يشهد الله أنني صنت الود رغم نفاذ السبعين عذراً. ويشهد الله أنني بذلت حتى ذبلت. وليشهد الله أن روحاً أضاعت هدوءها لإرضائهم. فليشهد الله أني تمسكت بالصبر بكلتا يدي حتى جرح قلبي. ولِيشهد الله أننا حاولنا جهدنا حتى تعبنا. وأننا تغاضينا حتى سئمنا. وأننا تمسكنا بالحبال حتى جرحت كفينا. فليشهد الله أننا لم نؤذي أو نظلم أو نحقد ولا نكره أحد. ويشهد الله على براءة نوايانا. وليشهد الله أننا كنا أطيب من أن نؤذي أو نخيب ثقة أحد.
لكننا لم ننل شيء وكل شيء نال منا. يا سادة، الذين رحلوا فجأة نسوا مصابيح قلوبنا مضيئة. تراجعت بجسدها معتدلة على الفراش ونظراتها عليه ومازالت الابتسامة على ملامحها. "ايه الهزار اللي يوجع القلب دا يا جاسر، عايز تقهرني؟ موافقة ياسيدي اقهرني بأي حاجة بس بلاش وحياتي موضوع الخيانة دا. دا مجرد كلمة وجعت قلبي." اقتربت تزحف بركبتيها حتى وصلت إليه، رفعت ذقنه بأناملها. "سكت ليه؟ يعني يا تقول كلام يوجعني يا تسكت خالص."
أحس بصفعة قوية على وجهه حتى شعر بالدوران، جذبها لأحضانه متراجعًا على الفراش يلف ذراعيه حول جسدها الصغير، ثم وضع ذقنه فوق رأسها وبلسان ثقلت حروفه همس لها: "جنى، عايزك تتأكدي روحي فيكي. محدش يقدر يبعدك عني حتى لو بابا نفسه جه قالي طلقها. أنا بحبك بجد، من سنين وحبك بيكبر جوايا لحد ما عمل عندك حالة من التشبع، مابقتش عايز غيرك وبس، ومستحيل أتنازل عنك." كانت تستمع إليه بسعادة وكأن قلبها تحول لفراشة تدغدغ جسدها بالكامل.
فرفعت رأسها لتراه من أعلى وجهها وابتسامتها تزين ثغرها، رفعت ذراعيها الاتنين تجذب عنقه وظهرها بأحضانه قائلة: "وانت السعادة لروحي يا جاسر. شايفة الدنيا كلها بعينك انت. مفيش حد عمل فيا كدا. بحبك بجنون، مش هتكسف وأقولك أنا مجنونة بحبك، وعجبني جناني دا، ومستحيل أتنازل عنك." انحنى يلتقط ثغرها ومعالم الحزن حفرت ثقوبًا بقلبه لا يعلم كيف يداوي تلك الجروح. مسد على خصلاتها.
"روحنا احنا الاتنين متعلقة ببعض، عايزك توعديني مفيش حاجة هتفرقنا مهما يحصل." استدارت إليه بعدما انتفض قلبها ودققت النظر بملامحه. "حبيبي انت مخبي عليا حاجة كبيرة صح؟ رفعها لتصبح على ساقيها. يضع رأسه بحنايا عنقها. "اوعديني يا جنى، اوعديني إن جاسر هيفضل طول عمره حبيبك مهما يحصل." رفع رأسه وتعمق بعينيها. "حتى لو مت مش مسمحولك تتجوزي غيري." قطبت مابين جبينها متسائلة:
"أنا مش عارفة أفرح ولا أحزن. حالتك دي بتقول إن فيه حاجة.. بس قلبي بيقول إنك حبيبي ومهما يحصل هتفضل حبيبي وروحي." "وعد... " همس بها يطالعها منتظرًا اجابتها. لمست وجنتيه بتأملها. "عندك شك في جنى يا جاسر؟ تفتكر جنى بعد الحب دا كله ممكن تفكر في غيرك؟ تحجرت دموعه بجفنيه فأغمض عيناه حتى لا يضعف أمامها. اقتربت تلثم جبينه ثم احتوت وجهه. "مالك ياحبيبي؟! "حبيبك اتلعب عليه، مستكترين حبي يا جنى." هزت رأسها. "مش فاهمة يا جاسر."
أطبق على ثغرها بخاصته للحظات. ثم تراجع وعيناه تحتضن عيناها السعيدة ورغم سعادتها إلا أنها هربت خجلة من نظراته الاختراقية. حاول قدر المستطاع أن يتحدث ولكنه لم يقو. لمست ذراعه حينما وجدته ذهب بشروده. "مش هتقول لجنى اللي واجعك؟ مش انت لسة قايل إنها أهم واحدة في حياتك؟ احتوت كفيه تضعها على وجنتيها وسبحت برماديته. "أنا أهم واحدة في حياتك صح؟ مستحيل تبعد عني، ولا تطلقني، ولا توجع قلبي وتتجوز زي ما بتهددني."
صمتت تبحر بنظراتها فوق وجهه تتلمسه بأناملها. "ساكت ليه؟ متخوفنيش بسكوتك. أنا مستعدة أتنازل عن كل حاجة إلا عنك يا جاسر. بعدت ومعرفتش." رفعت كفيه تضعها على وجنتيها. "معرفش ليه انت بالذات اللي عمل فيا كدا، مع إني مكنتش شيفاك غير أخ وبس." هزت رأسها ثم وضعت رأسها بحنايا عنقه تهمس له. "لا مكنتش أخ، كنت روحي الساكنة جوايا وأنا معرفش. عارفة انا السبب في ابتعادنا عن بعض."
"وعد من جنى الجاسر لجاسرها مستحيل ابعد عنه ولا افكر في حد غيره، ووعد قلبي يفضل ينبض باسمك لحد ما اموت." طبعت قبلة على يديه قائلة: "ربنا يخليك ليا وميفرقناش عن بعض ابدا." أحس بتلك اللحظة برجفة تعتري فؤاده، وبرودة اجتاحت أوصاله فارتجف وكأن ثلج الشتا يحاوطه. صمت هادئ بنظراتها العاشقة ونظراته المترجية. "جنى اسمعيني للأخر، ومش عايزك تقاطعيني. وخليكي متأكدة أنا مستحيل أعمل كدا لو كنت في وعي."
رفع عيناه التي اختلطت بدموع الحزن، واحتضن وجهها. "جنى... خرج اسمها من بين شفتيه محترقة بلهيب العشق. لا تعلم لماذا ارتفعت دقاتها وانسابت دموعها رغمًا، فهزت رأسها منتظرة حديثه وكأن قلبها يرفض ماسيقوله بسبب دقاته العنيفة. ابتلع غصته واحتضن كفيها متراجعًا يستند على الفراش قائلاً: "اسمعيني كويس ومتقطعيش كلامي لو سمحتي." سحب نفسًا محملاً بأنين الوجع فتحدث:
"عايزك تثقي في حبي والله العظيم عمر قلبي مادق لغيرك. منكرش انجذبت لفيروز، أو ممكن أقنعت نفسي بكدا علشان أقدر أعيش معاها وأنسى. كان صعب عليا أوي أفضل جنب البنت اللي بحبها وهي محرمة عليا، فكان لازم أقنع نفسي بكدا، لكن والله ما قدرت أتعايش مع الألم دا. عايزك تتأكدي إن مفيش قبلك ولا بعدك، فيروز غلطة حياتي اللي اتحولت لكابوس أسود، بس هقول إيه غير إن دا نصيبي من الدنيا." احتوى وجهها يزيل عبراتها التي انسابت بصمت.
"عارف إني هوجعك، ومقدرش ألومك ولا أمنع وجعك. بس اللي أقدر أقوله أنك أغلى من روحي." مرر أنامله على ثغرها ودنى منه. "إنت روحي خليكي متأكدة من كدا." استدارت مبتلعة غصتها عندما أحست أن هناك ما يشق صدرها، وخرجت دموعها كالشلال تهز رأسها تنهض من مكانه. ولكنها حاوطها بذراعيه وعصرها بقبضته الفولاذية ثم همس بتقطع: "جنى." رفعت عيناها الباكية، هزت رأسها منتظرة حديثه الذي تيقنت أنه مؤلم لا محالة.
نزل ببصره للأسفل يهرب من عيناها الباكية قائلاً: "امبارح كنت في عشا عند عمو باسم زي ما انتي عارفة، وبعد ما خرجت ماحسيتش بحاجة غير لما صحيت ولقيت نفسي بسرير فيروز. معرفش ايه اللي حصل وازاي رحت هناك، كل اللي افتكرته خروجي من بيت عمو باسم بالعربية وهي وقفت قدام العربية، نزلت علشان أبعدها وبعدها مفتكرتش حاجة." هنا شعرت بجدران الغرفة تنطبق على صدرها، وأحست بتوقف قلبها على النبض.
فأطبقت على جفنيها وارتجاف بكامل جسدها حتى شعرت ببرودة تجتاح جسدها. رفع عيناه الحزينة إليها وابتلع ريقه بصعوبة محاولا اخراج صوته. "جنى... طالعته بعيناها التي انطفأت لمعة سعادتها بها. للحظات وهي تنظر إليه بصمت، هل حقا طعنها بخنجر بارد ليشق ضلعها شق لتشعر بكم هذه الأهات. ارتجفت شفتيها متسائلة: "يعني إيه؟! .. تقصد إيه بكلامك دا؟! قصدك انك خونتي!! ولا تقصد انك رجعت فيروز زي ماكنت عايز تعملها." مسحت دموعها.
"ليه المقدمات دي بس ياحبيبي." ابتلعت ريقها بصعوبة. "أكيد بتحبني يا جسورة، أيوة بتحبني مستحيل توجعني." ضغط على وجنتيها الذي يحاصرها يهزها. "جنى افهمي كلامي." رفعت نظرها إليه. "افهم!! .. ابتسامة مؤلمة من نياط قلبها. افهم إيه ياحبيبي.. أنا مش فاهمة غير إني بحبك وبس، انت اللي فهمني. عايز ترجعها يعني ولا إيه؟ فهمني أصلي مش مستوعبة كلامك." دنى يحتوي وجهها ويقربها إليه يرفع رأسها ويغرز عيناه بعيناها.
"ايه اللي بتقوليه دا.. أنا كنت بهددك بس، عمري ما فكرت في فيروز، أنا بعشقك انتي، ودلوقتي أنتِ مراتي." "بقولك معرفش ايه اللي حصل، قمت من النوم لقيت نفسي... صمت لبعض اللحظات. فانهارت باكية حتى ارتجف جسدها. "اسكت ماتتكلمش، مش عايزة أسمع حاجة. انت لعنة عليا يا جاسر، لعنة بتأذي روحي.. ياريت أكرهك بس مش عارفة." ناظرته. "قولي أكرهك إزاي علشان قلبي يبطل يوجعني." أمسكت كفيه تضعها على صدرها محل قلبها.
"قلبي بيوجعني أوي يا جاسر، بيوجعني أوي." شعر بألم العالم يتجمع بصدره. اقترب يضمها لصدره يمسد على خصلاتها. "جنى بطلي بُكى، سلامة قلبك يا روح جاسر، قلبي مش متحمل." شهقة بهزة بجسدها قائلة: "دبحتني يا جاسر، موت روحي، دوست على قلبي." طالعته ببكاءها وقلبًا مفطور بالثقوب. حركت أناملها على وجهه ومازالت عبراتها تحرق وجنتيها. "هونت عليك.. حبيبتك هانت عليك."
"طيب اديني عقل أتحمل دا، مش هقولك اديني قلب، عايزة عقل يتحمل إن جوزي وروحي وحياتي وكل ما أملك جاي يقولي أنا خنتك وسامحيني." مع كل كلمة تفوهت بها وكل دمعة انحدرت من مقلتيها كان قلبه يعتصر ويحترق بآلامها. تمنى لو ينزع كل ما يؤلم روحها، تمنى لو يخفيها عن العالم أكمله. أخرجها من أحضانه يحتوي وجنتيها. "وحياة ربنا ما حسيت بحاجة، حطولي حاجة في الأكل أو الشرب معرفش، لو مش مصدقاني اتصلي ببابا هيأكدلك كلامي."
هزت رأسها رافضة حديثه. اتجهت ببصرها لجسده وعقلها وقلبها يصور لها أشياء. أغمضت عيناها بألم يجرح كل خلاياها. حبيبها، عشقها نبض قلبها، هل طُعنت بالفعل أم هناك ما يخفيه القدر. كان يراقب انفعالاتها بألمًا. هناك آلامًا لا يمكن وصفها باللغة، وهناك أيضا ما يسمى جنون العشق. فهمس: "جنى." رفعت نظرها إليه بقلبها النازف اثر طعنته لقلبها الحزين ولأنوثتها. الصفحة التالية الفصل الرابع والعشرون "عايز مني إيه يا جاسر؟
مستني مني إيه.. أعمل إيه، أصرخ وأقولك طلقني.. وترجع تقولي على جثتي." حاولت أن تنهض وكأن جسدها خانها ولم تقو على النهوض، فترنحت وسقطت فوقه، تلاقت بين ذراعه، تلاقت النظرات بينهما هناك نظرات تقتل أكثر من الحديث. همست له: "عايزة أروح أوضتي ومش قادرة، ممكن توصلني."
أحس بقبضة تعتصر قلبه، فلم يجد سوى تقبيلها لتستكين روحه المبعثرة، بجوار روحها الحزينة. لحظات من السكون بل دقائق ولم يريد افتراق شفتاه عنها، حاولت التملص ولكن قوتها تلاشت ولم يعد لديها قدرة للمجابهة. تركت ساحة معركة العشق الموجعة له. دقائق يستحوز على رحيق عشقها حتى ذهبت الأنفاس. وضعها على الفراش يضمها لروحه قبل أحضانه وقبلة عميقة تزين جبينها. همست مابين النوم واليقظة كأنها ستذهب لعالم الأموات. "ياريتني ما حبيتك."
قالتها وذهبت بسبات عميق. عصرها بأحضانه يهمس لها. "آسف يا جنى.. عارف إنك اتوجعتي مني ومبقاش ليا رصيد عندك، بس وحياة دموعك لأقهر أي حد يقرب منك يا روحي." استمع لرنين هاتفه. "أيوة ياعمو." "مستنيك في المكتب." قالها باسم. سحب نفسًا وزفره قائلاً: "مراتي تعبانة مش هقدر أسبها، شوف هشام عندك للقضية." قالها وأغلق هاتفه، ثم ألقاه يتمدد بجوارها، يضع رأسها بصدره وأنامله تعبث بخصلاتها. بحي الألفي.
انتهت غزل من تجهيزها، ثم نادت على الخادمة. "نزلي الشنطة في العربية." أومأت الخادمة برأسها. تحركت متجهة لغرفة ربى. وجدت غافية محتضنة نفسها كالجنين. دنت منها بخطوات متمهلة، ثم زفرت بحزن. جلست بجوارها على الفراش. "وبعدين هتفضلي قافلة على نفسك كدا، لازم تفوقي لجامعتك، مينفعش تأجلي علشان تخلصي من الكلية." مسحت على خصلاتها. "حبيبتي أنتِ عايزة ايه بالظبط وأنا اعملهولك." أغمضت عيناها وانسابت دموعها قائلة:
"ماما أنا تعبانة اوي، محدش حاسس بالنار اللي جوايا." رفعت نظرها بعيناها الباكية واردفت من بين بكائها. "قلبي وجعني مفيش دوا له ياماما.. لا قادرة أقرب ولا قادرة ابعد، قوليلي أعمل ايه، النهاردة بابا شاف بنته في وضع مخل مع طليقه، تخيلي أخلاقي بقت منحطة لدرجة وصلت لأكون في حضن طليقي ياماما، شوفتي ضعف بنتك وصلها لأيه، لولا دخول بابا مكنتش عارفة ضعفي دا ممكن يعمل ايه."
رغم تعاظم الغضب بداخل صدرها إلا أنها انحنت تطبع قبلة على وجنتيها. "حبيبة مامي اللي ندمانة، مين فين مابيغلطش ياقلبي، كلنا بنغلط بس بعد كدا بناخد غلطنا عبرة لينا علشان نتعظ منه." مسحت على وجنتيها تزيل عبراتها قائلة: "اكتر حاجة بتضعفنا القلب. أكبر داء يصيبنا فيه اللي بيعرف علاجه وبيداويه وفيه اللي بيقعد يدور على العلاج زي السراب. انت مجروحة من عز حقك انا مش هلومك، بس برضو مش من حقك توجعي قلبك وتحرمي ابنك يعيش مع أبوه."
فتحت فمها للحديث ولكن أشارت لها غزل. "خليني أكمل كلامي الأول." "زعلانة من عز، تمام، ما انتِ ثورتي لكرامتك ودوستي على رجولته، ورغم كدا يتمنى يرجعلك، ليه ماسوتيش دي بدي؟ ليه هو أتنازل وحس بندمه وراجع يمد ايده، ليه أنتِ كمان ماتحسيش بالندم دا وتبدأي صفحة جديدة مع حبيبك وتربي ابنك وتكون أسرة حلوة، ليه يابنتي مصرة توجعي قلبك وقلبنا معاك." رفعت ذقنها بأناملها وتحدثت.
"روبي خايفة عليكي حبيبتى يجي عليكي الوقت تندمي على حبيبك، متفكريش عز هيبكي عليكي كتير، هو مجروح منك اوي، عارفة أنه بيحاول يرجعك بس جواه مجروح زي ما انتي مجروحة الفرق بينكم أنه ندمان ومادد أيده ومش مبين وجعه وغضبه منك، إنما انتي عنيدة وبكرة تندمي." نهضت غزل بعدما طبعت قبلة على جبينها. "قومي صلي ركعتين لله وألجأيله عمرك ماتخسري يابنتي، وقت ماتحسي بالضعف ألجي لربك هو رحيم بعبده، وقتها هتعرفي إنتِ عايزة ايه."
اعتدلت بجلوسها متسائلة: "هتتأخروا يامامي." تجلى الحزن بملامحها فهتفت. "عمك تعبان اوي ربنا يستر، المشكلة مفيش على لسانه غير جنى، وطبعا جنى متعرفش حاجة وباباكي مش عايز يقولها وأنا خايفة." نهضت ربى من مكانها. "عمو صهيب تعبان، يعني انتوا مش رايحين سياحة له." وضعت غزل كفيها على فمها. "اسكتي مش عايزة حد يسمع، عز مايعرفش كمان، ولا حتى ابوكي كان يعرف، لولا نهى قالتلي." ربتت على كتفها قائلة:
"المهم قومي صلي وشوفي هتعملي ايه امتحانتك قربت وكمان حملك على وشك، ممكن تولدي في أي وقت." جذبت اسدالها تنظر لوالدتها مرة وللأرض مرة فهتفت: "هنزل أشوف عز قبل مايسافر." رفعت غزل حاجبها ساخرة. "يامحنو ياختي يامحنو، طب ماكان من الأول، ليه عاملة فيها الكونتسة عزيزة." الصفحة التالية الفصل الرابع والعشرون "خرجت غزل متجهة لغرفة ياسمينا. طرقت على بابها ودلفت للداخل. "حبيب نانا عاملة ايه وحشتي نانا ياقردة."
هرولت الطفلة التي تبلغ من العمر سنة بخطواتها الطفولية، حتى كادت أن تسقط. رفعت بصرها لياسمينا. "حمدالله على السلامة حبيبتي.. نورتي بيتك." ابتسمت ياسمينا. "بنورك يا طنط. طبعت قبلة على جبين طفلتها. "مسك عاملة ايه وأخبار تيتا ايه." أجابتها ياسمينا. "كويسة بتسلم على حضرتك، وان شاء الله ينزلوا مصر قريبا." اقتربت منها واحتوت كفيها.
"أوس هيوصل على بالليل إن شاء الله، عايزة منك طلب، يبقى خديه هو ورُبي وزوروا جاسر وجنى، بلاش تحسسوهم أنهم منبوذين من العيلة، أنا زرتها كام مرة بعد ما سقطت." أومأت ياسمينا بحزن قائلة: "زعلت اوي على اللي حصل لجنى، إن شاء الله ربنا يعوضها، أنا كنت هروحلها والله بس قولت لما يجي أوس، لكن محرجة برضو هي بقالها فترة." ربت غزل على كتفها. "لا متأخرتيش ولا حاجة، كل الحكاية شهر مش كتير يعني، ربنا يهديلهم الحال."
استدارت وهي تبتسم لحفيدتها ثم توقفت لدى الباب. "ياسمينا.. رُبي أمانتك لحد ما أرجع، أنا عارفة إنك أد المسؤلية بس خلي بالك أكتر علشان نفسيتها مش حلوة، وياريت تقنعيها تروح تقعد فترة مع أخوها، على الأقل تخرج من حالتها دي." اقتربت منها ابتسامتها قائلة: "حاضر هقنعها متقلقيش." "تسلميلي يابنتي." قالتها واستدارت للأسفل متجهة لمكتب جواد الذي يتحدث بهاتفه.
"ممنوع تخرج من البيت هحاسبك أنا، شوف حد قدام بيت جاسر من بعيد مش عايزة يشك." "حاضر يافندم." نهض من مكانه بعدما توقفت على باب الغرفة. "متاكدة إنك مخبي عليا حاجة يا جواد بخصوص جاسر، بس هسيبك ومش هسألك تاني لما أشوف آخرتها معاك إيه." قهقه عليها يضمها من أكتافها. "زوزو الشقية بقيتي جدة ياروحي خفي عليا شوية، مبقتش حمل شقاوتك." اعتدلت تقف أمامه تمسك ياقة جاكتيه.
"هتفضل طول عمرك في نظري أجمل راجل وشاب في الدنيا، وفشر اللي يقولك عجزت يا أبو جاسر، مين دا اللي عجز." حك ذقنه ينظر بساعة يديه ثم غمز لها. "لسة ساعة إلا ربع على الطيارة، وأنا نفسي أعرف موضوع الشباب دا لسة شغال ولا لأ. ماتيجي نتأكد." قهقهت بصوت مرتفع تلكمه بصدره. "هتفضل أجمل راجل في حياتي يا جواد." حاوطها بأحضانه. "فاهمك يا غزل. بتعملي كدا علشان شيفاني مضايق، صح ياروحي." خرجت من أحضانه تعانقه برماديته.
"جواد مخبي عليا إيه، ليه بتحاول تفهمني إنك كويس، جواد ضغطك النهاردة وصل 180 انت فاهم دا معناه إيه." احتضن رأسها يلثم جبينها. "مفيش حاجة يا ست البنات، هنتأخر على الطيارة غير أننا متأخرين اصلا، كنت عايز أوصل قبل ميعاد الطيارة."
"أيوة دا اللي هيجنني، معقول تسيب صهيب يدخل عمليات من غير ماتقابله، إلا إذا كان هنا موضوع كبير ويخص جاسر، صح يا جواد، جاسر عمل حاجة كبيرة في جنى علشان كدا كان منهار وانت أخدته ورحت تقنعها. عملت إيه جنى في جاسر يا جواد، ولا هو اللي عمل إيه." سحب كفيها وتحرك للخارج قائلاً. "زوزو حبيبي هنتأخر، ياله ياقلبي ولما نرجع نتكلم أكيد." توقفت تطالعه بذهول. "يعني إنت مخبي عليا حاجة." اتجه ببصره لربى وعز قائلاً.
"أنا قولتلك لما نرجع، تعالي نشوف عز بيدي إيه لرُبي مخليها واقفة بالطريقة دي." عند عز ورُبي. قبل قليل. وصلت إليه وجدته يخرج من منزله متجها إلى سيارته. "عز." توقف مستديرًا إليها، خطت بضعف حتى وصلت أمامه. "هتمشي من غير ماتودعني." هناك حرب ضارية بين العشق والكبرياء. ولكن في باب القلب ينتصر العشق بلا هوان أو افتراء. رغم ماشعر به إلا أن تجلت ابتسامة جميلة على محياه. "عايزة الصراحة."
تعلقت عيناها بعيناه منتظرة حديثه. فاقترب يحتوي كفيها ثم رفعهما يلثم كل واحد على حدة. "كنت ناوي أجي أودعك، بس خفت أضعف قدامك وترجعي تهيني يارُبي، قولت أسبك براحتك، مش هضغط عليكي تاني، وزي ما قولتي اللي يبيع مرة يبيع ألف مرة، وأنا بقولك يابنت عمي اللي يعشق ما يعرفش يبيع. اللي يعشق يموت علشان معشوقه، وأنا عاشقك يابنت عمي، ولو كنت عملت حاجة آذتك فتأكدي كنت بتوجع آلاف المرات عنك." أخرج مفتاح منزله ثم فتح كفيها.
"لو وحشتك يبقى روحي بيتنا وأدخلي أوضتنا وقتها هتحسي إني معاكي، دا لو وحشتك فعلا. أما لو مفرقش معاكي، المفتاح دا تديه لجنى ممكن تحب تيجي هنا واحنا مش موجودين وترجع ذكريتنا حتى لو بنظرة." وصل جواد إليهما يوزع نظراته بينهما ثم هتف. "خلاص نتحرك ولا لسة فيه كلام هتقولوه." فتح عز باب السيارة واستقلها ناظرًا لرُبى. "لا ياعمو أنا قولت كل حاجة." تحركت مغادرة ودموعها تفرش طريقها حتى أصدرت شهقة مرتفعة تهرول للداخل.
رمقه جواد بنظرة مشمئزة. "عملت إيه يازفت الطين انت مش الصبح كنت عامل عنترة بن شداد.. ليه دلوقتي عامللي سبع البرمبة." لكزته غزل بعدما لمحت الحزن على وجهه فرسمت ابتسامة. "هترجع انت وعز لنقاركم والطيارة تفوتنا." استدار جواد يطالعها برفعة حاجب. "شوف إزاي وأنا الوحش اللي كنت ناسي." انحنى يهمس لها.
"تخليه يرجع البت من ورايا يازوزو، عاملة مصلحة اجتماعية وبتقربي كل سعيد بسعيدة، طيب فكري في المعدل ابنك اللي فرحان بعضلاته وعامل الحج متولي وبكرة يعمل جدول لمعجبينه." همس لنفسه. "اصبر لما أرجعلك بس يا جاسر، وحياة أمك ما أنا عاتقك." دفعته لداخل السيارة. "بتكلم نفسك.. اتجننت؟ دنى متهامسًا. "لا وحياتك بفكر إزاي مراتي خططت ونفذت من غير ماترجعيلي." "هو انت محدش يعرف يخبي عليك حاجة." توقف حازم أمامه.
"إحنا وراك يا جواد. مليكة برضو هتيجي معايا، جواد وتقى هيفضلوا هنا." أومأ جواد ثم أشار لعز. "سوق يابني." استدار عز يتعمق النظر بعينيه. "عمو حضرتك مخبي عليا حاجة، مش غريبة تبقى عايز تعمل جولة مع بابا وتاخدوني معاكم، ودلوقتي عمو حازم." صمت لبرهة يراجع الأحداث ثم رفع نظره متسائلاً. "بابا تعبان صح." هز رأسه. "كدا فهمت ليه الدنيا دي كلها." قالها وحرك المقود يهمس لنفسه.
"إزاي ماما تخبي عليا حاجة زي كدا، إزاي ياماما تقدري تخبي على ابنك." ربتت غزل على كتفه. "باباك كويس ياحبيبي متخفش هو هيعمل عملية بس." كان ينظر للأمام بشرود ثم رفع هاتفه. "لازم جنى تعرف، مينفعش ما أقولهاش." جذب جواد الهاتف من يديه وزمجر به غاضباً. "متبقاش مجنون، وسوق بدل ما أنزلك." بمنزل حازم. كان يقوم بعمل تمارين شاقة، استمع لهاتفه. رفعه مجيبًا. "أيوة يافندم. على الجانب الآخر.
"فيه مهمة ياحضرة الظابط، اتصل بابن خالك وأنا مستنيكم بمكتبي." أومأ برأسه قائلاً. "حاضر يافندم." قام بمهاتفة جاسر لعدة مرات ولكنه لم يجيب. اتجه لمرحاضه وانعم نفسه بحمام دافئ، ثم تحرك متجها إلى منزل جاسر. بمنزل جاسر. فتحت عيناها بإرهاق، وجدت نفسها مكبلة بجسديه. ظلت تطالعه لبعض الوقت. أخذت أناملها ترسم بحنو ملامح وجهه التي تعشقها. أغمضت عيناها مقتربة منه تسحب عطر أنفاسه الذي يختلط برائحة تبغه.
رفرفت بأهدابها تبتسم وتذكرت ما صار بينهما منذ فترة متناسية ماحكاه. لقد نفر عقلها بل قلبها حديثه. حبيبها لم يطعنها بتلك الطريقة، يعشقها وتعشقه. هذا ما أقنعها به قلبها. انتهت بشغفها الممتع للنظر إليه بملامحه الرجولية. لم يكن هناك من سلب عقلها وقلبها سواه وحده. ملهما ومهلكها.
دنت تضع كرزيتها لخاصته مغمضة العينين ولكن هنا ما أفزعها عندما تخيلت ما فعله مع غيرها. ابتعدت متنافرة من نفسها. حرب ضارية بقلب أصابه خذلان العشق حتى خرجت من أحضانه تلملم مشاعرها التي دعست بكل جبروت. هرولت للخارج متجهة لمرحاضها لتسكب فوقها مياه تزيل عنها آثار عشقه تبكي بمرار العلقم الذي ملأ جوفها. تضرب على صدرها لنبضها الخائن له. كيف تعشق من يعذبها؟ كيف تعشق من يستباح نبض قلبها؟
هوت تحت المياه فاقدة الحركة والاحساس. تمنت لو يذهب كل ما صار. خرجت ترتدي مأزر الحمام ووجدته بالغرفة. اقترب منها يحاوط أكتافها. "قومتي من حضني ليه." رفعت عيناها المتورمة من البكاء وهدرت. "حضنك!! جايلي من حضن واحدة تحضني، ياترى ريحة مين فينا معلقة معاك." هنا فاق الألم احتماله وهي تتخيله يفعل مع غيرها مثل ما فعله معه. نيران متأججة بطعم الغيرة تحرقها بالكامل. مما جعلها تصرخ به كالمجنونة.
"جايلي ليه إيه.. عايز مني إيه، مش كفاية وجع فيا، كفااااااااااية.. أنا تعبت منك ومن الحب اللي بيخنقني كل لحظة، باقي إيه معملتوش معايا، خسرت كل حاجة.. أنا بقيت مسخ، مبقاش فيا حيل. روحالها وعيش معاها وسبني كفاية بقى." كان يطالعها بجمود يعلم أنه أخطأ كثيرا بحقها، ولكن قسراً وليس بيديها. اشتعلت حدقتيه كجمرات ملتهبة وهي تقوم بتحطيم كل ما يقابلها. "خاين كداب.. أنا ليه بحبك، ليه، ملعون أبو الحب اللي بالشكل دا."
وضعت كفيها على أذنها وأطبقت على جفنيها وتخيالاتها بحالتهما تصفع قلبها بقوة وتشعل نيران صدرها. صرخت قائلة: "مش عايزة أسمع حاجة ولا عايزة أشوفك." اقترب منها وحاول جذبها إلا أنها صرخت به. "ابعد عني متلمسنيش، أنا خلاص مبقتش عايزة الحب دا.. ما أخدتش منه غير الوجع، مش عايزاه.. هكرهك يا جاسر، هكرهك وهنساك كمان.. مبقتش عايزالك، حتى لو مش هتطلقني مبقاش يلزمني حبك.. اطلع برة."
تراجع متحركا للخارج يصفع الباب خلفه. اتجه إلى مرحاضه متوقفا أمام المرآة ينظر لنفسه للحظات، ولم يشعر بنفسه وهو يقوم بتحطيم كل شيئا حتى فقد قدرته فهوى على الأرضية. جلست لبعض الوقت ثم استمعت لطرقات على باب غرفتها. "جنى." أجابتها ورسمت ابتسامة على وجهها. اقتربت عاليا قائلة: "صاحية ولا نايمة." ابتلعت آلامها ورفعت كتفها تنظر لملابسها. "لا صاحية هغير هدومي وانزل." ذهب بصر عاليا لعنقها فابتعدت خجلة تردف:
"آسفة لو كنت جيت في وقت مش مناسب معرفش انك يعني." لم تعلم لماذا أردفت بتلك الكلمات ورغم ذلك سحبت كفيها. "حبيبتي تيجي وقت ماتحبي دي أوضتي وجاس." بترت كلمتها ثم نهضت متجهة للداخل. "هلبس وأجيلك." تحركت عاليا للخارج. "هستناكي تحت."
أبدلت ملابسها بفستان رقيق من اللون الأخضر وحجاب وضعته تلفه على عنقها، هنا رأت آثاره بعنقها، اعتصر قلبها بأنين الألم وهي تتلمسه، لا تعلم تبكي أم تسعد. كتمت صرخة مصعوقة جلست بصدرها وارتدت وشاحها ثم اتجهت للخارج. خرجت عاليا من الطبخ وبيدها ثلاث أكواب من النسكافيه. نظرت جنى للذي تحمله. "عاملة نسكافيه ليا وليكي ولحضرتك الظابط، أكيد هينزل." ابتعدت بنظرها عن عاليا قائلة. "جاسر مبيشربش نسكافيه."
استمعت لدلوف سيارة بالخارج. أعدلت من وضعية حجابها وخرجت. ترجل جواد من السيارة ثم قام بالتصفير. "اوووه جميلة عيلة الألفي بتستقبلني بنفسها." رسمت ابتسامة واقتربت منه. "عامل إيه يا جواد، وعمتو وتقى وعمو حازم." تحرك معها للداخل ثم أومأ برأسه لعاليا. "ازيك أستاذة عاليا." "أهلا." قالتها وهي تنظر لجنى متسائلة. أشارت جنى عليه. "دا جواد اللي كلمتك عنه امبارح." هزت رأسها. "جواد ابن عمتك." ابتسم قائلاً.
"لا أنا اسمي بيجي بين ستات العيلة ليه، يارب يكون بالخير." "أكيد طبعًا بالخير يا جواد." قالها جاسر وهو متجه إليهم يرمق جنى بنظرات نارية. قهقه جواد يرفع كتفه بكبرياء. "أنا كدا أشعر بالغرور، هحتاج إيه تاني وجنى جايبة سيرتي لمرات ياسين يعني." حمحمت جنى. "اصل عاليا كانت بتسأل عن شجرة العيلة من اللوحة بتاعتي فقولتلها مش أكتر." أشار لجواد بالدخول متسائلاً. "ايه اللي فكرك بينا ياترى." رفع نظره لجنى وتحدث.
"والله يابن خالي اتصلت بيك كتير وحضرتك ماردتش، فكان لازم آجي، وكمان بالمرة أطمئن على جنجون وأبلغها سلام روبي." "جنى اعملي قهوة وتجبها على المكتب." أمسك جواد كفيه. "اقعد بس مكتب إيه، هنشرب القهوة وأطمن على جنى ونمشي عندنا شغل." سحب نفسًا طويلا لعله يعبأ صدره الذي يشتعل بنيران الغيرة ثم زفره قائلاً. "جنى اعمليلي قهوة." لكزه جواد. "ماتسكت يابني انت مش قولت لمنيرة خليها تقعد معايا شوية."
اتجهت للمقعد بجوار جاسر، استأذنت عاليا. "طيب بعد إذنكم هطلع أوضتي." أومأت جنى إليها فتحركت. غرز جواد نظراته بجنى متسائلاً. "عاملة إيه دلوقتي." بسط جواد كفيه إليها. "تعالي حبيبي جنبي هنا." وزعت نظرها بينه وبين جواد، فنهضت تجلس بجواره دون حديث. رفع ذراعه على أكتافها يضمها لأحضانه. "جنى.. جواد بيسأل عاملة إيه مش عايزة تردي على جواد." فركت كفيها تحاول السيطرة على ارتعاشة جسدها تحت يديه. "أنا كويسة يا جواد."
ثم رفعت عيناها وتلاقت بعيناه الحزينة وتحدثت. "هعوز أكتر من كدا إيه." نهض جواد من مكانه قائلاً. "فرحتوني إنكم اتصالحتم." جذب جاسر كفيها يخلل أنامله بأناملها ومازالت نظراته عليها. "منقدرش نزعل من بعض كتير يا جواد." ابتسم جواد ساخرًا. "اللي يسمعك الليلة إياها يقول هتقتلها وقتها." لا تعلم لماذا وضعت رأسها على كتفه. "غلطان يابن عمتي مفيش حبيب بيقتل حبيبه."
أغمض عيناه وهنا تمنى لو يختفي العالم من حوله ويحملها بين ذراعيه لتسكين روحه بروحه. أمال برأسه وطبع قبلة على وجنتيها هامسًا. "بحبك." نهضت فزعة تنظر لجواد بخجل. "هروح أشوف عاليا." قالتها وتحركت سريعا. ابتسم على فعلتها ورغم ذلك حزن داخله فاستدار لجواد. "لو خلصت قهوتك نمشي." أومأ وتحركوا للخارج. بإحدى الأماكن الراقية.
كان يقف أمام المرآة يمشط خصلاته وينهي طلته المنمقة، نظر بساعته ثم حمل أشياءه وهبط للأسفل يشير للسائق يشير إليه بالتحرك. "هيا انطلق للمشفى." تحرك السائق متجها للوجهته. وصل بعد قليل، فترجل يعقوب من سيارته متجها للداخل حيث مكتبها، توقف يتحدث مع الممرضة. "أريد مقابلة دكتورة كارمن الألفي." طالعته بإنبهار للحظات، ونظرات الإعجاب تشمله. فتحدثت. "معاها كشف هتخلص وادخل حضرتك، بس حضرتك مريض ولا إيه."
لم يجيبها واتجه للمقعد يجلس عليه بغروره يضع ساقًا فوق الأخرة، حتى انتهى الكشف بعد دقائق، نهض يغلق حلته الكلاسيكية وتحرك متجها إليها. توقفت الممرضة أمامه. "استني حضرتك هقولها." ابتعدت. "أنا سأتولى الأمر بنفسي." حاولت توقفه ولكنه دلف ملقيا السلام. "Good evening كوكي." رفعت رأسها من فوق دفترها وهمست. "يعقوب." ابتسم متحركًا حتى توصل إليها. "كيف حالك عزيزتي كوكي." نهضت مبتعدة عنه بعدما وجدت قربه المهلك لروحها.
"الحمد لله." جذب المقعد وجلس بهيبته الخاطفة للقلوب قبل الأنظار وأشار لتبغه. "تسمحي لي جميلتي." نهضت بسرعة من مكانها بعدما وجدته يقوم بإشعالها، وآمالت تجذبها يديه تلقيها وتلقيها. جذبها بساعديه حتى أصبحت فوق ساقيه، رفع خصلاتها يدنو من أذنها. "اشتقت لكِ يا جميلتي." حاولت دفعه. "يعقوب إيه اللي بتعمله دا.. وسع كدا." انحنى يضع رأسه بعنقها. "استعدي زوجتي الجميلة." نهضت من فوق ساقيه. "زوجة مين، أنا مش موافقة يايعقوب."
نظر بساعة يديه. "أمامك عشرة دقائق زوجتي لم تتخيلين ماذا سأفعل بكي إذا لم تحكمين عقلك." "هتعمل إيه يعني ياباشمهندس." توقف أمامها ومازالت ابتسامته على وجهه. "تبدين كثمرة تفاح جميلتي. سأنتظرك بالخارج. لا تتأخرين." قالها وتحرك للخارج. نظرت لخروجه بذهول. "ناوي على إيه يابن عمي." ظلت لدقائق ذهابا وإيابا حتى دلفت إليها الممرضة. "دكتورة ليه منعتي الكشوفات، وحولتيه للدكتور عمر." جزت على أسنانها تهمس اسمه. "يعقوب."
الصفحة التالية الفصل الرابع والعشرون "بالعريش وخاصة بإحدى فرق الجيش العسكرية كان يجلسون حول قائدهم يتلقون منه الأوامر العسكرية. انتهى اللقاء بعد فترة ثم تحرك الجميع للخارج. تحرك إلى أن وصل لكريم وهو على الأرضية بجواره. "بتعمل إيه يالا." تسطح بجواره قائلاً. "كنت بكلم أمي وأبويا، أمي تعبانة أوي من وقت جواز عاليا." تذكر تلك الشرسة فلاح ابتسامة ساخرة على وجهه.
"قولها متخفش عليها. المفروض تخاف عليا أنا، والله معرفش دي اختك إزاي دي جبروت." قهقه كريم عليه فرفع كفيه يربت على ظهره. "دي عاليا ملاك يابني، والله اختي طيبة بس ابن الكلب دا أكيد وراه حوار." استدار ياسين متنهداً. "بعت وراه أجيب أصل الحكاية يا كريم، لازم أعرف الواد دا إيه حكايته." جلس يستمع إليه باهتمام. تذكر ياسين شيئًا. فلاش.
خرج من مرحاضه يلف خصره بمنشفة، كانت تصعد لغرفتها بخروجه من المرحاض فتصادما حتى كادت أن تسقط لولا ذراعيه التي حاوطتها. تلاقت النظرات بحوار مكنون بالقلوب بالألم لحظات لم يعلم أي منهما لما هي الذبذبات التي تقارعت بصدروهما. اعتدلت متراجعة للخلف. "إيه تور متاخدش بالك ماشي تدوس على خلق الله." جز على أسنانه واقترب منها، يجذبها من معصمها. "انتي يابت لسانك دا إيه، نفسي تلمي نفسك وأحس إنك محترمة مرة واحدة." دفعته بيديها.
"ابعد بتتلزق فيا كدا ليه." لاحت ابتسامة على وجهه منعها من الظهور ثم دني منها ولف ذراعيه على جسدها. "آه بتلزق، ماهو لقيت حاجة رخيصة قدامي ليه ماتلزقش فيها." لكزته ببطنه. "ابعد ياحيوا." وضع كفيه على فمها هامسًا لها بفحيح. "أقسم بالله لو نطقتيها تاني لأعرفك الحيوان دا هيعمل إيه." قالها ودفعها بعيدا حتى كادت أن تسقط فأشار بسباباته. "اسمع قلة أدب منك تاني هحولك حيوان ومفترس كمان." أشار على نفسه. "تحبي تجربي."
هنا فاقت على جسده العاري فاستدارت سريعا تضع كفيها على عيونها. "قليل أدب وحيوا." صمتت عندما استمعت لخطواته خلفها، حاولت الهروب من الغرفة إلا أنه احتجزها بذراعيه يلقيها على الفراش ويحاصرها بجسده يطالعها بغضب. "آه بتلزق، ماهو لقيت حاجة رخيصة قدامي ليه ماتلزقش فيها." لكزته ببطنه. "ابعد ياحيوا." وضع كفيه على فمها هامسًا لها بفحيح. "أقسم بالله لو نطقتيها تاني لأعرفك الحيوان دا هيعمل إيه."
قالها ودفعها بعيدا حتى كادت أن تسقط فأشار بسباباته. "اسمع قلة أدب منك تاني هحولك حيوان ومفترس كمان." أشار على نفسه. "تحبي تجربي." هنا فاقت على جسده العاري فاستدارت سريعا تضع كفيها على عيونها. "قليل أدب وحيوا." صمتت عندما استمعت لخطواته خلفها، حاولت الهروب من الغرفة إلا أنه احتجزها بذراعيه يلقيها على الفراش ويحاصرها بجسده يطالعها بغضب. "شكلك عايزة تشوفي الحيوان بجد." انسابت عبراتها تهز رأسها بعنف.
"آسفة ياياسين والله ماهقولها تاني، إياك تقرب مني، ياسين لو سمحت ابعد ماينفعش إحنا ماتفقناش على كدا." كانت نظراته ترسمها. شفتيها المتحركة بانفعال وخديها الذي تورّد ونيران حارقة تخرج منهما. تاه بجمال عيناها التي تشبه لون السماء. وآه من ثغرها المعقود الذي يشبه حبة الكريز. لم يشعر بنفسه وهناك ما أثر به وانحنى لثغرها لأول مرة ولكنها صرخت تدفعه بقوة. هب فزعا متجها للداخل يصفع الباب خلفه. فاق من شروده على حديث كريم.
"تصدقني لو قولتلك أنا مش مصدق خالد وندمت إني جوزتهالك بالطريقة دي، نفسي آخدها في حضني وأطبطب عليها." ربت على كتفه وتوقف قائلاً. "اختك وراها حوار يا كريم مش داخلة موضوع ابن عمها، فيه حاجة أكبر من كدا." بتر حديثهم استدعائهم. بمنزل جاسر. "روح أشوف عاليا، سلملي على تقى." توقف متجهًا إليها وابتسامة واسعة على محياه. "هجبها وأجي في يوم كدا، ونخرج زي زمان." ابتسمت له قائلة. "أكيد طبعًا."
دنى ولم يفصل بينهما سوى خطوة وانحنى بجسده لطول جسده ونظر بداخل مقلتيها. "لو جاسر زعلك أنا زي أخوكي يا جنى وعمر بابي ما يتقفل في وشك. وآسف على الليلة إياها." طحن ضروسه ضاغطا على فكيه، ثم هب من مكانه، يسحب كفيها قائلاً. "خليك هنا ياحنين هقول لمراتي حاجة." تحرك متجها للداخل، دفعها بقوة. "ممكن أعرف إيه لزوم الضحك اللي برة دا، وازاي توقفي مع جواد." طالعته بصدمة فاقتربت منه تلكمه بصدره.
"إيه اللي بتقوله دا، انت اتجننت، ليك عين أصلا تتكلم." جذبت ياقة قميصه ورفعت نفسها تهمس له بجوار أذنه. "إحنا انتهينا ياخاين." قالتها وتحركت للخارج إلا أنه جذبها بعنف يحجزها بالجدار. "اسمعيني لأخر مرة يا جنى مش هكرر كلامي." لكزها بإصبعه برأسها. "حطي دي في ودانك.. انتي هتفضلي مراتي لأخر يوم في عمري." انحنى وطبق على ثغرها بقوة آلامتها ثم تراجع.
"متنسيش وعدك يا جنونة قلبي. من وعد أخلف دا في الدرك الأسفل ياحبيبة جاسر، يرضيكي يا جنجون أروح الجنة من غيرك وأتجوز واحدة غيرك ياروحي." طالعته بأعين زائغة تهمس له. "إنت بتقول إيه." "جاسر ابعد لو سمحت." اقترب أكثر حتى التصق بجسدها غامزًا لها. "قصدك ابعد كدا ياروحي." ابتسمت على أفعاله الصبيانية فرفعت كفيها تجذبه من ياقته. "إنت بتعمل كدا ليه ياروحي، الموضوع خلص، إحنا نشوف عمو جواد هيحكم بإيه. لما أصر إني أخلعك ياحبيبي."
شبت على أصابع قدمها قائلة. "ماهي مامتك عملتها قبل كدا ليه أنا ما أعملهاش كمان." دنت من شفتيه. "هخلعك يا جاسر، سمعتني هخلعك."
توسعت عيناه من كلماتها وكأن كلماتها نزلت فوق رأسه كمطرقة ثقيلة اخترقت عظامه. فتراجع بجسده بعيدًا عنها وبأنفاس بدأت في التسارع يوالييها ظهره. انتفض قلبها بألمًا على مظهره، ودت لو هرولت تختفي بأحضانه ولكن كيف بعدما فعل بها ما فعله. نظرت لكفيه الذي يكورهما بغضب يكاد أن يمزق أوردته. ظل دقائق يسحب أنفاسًا ويطردها بهدوء.
"طلاق مش هطلق، ولو بنت صهيب اعملي اللي قولتي عليه، واعرفي من اللحظة دي إنك كسرتي قلبي، واعمليها يابنت صهيب وشوفي هعمل فيكِ إيه."
"خروج من البيت مفيش، شغلك ممنوعة منه، وجهزي نفسك من بكرة هننقل بيت تاني، وهعرفك إزاي توقفي قدامي وتقولي هخلعك، حبيت أه، عشقتك أه، موت فيكي أه. بس عند رجولتي أدوس عليكي يابنت عمي، وأطلع قلبي من صدري وأدوس عليه، ورغم كدا برضو هتقعدي معايا حتى لو غصب عنك زي ما بتحاولي تبيني كدا. مش عايزك تختلطي بجواد. ودا أمر." قالها توجه للخارج دون أن يستدير إليها. تحركت خلفه ولكن توقفت متراجعة وعقلها يصفعها بقوة على ما قاله لها.
بعد قليل وصل إلى مكان يتجمع به الخارجون عن القانون. انتشر بقواته حتى حاصرهم من جهة وجواد من جهة أخرى حتى تم الإمساك بالجميع. وصل لمركز الشرطة وولج لمكتب باسم بناءً على طلبه. "حضرتك طلبتني يافندم." توقف باسم متجها إليه. "حمدالله على السلامة، ومبروك ياحبيبي." أومأ له قائلاً. "شكرا لحضرتك يافندم." آلامه قلبه من حديثه فاقترب يحتضنه من أكتافه. "بقيت حضرتك يا جاسر." استدار متحركًا لمكتبه وجلس عليه يسحب نفسًا ثم تحدث.
"باباك جالي وقالي على اللي حصل." رفع نظره لباسم. "الكلام مابقاش له أهمية، لو تسمحلي تعبان ولازم أروح لو مفيش أوامر تانية." أشار له بيديه للخروج بعدما علم أن الحديث حاليا لا يجدي أهمية. الصفحة التالية الفصل الرابع والعشرون استقل سيارته متجها للمشفى. ولج للداخل بعدما أذن له يونس. توقف يونس يستقبله. "مصدقتش لما قالت إنك برة." ابتسم له يحيه. "عامل إيه يادكتور." جلس يونس وأجابه.
"الحمد لله. أخبار مدام جنى إيه دلوقتي، بقالها شهر مش كدا." أومأ برأسه ثم استند على مكتبه قائلاً. "يونس." أومأ منتظر حديثها. "ايه رأيك في التحاليل والأشاعات اللي بعتها." تراجع يونس قائلاً. "مش هخبي عليك يا جاسر، لازم مرحلة علاج علشان الموضوع مايتكررش، بس دا مش معناه إنه مرض. إن شاء الله هكتبلها على علاج فترة وكله هيكون تمام." نقر جاسر على المكتب فتسائل. "هو فيه دوا يوقف حمل بعد علاقة حصلت." ضيق يونس عيناه متسائلاً.
"تقصد إيه؟! حمحم جاسر قائلاً. "عايز دوا يايونس يمنع حمل، يعني مثلا لو حصل علاقة ومأخدتش مانع حمل، فهمت قصدي." هز رأسه متفاهمًا. "طبعا فهمت رأيك، بس دا مبيكونش تأكيد. ممكن تكون البويضة اتلقحت بالفعل، والعلاج يعمل تشوه." قاطعه جاسر. "عايز حاجة تمنع دا." صمت يونس لفترة ثم أردف. "تمام. بس زي ما قولتلك ممكن متكونش ضامن." مسح على وجهه يرجع خصلاته للخلف قائلاً. "شوفلي حاجة موثوق فيها الأول." ثم طالعه وأردف.
"وعايز حاجة تمنع الحمل للأبد، يعني ماينفعش تحمل بعد كدا." ذهل يونس ينظر إليه بصدمة. "بتقول إيه.. ليه؟! بمنزل جاسر. انتهت من ارتداء ثيابها واتجهت للأسفل. قابلتها عاليا. "إنتِ خارجة." أومأت لها قائلة. "مشوار نص ساعة وراجعة بإذن الله." "سلام علشان متأخرش." وصلت بعد قليل لمنزل فيروز. سحبت نفسًا وصعدت للأعلى قابلها أحد الضباط. "حضرتك محتاجة حاجة يافندم." نظرت إليه متسائلة. "إنت مالك، أنا طالعة لشقة مدام فيروز."
توقف أمامها قائلاً. "ممنوع يافندم." أشارت بسبباتها. "لو مامتحركش من قدامي هتصل بالشرطة، قول للي موقفك هنا أوامره متمشيش عليا." قالتها وتحركت للأعلى. رفع هاتفه وقام بالاتصال بجواد. كان يجلس بجوار صهيب بغرفة العناية، ينتظر إفاقته، تحرك للخارج بعدما استمع لرنين هاتفه. "أيوة يابني." "مدام جنى جت هنا ياباشا وطلعت لمدام فيروز." اتسعت حدقتيه يسب جاسر بداخله ثم أردف. "اطلع وراها متسبهاش لوحدها." قالها وأغلق.
"حمار يا جاسر حمار. ياترى ناوية على إيه يابنت صهيب." بالأعلى فتحت فيروز تنظر إليها بصدمة. دفعتها جنى وولجت للداخل. "هتفضلي تبحلقي كدا، وسعي وبعدين اتصدمي بعدين." تحركت فيروز خلفها وابتسامة ماكرة تجلت بملامحها قائلة. "شكل جاسر قالك اللي حصل بينا، بس ياترى قالك كدا ندمان ولا خاف إنك تعرفي مني مثلا." جلست تضع ساقًا فوق الأخرى تطالعها باشمئزاز.
"لا ياروحي قال إنه ندمان وعايز يروح يحج علشان ربنا يسامحه على المصيبة اللي عاملها، ماهو اللي يتجوز شيطانة زيك لازم يحج سبع مرات يشيل ذنوبه." رغم كلماتها التي أحرقته إلا أنها ضحكت بصخب تصفع كفيها. "مين اللي قالك كدا يا جنجون، مش يمكن هو كان عاجبه الموضوع وعمل حوار تأنيب ضمير مش أكتر." دنت تنحني لها هامسة. "قولتلك قبل كدا، جاسر دا ملكي أنا وحبيبي أنا ومستحيل أتنازل عليه وهو كمان بيحن متقوليش لا، وتقنعي نفسك بكدا."
جلست تضع ساقًا فوق الأخرى مثلها بقميصها القصير حتى ظهر جسدها أمام جنى التي طالعتها باشمئزاز وهتفت. "جنجون أنا وجاسر بينا كيميا حبيبتي متقدريش تفهميها." تراجعت واستأنفت وهي تغرز عيناها بمقلتيها. "يعني زي ما أنا محتاجة هو بيحتاجني ممكن ملقاش عندك اللي عندي، وخصوصا اللي زي جاسر دا أفهمه من نظرة عينيه. ولو بيحبك زي ما بتوهمي نفسك مكنش بات في حضني امبارح وعيشني ليلة ألف وليلة كأنه كان محروم."
ارتعش داخلها من كلماتها التي شقت صدرها. نهضت من مكانها واقتربت منها ونظرات نارية ودت لو خرجت من عيناها لتحرقها فهتفت محذرة إياها. "اسمعيني ياسلطعون البحر، أنا مجنونة وبشهادة أطباء مصر كلها هتقربي من جوزي هشربك سم فئران. وحياة جاسر عندي مستعدة أقتل... ومخدش يوم واحد فيكي." جذبتها من خصلاتها حول معصمها وجذبتها تهمس لها.
"جاسر مش جوزي بس، دا كل حاجة حلوة ومرة في حياتي، فهو لو كان غلط واتجوزك، اهو صحح الغلط، أما تحاولي تقربي بقذارتك وتعملي شو هحرقك أقسم بالله أموتك وما يرفليش جفن." جذبتها من خصلاتها بقوة حتى صرخت فيروز. تتحرك بها ببهو الشقة، لتصل لغرفتها، دفعتها بقوة حينما توقفت تنظر لفراشها، وتخيلات تضرب عقلها لينشق قلبها ويدمي بصمت دون نزيف. نظرت فيروز لنظراتها وهتفت مستشفية للحزن الذي تجلى بملامحها.
"هنا امبارح كان معركة يا جنجون كان نفسي أصورهالك، بس مخبيش عليكي الحاجات دي أخدت عليها من جاسر." كتمت صرخاتها بداخلها ورسمت ابتسامة قائلة. "أيوة ما أنا عارفة ياروحي، علشان كدا جاية أحرق أي حاجة جوزي يلمسها بعيد عن حضني." لم تستوعب فيروز ما قالته سوى بعد خروج جنى لزجاجة من حقيبتها واقتربت من الفراش تسكبها. صرخت فيروز متجهة إليها لكي تمنعها. أشارت لها.
"هتقربي هدلوقها عليكي، وحياة جاسر عندي أقلبها عليكي وأولع فيكي ومتهزنيش شعرة." ابتسامة واسعة وأشارت على نفسها. "مش قولتلك مجنونة." سكبت الزجاجة بالكامل وهي تستمع لطرقات بالخارج. "عارفة لو حاولت تفتحي الباب هحبسك في الأوضة قبل ما توصلي للباب."
أخرجت القداحة وبدون تفكير ألقتها على الفراش حتى اشتعلت النيران بالفراش بالكامل. هنا انسابت عبراتها وهوت بمكانها ترتفع شهقاتها بخروج فيروز كالمجنونة لباب شقتها تفتحه ولكنها توقفت مستمرة عندما وجدته يقف بطوله المهيب أمامها. "فيه إيه مالك." أشار عليها. "مش هتسيبك من القرف دا وتخرجي بقمصان النوم." استمع لطرقات على باب الغرفة فتسائل. "مين جوا." أشم لرائحة الحريق. "إيه النار دي." أشارت تبكي وجسدها يرتجف.
"جنى حبست الراجل اللي كان بيحرسني، ودخلت ولعت في الأوضة جوا."
" انعقد لسانه وانحشر الكلام بحلقه، ناهيك عن نفسه الذي انحبس بصدره ونبضاته تتسارع، وكأنه أصيب بجلطة شلت أعضائه ولم يستطع التحرك. ارتجفت خلاياه بالكامل وعيناه على الغرفة التي ملأت بالدخان. تحرك بخطى متعثرة رغم خطاه الواسعة الا أنه شعر بطول المكان. تحرك للداخل وقف مصدوما وهو يراها تجلس بمنتصف النيران وعيناها تسكب الدمع بالدمع. هرول إليها يحملها ويخرج بها رفعت نظرها وعيناها الدامية إليه وهمست له. "هنا دبحتني يا جاسر."
يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!