الفصل 24 | من 44 فصل

رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سيلا وليد

المشاهدات
21
كلمة
9,696
وقت القراءة
49 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

عاد الأمر كما كان، غريبين نحتسي الشوق والإدمان. نغامر على الحنين في ساحة النسيان، نكتب على الجدران. كان يا مكان، حب يقوده العصيان. غريبين ننتظر يمر الزمان، لعله يمنن علينا بالحنان. يا سادة، فليشهد الله أننا كنا أحن من أن نخون أو نجرح أو نؤذي. لكننا لم ننل شيئًا وكل شيءٍ نال منا. على أطراف أصابعي أعبر الليل، كما لو أنني أعبر حقل ألغام، أم تفاديًا لانفجار قصة أو ذكرى نسيتها يومًا ولم تنساني. ***

فتح جفونه بتثاقل، من اختراق الضوء لعيناه. شعر بألم يفتك بجسده، وضع كفيه على عينيه إلا أنه شعر بشيء فوق صدره. تلامست كفيه لخصلاتها، ظن إنها معشوقته. فلاحت نظرته لأرجاء الغرفة، هب فزعًا بعدما وجدها لم تكن غرفته. جحظت عيناه بذهول حينما لمحها تفتح عيناها بابتسامة. "صباح الخير يا حبيبي."

نظر لنفسه ولها، يهز رأسه كالمعتوه رافضًا ما رآه. لقد صعقته بمظهره كصاعقة الشتاء. حاول التفوه ولكن كأنه شُل ولم يعد يعلم كيف يكون الحديث. اتجهت نظراته برعب لثيابه الملقاة على الأرض، هنا شعر وكأن ضلوعه تنكسر ضلعًا ضلعًا، وكأن صدره يطبق بصخرة عملاقة تمنع تنفسه. ابتلع غصته المدببة ورفع عيناه التي زاغت قائلاً بهمس كاد أن يُسمع: "إيه اللي جابني هنا."

ذهب بذاكرته بخروجه من منزل باسم، وتشوش رؤيته. بدأ عقله يضاربه ببعض المشاهد. هنا هب فزعًا يرتدي ملابسه سريعًا، ثم اتجه إليها وهي ما زالت تجلس تطالعه بنظراتها الصامتة. جذبها بقوة من خصلاتها وبأقصى ما لديه من قوة قام بارتطام رأسها بالجدار. "إيه اللي حصل بينا." أنا... قبض على عنقها وهي تصرخ، حتى اختنق صوتها وشحب وجهها. ظهرت أمامه صورة معشوقته ببكائه.

دفعها بقوة بعيدًا عنه وهو يدور حول نفسه كالمجنون يزأر كالأسد. بدأ يحطم كل ما يقابله حتى أصبحت الغرفة عبارة عن أشلاء متناثرة. جذبه بقوة بقميص نومها الذي يظهر معالمها الأنثوية باستفاضة، ثم جذبها يدفعها لخارج المنزل حتى وصل بها للأسفل. بتلك الحالة، كالمجنون، توقف أمامه أحد ممن وكله جواد بمراقبة فيروز، بعدما وجده يخرج بها بتلك الحالة. "جاسر باشا لو سمحت، مينفعش كدا، لو سمحت." طالعه بتدقيق متسائلاً: "إنت مين؟! سحب فيروز

من كفه ثم أشار إليها: "اطلعي أوضتك، وممنوع تخرجي إلا لما تجيلك الأوامر." أمسكه جاسر من تلابيبه: "إنت مين ياروح أمك، وإزاي تتجرأ وتوقف قدامي كدا؛ وأوامر إيه." *** نزع نفسه من بين كفيه قائلاً: "أنا المقدم أيمن الجوهري، ودا عامر المسؤول عن مراقبة المدام." تراجع للخلف مذهولاً، ثم تحرك لسيارته يقودها بسرعة جنونية كالذي يتمنى موته لا محالة. استمع لرنين هاتفه، نظر إليه بعيون مرتعشة. وجد العديد من الاتصالات منها ومن والده.

ضرب بقوة على المقود حتى شعر بتكسر عظم يديه. "آآآه." صرخة هزت الأرض كما هزت قلبه الذي ينزف دون دمًا. استمع لرنينه مرة أخرى فتوقف جانباً، يزيل عبراته مسيطراً على نفسه. "أيوة يا جنى." هبت من مكانها تبكي بصمت. "كدا تقلقني عليك، قولت رايح عشا لعمو باسم. اتصلت بيه الساعة ٣ الفجر وقالي إنك خرجت من ١٢. انت فين؟ قلقت عليك." سحب نفسًا طويلاً يعبأ صدره بالأكسجين الذي منع من حوله قائلاً:

"اتأخرت في الشغل، كلموني ونسيت أكلمك." قالها بعيونه دامعة بصمت. نهضت متحركة لشرفتها. "هتتأخر لسه؟! انسابت دموعه وتساءل باستخفاف: "إيه وحشتك؟! أغمضت عيناها تشعر أنه على غير ما يرام فتحدثت: "جاسر إنت فيك إيه؟ وضع رأسه على المقود يمنع شهقاته التي خرجت منه رغماً عنه وضرب رأسه بالمقود عدة مرات. استمع لحديثها: "جاسر ارجع متتأخرش، آه وحشتني، لو دا هيخليك ترجع."

أغلق الهاتف يقبض عليه بعنف، وتراجع بجسده ونيران تلتهم صدره حتى تمنى موته بالحال. مرت دقائق وهو ما زال على وضعه حتى تحرك بالسيارة متجهاً إلى حي الألفي. بمنزل صهيب. استيقظ على صوت هاتفه. فتح عيناه يطالع المتصل، جلس معتدلاً. "ماما فيه حاجة؟ "اختك عاملة إيه يا حبيبي؟ مسح على وجهه وأجابها: "كويسة يا ماما، أنا كلمتها امبارح متقلقيش." "عز... هتفت بها نهى قائلة: "عدي على اختك طمني عليها يا حبيبي، قلبي وجعني عليها."

نهض من مكانه وتحرك للأسفل عندما استمع لرنين المنزل. "حاضر يا ماما هعدي عليها." مسحت دموعها تنظر لصهيب الغافي بسبب العقاقير وتحدثت: "حبيبي هتيجي إمتى؟ نظر لساعة يديه: "المفروض هنسافر على خمسة يا ماما، بس معرفش ليه حضرتك مصرة أجيني أنا وعمو وبابا ميعرفش، وليه كل ما أسألك عن بابا تتهربي، هو بابا تعبان يا ماما، مش قولتي هتروحوا جولة سياحية." قالها وهو يفتح باب المنزل. وجد ربى تقف أمامه وعيناها ممتلئة بالدموع،

فتحدث لوالدته: "ماما هكلمك بعدين." توقف أمامها يطالعها بريبة: "روبي إيه اللي جابك وعامل فيكي كدا؟ "إنت اللي بعت دول." قطب جبينه متسائلاً: "إيه دول؟ "الفستان والورد دا... إنت صح؟ تحرك للداخل حتى جلس على الأريكة وهتف: "جولك بالغلط، آسف الغبي مفكرهم عشانك، أصله قولتله ابعتهم." رمقها بنظرة خاطفة: "يفرق معاكي." اقتربت منه تستند على التربيزة بظهرها وتضع كفيها على أحشائها: "ناوي تبعد عننا؟ نهض من مكانه ودنى

منها يتعمق النظر برمتها: "اللي باعك مرة يبيعك ألف مرة، مش دا كلامك لباباكي." رفعت كفيه تملس على وجهه: "عز أنا تعبت، قولي أعمل إيه، قلبي مجروح منك أوي، ورغم كدا بتوحشني أوي." دنى حتى اختلطت أنفاسهما يقترب من ثغرها: "عز بيموت يا روبي وهو بعيد عنك." رفعت كفوفها تحتضن وجهه وتبحر بعينيه. ***

"بعد الشر عليك من الموت يا حبيبي." بتر باقي حديثها بخاصتيه، يجذبها من خصرها ليعصرها داخل أحضانه لتتأوه من شدة ضغطه بسبب حملها. ولكن هنا الاشتياق ونبضات القلوب فاقت الحدود مما جعلها تستمتع بقبلته. تراجعت فزعة عندما استمعت لصراخ جواد. ابتعدت بجسد مرتعش تكاد تسند نفسها. وصل إليها جواد يرمقهم بنظرات نارية، ولم يسنح لأحدهما التفوه عندما رفع يديه وهوى بها على خد ربى. "اطلعي برة، امشي من قدامي." توقف عز أمامه مزهولاً:

"عمو... لكمه بقوة بوجهه: "إنت إزاي تعمل كدا. إيه الانحطاط اللي بقى فيكم دا." صفعة قوية على وجه عز: "فين أخلاقك وقيمك يا حِلوف إنت والبغل التاني. لدرجة إني أب فاشل معرفتش أربي، مقعد معايا عيال زبالة." "عمو... " صرخ بها عز قائلاً: "رُبى مراتي." تصنم جواد بوقوفه يطالعه بصدمة: "مراتك إزاي يالا." لكمه بصدره وصاح بجنون: "إنت مش رميت عليها يمين الطلاق يالا." تراجع عز بعيدًا عنه بعدما وجد حالته قائلاً:

"رجعتها يا عمو، إيه مراتي ورجعتها، وأوعى تصدق الكلام اللي قالته، دي مجروحة مش أكتر وأنا هدواي جروحها. لو سمحت يا عمو بلاش تدخل بينا." "يعني كنتوا بتلعبوا بيا، كانت بتقول كلام وبتكدب من ورايا." "لا يا عمو مش كدا." اقترب منه مستأنفًا: "معرفتش إني رجعتها أصلا." وقف بجسد متجمد مذهولاً فأردف: "يعني كانت بتقرب منك وتبوسها وهي مطلقة." "بنت... " قالها وهو يكور قبضته ثم تحرك للخارج. أمسك ذراعه عز وترجاه بنظراته:

"لو سمحت يا عمو، إحنا بنحب بعض بس ظروفنا مرجحتنا شوية، علشان خاطري." دفعه جواد بقوة: "ابعد عني عشان منساش إنك ابن أخويا." قالها وتحرك متجهاً لمنزله. توقف عندما وجد جاسر يترجل بتخبط من سيارته. ظل يتابعه بنظراته. أطلق تنهيدة ثم استمع لرنين هاتفه. الصفحة التالية الفصل الثالث والعشرون "إيه اللي حصل؟! أجابه الرجل: "اتصلت بحضرتك كتير يا فندم."

استمع لحديثه بأعين يتطاير منها الشرر، ثم أغلق هاتفه وصدره عبارة عن كتلة نارية، يريد أن يدخل يحطم ابنه. ظل بمكانه يطبق على هاتفه حتى كاد أن يكسره، ناهيك عن عروق رقبته النافرة. لأول مرة يكون بتلك الهيئة المرعبة. دقائق من الصمت المميت لديه، ثم تحرك بهدوء، محاولاً السيطرة على نفسه. بالداخل.

هرولت للأسفل بعدما وجدته بتلك الحالة، خصلاته المبعثرة وثيابه غير المهندمة. تحركت سريعًا فتقابلت بدخول جواد للمنزل. استمعا إلى تحطيم شيء بالداخل. أمسكت ذراعه وبقلب كاد أن يتوقف ذعرًا على ابنها تساءلت: "جواد جاسر ماله، إيه اللي حصل؟! ربت على كتفها واتجه للداخل. توقف يطالعه بصدمة حينما وجده جالسًا على الأرضية يحتوي رأسه بين راحتيه، وتنهمر عبراته. دفعت غزل الباب ودلفت: "جاسر ماله يا جواد." شعر جواد بما صار، فأمسك كفيها:

"غزل سيبنا لوحدنا." تحركت متجهة لأبنها قائلة: "جاسر حبيبي إيه اللي حصل، جنى كويسة، اتخنقت مع مراتك." أطبق على جفنيه وآه حارقة من جوف حسرته ومياه عبراته الحارقة تكوي قلبه قبل خديه. اشتعل صدر جواد عندما وجده بتلك الحالة، فقام بدفع غزل بهدوء للخارج مغلقًا الباب خلفه، ثم تحرك إليه بخطوات هزيلة ضعيفة يتمنى أن يكذب حدسه. جلس بجواره بهدوء رغم بركانه القابع بـ صدره فتحدث بثقل: "سامعك."

أغمض عيناه بقوة كاد أن يمزق بها شعيراته الدموية، ثم انحنى برأسه على ركبته يعض ندمًا على ما فعله. لحظات صمت مميتة حتى قطعها جواد: "إيه اللي حصل عند فيروز، وليه كنت منزلها بالشكل ده." راجع بجسده يستند على الجدار: "لما كنت عارف إني هناك مجتش خدني ليه، ليه دايما بتتأخر عليا، ليه متبنقذنيش قبل ما أغرق." هز جواد رأسه غير راضيًا عما يقوله ثم أردف قائلاً:

"كنت عايزني أروح أجيب شاب عنده ٢٨ سنة من شقة طليقته، والشاب دا ظابط يا حضرة الظابط. ياترى كنت مستني مني أعمل إيه، أدخل أضربك قلمين زي العيال الصغيرة وأقولك إيه اللي جابك هنا، أنا مش نبهت عليك الصبح، ليه ركبت البت دي عربيتك، ليه أدتلها فرصة تتحكم فيك." لا يعلم كيف يخرج مكنونه الذي يحرق داخله فرفع بصره لوالده:

"مكنتش حاسس بحاجة، معرفش إيه اللي حصلي. خرجت من عند عمو باسم آخر حاجة افتكرتها ركبت معايا العربية. بعدها محسيتش بحاجة." اشتعلت أعين جواد ورمقه بازدراء: "ركبتها ليه العربية، كنت دوس عليها دا لو إنت فعلاً عايز تتخلص منها." "بابا لو سمحت... لكمه بكتفه يهدر به: "إنت بتحب البت دي يالا، ولا بتحب بنت عمك، ولا إنت عاجبك الموضوع كل شوية في حضن واحدة، وجاي على مزاجك وفرحان بنفسك إن الولا أمور والبنات بتدوب فيه."

"بابا أنا قمت لقيت نفسي في سريرها من غير هدوم ومش فاكر حاجة." هل شعر أحدكم بطائر يذبح عنقه بسكين بارد وهو لا حول له قوة. قبضة مؤلمة من بين ثنايا قلبه الذي بدأ يثور بنيران الغضب عندما هاله مقدار الضعف والحزن على ابنه. كم هو مؤلم أن ترى وليدك بتلك الحالة الهزيلة. لقد سحبت روحه ولم يعد لديه القوة على الحديث، بل شعر بالعجز. هذا ما أحس به جواد. ردد جاسر جاسر قائلاً: "بابا أنا ممكن أكون عملت حاجة مع فيروز."

بعينين متسعتين كاتساع بين السماوات والأرض. طالعه مصدومًا، تمنى حينها أن تزهق روحه لبارئه. لا يعلم أي جرم ارتكبه حتى يحدث معه ذلك. ابنه حبيبه ربيبه. فلذة كبده هو من أطعمه بخنجر بارد، هو من أسقط قيمه وأخلاقه. ماذا يقول ذاك المعتوه، هل جن بالفعل، أم هناك كوابيس تدور بعقله. هز رأسه رافضًا حديثه وأردف بصوت ثقيل مشحون بالألم: "لا لا لا... مستحيل، لا أنا أكيد بحلم بكابوس."

حاول النهوض ولكن أقدامه لم تقو على حمله، كأن جسده انشق لنصفين، اغرورقت عيناه بدموع الخذلان. يتخبط ويترنح بوقوفه مرددًا: "لا... أكيد أنا ابني ميعملش كدا، لا ابني حبيبي... سندي، كبيري، هو من كسرني." نهض جاسر من مكانه عندما وجد شحوب وجهه، اقترب منه: "بابا والله ماكنت حاسس بحاجة، والله ما أعرف إيه اللي حصل." دنى يمسك كفيه يقبلها بدموع الوجع: "سامحني والله غصب عني... مش فاكر عملت إيه."

هوى على المقعد يفتح أزرار قميصه عندما أحس بعدم قدرته على التنفس، كأن لم يوجد أكسجين بالغرفة. اقترب جاسر وأعطاه سلاحه: "موتني لو دا يريحك، موتني وريحني من العذاب دا كله." دفعه جواد بقوة لم يعلم كيف اكتسبها. ثم نهض من مكانه وارتفعت صيحاته حتى زلزلت المكان يعنفه غاضبًا:

"اسمعني عشان إنت خلاص مبقاش نافع معاك حاجة، تعبت وقرفت من عمايلك، كل مرة بتحملني تهورك وغلطك، لو سمعت مني من الأول مكناش وصلنا للمرحلة دي، بس شكل الموضوع جه على هواك." انحنى يمسكه من أكتافه يهزه بعنف وزمجر قائلاً:

"بنت عمك هطلقها يابن جواد وروح كمل حياتك مع الأشكال اللي زي فيروز، لأن فرصك عندي انتهت، عمك بين الحياة والموت وأنا هنا بلم في مصايبك مع زفت الطين فيروز، ليه عشان حضرة الظابط الفاشل مش قادر على حتة بنت جاية من الكباريهات. أنا جواد الألفي على آخر الزمن اسمي يبقى جنب حتة زبالة بسبب ابني." دفع المقعد بقدمه حتى سقط وصرخ به: "الغلط مش عندك، الغلط عندي إني قبلت واحدة زي دي تتحكم في عيلتي." أمسكه يوقفه يهزه بعنف:

"كام مرة نبهتك وقولتلك ابعد عنها، كام مرة قولتلك سبني عليها، وحضرتك عملتلي دكر. وتقولي أنا هتصرف." دفعه بقوة بالجدار: "بنت عمك دخلت المستشفى بسببك، عمك بين الحياة والموت بسببك، أختك سابت بيت أبوها بسببك، العيلة اتفركشت بسببك، روبي حياتها اتدمرت بسببك، إيه كنت عايز تسمع من أبوك دا، آه حتة عيل معرفتش أربيه، والنهاردة رجعلي وتقولي مش فاكر إيه اللي حصل معرفش حصل بينا إيه."

أمسك المقعد ودفعه بقوة على النافذة حتى سقط زجاجها بالكامل، وقام بتحطيم كل ما يقابله، وهو يزأر كالأسد الذي منع عنه طعامه، ويريد الانقضاض على فريسته قائلاً بصوت كالرعد: "ابني على آخر الزمن يطلع زاني... آه صرخ بها صرخة اهتزت لها جدران المنزل. استمع لطرقات غزل على باب الغرفة: "جواد افتح الباب." "غزل." صاح بها بغضب حتى تحركت من أمام الباب. رفع نظره لابنه. دار حول نفسه كالمجنون، يجذب خصلاته بعنف:

"ليه يابني، ليه تعمل فينا كدا... دي آخرتها يا جاسر، تطلع زاني في الآخر." انتهكت صحته حتى هوى على الأرضية ولسان حاله: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين." "اللهم اجرني في مصيبتي." قالها بشهقة بكاء وانسابت دموعه، مرددًا: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم." زحف لوالده يرفع ذراعيه يبكي بشهقات مرتفعة: "سامحني يا بابا والله ماكنت أعرف هوصل لكدا، عمري مافكرت إنها تكون بالحقارة دي."

عيناه تحجرت بالعبرات واهتز داخله بنيران مستعرة من حالة والده التي يراه بها لأول مرة: "بابا... " همس بها جاسر، عندما زاغت نظرات جواد بأنحاء الغرفة، ولم يرى منه سوى عبراته التي تنساب بصمت. لا يعلم أن والده بداخله يغلي كالمرجل الذي جف ماؤه. وضع رأسه على ساقه وأردف بنبرة خافتة تكاد تسمع: "لما فوقت مفكرتش غير فيك، عارف إنك هتتصدم وممكن تروح فيها، بس وحياة ربنا أنا معرفش إيه اللي حصل ولا فاكر غير إني ركبت العربية وبس."

سكت هنيهة ثم تنهد تنهيدة مرتعشة وآهة طويلة كانت أبلغ رد في تلك اللحظة التي تحرق بها روحه: "هموت يا بابا... ابنك هيموت من اللي بيحصل معاه، حاسس بصخرة بتهدني." رفع جواد كفيه يمسد على خصلاته وهمس بتقطع: "جاسر... اعتدل ينظر لوالده برجاء أن يرحم ضعفه، ثم أومأ برأسه منتظرًا عقابه:

"إنت عايز إيه يا بني، عايز ترجع فيروز، ولا عايز جنى، عشان أفهم هعمل إيه. أنا مبقتش فاهمك، ماهو لو بتحب جنى كنت مستحيل تخلي فيروز تكسرك كدا، ولا كنت قربت منها. مفيش راجل بيحب واحدة ويقدر يكون مع واحدة تانية، صعب يا جاسر." "بابا أنا عايز حياة مستقرة مع مراتي وبس، فيروز متهمنييش، مش عايز غير البنت اللي أول ما قلبي عرف يحب دقلها." لاحت ابتسامة حزينة على وجهه جواد فخلل أنامله بخصلات ابنه مردفًا:

"يبقى لازم تتعب شوية، ومتكنش بالضعف دا، عيب الراجل يبقى ضعيف، الراجل بقوته، فكر وشوف إنت عايز إيه بالظبط. وبالنسبة للي حصل النهاردة مش عايز أي مخلوق يعرفه، لحد ما أرجع من السفر، لازم نقعد مع جنى الأول وتحكلها، ولو هي متمسكة بيك هترضى، أما لو كان الموضوع تقيل عليها فاعذرها مفيش ست تتحمل اللي اتحملته جنى. جنى بتحبك من زمان، وكانت بتشوف مراتك في حضنك، كفاية عليها وجع، ولو ليكم نصيب في بعض صدقني لو أنا بنفسي حاولت أطلقكم مش هقدر."

الصفحة التالية الفصل الثالث والعشرون رفع كف والده وقبله: "أنا بحبك أوي يا بابا... أوعى تفكر كلامي ليك دا كره، والله أبداً طول عمرك مثلي الأعلى." ضمه جواد لأحضانه بقوة وانسابت دموعه: "إنت نور عيني يا جاسر، عايزك تبقى قوي ومتضعفش ولو قلبك هيضعفك دوس عليه، سمعتني دوس على قلبك اللي يخليك ضعيف حتى لو مع جنى نفسها، اوعى تضعف وتذلل لحد مهما حصل، إنت راجل، واللي يحاول يقل بيك امسحه من على وش الدنيا." سكت للحظة، ثم سحب نفسًا

وزفره بقوة: "قوم اعدل هدومك وظبط نفسك، مش عايز مامتك تعرف حاجة، ولو سألتك قولها اتخانق مع جنى." نهض جواد من مكانه ونفث دخان غضبه ثم هتف بنبرة تحذيرية: "لو شوفتك ضعيف تاني أنا اللي هدوس عليك بنفسي. ياله قوم خد شاور وحصلني على تحت لازم نروح مشوار قبل أي حاجة." قالها جواد وتحرك للخارج، محاولاً السيطرة على نفسه. هبت غزل متجهة إليه تنتظره بالخارج: "جواد... " توقفت تطالعه بنظرات تفحصية:

"جواد كنت بتزعق وتصرخ ليه، إيه اللي حصل، جاسر عمل إيه." ضمها لحضنه ثم طبع قبلة أعلى رأسها: "حبيبتي مفيش حاجة، مشاكل جاسر وجنى، ابنك متهور كالعادة." كانت تطالعه بصمت، ثم أدارت وجهه ونظرت لعيناه الهاربة: "بص في عيني يا حبيب عمري وأنت بتكلمني وقولي مخبي عليا إيه." رسم ابتسامة على ملامحه ثم انحنى يمرر إبهامه على ثغرها:

"زيزو بتكذب جوزها بعد ٣٠ سنة جواز. وأنا اللي كنت بقول هأجل السفر النهاردة عشان أشبع من حضنها شوية قبل ما نسافر، هناك ممكن مانشوفش بعض غير دقايق." "تأجل السفر يا جواد... وعشان تشبع بحضني." اقتربت منه تحتضن وجهه وتخترق عيناه بنظراتها: "مخبي عليا إيه يا جواد... انحنى يطبق على ثغرها بقبلة شغوفة. حتى رفعت ذراعها تعانق رقبته. ثم سحبها من كفيها:

"تعالي يازيزو، محتاجك في موضوع." ابتسمت متناسية ما صار منذ دقائق وتحركت بجواره تحتضن ذراعيه متجهين لغرفته. بمنزل جاسر. كانت جالسة بالشرفة تنتظر وصوله، وضعت كفيها على صدرها متنهدة: "ياترى إنت فين يا جاسر، وصوتك متغير ليه. يارب ما يكونش اللي في بالي يا ابن عمي. ماهو أنا مش هستنى لما تيجي." هزت رأسها رافضة حديثها مع نفسها قائلة: "إيه اللي هبل دا، إنتي اتجننتي فعلاً صدقتي الكدبة ما إنتِ عارفة قد إيه هو وبيحبك."

رفعت هاتفها مرة أخرى. لحظات تكاد تموت من الغيرة وعقلها يصارع قلبها. بغرفته بمنزل والده خرج على رنين هاتفه، توقف ينظر لاسمه وصورته. أطبق على جفنيه ورفعه بأنامل مرتعشة، ثم وضعه واتجه لغرفة ملابسه. بعد فترة من الوقت كان يجلس أمام الطبيب ينتظر مابداخل التحليل. نظر الطبيب لتلك الورقة ثم اتجه إلى جواد: "زي ما حضرتك توقعت يا فندم، فيه مادة غريبة بدم جاسر، وللأسف التحليل ظهر المادة دي... نوع من حبوب الهلوسة والجنس."

ارتفعت دقاته بعنف، وشعر بالاختناق، فنهض بترنح قائلاً: "يعني أفهم من كدا... ممكن يكون حصل حاجة." أوقفه والده قائلاً: "جاسر... اتجننت اقعد واسمع الكلام، ثم اتجه للطبيب: "هي ليها آثار جانبية يا دكتور." نزع الطبيب نظارته الطبية ثم أردف: "بص يا جواد عشان أكون صريح معاك. دي بتكون خطيرة لو كان مدمن على إقبالها، يعني فيه رجالة كتير بتاخد منها في حالة يعني." صمت الطبيب قائلاً: "أكيد عرفت قصدي." أومأ برأسه وهتف:

"لا يا دكتور دا حد حب يعمل مقلب مش لطيف مع جاسر، فكنا عايزين نتأكد من نوع الحبوب بس." انطفأ وجهه ثم نهض متحركًا سريعًا للخارج. توقف جواد يشكر الطبيب وتحرك خلفه. وصل إلى سيارته، ونيران داخلية تحرق دواخه وقلبه يصفعه بقوة: "قدرت تخون جنى يا جاسر، إزاي قلبك قدرت يعمل كدا." كور قبضته يضرب فوق السيارة حتى وصل إليه والده: "اركب ياله لازم أتحرك خلال ساعتين." استقل السيارة بصمت وقادها وهو يطالع الطرق بذهن مشتت وقلب مفتت.

انتبه لحديث والده: "إياك تقول لجنى حاجة." نظر لوالده بتيه وأردف: "بابا إزاي وصلتلي الحبوب دي، عمو باسم مستحيل يعمل كدا." "باسم ميعرفش يا جاسر، دي فيروز لعبت أكيد على مراته، حتى ممكن مراته متعرفش، بس إزاي حياة دخلتها البيت، إنت بتقول مشفتهاش، يبقى فيروز اتفقت مع الخدامة ممكن." نظر للخارج وأجابه بنبرة متقطعة: "أو ممكن حياة نفسها ما هم صحاب وعملوها قبل كدا." هز جواد رأسه رافضًا حديثه:

"لا مظنش، حياة مش كدا، ولو بتفكر في اللي عملته فهو غصب عنها، باسم مرحمهاش في الأول وأي حد مكانها كان عمل كدا وأكتر... أنا ميهمنيش دلوقتي غير مراتك، خايف عليها." أمسك ذراعه وتطلع إليه: "جاسر لسه علاقتك بجنى متوترة، لسه واخد منها موقف." أطلق زفرة حارة وهتف: "بابا جنى كل شوية تقولي عايزة تطلق، وأنا مستحيل أطلقها، سمعتني مستحيل حتى لو هقعدها غصب عنها." نظر جواد للخارج وأجابه:

"مطوعهاش الست عايزة الحب والحنان، وأنت أكبر مسهوك في المواضيع دي." رمقه والده بنظرة صامتة. التفت إليه جواد يرفع حاجبه ساخرًا: "إيه بقول حاجة غلط، مش دي الحقيقة، غبية جنى معرفش حبيتك على إيه، طب والله الواد ياسين أحسن منك ولا أوس، معرفش سبتهم ليه ومسكت في حِلوف زيك، ولا جواد دا كان هيعرف إنه معاه أميرة." "بابا... " صاح بها بغضب وزمجر من بين أسنانه ونار الغيرة تحرقه:

"جنى حبيبتي قبل ما تكون مراتي، وكنت هتجوزها هتجوزها غصب عن الكل حتى غصب عن حضرتك." رمقه جواد بنظرة ساخطة لم يفهم معناه ثم تحدث: "اللي يسمعك بتقول كدا يقول إن الولد متجوزش عليها ومراته حملت مرتين." جذبه من تلابيبه: "كنت بتحبها يا خويا وجايلك نفس للعقربة، ولا الجمال ودع الحب يالا، مش بقول مسهوك يابن جواد." ابتلع غصة مُرة كالعلقم أحكمت حلقه حد الاختناق حتى لمعت عيناه بالعبرات قائلاً:

"آه كنت، بس فكرت كنت بحس بإيه يا بابا." ذهل جواد من حديثه حتى طالعه بصدمة متسائلاً: "جاسر... ربنا أعطاك فرصة حلوة بدل اتعذبت زي مابتقول، حافظ عليها، امسك فيها بإيدك وسنانك." عند جنى بعد فترة. هبطت للأسفل تبحث عن عاليا وجدتها تجلس تحتسي قهوتها تنظر للأمام وهي تحتضن كوبها بين يديها. جذبت مقعدًا وجلست بمقابلتها: "صباح الخير." رفعت عاليا نظراتها إليها: "إنتِ شكلك عامل كدا ليه، إيه منمتيش." فركت وجهها ثم أجابتها:

"معرفتش أنام وجاسر لسة مرجعش." وضعت عاليا كوبها وتساءلت: "ماتحكيلك قصة الظابط الولهان دا." ضيقت جنى عيناها ثم ابتسمت: "ظابط وولهان!! وياترى يا حضرة المشاكسة عرفتي منين." اقتربت منها وهمست تغمز لها: "أصلك ماشفتهوش يوم ماسقطي، كان زي المجنون، والله صعب عليا وكان بيعيط وبيضمك لحضنه زي الطفل الرضيع." لمست كفيها: "هو فيه حب كدا، وبشوفك كمان بتبقي عايزة تاكليها بعيونك." ابتعدت بنظراتها وتنهيدة محملة بوجع الحب قائلة:

"وأنا بعشقه وبموت لو بعد عني." اتجهت بنظرها لعاليا وتحدثت مبتسمة: "تعرفي كل شوية أقوله طلقني عشان بعشق جنانه وتمسكه بيا، رغم إني عارفة فيه واحدة في النص بينا." "استني استني... تقصدي إيه فيه واحدة بينكم." اختنق صوتها وازدادت ضربات قلبها تقص لها حكاية العشق اللاذع بينهما. شهقة خرجت من فم عاليا: "يا حبيتي... دا إنتِ اتوجعتي أوي، إزاي قدرتي تتحملي الوجع دا." ابتسمت جنى رغم دموعها التي انسابت قائلة:

"وقت مابيخدني في حضنه بنسى الوجع دا. مش عايزة حاجة غير أكون جوا حضنه وبس يا عاليا، عارفة إنه بيحبني، بس بيوجعلي قلبي لما بشوفه بتهاون بقلبي." اقتربت عاليا تحتوي وجهها بين راحتيها: "هو بيحبك وأنتي بتحبيه يبقى الباقي ما يلزمكيش، حاربي للحب دا بس المهم تتأكدي إنك بتحبيه." أومأت لها ثم ابتسمت قائلة: "احكيلي بقى حكايتك إيه، وليه ياسين اتجوزك."

رغم سؤالها البسيط إلا أنه كان كالخنجر الذي اخترق صدرها، سحبت نفسًا وزفرته بوجع وكأنه أشواك خربشت جوفها فتحدثت: "من تلات سنين ابن عمي فاجأني إنه بيحبني، كنت لسة في أولى جامعة، أنا كنت معجبة بيه، هو كاريزما وكمان شخصيته قوية، شغال محاسب في بنك." ابتعدت ببصرها وذكريات مأساوية تصفعها فاستأنفت: "دخل عليا بالحب، وأنا للأسف عبيطة وصدقته." انسابت عبراتها فرفعت نظرها بعينيها الباكية:

"والله كنت بحبه يا جنى، حبيته أوي، شوفت فيه كل حاجة حلوة في الرجالة." أزالت عبراتها: "أصلي نسيت أقولك رسم عليا دور الحنية والرجولة وإنه بيخاف عليا ووحاجات كتيرة تتمناها أي بنت في حبيبها، لحد ما خلاني متعلقة بيه، لدرجة مبقتش أقدر أعدي يوم من غير ما أشوفه." وضعت كفيها على صدرها علها تهدأ من الوخز الذي يرافق أنفاسها وكأنه يسحب روحها.

"اتقدم لي ووافقت رغم رفض كريم وماما بس بابا كان موافق وهو اللي وقف معايا واتخطبنا وفضلت قصة الحب سنتين لحد ما جه اليوم اللي انكشف وشه الحقيقي." هنا شعرت بقبضة تعتصر صدرها حتى شحب وجهها وشهقة خرجت من فمها مع بكائها: "خرجت مرة من الجامعة لقيته مستني وعمل حوار غدا، واتصل ببابا، وأنا الهبلة صدقته." ارتجف كفيها تضغط بقوة على فنجانها ومع ارتعاشة لجسدها وعبراتها تغرق وجهها. ربتت جنى على ظهرها تهز رأسها حتى تكمل ما بدأت.

رفعت وجهها وعينيها التي أغرقت وجهها. دنت جنى تزيل عبراتها تهتف: "ما يستاهلش صدقيني، وحياة ربنا ما يستاهل دمعة واحدة من عيونك." "خدرني يا جنى، حطلي منوم في الأكل وخدني شقة صاحبه، قومت من النوم لقيت نفسي نايمة على سرير من غير هدوم والحقير مصورني." شهقة خرجت من فم جنى تضع كفيها على فمها تهز رأسها بعنف: "مستحيل!! بتقولي إيه." ارتفع صوت بكائها تضع كفيها على وجهها:

"صورني عريانة، ومعرفش عمل إيه تاني، وهددني لو أبوكي مكتبش المصنع باسمي قبل الجواز هفضحك، هديني ورق وقالي لازم أبوكي يمضي عليه قبل فرحنا وإلا هدمرك."

"كان طمعان في مال أبويا، ومن فترة كان فيه مشاكل على الميراث بين أبوه وبين أبويا. بس جه عمي وقال خلاص مش محتاجين حاجة، جدي كان أدى عمي نـصيبه وهو ضيعه، والباقي كتبه لبابا وعمتي، بابا كبر المصنع وعمل محلات للحلويات، وشغله كبر، عمي طبعًا اتجنن هو خسر فلوسه في البورصة، وكان لازم اللي يعوضه، فعملوا اللعبة دي." صمتت تلتقط أنفاسها ثم أكملت:

"رجعت البيت وأنا منهارة مش عارفة أعمل إيه وأفكر، عقلي وقف على كل حاجة. مكنش قدامي حل تاني يا جنى، لازم أنقذ سمعتي وسمعة أهلي، تغور الفلوس، بس بابا ميستهلش تعبه يضيع في الأرض. خالد له أخت طيبة أوي ومبيـعجبهاش أفعال أبوها. قولتـلها كل حاجة. قالتلي خلي عمي يمضي على الورق ويديلك الصور وأنا هتصرف. أنا قولت أكيد بتلعب عليا."

"المهم قولت اللي ربنا كاتبه هيكون. وفعلاً حطيت الورق زي ما قال ودخلت أكلم بابا وهو بيمضي على شوية حاجات، عشان ما ياخدش باله." سحبت نفسًا عميقًا واستأنفت.

"وادتله الورق زي ما اتفقت مع سما أخته، فرح وقالي جهزي نفسك للفرح، أنا بحبك يا عاليا صدقيني، وعملت كدا عشانك. رفضت وقولت مستحيل أكون مراتك لو هتموتني. خنقني وقالي لو مجهزتيش للفرح هفضحك. أوعي تفكري إن الورق يهمني أكتر منك، أنا بحبك إنتِ، وبدأ يهجم عليا ويعتدي عليا بطريقة حيوانية يا جنى، وفهمني إنه سلب شرفي في اليوم ده."

"أنا مش عارفة أصدقه ولا لا. رضيت بنصيبي ووافقت. وبعد أسبوع كان الورق سما رجعته قبل ميعاد الفرح بأسبوع، في الوقت دا كريم حاول يوقف الجوازة بس أنا كنت خايفة من الصور اللي معاه." ابتسامة ساخرة لاحت على وجهها: "ورغم دا كله كنت بصدقه لما كان بيقولي أنا بحبك وعايزك. إنتِ أهم من أي حاجة." لم تستطع منع عبراتها تأثرًا بآلام قلبها التي نازعت روحها فأستانفت حديثها المؤذي لقلبها:

"أجمل أسبوع عيشهولي قبل الفرح، حسسني إني أهم شخص في حياته زي ما قال. كنت خايفة يعرف موضوع إن سما سرقت الورق ورجعته، أنا حرقته قبل مـابابا يشك. كان مخطط يسجله بشوية فلوس رشوة، بس جاله سفرية ضرورية وسافر، ولما رجع كان قبل الفرح. ومتقابلناش من يوم ماسافر دبي ورجع قبل الفرح بيوم. كلمني فون وقالي اتجهزي يا حبيبتي فرحنا بكرة، عايزك تبقي أحلى عروسة. مخبيش عليكي يا جنى، أنا كنت لسة بحبه، مش شايفة أي راجل أحسن منه، ادتله عذر إنه عمي اتظلم من حقه في ميراث جدي زي مافهمني. بس جه يوم الفرح ومسح أي ذكرى بينا حلوة وخلاني أكره أكتر شخص في الدنيا حبيته."

تنهدت بقلة حيلة تهز أكتافها: "لقيت كريم بيقولي دا هيكتب عليكي أصل ابن عمك قال فيكي كل الكلام الحلو. وطبعًا بابا وكريم صدقوا وجوزوني غصب عني ياسين المتهور دا." ضمتها جنى لأحضانها قائلة: "عارفة أنا المفروض أشكر ابن عمك دا، عشان خلاني أعرف أجمل بنوتة في الدنيا." ابتسمت من بين بكائها: "إنتِ جميلة أوي يا جنى، ربنا يسعدك مع حبيبك يارب." رفعت جنى كفيها للسماء قائلة:

"ياااااارب يسمع منك، أصل معمولي عمل على قرموط في بحر مليان ميه جارية." قهقهت الفتاتان كأنهما لم يتوجعا من ألم الحب ثم توقفت جنى: "قومي نعمل نسكافيه، وأدخلك فن الرسم هينسيكي كل حاجة." تذكرت شيئاً فطالعتها: "بس ياسين ابن عمي طلع راجل أوي يا عاليا، الواد الصراحة عجبني من الموقف دا." مصمصمت شفتيها بحركة مرحة ولطمت كفيها ببعضهما: "آه دا زي التور اللي مصدق طلقوه من عنبر الحيوانات." قهقهت جنى عليها تلزكها بكتفها:

"بس يابت... دا ياسو العشق، تعرفي ياسين دا أكتر واحد في ولاد عمي بحبه، تحسيه راجل في نفسه." وضعت عاليا وجنتيها فوق راحتيها ترمقها مستهزئة: "اممم... يا محنو، كملي. وياترى حضرة الظابط يعرف ولا دا عادي عشان إخوة يا حنينة." أطلقت ضحكة ناعمة تهز رأسها: "إنتِ مشكلة وحياة ربنا، وبعدين عيني في عينك كدا الواد مش هزك يابت، دا عليه عضلات سالمان خان." ارتفع وجه عاليا بشبه ابتسامة:

"دول عضلات الحمار الوحشي، بقولك تور وطلقوه تقوليلي يعجبك." *** سحبت نفسًا ناعمًا وذهبت بذاكرتها: "ياسين معذور، اتخدع ببنت حبها وهي لعبت بمشاعره ممكن الموضوع أثر عليه عشان كدا بيعاملك بقسوة، بس ياسين مفيش أحن منه صدقيني، جامع صفات عمو جواد كلها وقت الوجع تلاقيه سندك ووقت الفرح تلاقيه سعادتك." "شوفت يا حضرة الظابط مراتك بتتغزل بجوزي... هبت فزعة قائلة: "جاسر متفهمش غل...

" ولكنها توقفت عن الحديث عندما التفت ولم تجد أحدًا واستمعت لضحكاتها: "كملي ياست المتجوزة، كان نفسي يسمعك، وقتها كنا قرينا الفاتحة على ياسو بتاعك وخلصت منه، وأهو أورثه بدل ما أنا مش مستفادة حاجة من." دفعتها بقوة تسبها ثم ولجت للمطبخ. الصفحة التالية الفصل الثالث والعشرون عند جاسر وجواد. توقف بالسيارة أمام منزل والده. نظر جواد أمامه وتحدث: "جاسر!! كنت تعرف إن فيروز مشلتش الرحم." جحظت عيناه ينظر لوالده بذهول:

"تقصد إيه حضرتك يا بابا." استدار إليه بجسده: "أمها لعبت لعبة حقيرة يوم حادثة جنى عشان يخرجوا منها أمها خلت الدكتور ينزل الجنين، وقال إن الرحم لازم يتشال من النزيف." بملامح جامدة تنبت من الصدمة والذهول، كان يستمع لوالده وكأن أشواك مسننة تخربش صدره بالكامل. فاستدار يبتعد بنظره وصدره فوهة بركانية للانصهار قائلاً: "لدرجة دي يا بابا، يقتلوا نفس بريئة عشان يهربوا." حمحم جواد قائلاً:

"أنا مقصدتش دا يا حبيبي، أنا أقصد حاجة تانية، وبعدين مش عايزك تزعل إنت ربنا عوضك، وبكرة مراتك تجيب لك بدل العيل اتنين وتلاتة، اللي أقصدُه من كلامي لو حصل حاجة بينك وبين البت دي وأنت مش فاكر ممكن بعد كام شهر تيجي تقولك أنا حامل، حتى لو مكنتش حامل وقتها هتعمل شوشرة، وحياتك هتتدمر، غير المرة دي مستحيل صهيب يسامح، صدقني وقتها هيدوس عليا عشان بنته، فلازم تشوف هتعمل إيه، أنا قولت لأيمن يحبسها في بيتها وممنوع تخرج حتى لو وصل بيا الحال أموتها، أصل اللي زيها ميستاهلش الشفقة والرحمة."

زفر بحدة ليخرج وجعه القابع بصدره قائلاً: "أنا اللي خايف منه إنها تكون مصورانا وتبعتها لجنى، وقتها مش هقدر أعمل حاجة، دا من مجرد كلمتين كل شوية تقولي طلقني، تخيل لو عرفت حاجة زي دي ممكن تعمل إيه." "حياتي اتهدت أنا حياتي كدا اتهدت." ظل يرددها وهو يضرب المقود بعنف حتى كاد أن يكسر معصمه. أمسك والده كفه قائلاً:

"اثبت وفوق لازم تفكر هتنهي الموضوع دا إزاي من غير خسارة. أولاً فيروز مش هبلة عشان تجري تقول لجنى دلوقتي، هي بتخطط لحاجة أكبر، إنت استغل الموضوع دا عشان تخلص منها للأبد." أشار بسبباته محذراً إياه: "إياك تتمادى بغلط أكبر من غلط، إنت ظابط كل خطوة تكون بحساب، راجل قانون من الآخر. زمان دفنت واحدة حية لما فكرت تقرب من أمك، وبيجاد دفن عمتي وبنتها عشان غنى، ياترى يا ابن جواد إنت هتعمل إيه عشان مراتك."

أنهى حديثه بنظرة قاتمة تحمل من التحذير ما يكفي لإفاقة ابنه. ترجل جواد من السيارة ثم استند على بابها: "قدامي أقل من ساعتين هسافر مع عز ومامتك، عمك حالته مش تمام، مش عايز نهايته تبقى على إيدك يا جاسر، اللي عمل في عمك كدا، جنى...

مجرد ما جنى بعدت عنه شوفت حصله إيه، تخيل لو حصلها حاجة بسببك ممكن يعمل إيه. كلمة أخيرة. مهما جنى تقولك طلقها متسمعش كلامها، دي عاملة زي أمك كلام في الهوا، أصلي عانيت قبلك يا ابن جواد، بس الفرق بينا كبير. أنا مكنتش بستحمل دموعها، لكن إنت ماشاء مكنة قهر برجـلين ماشية على الأرض." اعتدل بوقفته يشير بيده:

"ارجع على بيتك، مراتك اتصلت بمامتك مرتين هتموت عليك من الخوف، رغم إنك حِلوف معاها، حاول متبينش حاجة لحد ما نعرف بنت هاشم بتخطط لإيه، مع إني عرفت خلاص إنها مش عايزة غير تخنقك حواليها وخلاص." *** وصل بعد قليل لمنزله ينظر إليه بألمًا يفتت قلبه وجعًا، ترجل بهدوء، وبخطوات بطيئة كأنه يتعلم المشي حتى وصل إلى الداخل. وجدها تخرج من المطبخ تجمع خصلاتها بقلمها الرصاص، وابتسامتها التي حُرم منها تزين شفتيها وهي تهتف:

"خلاص يا بنتي، والله لأقول لياسين لما يرجع." ولكنها توقفت عن الحديث وتجمدت ابتسامتها، عندما وجدته يقف بتلك الحالة يستند على الجدار. وضعت كوبها فوق المائدة وهرولت إليه: "جاسر!! طالعها بعيون الخذلان والألم. وقفت أمامه تحتضن وجهه عندما وجدت دموعه المتحرجة داخل مقلتيه، ارتفعت دقاتها حتى كادت تخترق ضلوعها فتساءلت: "حبيبي مالك إيه اللي عامل فيك كدا...

أبحر برماديته على ملامحها الندية، تمنى يزهق روحها داخل أحضانه، يعشقها بجنون. أمسك كفيها الذي تحتضن به وجهه وأغمض عيناه متسائلاً: "بجد يا جنى أنا حبيبك." ابتلعت غصتها وتناست ما صار إليها. فهزت رأسها: "إزاي لسة بتسأل يا جاسر." "مبقتش واثق فيكي مش دا كلامك." آلمها حديثه وكأنه غرسها بخنجر بروحها: "سبيني يا جنى!! "لا إنت فيك إيه، إيه اللي حصل معاك." تحرك متخبطًا: "مفيش حاجة!! نظرت لعاليا الصامتة ثم اتجهت إليه سريعًا:

"جاسر!! أغمض عيناه محاولاً السيطرة على نفسه. اقتربت منه تبحث بعينها عن ما يؤلمه، احتضنت ذراعه: "مش هتقول لجناك مالك." كعصفور بترت أجنحته، تحرك وهو يتحدث: "تعبان بس وعايز أرتاح." لحظات مرت عليها وهي تراقب تحركه. وصلت إليها عاليا: "إيه مش هنروح المرسم." هزت رأسها رافضة: "لا يا عاليا، هروح أشوف جوزي ماله. آسفة مش هقدر أركز في حاجة وحالته كدا." ربتت عاليا على كتفها: "لا يا حبيبتي روحي."

تحركت سريعًا متجهة للأعلى. دفعت الباب ودلفت للداخل وجدته ينزع ثيابه متجهاً للمرحاض. توقف ينظر إليها بصمت حتى اقتربت منه: "إنت مخبي عليا إيه." هنا تحرك إليها بخطوات بطيئة وعيناه تعانقها وروحه تأن بألم ينخر بصدره، امسك كفيها يربت عليهم: "جنى أنا محتاجك أوي." احتضنت كفيه التي يمسكها بها، وطبعت قبلة عليهما. "وجنى جنبك هنا." جذبها بقوة يضع رأسه بعنقه وآه حارقة خرجت من ثنايا روحه هامسًا بأنفاسه الحارة: "تعبان...

تعبان أوي." ترقـرقت عيناها واقتربت تلامس خاصته هامسة له: "سلامتك حبيبي من التعب." ابتسامة من ثنايا عشقه يعصرها بقوة لأحضانه حتى ذابت منصهرة تشدد من أحضانه تستمع لحديثه: "مش عايز غيرك... والله ما عايز غيرك." أخرجها من حضنه. والتقط كرزيتها بعشقه الجان، يفصل جنان عشقه وسبح بعسلها يدنو من ثغرها: "خديني في حضنك، حبيبك تعبان."

سحبت كفيه حتى وصلت للفراش تتمدد بجواره على الفراش. وضع رأسه بأحضانها، وكأن هنا ملاذه وراحته. أغمض عيناه يسحب عطرها الذي أصبح جرعته. خللت أناملها بين خصلاته: "احكيلي حبيبي، قولي إيه اللي تعبك، واتأخرت ليه، مكنتش عند عمو باسم." ظل صامتًا لدقائق ناعمة بينهما وهي تتلاعب بخصلاته: "مش عايز تحكيلي يا جسور، هانت عليك جنجونة حبيتك تخليها قلقانة عليك." رفع رأسه من أحضانها: "جنى إنتِ لسة زعلانة مني." وضعت رأسها بجوار رأسه

ثم رفعت كفيها على وجهه: "وأنا لسة مبأثرش فيك يا جاسر، بقيت عادية ومبقتش تحبني، مش إنت اللي قولت كدا." دنى بأنفاسها الحارة: "كذاب... فيه حد يصدق واحد كذاب." امسك كفيها يضع موضع قلبه ثم همس وهو يلامس ثغرها بخاصته: "طول ما دا بيدق اعرفي إنك ساكنة الروح، وقت ما يوقف عن النبض اعرفي إني ميت وإنك ميتة." دنت تختبأ بأحضانه، ثم رفعت ذراعيه تحاوط خصره: "طيب ليه كل شوية توجع قلبي يا جاسر." داعب وجهها يمرر أنامله عليه بالكامل:

"أنا مجنون بيكي يا جنى... زي ما إنت مجنونة بيا يا روحي." لمعت عيناها بالسعادة مما جعلها تضع رأسها بعنقه هامسة له: "بحبك أوي يا ابن عمي." مسد على خصلاتها مقتربًا من ثغرها: "وأنتِ بقيتي إدمان لابن عمك يا بنت عمي." قالها وهو يحتوي ثغرها ليذيقها من ترانيم عشقه. عند جواد بعد خروج جاسر. توقف بالسيارة أمام منزل عز الذي يضع بها حقيبته. فتح الباب واستقلها: "وصلني عند باسم في عشر دقايق." تعرف عز بالسيارة يدقق النظر بملامحه:

"عمو مالك وشك مخطوف كدا ليه، وإيه الموضوع." أشار بيديه: "سوق يا عز عشان منتأخرش على الطيارة." وصل بعد قليل فاتجه ببصره إليه: "خليك هنا خمس دقايق ورجعلك." ترجل من السيارة متجهاً إليه، ولج للداخل بعدما استقبلته الخادمة. كان باسم يجلس يتناول إفطاره بجوار زوجته وابنه. توقف أمامه يرمقه بغضب ووجع بآن واحد. نهض باسم من مكانه بعدما وجده بتلك الحالة: "جواد!! اقترب منه جواد والحزن يجوب على ملامحه حتى حفر ثقوبًا

بداخله وعيناه تناظره بصمت: "جواد مالك بتبصلي كدا ليه؟! صمت برهة يتأمل الحسرة والخذلان المرتسم فوق ملامح جواد. فأمسك كتفه يهزه: "جواد... دفعه جواد مبتعدًا: "ولادي اعتبرتهم ولادك، كنت ببقى نايم مرتاح عشان عارف إنهم عند بيت أبوهم زيك زي حازم وسيف وصهيب." ظل باسم يستمع إليه بعينين متوهجتين كالنيران. فرفع كفيه أمام جواد: "جواد إيه لزوم الكلام دا." لكمة قوية بوجه باسم يدفعه بقوة حتى سقط على المقعد يمسكه من تلابيبه:

"أنا ابني على آخر الزمن يزني بسببك يا باسم... ابني يتغدر بيه في بيتك، في بيت أخويا يالا." توقف باسم مذهولاً ينظر إلى حياة التي تضم ابنها تحتضنه حتى لا يرى صراعهما، ثم استدار إلى جواد: "تقصد إيه." انحنى جواد يحاوطه بذراعيه: "ابني اتحطله حاجة في أكله أو شربه هنا يا باسم، والست فيروز مستنياه برة، وفي الآخر ابني يصحى يلاقي نفسه عندها والباقي أكيد عارفه." "إنت بتقول إيه مش فاهم."

صعق باسم حينما فهم مايؤول إليه جواد. اتجه بنظره إلى حياة التي طأطأت رأسها تهزها: "والله يا باسم ما عملت أكل... جت دخلت قعدت شوية بس ومشيت." تحرك جواد مغادرًا: "يا أسفي عليكوا... يا أسفي على الصداقة." نهض من مكانه وكأن هناك صاعقة صفعته بقوة بصدره، فاقترب منها: "فيروز دخلت بيتي بعد اللي عملته." "باسم هي كانت بتعيط." صاح على مربية ابنه: "خدي فارس الجنينة." ثم اقترب منها يمسكها من أكتافها يهزها بعنف:

"كسرتي كلامي ياحياة، دخلتي فيروز بيتي." "باسم اسمعني." "باسم اسمعني؟! أشار بسبباته: "اخرصي مش عايز أسمع صوتك، ردي على السؤال بس." انسابت عبراتها وأجابته: "جت قبل ما جاسر يجي بساعة ومشيت قبله بربع ساعة." "هي اللي عملت الأكل." هزت رأسها بالنفي سريعا: "أبدا والله مقربتش من حاجة ومسبتهاش لوحدها ولا لحظة، مفيش غير وقت ما طلعت أغير هدومي بس." صاح باسم على الخادمة: "فيروز دخلت المطبخ امبارح."

هزت الخادمة رأسها وقصت ماله. ثار باسم بغضب وكأنه تحول لشيطان يركل كل ما يقابله. اقتربت تمسك كتفه: "باسم اسمعني." "إنتِ طالق ياحياة." توسعت عيناها تطالعه بذهول. ظل لفترة ونظرات خذلان بينهما حتى استدار متحركًا للخارج. الصفحة التالية الفصل الثالث والعشرون *** عند جواد بسيارته. "عز دقيقة واحدة على العنوان دا." توقف عز بالسيارة يدقق النظر بملامحه: "عمو مالك وشك مخطوف كدا ليه، وإيه الموضوع." أشار بيديه:

"سوق يا عز عشان منتأخرش على الطيارة." وصل أمام العمارة التي تسكن بها فيروز، ثم دفع الباب بقدمه حتى انفتح على مصراعيه. كانت تجلس منكمشة منذ أن أخذها الرجل وحبسها بمنزلها، وأخذ هاتفها مانعًا جميع التواصل بها. لج للداخل يشير بيديه للرجل الذي معه: "افحصلي الشقة دي، أي كاميرا فيها طلعه." جلس يضع ساقًا فوق الأخرى. يشير بيديه إليها. نهضت تطالعه بصمت:

"جتلك وقولتلك بعاملك بقلب أبو جاسر وحاولت أفهمك، بس الهبلة مفكرة إنها ذكية." نهض من مكانه وتحرك إليها وفجأة على غير عادته، جذبها من خصلاتها: "بقى حتة عيلة تلعب بشرف ابن الألفي يابت، اتجننتي." جذبها يدفع رأسها بالجدار بقوة ثم تركها حتى سقطت تبكي وتصرخ به: "ابنك دا جوزي، حبيبي اللي حضرتك خطفته مني ورحت جوزته لبنت أخوك." أمال بجسده يرمقها بنظرات لو خرجت من مقلتيه لأحرقتها قائلاً:

"وعزة ربنا يافيروز لو قربتي من بنت أخويا لادفنك حية." انحنى أكثر يجذبها من عنقها يضغط بقوة عليه حتى كادت أن تلفظ روحها، ثم تركها يدفعها بقوة: "قربي من ابني تاني وشوفي هعمل فيكي إيه، أنا دفنت ناس بعدد شعر راسي. كنا بودي مش أحبسك والهبل بتاع جاسر دا، وأشوفك هتعملي إيه لكن للأسف خايف من القذارة تلوث بنت أخويا، أسبوع واحد بس أفوقلك وأعرفك مين هو جواد الألفي، أو أقولك روحي اسألي عليها سحر."

إنما هي اللي قالتلك على الخطة النجسة دي بعد ما زرتيها. مط شفتيه يهز رأسه: "أكيد الرقاصة هي بتاعة الخطط دي." حدجها بنظرة مشمئزة ثم أردف: "معرفش ابني إزاي اتجوزك وقرب منك، دا أنا قرفان أبص في وشك، شايفك بنت زي الحرباية بتتلون، بس العيب مش في ابني، العيب فيا أنا." مسح ذقنه مقتربًا منها: "تحبي نهايتك تكون إزاي، أنا بقول شوية ميه نار على وش الحلوة اللي فرحانة بيه." رفع سبباته وهدر محذرًا إياها:

"أي سفالة منك ياسافلة هنهيكي، دول ولاد الألفي اللي بتحاولي تجذبيه لقذراتك." "محسن... هدر بها جواد: "البت دي متشمش هوا البلكونة حتى لحد ما أرجع." بمنزل جاسر. فتحت الجميلة عيناها ترسمه ببنيتها. ثم مرت أناملها على وجهه وانحنت تطبع قبلة حانية على وجنتيه هامسة له بعدما وضعت وجنتيها فوق رأسه تحتضن كفيه تخلل أناملها بأصابعه: "حبك بقى داء ودواء يا ابن عمي، معرفش الحب كله كدا ولا إحنا اللي حبنا له طعم تاني."

فتح عيناه بعدما شعر بها ولكنه ظل صامتًا. فاكملت حديثها: "شوفت الدوا المر اللي لازم تاخده عشان تخف وتتعالج. آهو إنت كدا يا جاسر بالنسبالي، لازم أفضل أحبك وقلبي يدق بنبضك عشان أعرف أعيش، لو بعدت عني أموت، موجع أوي." أغمضت عيناها مبتسمة: "بس رغم وجعه بس بعشقه." لحظات وكانت أسفله يحاوطها بجسده: "أنا حبي موجع يا جنى، لدرجاتي بتتوجعي مني." لمست وجنتيه مبتسمة: "بس أحسن وجع، جاسر لجنى الروح والحياة." استند بجبينه فوق جبينها

وهمس بأنفاسه الحارة: "وحنى روح جاسر." رفع نظراته ورسم ملامحها الندية لقلبه: "المفروض النهاردة أكون أسعد راجل في الدنيا، بعد ماشوفت ضحكة حبيبتي، ورجع قلبي ينبض من تاني." داعب وجهها بأنفه هامسا لها: "وحشتيني أوي أوي يا جنجون." رفعت ذراعها تعانق رقبته: "وأنت كمان وحشت جنجون." غمز بعينيه: "إد إيه... ماتوريني كدا عايز أشوف وبعد كدا أحكم."

جذبت رقبته ودنت تلثم ثغره حتى ذاب الاثنان برحلة عشقهما. غاص بها تحت سطوة عشقه يسكب لها من نيران عشقه ما ألذ لها، طاف بها وطافت بها على أنغام دقات القلوب، وأنفاسهما الحارقة تلهب ما يقترب منهما. أخيرا استحوذ عليها ببحر عشقه الذي أبعدهما أكثر من ثلاثة أشهر كان يعتصران من ألم الفراق في غيبات الحب.

بعد فترة من نعيم الجنة تناسى بها كل ما صار له. جذبها لأحضانه يحاوطها بذراعين ينعمان بالحب والحنان، وشعور الراحة يسير داخل الأبدان. همس بجوار أذنها بنغمة عاشق حد الجنان: "أموت بكِ عشقًا يا سيدة الأكوان." استنشقت رائحته الرجولية التي ألهبت دقات قلبها بين الضلوع وهمست بلسان يذيب بعشقه لأبعد الأزمان: "دعني أحطم غرورك داخل أحضاني يا ملهم الروح والكيان."

قبلة فاصلة لتذهب الأرواح بسبات عميق حتى استيقظ بعد فترة يداعب جفونها بعينان ترسلان أسهم العشق والاشواق. فتحت عيناها وابتسامة جميلة تداعب وجهها قائلة بنبرة متحشرجة: "صباح الحب." قبل ارنبة أنفها قائلاً: "مساء العشق يا جنة الخلد والريحان." أفلتت ضحكة تعتدل على الوسادة تقترب منه تضع رأسها بصدره: "عايزة نسافر بعيد كام يوم، مش عايزة أشوف حد غيرك ممكن." رفع كفيها يقبلها:

"مهلكتي تؤمر وعليا التنفيذ، بس خايف عليكي حبيبتي مقدرش أمسك نفسي." لكمته بصدره: "متبقاش قليل أدب بقى، بتكلم جد، أعصابي تعبانة، بقالي وقت مبعملش حاجة فعايزة أغير جو، عشان أرجع على شغلي." داعب وجنتيها بابهامه: "حاضر عيوني." اقتربت تطبع قبلة على وجنتيه، ثم بحثت بعينيها عن شيئاً ترتديه فضكت بصوت مرتفع: "مضطرة آخد قميصك يا حبيبي."

جذبته قبل ما تصل يديه إليه. فقهقه بصوته الرجولي، حتى أنارت الدنيا حولهما وغردت الطيور لفرحة قلبهما. جذبها حتى سقطت فوق الفراش تضحك بعدما ارتدت قميصه تغلق أزراره: "جاسر... وسع بقى ماتبقاش بايخ." حاوطها بذراعيه ينظر إليها وهي أسفله. ملامحها الطفولية البريئة يتشعب لها القلب ويحنو لها القاسي فهمس دون تردد: "جنى تعملي إيه لو خنتك من غير ما أقصد، غصب عني." ارتفعت ضحكاتها تحاوط عنقه:

"وياترى الكابوس دا في حضني ولا لما كنت بعيد عن حضني." أمال يقبلها يردد من بين قبلاته: "ياريته كابوس، بس والله العظيم ما حسيت بحاجة حطولي دوا في الأكل." توقفت عما تفعله عندما وجدت دموعه. فهبت فزعة معتدلة: "إنت بتقول إيه يا جاسر." يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...