى شحوب أخته، لقد ذبحت على يد معشوقها، كما ذبح هو معشوقته. هل هذه العدالة الإلهية؟ تحدثت بتقطع. -بابا.. عايزة أرجع بيتك بما إن حضرة الظابط وعز اتحكموا في حياتنا. قالتها واستدارت متجهة للخارج، تتحرك بندوب قلبها المتمزق. تحرك خلفها، وصل إلى نهى ثم أوقفها.

-طنط نهى لو سمحتي. أومأت مبتعدة ثم اتجهت ببصرها لصهيب. سحب كفيها وتحرك بجوارها. تحركت دون حديث، يكفي ما صار، يكفي ألمها وانشطار قلبها. وصلت إلى سيارته فهمست. -مشيت معاك عشان مولعش الدنيا زي ما أوس قال، بس لحد هنا وكفاية. ضم خصرها وهو يوزع نظراته بكل الجهات يهرب بنظراته. -جنى مفيش حاجة حصلت بيني وبين فيروز، أقسم بالله دي الحقيقة، وأنا بحلفلك عشان أكدلك كل اللي وصل إليك ماهي إلا أوهام.

-بس أنا مش مصدقاك يا جاسر، ومتنساش إنت قلت فوق إيه. ضغط على خصرها واقترب من أنفاسها. -جنجون إنتِ عارفة ومتأكدة إني قلت كدا عشان أفوق عز مش أكتر، عايز أعرفه إنه ممكن يفقد روبي بجد. تعانقت عيناها بعينيه. -وأنا يا جاسر؟ ابتسم لاحت على وجهه من همسها المميت لقلبه، رغم كلمة بسيطة باسمه الذي حاولت ألا تنطقه إلا أن قلبها خانها وهمست بها. -إنتِ روح جاسر، وحياة ربنا دي الحقيقة. لمس وجنتيها. -وحياة جنى عندي إنتِ أغلى من روحي.

اهتزت نظراتها مع رجفة قلبها، نعم تعشقه ولكن كيف تتعامل معه بعدما تسرب الشك لقلبها فتحدثت. -نفسي أصدقك يا ابن عمي. جذب كفيها وفتح باب السيارة. -هنروح فين يا ابن عمي؟ -اركبي يا جنى.. مشوار هنروحه وبعد كدا قرري اللي عايزاه. استقلت بجواره فهي بحالة لا تقوى على الجدال. تحركت السيارة إلى أن وصلت إلى المبنى الذي تقطن به فيروز. نظرت حولها بوجه شاحب وبشفتين جافتين تحدثت بنبرة متقطعة. -جايبني هنا ليه يا جاسر؟

استدار إليها وساعدها في النزول. -تعالي يا جنى، لازم تتأكدي وأبرئ نفسي وأبعد الشك. تراجعت إلى السيارة. -جاسر امشي لو سمحت مبقاش حاجة تتقال، إنت لسة من دقايق قايل كل واحد أخد حقه. احتضن وجهها يلمس وجنتيها. -إنتِ حقي ومش هتنازل عنه حتى لو غصب عنك. ضمها لأحضانه واغمض عينيه وآه حارقة خرجت من آلام قلبه. -متعمليش فيا كدا لو سمحتي، فين ثقتك فيا، جنى أنا بحبك، ومستحيل أوجع قلبك، أنا رجعتها لظروف وطلقتها.

أخرجها من أحضانه مردفاً. -وحياة ربنا دي الحقيقة، وتعالي واثبتلك ده. هزت رأسها رافضة حديثه. -بتبرر إيه يا جاسر. اقتربت منه. -بتبرر إن جوزي في حضن حبيته القديمة، بلاش أقول بتبرر لحبيبتك. اعتبرني مراتك وقولي إيه المبرر إنك تكون في أحضانها. -أحضان؟ قالها مذهولاً. -جنى القميص اندلق عليه قهوة من الخادمة وكان ليا حاجات لسة في الشقة، فهي جابتلي قميص وأنتِ جيتي وأنا بلبسه، ده كله الموضوع. دنت تنظر لمقلتيه.

-كداب يا جاسر، لأن قبلها بدقائق كانت في حضنك. أمسكت الهاتف وفتحت إليه الصور. -شوفي يا ابن عمي وقولي إيه رأيك في الصور دي. دقق النظر بالصور وهز رأسه نافياً ما يراه. -بس الصور دي قديمة يا مدام، بصي في الصور كويس، وإنتِ تعرفي الصور دي جديدة ولا قديمة. حاوط خصرها وطالعها بنظرات نارية. -طلعتيني خاين وكذاب من شوية صور، وجيتي تجري عشان تمسكيني متلبس، حاولت تموتي نفسك كافرة عشان شوية صور، فين الثقة يا مدام.

فين الحب اللي بينا اللي يخليكي تفقدِ الثقة في أقرب الناس. لكم صدره بقهر. -أثق فيك إزاي وإنت بتقولي رجعتها، دوست على كرامتي ورجعتها ليه، جاية تكلميني على الثقة بعد ما سحبتها مني يا حضرة الظابط، أنا مبقتش أثق فيك يا جاسر.. ومهما بررت اللي شوفته هنا مستحيل أسامحك. سحبها بعنف متجهاً لشقة فيروز. -مش عايزك تصدقي، بس لازم تسمعي، وتأكدي بعدها مابقاش فيه جاسر. صعد لشقتها سريعاً، وطرق الباب بصخب. فتحت فيروز تنظر إليه بذهول.

-جاسر..!! إيه اللي رجعك بدري كدا. دفعها بقوة عندما تسرب الشك لقلبه، ثم سحب جنى للداخل. طالعتهم فيروز ثم تساءلت بخبث. -مش قلت هتبات عند جنى النهاردة عشان تستعطفها يا حبيبي. ذهل من حديثها، فوصل إليها بخطوة واحدة يقبض على عنقها. -بتقولي إيه يا بت اتجننتي، استعطف مين وليه. أغمضت جنى عينيها بقهر وهي تستمع إلى صوت فيروز المتقطع. -جاسر خلاص هي عرفت كل حاجة، وكدا أحسن، وجنى مستحيل ترفض تساعدنا.

دفعها بقوة عندما صرخت به جنى تدفعه. -كفاية بقى كدب وخداع. -هوت فيروز على المقعد تسعل بشدة عندما فقدت تنفسها. لحظات ثم رفعت رأسها تنظر إلى جنى بخبث. -آسفة يا جنى. ثم اتجهت لجاسر. -معرفش بتعاقبني على إيه، إحنا كنا متفقين من الأول جوازك منها مايقعدش أكتر من شهر، دلوقتي عديت تلات شهور، تقدر تقولي هتفضل مخبيين لحد إمتى. توقفت فيروز.

-اسمعيني كويس يا جنى أنا مش هخاف على مشاعرك لأنك مش بنت عمي، بس أنا مش عايزة الولد خلاص، الولد اللي هيخلي واحدة تشاركني في جوزي مش عايزاه. صفعة قوية على وجهها. -أنا كنت مخدوع إزاي في الحقارة دي. حاولت التحرك ولكن تلاشت ساقيها وعجزت عن الحركة فهوت مرتطمة بالأرض. استدار ينظر إليها بذهول، هرول سريعاً يرفعها من فوق الأرض. -جنى..، جنى.. قالها بقلب ينتفض رعباً. رفعها على الأريكة وحاول إيقاظها. صرخ بفيروز.

-هاتي برفان أفوقها بيه، وادعي ربنا يا فيروز مايحصلهاش حاجة. تحركت كإنسان آلي وجلبت له قنينة من عطره. قربها من أنفها مع لطم وجهها بحنية. -حبيبتي، جنى. رفرفت بأهدابها عدة مرات متأوهة من رأسها. -آه.. كررتها عدة مرات. ضمها لأحضانه. يمسد على ظهرها. -جنى ليه كدا تخضوني عليكي يا جنى. كانت تراقبه بألم ينخر بجسدها على لهفته عليها، أقسمت لربها أنها لم تجعله يهنئ بحياته بعدما ألقاها بدون رحمة.

احتضن وجهها. يبحر بنظراته على وجهها. -حاسة بإيه يا روحي. أزالت كفيه بعدما لمحت فيروز تقف خلفه وتضع كفها على كتفه في حين نظراته منصبة عليها. نهض من مكانه يساند وقوفها. -أبعدته. -ممكن أكون وقعت كتير وكل مرة بستنى اللي يسندني بس دلوقتي أنا لازم أسند نفسي بعد كدا. تواصل بصري مؤلم بينها وبين فيروز، وصورهما تروادها بقوة. تحركت متجهة للباب. -مفيش داعي أنا هعرف أرجع لوحدي. اتجهت ببصرها لفيروز واكملت.

-خليك يمكن هنا تلاقي السعادة. خرجت كلماتها مطعونة لقلبه برمح مشتعل. تحرك إليها فوق غضبه منها كالذي يخطو فوق النيران لتجعل جسده كتلة متفجرة. سحبها بعنف ولكنه توقف مذهولاً من حديث فيروز. -شكراً يا جنى لأنك تفهمتي الموضوع. ثم اتجهت لجاسر وأكملت ما هشّم جسدها. -قولتلك جنى طيبة ومستحيل تقف قدام سعادتنا. تحركت تجر أذيال الخيبة والخذلان. وتفرش الأرض أمامها بدموع حسرتها والام قلبها المفتت. -أقسم بالله ما هرحمك يا فيروز.

جلست ترمقه بنظرات تهكمية. -هخسر أكتر من كدا إيه يا حبيبي. هرول خلف جنى، بعدما أردف. -بكرة هتعرفي يا فيروز. وصلت إلى الأسفل تنظر حولها بضياع تدعو الله من قلبها أن يأخذ روحها علها ترتاح من تلك الآلام التي لم تقو على تحملها. جذبها لأحضانه. -أقسم بالله كذابة يا جنى. -جاسر حبيبي ممكن تروحني، عايزة أروح وتاخدني في حضنك، ينفع، مش عايزة غير كدا. رفعت كفيها على وجنتيه.

-لو أنا حبيبتك بجد روحني بيت عمو جواد خليني أنام في حضنك هناك بس. رغم ذهوله من كلماتها إلا أنه عصرها بأحضانه. -روح حبيبك إنتِ، وعد مش هخرجك من حضني. ابتسمت متألمة، ثم همست له. -بحبك أوي يا جاسر. ضربات عنيفة كادت أن تؤدي إلى توقف قلبه من كلماتها، لا يعلم بماذا تفكر، أم أن حالتها أساءت مرة أخرى. حاوط خصرها، متجهاً إلى سيارته. قبل ساعات بالإسكندرية. ولج إلى منزله يبحث عن زوجته. -غنى، فينك يا قلبي. خرجت بيدها سفيان.

-كنا بناخد شاور يا بابي. قالتها بإبتسامة. ضمها لأحضانه. -حبيبي اجهزي هنسافر القاهرة بعد شوية، أنا حجّزت. ضيقت عيناها متسائلة. -القاهرة!! إحنا لسة جاين من يومين، بابا حصله حاجة يا بيجاد ومخبي عليا. ثم جبينها يهز رأسه بالنفي. -بابا حبيبي في السعودية، نسيتي ولا إيه. احتضن وجهها مردفاً بهدوء. -بيت جاسر ولع، لازم ننزل نطمن عليه، وكمان المجنون عز خطف روبي والدنيا والعة، وأوس طايح في الكل، لسة ياسين مكلمني. -جاسر حصله حاجة؟

حاول طمئنتها فأجابها. -لأ، يا قلبي هو كويس متخافيش، يلا اجهزي بسرعة. -لا لازم أكلم بابا، أكيد روبي دلوقتي مرعوبة من عز، وأوس مش هيسكت لما يعمل جريمة. كان مستغرقاً بالنوم فاستمع إلى رنين هاتفه. -أيوة يا غنى حبيبتي، عاملة إيه يا قلب بابا. شهقت. -بابا، اعتدل مبتعداً عن الفراش. -فيه إيه يا قلب بابا، ابنك وجوزك كويسين. -بابا بيت جاسر ولع. هزة عنيفة أصابت جسده، فتساءل بلسان ثقيل. -أخوكي حصله حاجة؟

كانت تقوم بتبديل ثياب ابنها فأجابته. -معرفش يا بابا، المهم لازم ترجع عشان عز خطف روبي وأوس مش ساكت. أطبق على جفنيه، وشعر بالدوار فتحدث. -إن شاء الله على أول طيارة حبيبتي. باليوم التالي. استمعت فيروز لباب منزلها، هرولت تبعد الخادمة ظناً أنه جاسر. ولكن جحظت عيناها عندما وجدته أمامه بنظراته الشمسية. رفع نظراته ونظر إليها بهدوء. -قولتلك بلاش نتقابل تاني بس إنتِ فكرتيني برمي كلام.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...