لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أحتاج إليك كحاجة العصفور لجناح وليفه، فهلّا ضممتني. من أين لي.. أن أعاملك كغريب بعد أن كنتَ موطني؟! أن أمر بجوارك ولا أنتبه، بعدما كنت أستشعرُك وبيننا أميال وأميال؟! من أين لي.. أن أنسىٰ ملامحك التي كنت أحفظها عن ظهر قلب؟! أن لا أميّز صوتك من بين ألف صوت؟! من أين لي.. أن تُصبح شخصًا عاديًا، ومن قبل.. كنت روحي؟! انحنى بجسده وعيناه تغرز بفيروزتها.
"فيروز إنتِ طالق، عارف إني اتأخرت، بس معلش ملحوقة، متعرفيش إن رب الخير لا يأتي إلا بالخير." قالها ناصبًا عودًا معتدلًا بوقوفه، يطالع صدمتها ودموعها التي انهمرت بغزارة. "أكيد بتهزر مش كدا، مستحيل تعمل فيا كدا، إنت بتحبني يا جاسر مش كدا؟ اعتدلت متأوهة وتوقفت متجهة إليه. "حبيبي أنا آسفة، متعملش فيا كدا لو سمحت." حاوطت خصره ووضعت رأسها على صدره تبكي بشهقات. "جاسر متعملش فيا كدا، إنت عارف بحب... راجع للخلف وأبعدها بهدوء.
"فيروز أنا طلقتك، مفيش حاجة هتربطنا تاني، طلع بابا عنده حق، إنتِ متنفعنيش، حياتك غير حياتي." صرخت فيه بقهر. "قولي بقى أخدت الأمر من سيادة اللوا، ماهو أنا بنت المجرم، اللي أبوك أقنعك بكدا، عيلتي كلها مجرمين، إنما إنتوا طاهرين مش كدا يا حضرة الظابط؟ ظل واقفًا بجموده وكأن كلماتها كالهوا لا تعنيه، فهتف وهو يضع كفيه بجيب بنطاله.
"كل حقوقك هبعتهالك، شقة النيل هكتبها باسمك زي ما كنتي عايزة، مؤخرك هيوصلك، كل ماتحتاجيه هيكون عندك." دفعته كالمجنون وتناسّت آلامها، تصرخ فيه. "مستحيل، مستحيل تبعد عني يا جاسر، يا تعيش معايا يا أما مفيش حياة ليك مع غيري." ولجت والدتها بعد صرخات ابنتها. "مالك ياروزة؟ بتصرخي كدا ليه؟ ثم اتجهت إلى جاسر. "يعني بقالك أسبوع مختفي ومحاولتش تيجي تشوفها، ويوم ما تيجي تخليها تعيط." استدار متجها إلى باب الغرفة.
"انتهينا يا فيروز، وياريت تنسي في يوم إنك قابلتي واحد اسمه جاسر." وزع نظراته عليها وأردف متهكمًا. "متخافيش الست ماما هتعرف تنسيكي بسرعة." ذُهلت سحر مما استمعت إليه، فأسرعت تمسكه من ذراعه. "يعني إيه كلامك دا؟! رفع نظره لكفيها على ذراعه، ثم إليها وجز على أسنانه ضاغطًا عليها. "إيدك، متطوليش على أسيادك، مش معنى كنت جوز بنت كنت بحترمك، قرفك كله عندي." نفض كفيها كأنها شيئًا مؤذيًا. وأشار بسبابته إليها.
"لسة محسبتكيش على اللي عملتيه، أفوقلك بس يا مدام." قالها وتحرك متجها للخارج. جثّت فيروز على الأرض تصرخ باسمه. "جااااسر متسبنيش." اتجهت والدتها إليها. "الواد دا عمل فيكي إيه؟ فوقي كدا واحكيلي إيه اللي حصل." على بُعد بعض الكيلو مترات بمشفى أخرى، كانت الجميلة تغفو بالمهدئات وأصبحت كزهرة خريف تبعثرت وريقتها. وبجانبها يجلس أبوها يحتضن كفيها ويطبع قبلة عليها. ولجت نهى إليه.
"صهيب حبيبي قوم ارتاح، الدكتور منعك من الحركة، لازم ترتاح لو سمحت." نظراته مصوبة على ابنته التي ذُبلت وأصبح وجهها شاحبًا. استمع إلى همسها باسم جاسر. نهضت تصرخ وتضع كفيها على أذنها تنادي باسم مالك قلبها. احتضنها والدها يحاوطها كالطفل الرضيع. "اهدي حبيبتي أنا جنبك، بابا جنبك يا جنى." بكت بصوت تنفطر له القلوب. "بابا احميني يابابا، احميني." دَلفت غزل إليهما. جلست بجوارها، تتلقاها من صهيب الذي انهارت قواه.
"جنى حبيبتي.. عاملة إيه." تراجعت بجسدها تحتضن نفسها، توزع نظراتها عليهما، ثم وضعت رأسها على حافة الفراش وهمست بدموعها. "قالي استني حبيبتي أنا جايلك، احمي نفسك وأنا جايلك." "خوفت واستخبيت." قالتها وهي تنظر لأركان الغرفة كأنها تبحث عن أحدهما. فاستأنفت ببكاء كزخات المطر. "هو اتأخر وهي سابتني لوحدي." صرخت كثير كثير، بكت بشهقات وهي تنظر لوالدتها. "دورت عليكو، محدش جه وأنقذني منهم." نظرت لنفسها وصاحت ببكاء مرتفع.
"قطعوا هدومي، وأنا فضلت أترجاه، قالي هتمتع بيكي على سرير ابن عمك عشان أحصرك عليكي." صرخت ودافعت عن نفسي وضربته يابابا، وناديت على جاسر كتير. "قالي كلام وحش." وضعت كفيها على أذنيها وصرخت باسم جاسر كأنها تتعرض مرة أخرى للاعتداء. "جااااسر." صرخت بها تبتعد عنهم وهي تنظر إليهم بخوف كأنها لا تعرف أحدًا منهم. اقترب صهيب محاولًا السيطرة عليها عندما بدأت تمزق وجهها بأظافرها. "نفسه هنا، امسحوا نفسه من على وشي."
بدأت تمزق وجهها كالمجنون. بكت نهى بشهقات عندما وجدت حالة ابنته. تحركت غزل سريعًا مسيطرة عليها بمساعدة صهيب وقامت بحقنها، رغم ارتجاف كفيها من حالتها التي تدهورت يومًا بعد يوم. ولج جواد بعدما استمع إلى صرخات جنى عندما وصل إلى غرفتها. تحرك سريعًا عندما فشل صهيب بحملها بسبب تعبه. حملها عنه ودثرها بالفراش وهي تهذي بكلمات لم تفهم. رفع بصره إلى غزل. "هي هتفضل كدا يا غزل؟ عايشة على المهدئات؟
جلست غزل بجوار نهى التي انهارت بالبكاء. ربتت على ظهرها وأجابت زوجها. "للأسف يا جواد الحادثة كانت صعبة أوي عليها، ومننساش إن جنى أصلاً حساسة، وكانت بتتأثر من كل حاجة." نظرت إلى صهيب بأعين تفيض ألمًا. "صهيب لازم تتعرض على دكتور نفسي، مفيهاش حاجة عضوية." أطبق على جفنيه. ساعده جواد على الوقوف. "صهيب قومت ليه من سريرك، تعالى معايا." استدار بنظره إلى ابنته. "وأسيبها لوحدها يا جواد؟
طيب لما تفوق ومش تلاقيني هتقعد تعيط وتخاف، دا أنا جنبها وصرخت." انحنى يلمس وجنتيها التي قامت بجرحها. "شوفت عملت في نفسها إيه." صمت للحظات مستندًا على جواد. "فين جاسر؟ أوعى تكون طردته زي ما سمعت يا جواد." تحرك جواد معه للخارج متجها لغرفته. "صهيب ارتاح، نتكلم بعدين." أمسك كف جواد وبعيون أرهقها الحزن والألم. "أنا عايز جاسر يا جواد، ابعتله هاته." ساعده جواد في التسطح. "نام دلوقتي حبيبي وبعدين نتكلم، جاسر في شغله."
وضع له ماسك التنفس عندما وجد تنفسه ضعيف، ممسدًا على خصلاته. "ارتاح ياحبيبي حاول تتنفس كويس، سيف جاي هو وميرنا في الطريق بعد ما عرفوا اللي حصل." رفع الماسك وأردف. "جواد مش عايزة زحمة، مش عايز بنتي تحس باختلاف في حياتها، كل واحد يرجع يمارس حياته زي الأول والحمد لله إنها جت على قد ما." ولجت مليكة بجوار جواد ابنها. "عامل إيه يا صهيب؟ هز رأسه ورسم ابتسامة. "كويس ياحبيبتي، مكنش المفروض تسافروا النهاردة، ليه ماسفرتوش؟
تحركت وجلست بجوار جواد أخيها تربت على كفيه. "حبيبي نطمن عليك وعلى جنى الأول." رفع بصره إلى جواد. احتضنها جواد من أكتافها. "ملوكة جنى كويسة، وصهيب كويس أهو، سافري حبيبتي ومتشغليش بالك." بانتظار نهضت غاضبة ونظرت إليهم بحزن. "يعني بتطردوني من حياتكم يا جواد؟ يعني مش كفاية طردتوا ولادي من ارتباط بناتكم وولادكم، جاين كمان مش عايزينى أشارككم وجعكم وحزنكم؟
ذُهل جواد من حديثها، فنهض متوقفًا بإتجاهها وسحب كفيها للخارج عندما ذهب صهيب بنومه. "ليه يا مليكة بتقولي كدا؟ من إمتى وإحنا بنبعدك، إنتِ شايفة حالة أخوكي إزاي، مش عايزين نتعبُه." انسابت عبراتها وتحدثت بصوت متحشرج من البكاء. "ماهو إنت مستخسر فيا أكون جنبكم يا جواد، معتبرني غريبة، دا حتى الغرب موجودين ومتكلمتش." قطب جبينه متسائلًا. "غرب!! مين دول؟ اقتربت تغرز عيناها بمقلتيه.
"ريان يا جواد، ريان اللي من يوم الحادثة وهو ملازمكم، إنما لما قولت هبعت لحازم رفضت، وكأن حازم دا مش من العيلة." تنهيدة عميقة بأنفاس حارقة خرجت من جوفه. "مليكة أنا مش متحمل الضغط دا كله، كفاية تعب أخوكي، ومشاكل عز وجاسر، وجنى اللي يوم عن يوم حالتها بتدهور وإنتِ جاية بتكلميني في ريان وحازم." زفرة محملة بالوجع وأشار على صدره.
"هنا نار بتحرق أعصابي، أنا ربنا أعلم بحالتي إزاي قادر أقف على رجلي، ابني اللي من أسبوع معرفش عنه حاجة، بعد ما طردته، حتى معرفش لقي مراته ولا لأ." وحالة عز اللي مش عارف أسيطر عليه. أمسكها بعنف صارخًا. "أنا ببعد عز عن جاسر يا باشمهندسة عشان ميتورهوش ويؤذوا بعض، وصل بيا الحال أفرق ولادي عن بعض." أشار إلى غرفة صهيب واستأنف غاضبًا.
"اللي جوه دا عنده شريان اتقفل خالص ومحتاج عملية في أقرب وقت، ردي عليا وقولي أساند مين ولا مين وأنا بسند نفسي بالعافية عشان محدش ينهار، عشان منخسرش أكتر من كدا." رجع خصلاته بغضب كاد أن يقتلعها وصاح معنفًا إياها. "العيلة بتوقع، وإنت مش حاسة بحاجة، مشفتيش عز بيعامل روبي إزاي، مشفتيش اتهاماته لجاسر." "اهدي يا مليكة مش وقت جواد ولا ريان ولا حتى حازم." قالها وتحرك سريعًا.
بعد فترة وصل جاسر متجها إلى غرفة جنى، قابلته غزل على باب الغرفة. "حبيبي إنت فين؟ ومراتك فين؟ كانت عيناه على غرفتها. فتحرك متجها إليها. "هشوف جنى الأول." أمسكت كفيه تهز رأسها رافضة. "نهى جوه، وبلاش يا جاسر، باباك قال إيه، ممكن تبعد حبيبي لما الدنيا تهدى." سحب والدته وأشار بسبباته. "ماما هدخل أشوف جنى، ياريت الكل يتقبل وجودي جنبها." وصل عز وبأعين يتطاير منها الشرار توقف أمامه يدفعه. "الواد دا بيعمل إيه هنا؟
أتى للكمه أمسك ذراعيه جاسر، ونظر لمقلتيه بتحدي. "أنا عذرك بس هتسوق فيها هدوس عليك ومش هرحمك، اللي جوه دي مش اختك بس، ليا فيها أكتر منك." ثارت جيوش غضبه، فلكمه بقوة. "بتقول إيه يا حيوان." شهقت غزل وهي تضع كفيها على فمها، تحاول أن تفصل بينهما ولكن كان بداخل كل واحد نيران تلتهم الآخر. استمع إليهم ريان الذي خرج من غرفة صهيب. زفر مختنقًا، فالوضع أصبح مؤلمًا. "فيه إيه منك له، مفيش احترام خالص، طيب راعوا إننا في مستشفى."
اتجه بأنظاره إلى جاسر وتحدث بفظاظة. "جاسر الحكاية مش ناقصة يابني، ووجودك دلوقتي مش مستحب، بلاش نشوف قلبة جواد عليك، فلو سمحت امشي من هنا فورًا قبل ما باباك يجي." ثم اتجه إلى عز. "عارف إنك مجروح على اختك، بس دا ابن عمها يعني دمها ولحمها، متنسقش ورا غضبك يابني، الغضب نار بتاكل كل اللي يقابلها، وفكر في تعب أبوك." مسد على كتفه وأشار إلى جاسر. "إنتوا قبل ما تكونوا ولاد عم فأنتم إخوات، بلاش شيطانكم يخسركم بعض."
"يلا يا جاسر، امشي لو سمحت." "عمو ريان مش همشي غير لما أشوف جنى، هشوفها يعني هشوفها." كور عز قبضته يجز أسنانه. "الواد دا عايز أموته، شوفت يا عمو ريان بتقولي أخوك." فتح الباب ودلف مغلقًا الباب خلفه. وكأنه لم يستمع إليهما. أتى ليدلف خلفه أمسكه ريان. "عز خلاص بقى سيبه يشوف بنت عمه، هو معذور إنت مش شايف حالته، مرتاح كدا وإنت شايف جاسر كدا، دا متأثر أكتر منك، اتلم كدا عشان اليوم يعدي على خير."
بالداخل كانت نهى تمسد على خصلاتها وتقرأ قرآن بجوارها، شعرت بدلوف أحدهما رفعت عيناها. وجدته متوقفًا على بعد خطوات. أشارت بكفيها، تحرك بخطوات سلحفية وعيناه تغشاها الدموع تظلل غيمته وقلب متهمشًا من الحزن والوجع، ظل يخطو كطفل يتعلم المشي وهو يبحر بعيناه عليها، جلس بجوارها. ثم دنا يطبع قبلة على جبينها، وروحه تئن كوتر مقطوع. دقق النظر بملامحها التي بهتت بالكامل، كور قبضته وشعر بالألم ينخر عظامه نخرًا عميقًا.
آهة بألف وجع من قلب متألم. "دي جنى." استدار يطالعها برماديته المغشية بالدموع. "لسة بتنام بالمهدئات." هزت رأسها. "لسة عايشة على المهدئات." سكنت هنيهة وهي تطالعه بصمت ثم تساءلت. "معرفتش حاجة على مراتك؟ طالعها بتردد هو اتخذ قرارًا أن لا يعلم أحدًا في ذاك الوقت. نظر للبعيد وكأن هذا الشخص تحول لشخص آخر، وأصبح زاهدًا في كل شيء. ورغم صمته وهدوئه، إلا أن عيناه متألمة مجروحة. اتجه بأنظاره إلى جنى.
"سقطت البيبي وطلقتها يا طنط، بس محدش يعرف." شهقة خرجت من فمها، تهز رأسها رافضة حديثه. "ليه يابني كدا، أنا مش مصدقة يكون ليها يد في اللي حصل لجنى متظلمهاش ياحبيبي." انسابت دموع الضعف والألم بآن واحد ولم يستطع تمالك نفسه أكثر من ذلك فانهارت حصونه وهتف مؤكدًا. "مش عشان كدا بس مع إني متأكد، أنا تعبان ومش مرتاح، ودلوقتي برجع الوضع لمسيره الطبيعي يا طنط." "اتسرعت ياحبيبي كنت أدلها فرصة، مش كل اللي نظنه بيطلع صح."
اتجه يجلس بجوار جنى وحاول تغيير الحديث. "ليه سايبة شعرها كدا، افرض الدكتور دخل، لبسيها حجابها لو سمحتي." ابتسمت وربتت على ظهره. "غيران عليها يا حضرة الظابط ولا إيه؟ كانت نظراته تبحر عليها. "إنتِ مش شايفة إنها تستاهل الغيرة." اتجهت لأبنتها ثم تحدثت بمغذى. "أيوه طبعًا لازم تغير هي دي مش اختك ولا إيه." جملتها أشعلت حقول النيران بصدره حتى احتل الغضب ملامح وجهه فهتف مزمجرًا.
"لا مش اختي، ومش عايز أسمع نغمة اختي دي تاني لو سمحتي يا طنط نهى، عشان ما أعملش جريمة، كفاية ابنك المتخلف." لمعت عيناها مع ابتسامة زينت ثغرها. ثم تنهدت متجهة بأنظارها إليه. "وكان ليه من الأول يا جاسر، عمك حاول يفهمك بس." رفع كفيه. "مع احترامي لحضرتك يا طنط ممكن منتكلمش في الموضوع دا." هزت رأسها رافضة حديثه. "دا أهم حاجة لازم نتكلم فيها يا جاسر، ومتنساش إن جنى مخطوبة دلوقتي." زفرة حارة خرجت من جوفه ثم تحدث.
"كانت مخطوبة يا طنط، دلوقتي هي مش مرتبطة، وزي ما بيقولوا كدا أنا أولى من الغريب." فرجت شفتيها مذهولة لا تصدق ما تسمعه، هدأت ثم تحدثت بهدوء. "لا والله." قالتها مع رسم ابتسامة، ثم استأنفت حديثها قائلة. "يعقوب لسة معرفش اللي حصل لجنى عشان هو مش موجود في القاهرة، تفتكر لو يعرف هيسبها." "هيسبها مش بمزاجه أصلًا." شهقة خفيضة خرجت من فمها، تهز رأسها. "لا دا إنت فعلاً اتجننت زي ما عز بيقول."
"طيب ليه تجيبي سيرة المتخلف دلوقتي بس؟ "بص ياحبيبي أنا عارف إنك بتحب جنى كأخت ليك، وعمايلك وكلامك دا عشان مشيل نفسك الذنب، خليك زي ما إنت يا جاسر، أخوها الحنين بلاش تقنع نفسك بحاجة مش موجودة." لم يجد ما يعبر به عن ما يختلج صدره، لقد تعثرت الكلمات عند شفتيه وكأنه لا يعرف التعبير عن مشاعر دفنت بداخله حتى أصبحت كتلة نارية ستنفجر. سكت هنيهة يسحب نفسًا ثم زفره ببطء قائلاً.
"مش هكدب عليكي وأقولك إني مبحملش نفسي المسؤولية، بس قبل دا كله جنى حد مهم جدًا في حياتي، وقبل ما حضرتك تتكلمي كل اللي حصل بسبب جنى." قطبت جبينها عابسة. "جنى.. ليه عملت إيه؟ ارتسم الألم داخل مقلتيه محدقًا بها وقبضة حادة تسحق قلبه عندما لاحت ذاكرته لذاك اليوم. فلاش "جاسر.." توقف مستديرًا إليه. "عارف الوقت مش مناسب." "بس فيه موضوع عايز أكلمك فيه، عايز آخد قرار وخايف من ردة فعل عز." طالعه منتظر حديثه.
"أنا بحب جنى وخايف الموضوع يتفهم غلط." قشعريرة اختلجت كيانه، وتعلقت عيناه بجواد منتظر بقية حديثه والذي أشعر آنذاك بالوجع، وكأن أحدهم صفعه بآلة حديدية حتى فقد توازنه، فاستند على سيارته، وتساءل مهزوز الجسد مندفع النبض. "جنى بنت عمو صهيب." قالها مبتلعًا ريقه بصعوبة. أومأ جواد مبتسمًا. "أيوه يابني متعرفش ولا إيه، أنا وجنى على علاقة مع بعض." هنا شعر بغصة منعت تنفسه حتى شعر بالاختناق فقام بفتح زر قميصه.
"فكنت عايزك تكلم خالو صهيب وتفهمه." استدار بجسد مترنح وخطوات متعثرة، يهز رأسه عندما فقد الكلام واستقل سيارته متحركًا بسرعة جنونية، ونار العشق تلتهب صدره بل أعضائه بالكامل. توقف بالسيارة على جانب الطريق وهو يكور قبضته بعنف حتى شعر بتلك القبضة تعتصر فؤاده بالكامل. أمسك هاتفه. "جنى إنتِ فين؟ يتساءل بها والغضب المحموم يكاد يندلع من حدقته وونفور عروق رقبته. أجابته. "خارجة من الجامعة وعندي ميعاد مع جواد، ليه فيه حاجة؟
باتت عيناه زائغة ونبضاته تهدر بعنف، فكور قبضته بعنف يجز عليها بأسنانه. أخرجته من حالته عندما تساءلت. "هتروح لغنى المستشفى؟ لو هتروح نتقابل هناك." "إن شاء الله.. هقفل عندي شغل." قاطعته صارخة. "كنت عايز حاجة؟ "لا." قالها وتحرك بالسيارة متجها إلى المشفى. وصل بعد قليل قابله ياسين. "جاسر كنت فين بتصل بيك مبتردش." "فيه حاجة ولا إيه؟ همس له. "البنت اللي في الشقة الدادة بتقول رافضة الأكل وبتسأل عليك."
فاق من ذكرياته على صوت نهى. "جاسر عمك صهيب كان بيسأل عليك، يبقى عدي عليه، وبلاش تطول عند جنى عشان عز وباباك." أومأ برأسه، نهضت متحركة للخارج. تراجع بجسده على المقعد وهو يرسمها بعينيه. انحنى قائلاً. "عارفة لو حاسة برجفة قلبي اللي حاسس بيها دلوقتي كنتي قومتي وضحكتي قولتي." "قاعد كدا ليه يا جاسورة؟ عندي وجع يكفي العالم كله يا جنى."
"ليه عملتي فينا كدا، طب بدل ماحبتيش جواد، ليه قولتي إنك بتحبيه وفجأة رجعتي في كلامك، طب لو فعلًا عشان أستقل بيك قدام الناس، دا سبب يخليكي تكرهيه." "هتجنن يابنت عمي والأسئلة دي بتضرب عقلي، وكل ما أسألك تقولي نصيب." انحنى مقتربًا منها أكثر. "موضوع يعقوب بتلعبي بيه ليه جنى؟ قصدك إيه من الحركة دي، ماهو متقنعنيش إنك بتحبيه، تبقي هبلة ومتعرفيش أنا حافظك أكتر ما إنتِ حافظة نفسك."
احتضن كفيها يلثمه، ثم ربت عليه وتحدث إليها كأنها تستمع إليه. "هروبك بخطوبة يعقوب مالهاش غير تفسير واحد يابنت عمي، ولو فعلًا الموضوع كدا، هنزعل من بعض جامد، وهعاقبك جامد أوي يا جنى، صدقيني على قد حبي ليكي على قد ما هيكون عقابي إنك بتهربي مني بخطوبتك." تنهيدة عميقة غادرت ضلوعه حتى شعر بتكسرها فتحدث بأسى. "هنتعاقب كتير أوي يا جنى، وشكلنا هنتعب مع بعض، بس متخافيش عقابك هيكون جوه حضني." انحنى وهمس بجوار أذنها.
"اتأكد بس من شكوكي وصدقيني وقتها محدش هيرحمك مني، حتى قلبي دا مش هيشفعلك." ولج عز يدفع الباب بغضب. "إيه القعدة عجبتك ولا إيه يا حضرة الظابط." لم يعريه اهتمامًا وانحنى يطبع قبلة على وجنتيها أمام عز، الذي ثارت جيوش غضبه فجذبه بعنف للخارج. "إنت عايز إيه يلا، عايز توصل لأيه." أنزل يد عز بهدوء مستفز وهو يرمقه بتحذير فهتف بهدوء رغم حزنه منه. "أنا لحد دلوقتي بتعامل معاك على أساس الأخوة يا عز، بلاش تخليني أفقد أعصابي عليك."
لكمه عز ب وجهه، رد عليه جاسر. لكمته. "مالك يا حيوان منك له، إيه شغل الأطفال بتاعكم دا، مفيش احترام خالص." دفع جواد عز بكفه بعيدًا، ثم اتجه لابنه. "إيه اللي جابك، أنا مقولتلكش متجيش." نكس رأسه أسفًا وقال بألمًا يعتصر ما تبقى من روحه المعذبة. "هفضل منفي لحد إمتى، مقدرتش أبعد أكتر من كدا يا بابا،" رفع بصره لوالده وهتف. "جاى أصحح أخطائي." أشار بكفيه إلى ممر الخروج. "امشي يا جاسر من قدامي دلوقتي، أنا لسة محسبتكش."
لكزه بصدره وأشار بسبابته. "خليك فاكر إنك متحسبتش." "لسة، امشي دلوقتي من قدامي مش عايز أشوف وشك." ابتلع ريقه بصعوبة واختلج صدره بالذنب فتحدث. "بابا أنا جاي وطالب السماح، ومستعد لأي عقاب." شعر ببعض تأنيب الضمير بعدما لمح الألم بعين ابنه، هو يعلم أنه يضغط عليه، ولكنه اضطره لذاك عندما لم يستمع إليه منذ البداية. رسم قناعًا باردًا على ملامحه يعكس غليانه القابع بصدره فتحدث دون نقاش.
"بعدين نتكلم اطمنت على بنت عمك خلاص امشوا." وصلت نهى إليهم. "جاسر عمك صهيب عايزك." أومأ ثم نظر لوالده حتى يشفع له ولكنه استدار يواليه بظهره. تحرك متجها إلى غرفة عمه، بينما اتجه جواد إلى عز وامسكه بعنف من ذراعه. "من إمتى وإنت عدواني وحلوف كدا يلا، هتتلم ولا ألمك أنا." تسارعت أنفاس عز محاولًا السيطرة على أعصابه فرفع رأسه لعمه. "قولي حضرتك يا عمو، لو واحدة من بناتك أنا عملت فيها كدا، هيكون رد فعلك إيه."
دفعه جواد بعيدًا عنه بحركة قاسية مليئة بالنفور، وأشار بسبباته متوعدًا. "اغلط يا عز، اغلط كمان، جنى دلوقتي مش بنتي وإنت مش ابني." لكزه بقوة ارتد من خلالها عز للخلف والغضب تلون بملامح جواد وامتزج بنبرة صوته الفظة. "أنا كنت عاذرك وقولت مصدوم بس هتستهبل هخليك تكره نفسك." انكمشت ملامح عز باعتراض تجلى في نبرته. "دا كله عشان قولت لابنك ابعد عن اختي." "ابن مين يلا.. هو دا مش أخوك." حاولت غزل التدخل.
"جواد أهدى، متنساش ضغطك لو سمحت." لم ينظر إليها ولم يهتم بحديثها، وصل إليه يمسكه من تلابيبه. "إنت عملت أكتر من كدا يا حيوان، فمتفكرش نفسك بريء." كانت عين جواد تلقي إليه سهامًا مشتعلة فاستأنف بقسوة. "متعمليش ملاك، عشان مدوسش عليك." دفعه بقوة واستدار ليتحرك. كانت تقف والدموع تنساب على وجنتيها في اشتداد الحوار بين والدها وزوجها. اتجت إليه بعد مغادرة والدها. توقفت أمامه.
"عز.. متزعلش من بابا وجاسر، إنت لسه مُصر إن جاسر أذى جنى." تلاقت عيناه بعينها وتعالت أنفاسه الحارقة بنيران الغضب المنبعثة منه بعد حديث جواد. "عشان أخوكي حقير يا دكتورة، أخوكي ساب اختي وراح اتجوز واحدة معندهاش ضمير كانت هتضيعها، إيه الغل والحقد دا كله." مسح على وجهه بعنف ثم رفع بصره إليها وألقى عليها حديثه الذي جعل جسدها ينتفض. "والله لأندمه وأحرق قلبكم عليه، على قد وجع وانكسار اختي لازم أكسرك يا جاسر."
قالها وتحرك مغادرًا وخطواته تأكل الأرض كالنيران التي تلتهم القمح. بالداخل عند صهيب. دلف جاسر وهو منكس الرأس، وجسده يرتجف ألمًا وحزنًا على عمه. خطى بخطى سلحفية يقدم قدمًا ويتراجع بالأخرى، وعيناه على عمه الذي رفع نظره يطالعه بصمت. وصل إليه وظل واقفًا وكأنه صم بكم لا يعلم كيف الحديث. لوى صهيب شفتيه ساخرًا ثم تحدث. "دا إيه الأدب اللي نزل عليك فجأة يا ابن جواد." رفع نظره لعمه وتعلقت عيناه المتألمة بعين صهيب المتسامحة.
"آسف." قالها بكل ندم من قلبه، ثم انحنى بأحضانه عندما رفع صهيب ذراعيه إليه. "تعالى يا أهبل يا ابن العبيطة." ألقى نفسه بحضن عمه وظل يبكي بشهقات مرتفعة وهو يهمس بصوت متحشرج بالبكاء. "مكنش قصدي نوصل لكدا، مكنتش أعرف والله يا عمو، صدقيني لو أعرف نصيبي هيكون كدا مكنتش حاولت." احتضنه صهيب يربت على ظهره قائلًا. "متحملش نفسك فوق طاقتها ياحبيبي.. دا كله قدر ومكتوب."
آه حارقة خرجت من جوف جاسر وهو يبكي بحرقة ونبض قلبه ينتفض بأنين. "قولي أداوي الجرح إزاي يا عمو، والجرح عميق مالوش دوا يا عمو." أخرجه صهيب من أحضانه محتضنًا وجهه يزيل دموعه بأنامله. تواصل بصري بينهما مع بكاء جاسر وضعفه أمام صهيب، أطبق صهيب جفنيه بقوة يعتصره، ثم فتح عيناه قائلاً. "جاسر.. انسى كل اللي حصل، نهى حكتلي على اللي حصل معاك، عايزك متزعلش من عز وأبوك." أشار للمقعد بعينيه. "اقعد عشان كلامنا هيطول."
جذب المقعد وجلس بجوار عمه. رَان صمت بالمكان لبعض الوقت حتى قطع الصمت صهيب. "بتحب جنى يا جاسر؟ انحبس النفس بصدره، حتى شعر بإنسحاب الأكسجين من المكان ونبضاته تتسارع. طال النظر لعمه بالصمت وعقله يأبى البوح بما يشعر به، وقلبه يشير بالبوح بكل ما يشعر به، فالقلب يعشق بكل جوارحه حتى أصبحت حياته مرتبطة بعشقه لها، وهذا ما علمه بعد حادثتها الذي تمنى موته حينها لا محالة. حمحم صهيب حتى يقطع صمته ثم تساءل.
"لدرجة دي السؤال صعب يابن أخويا." أشاح بوجهه بعيدًا عن عمه عندما انسابت دموعه فهتف بهدوء رغم نيران عشقه. "حياتي بجنى زي القلب للجسم يا عمو، عايز تموتني أبعدها عني.. مش هقولك غير كدا." قالها بنبرة شجية حزينة خرجت متمزقة بلهيب العشق. تنهيدة مؤلمة أخرجها صهيب على ما وصل الحال إليه.
"اسمعني يا جاسر كويس، وافهم معنى كلامي ياحبيبي، أنا بقالي يومين بفكر لحد ما وصلت للحل اللي هقولك عليه، بس اوعدني الأول الكلام دا يفضل بينا سر، وحاجة كمان لازم تفهمها." "وعدك هتتحاسب عليه لو منفذتوش." أومأ برأسه منتظرًا حديثه. سحب نفسًا ببطء عندما شعر باختناق تنفسه ثم تحدث بصوت ضعيف. "أنا هدخل عمليات بعد يومين، ومش عارف هطلع منها ولا لأ." "ألف سلامة عليك يا عمو، وسامحني أنا السبب في وجع قلبك."
ابتسم صهيب بخفوت واستأنف حديثه. "سبني أكمل، عارف إنك السبب في دا كله، عشان لو سمعت كلامي من الأول مكنش وصلنا لكدا، بس برجع وأقول كله قدر ومكتوب ياحبيبي.. أنا اتكلمت مع باباك امبارح وهو رافض اللي هقولك عليه، ومسبليش خيار تاني، لازم أطمن على جنى." لاحظ جاسر ارتجافة طفيفة بجسد عمه، فجذب كفيه يربت عليه.
"هعملك كل اللي تأمر بيه ووعد، لو عايزاني أبعد عن جنى، أوعدك مش هقرب منها، المهم متزعلش مني، ومتفكرش كلامي لعز تهديد، أنا كنت مضايق وبسكتُه وخلاص." رفع صهيب كفيه المرتجفتين، وصفعه بخفة على وجنتيه. "اسكت ياحمار، بطل هبل، إنت بتفكرني بأبوك زمان، اللي عايز أفهمهولك ياحبيبي متدفنش أي مشاعر جواك، سواء حب أو غضب."
صمت لأخذ أنفاسه، شعر بتقطع نفسه، فأمسك الماسك التنفسي ووضعه على وجهه لبعض الدقائق، وجاسر يتابعه بأنظاره الحزينة. بالإسكندرية وخاصة بمنزل بيجاد وغنى. ولج إلى منزله بعد يوم شاق من العمل. هرولت إليه على الدرج. "بيجاد اتأخرت ليه." رفعها من خصرها ثم طبع قبلة على وجنتيها. "معلش حبيبي كان عندي كام اجتماع كدا." سحبته من كفيه بعدما نادت العاملة. "خدي شنطة البيه دخليها أوضة المكتب، وجهزي الغدا." "تحت أمرك يا مدام."
قالتها العاملة وغادرت. جلس على الأريكة يتمدد بجسده يضع رأسه على ساقيها. مسدت على خصلاته. "قوم خد شاور عشان تتغدى، وبعد كدا ارتاح." أغمض عيناه ثم تحدث. "غنى اعمليلي مساج، حاسس دماغي هتتفجر." انحنت بجسدها تطبع قبلة على خاصته ثم غمزت بعينيها. "يعني على الحلو لما تبهدله الأيام." اعتدل يقهقه عليه، ثم جذبها حتى جلست بأحضانه. "لا حبيبي شمتان فيا." رفعت حاجبها بسخرية. "أيوه شمتانة، وفرحانة كمان."
ثم انكمشت ملامحها بألم وتبدل حالها. "مش قولت هنسافر القاهرة النهاردة، قلبي وجعني على جاسر أوي." حملها متجها للأعلى. "اديني يومين بس حبيبي أخلص الاجتماعات المركونة عندي، وهننزل، أنا أقدر أرفض لغنايا طلب." حاوطت عنقه ثم وضعت رأسها على صدره. "بيجو حبيب قلبي بعشقه أوي أوي." "أيوه يابنت جواد طول ما أنا بنفذ أوامرك بيجو وحبيب قلبك ووقت لما أقولك لا." "يامفتري يامنحرف يادكتاتور." ارتفعت ضحكاتها الناعمة وهي تهز ساقيها.
"أبدا أبدًا إنت ظالمني." أنزلها بهدوء يغمز بعينيه. "هشوف دلوقتي يا غنون الدكتاتوري هتعملي معاه إيه." نظرت حولها ثم جحظت عيناها متراجعة للخلف. "جايبني هنا ليه يابن المنشاوي." ارتفعت صوت ضحكاته وهو يضرب كفيه بالأخرى. "مش بقول بتقلب بسرعة." جذبها بقوة ثم حاوطها بذراعيه. "الست اللي بتدخل الحمام مع جوزها بتعمل إيه." قالها غامزًا بعينيه. رفعت ذراعها تحاوط عنقه ثم هتفت مازحة. "بيغسلوا سيراميك الحمام ياحبيبي."
انحنى يضع رأسه بتجويفها. "وأنا عايز أغسل السيراميك يا غنايا." تسمرت بوقفتها محاولة الفكاك من قبضته. "بيجاد وسع كدا." حملها مرة أخرى وولج لداخل كابينة الحمام. "والله مايحصل أبدًا." عند ربي وعز. بعد عدة ساعات ولج إلى غرفته كانت تجلس بالشرفة تنظر للخارج بشرود، ويظهر على ملامح وجهها الحزن. شعرت بوجوده، استدارت تنظر إليه بصمت. سحب نفسًا وزفره بهدوء ثم اتجه إليها. "قاعدة كدا ليه." نهضت متوقفة أمامه. "هجهزلك الغدا."
قالتها وتحركت ولكنه عرقل مشيها بالوقوف أمامها، سحب كفيها واتجه بها إلى الفراش. "اقعدي لازم نتكلم." شعرت بقبضة تعتصر قلبها ولا تعلم لماذا، ناهيك عن شعورها السيئ الذي يقتنص روحها. رفعت عيناها الرمادية التي يغطيها طبقة كرستالية من الدموع. "لو هتقول كلام يزعلني يا عز، بلاش تتكلم لو سمحت، استنى لحد ما تهدى، بلاش تنساق ورا غضبك وبعدين نخسر حاجات منعرفش نرجعها تاني." ابتعد ببصره عن عيناها الحزينة وهتف.
"روحي اقعدي اليومين دول عند باباك، أنا الأيام دي مجروح وممكن أجرحك معايا." قالها ونهض متحركًا. نظرت بذهول لظهره الذي ولاها إياه فهمست بتقطع. "بس أنا مش عايزة أبعد عنك يا عز." كور قبضته واستدار إليها بلهيب غضبه. "هتقدري تقاطعي أخوكي؟ هتسمعي الكلام لو قولتلك إن أنسي إن ليكي أخ اسمه جاسر." بعينين متسعتين هتفت بذهول. "أكيد إنت مجنون مش كدا، إيه اللي بتقوله دا، عايز تحرمني من أخويا." أشار عليها ساخرًا.
"شوفتي يادكتورة، اهو قولتي عليا مجنون، يا كدا يا تروحي بيت أبوكي." قالها وتحرك مغادرًا. هوت جالسة على الأريكة عندما شعرت بدوران الأرض تحت أقدامها، انسابت عبراتها تهمس. "لدرجة دي يا عز.. تبعني أنا." مرت عدة أيام. ذات مساءٍ وصل للمشفى، صعد لغرفتها وجد يعقوب يجلس بالخارج بجوار عز. ولج للداخل دون حديث، نهض عز خلفه، وجده يحمل جنى متحركًا بها للخارج. "إنت بتعمل إيه يلا." ركله بقوة حتى تراجع للخلف قائلاً.
"ابعد عني عشان مزعلكش، وهوديها لدكتور تاني." ثم تحرك متجها بها للأسفل، قابله جواد الذي يخرج من غرفة العناية. "واخد بنت عمك على فين." احتضنها يوزع نظراته بينهم، ثم تحدث إلى والده بهدوء، رغم نيران قلبه. "بابا لو سمحت خليني أمشي جنى لازم دكتور نفسي يشوفها غير دا، من فضلك متمنعنيش عشان ما أعملش حاجة تزعلكم." صفعة قوية على وجهه، ثم تلقى جنى بين ذراعيه، هاتفا بغضب. "وريني كدا هتعمل إيه يزعلني."
توقف متسمرًا بمكانه ينظر لوالده الذي دلف بها للغرفة، استمع إلى عز. "احمد ربنا إن أبوك أنقذك مني." اتجهت نهى إليه. "جاسر امشي دلوقتي وخليك قد وعدك ياحبيبي.. ياريت تشغل دماغك شوية يا حضرة الظابط." فتحت الجميلة عيناها تنظر حولها بذهول تكتشف أين هي، اعتدلت تنظر لثيابها التي بدلت حاولت التذكر ولكن لم تستطع كأنها أخذت حبوب فقدان الذاكرة. استدارت تنظر لذاك الكومودو، وجدت به تلك البطاقة، وبجانبها هاتف.
فتحت البطاقة وقرأت ما بداخلها. عشقي لكِ يشبه الإدمان أعلم أنه مؤذي ولكن راحتي فيه. مثل المطر يصيبني بالبرد ولكني مغرمة به. #جنى _الألفي. قطبت جبينها ثم اتجهت للهاتف و جذبته ثم فتحته، لم يوجد به سوى رقم واحد. قطبت جبينها متسائلة. "رقم مين دا؟ وأنا فين." المذهل أن صورتها على الهاتف. امسكته بيد مرتعشة وهاتفت الرقم الذي يسجل.
كان هناك في تلك الغرفة يستند بساقيه الموضوعة على المقعد وهو يشاهد ذاك المكبل من ذراعيه وأقدامه ويوضع بأسفله تلك النيران التي تشتعل أسفله وهو يصرخ، ووجهه الذي تشوه بالكامل بتلك المادة الحارقة. جلس ينفث تبغه بإستمتاع من صرخاته وهو يراقبه بصمت لبعض الوقت. ألقى سيجاره واتجه إليه يجذبه من خصلاته بقوة قائلاً. "لسة لسانك عايز أقطعه عشان كلماتك القذرة تحرم تطلعها على أي بنت." قالها وهو يلكمه بقوة بوجهه حتى شعر بكسر أنفه.
استمع إلى صوت هاتفه، أخرجه ينظر لتلك الصورة التي أنارت هاتفه فهتف. "صباح الورد." قطبت جبينها متسائلة. "إنت مين." قهقه عليها واردف مازحًا. "أنا اللي متصل ولا إنتِ، أكيد واحدة حلوة بتعاكس واحد حلو زيي." "جاسر." همست بها وهي تنظر حولها بذهول. توقف وهو يستمع إلى لحن اسمه بنبرتها الشجية التي أرسلت إلى روحه ملاذًا ككأس خمر ليتخدر ويجعله بحالة سكر بعشقها فقط. أجابها بنبرته الهادئة التي تخصها وحدها. "عيون جاسر."
وكأنها لم تستمع إلى حديثه فتساءلت. "أنا فين يا جاسر، وإيه المكان دا؟ رجع خصلاته المتمردة على وجهه وآهة أبلغ من أي رد وروحه تعانق قلبه وهو يجيبها. "إنتِ في قلبي يا جنجون، نص ساعة وأكون عندك حبيبي متخافيش، مفيش غير قلبي اللي عندك ودا عمره ما يأذيكي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!