الفصل 6 | من 44 فصل

رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل السادس 6 - بقلم سيلا وليد

المشاهدات
33
كلمة
6,442
وقت القراءة
33 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

افتقدك جداً. افتقد همساتك التي كانت تشعرني بالأمان والحنان، حتى ولو لم تكن بجانبي. افتقد صوتك الذي لم ولن يغادر مسامعي. افتقد ضحكاتك وعتابك وكبريائك. افتقدك كثيراً. لو كنت قريباً ووضعت يدك على قلبي لهدأت الحروب. لو كنت قريباً وعانقتني لتلاشت الرغبة بالموت. لو كنت قريباً ومسحت دمعي لأزهرت عيناي من جديد.

لكنك تقف بعيداً وأقدام المسافة ثابتة لا تتحرك، ولسان قلبي أخرسته غصته. ليس لأنك أضعتني في الزحام، وليس لأن قلبي أحرقته الشمس وهو ينتظر، بل لأنني عجزت أن أكون ظلك، عجزت أن أكون بالقرب منك. إن غيابك ينهش ما تبقى مني. أنا حقاً أفتقدك جداً وغيابك هذا يجعل ساعاتي في أشد ثقلها، وكأن حجراً ثقيلاً وضع فوق قلبي. نعم افتقدك. ***

من بين أنفاس ملتهبة وقلب محترق، جذب مقعداً وجلس بجوارها، ممسكاً كفيها يملس عليه، ونظراته تعانقها كالأم التي تعانق رضيعها. رفع أنامله على شفتيها المجروحة، هنا شعر وكأن أحدهم اعتصر قلبه، فشعر بانسحاب أنفاسه. لأول مرة يشعر بذاك الألم الذي يفتك بأعضائه. ظل يمسد بأنامله كأنه يزيل آثارها، دنا يضع رأسه بجوار أنفاسها ومازالت أنامله تبحر فوق وجهها.

"جنى، أول مرة أحس بالوجع دا، حاسس بحد بيدبحني بسكينة باردة، لا هو بيخلص مني ولا سايبني. طلعتي غالية أوي يابنت عمي." انهمرت عبراته ممزوجة بنزيف روحه. حينها اشتهى الموت بكل جوارحه. بتلك اللحظة استأنف حديثه الباكي: "القدر المرادي منصفنيش ياحبيبة عمري، ينفع كدا تعملي فيا كدا ياجنى؟ هونت عليكي. جاسر هان عليكي توجعيه كدا؟ "ياله افتحي عيونك حبيتي وطمني قلبي." رفع رأسه وهمس بجوار أذنها:

"لو بتحبيني فعلاً افتحي عيونك وريحي قلبي ياجنى لو سمحتي." ظل يحادثها لبعض الوقت إلى أن دلفت الممرضة. "كفاية حضرتك، لو سمحت لازم تخرج عشان نشوف شغلنا." اتجه ببصره إليها متسائلاً: "أعرف بس هي مالها، ليه مابتفوقش؟ تابعت المحاليل التي تغرز بوريديها وقامت بمتابعة حالتها. "هتفوق يافندم إن شاء الله، خلال كام ساعة هتلاقيها فاقت. الصدمة كانت عنيفة عشان كدا العقل رافض الواقع، بس مش معنى كدا أنها هتفضل كدا."

مازالت تفحص مؤشراتها الحيوية فاستأنفت حديثها: "العلاج دا هيفوقها، المهم تقدر تتعايش مع الواقع بعد اللي حصلها." قالتها الممرضة ثم اتجهت إليه: "دلوقتي ممكن تسبها ترتاح، بلاش نزعجها لو سمحت." أومأ برأسه، نهض ثم انحنى يطبع قبلة على جبينها. "أنا برة ياجنجون مستنيكي حبيبي." همس بجوار أذنها:

"وعد من جاسر الألفي لأحرق قلب اللي عمل فيكي كدا، المهم ترجعيلي، وبعدها مش هتنازل عنك حتى لو غصب عنك، مستعد أحرق الكون كله، بس ترجعي وتقولي جسورة." ناظرها للحظات... وآهة خفيضة ورغم أنه أخرجها ببطء إلا أنها أحرقت جوفه. تراجع بخطواته للوراء. وعيناه تراقب جسدها المسجى، ثم استدار متحركاً للخارج. بعد أكثر من ساعتين وصل جواد وعز بنفس التوقيت. ولج الاثنان سريعاً إلى المشفى.

بأنفاس متقطعة تساءل عز جواد حازم الذي يتوقف أمام إحدى الغرف وبالجانب الآخر تجلس مليكة على إحدى المقاعد. "جواد... " قالها عز بتقطع، ونظرات ضائعة وقلب ينتفض خوفاً على أخته. استدار جواد الذي يربع ذراعه أمام صدره ونظراته على جاسر، ولكن فاق على نداء عز. استدار بجسده. "خالو... تحرك جواد بجوار عز وهو يوزع نظراته على ثلاثتهم. "ايه اللي حصل وفين جنى؟

" ثم وجه نظره لابنه الجاثي على الأرضية يضع ذقنه على ركبتيه وينظر لنقطة وهمية لا يشعر بهم. توقفت مليكة بعدما ربتت على كتف جاسر بحنان قائلة: "جاسر باباك جه." ولكنه لم ينظر ولا يتحرك. ظل كما هو على نفس الحال. حمحم جواد وعيناه تحاوط عز. "جنى اتعرضت لهجوم واعتداء وهي دلوقتي نايمة مش حاسة بحاجة، والدكاترة بيحاولوا يفوقوها." ارتجف جسد عز، فلقد وقع حديث جواد على قلبه كضربة خنجر قاتلة. هز رأسه كالمجنون، واستفهم باستهجان:

"ايه اللي بتقوله دا يابني، هي كانت رايحة؟ فجأة صمت وذهب بصره لذاك الجاثي. شهق وهو ينظر لعمه بعدما وجد حالة جاسر. هنا فاق من صدمته ينظر لحالة جاسر الذي تؤكد حدسه. شعر بنيران تحرق داخله كمرجل جف ماؤه من كثرة الغليان. تراجع للخلف وعيناه تائهة يبحث عن مكان أخته هامساً كالمعتوه: "لا... أكيد دا كذب، لا جنى مستحيل، لا جنى... استدار يبحث في الغرف كالمجنون، حتى وقعت عيناه عليها بأحد الغرف.

ولج إلى الغرفة بجسد يرتجف، وعينان كزخات المطر، همس باسمها بشفتين مرتجفتين. "جنى... " قالها بشهقة، ونظراته على جسدها الشاحب. تحرك بخطوات هزيلة كالذي يتحرك على جمرات من النيران؛ حتى وصل إلى فراشها، ودموع عيناه تفرش طريقه. هز رأسه وصرخة من جوف حسرته وهو يضمها إلى صدره. "جنى... " قالها بصوت هزت له جدران المشفى. ولج جواد خلفه. تسمر بمكانه وهو يرى تلك التي يحتضنها أخوه. هل حقاً هذه تلك الفتاة الحيوية، ملاكهم؟

ماذا فعلت بكِ الذئاب البشرية حبيبتي لتصبحين بتلك الحالة. خطى إلى أن وصل إلى عز الذي يضم أخته وشهقاته تنتفض لها القلوب. ربت على كتفه ودموعه انسابت على وجنتيه. "حبيبي قوم كدا، خليني أشوفها." أشار بكفيه على أخته. "شوفت ياعمو، ليه يعملوا فيها كدا، هي مأذيتش حد، مين اللي ممكن يعمل فيها كدا؟ جذب جواد عز. "قوم ياحبيبي سيب اختك خليها ترتاح، هنعرف دلوقتي ايه اللي حصل." "تعالى يا عز انت سامع الممرضة بتقول ايه؟

" جذبه للخارج. واتجه إلى جنى يدثرها بالغطاء. انحنى يطبع قبلة على جبينها. "اختاروكي أنتِ لتدفعي الثمن ياحبيبتي." آهة خفيضة خرجت بنيران الذنب وهو يكور قبضته حتى نفرت عروق عنقه. فتحرك للخارج. خرج والغضب يتعاظم بداخله، وغلا دماءه في عروقه. تحرك متألمًا وقبضة قوية تعتصر فؤاده. آه ياربي كم هو مؤلم شعور العجز والألم في آن واحد. بخطوات ضعيفة متهالكة خطى للخارج ونيران تعصف بقلبه وسائر جسده. وجد عز يقف أمام جواد.

"مين اللي عمل كدا، وانتوا كنتوا فين؟ " قالها بصوت جهوري. قاطعت مليكة حديثهم. "حبيبي أنا كنت في البيت على أساس جنى تعدي عليا وقولت هنخرج، اتصلت وقالت عمتو هعدي على فيروز." "الحادثة حصلت في بيت جاسر يا عز مش عندنا." تسمر بمكانه وكأن كلمات مليكة كالسهام أصابت جسده فترنح للخلف. يستند على الجدار. نظر عز إليه متسائلاً. *** "هو قصده ايه ياعمو؟

تحرك جواد الذي أصيب بشلل كامل بجسده، حتى شعر بعدم مقدرته على الوقوف. اتجه إلى ابنه. "جاسر... رفع بصره لوالده وارتسم الألم داخل مقلتيه، يشعر بنيران تلهب جسده بالكامل، فرفع كتفه للأعلى. "ملحقتهاش يابابا، حاولت بس ملحقتش... " قالها وعيناه تذرف الدمع بالدمع وتسطر الحزن بملامح وجهه. تحرك عز متجهاً إليه بجبين متغضن يكرر حديثه. "ملحقتش مين... " صمت وهو يشير بسبابته إلى جواد مردداً.

"قصدك إن اختي فيه حد اعتدى عليها عندك في البيت، ومراتك موجودة، وبدعوة منك ياحضرة الظابط." زمجر بها بصوت جهوري، أفزع جميع من يقف بجواره. تحركت مليكة إليه بعدما نزلت كلماته كنيزك على رؤوسهم صاحت غاضبة: "عز ممكن تهدى احنا في مستشفى، وكفاية حالة جنى وجاسر." "ايه اللي بتعمله؟ " دفع المقعد بقدمه وبأعين زائغة غير مستوعبة ما نزل على مسامعه. يهز رأسه متجهاً يبحث عن الطبيب.

"فين الدكتور، والله ما هرحم حد." قالها وتحرك كالمجنون. أما جواد الذي حاول إيقاف ابنه. "قوم... قاعد كدا ليه؟ نظرات ضائعة لوالده فكأن الأرض تبدلت غير الأرض والزمان غير الزمان، والقدر يصفعه بقوة قائلاً: "بهدلوها يابابا." رفع كفيه أمامه. "بدي مقدرتش الحقها يابابا، أنا السبب، أنا اللي طلبت منها تروح هناك." احتضن جواد وجهه ابنه، يمسح دموعه بعنف. "قوم ومتبقاش زي البنت المجروحة، قوم واصلب نفسك ياحضرة الظابط."

شهقة خرجت من جوف حسرته يهز رأسه بعنف وهو يرجع خصلاته المتمردة على جبينه بعنف كاد أن يقتلعها من جذورها، ويطحن ضروسه ضاغطاً عليها بقسوة كلما تذكر حالتها ثم أشار على نفسه. "اصلب نفسي، هي فين نفسي دي، بقولك بهدلوها، جنى عاشت الألم كله بسببي." ابتلع غصة بطعم العلقم وحاوط رأس ابنه. "حبيبي كله قدر ومكتوب، قوم بلاش حالتك دي." وزع نظراته يبحث عن فيروز فتساءل. "فين مراتك؟ هز كتفه بعدم معرفة ولم يجبه. اتجه إلى مليكة.

"فين فيروز يامليكة، عملوا فيها حاجة؟ هزت رأسها بالنفي وأجابته. "محدش كان موجود غير جنى ياجواد." أمسكت ذراعه وبعيون متألمة. "يعني ايه مكنتش موجودة؟! اتجه لجاسر ونظر إليه بغضب. "فين مراتك، قوم شوف مراتك فين، ليكون حصلها حاجة." كور قبضته يجز بأسنه ندماً على ما وصل إليه من تفكير، فرفع بصره لوالده ونظرة مقتولة بخنجر الغدر. "انت كنت صح، ياريتك موتني ولا كنت اتجوزت منها يابابا."

هزة عنيفة أصابت جواد فيما توسعت عيناه بذهول يهز رأسه رافضاً حديثه. "انت بتقول ايه يلآ، قصدك اللي حصل لبنت عمك بسبب مراتك؟ استمع عز لحوارهم. بدأت نبضاته الهادرة تتخبط بعنف بين ضلوعه، واتسعت حدقيتيه شاهقاً مما استمع إليه. وصل إلى جاسر بخطوة ثم أوقفه يهزه بعنف. "انت بتقول ايه؟ "اختي هنا بسببك انت ومراتك." انسابت عبرات جاسر، وشعر كأن عموده الفقري انكسر وشعر بتهاوي جسده. غامت عيناه وهو يهمس. "آسف، أنا السبب...

صفعة قوية، تليها صفعة على وجهه، وتجمد جسد جواد وانعقد لسانه مذهولاً، صمتاً مخنوقاً بالصدمات مما يراه من أفعال عز ولم يتوقف على ذاك ولكنه صاح بأبنه غاضباً. "حقيييير، امشي ياحيوان." دفعه بقوة حتى كاد أن يسقط على الأرض. توقف جواد حازم بينهم. "عز اتلم جاسر مش حاسس بنفسه." ثم اتجه إلى جاسر. "ايه اللي بتقوله دا ياجاسر، ممكن تسكت اعصابنا بايظة." تراجع يستند على الجدار.

"أنا بقول الحقيقة، اللي حصل لجنى بسببي، أنا السبب فيه، أنا اللي اتصلت بيها عشان فيروز طلبت مني أنها تقعد معاها، وبعدها بدقايق حصل الهجوم وفي بيتي ومراتي مش موجودة ياجواد، تقدر تقولي تفسير غير دا؟ ترنح جواد وهو يشعر بأن النفس انحبس بصدره ونبضاته تتسارع وشعر بتعطل أعضائه وكأنه أصيب بجلطة. اتجه إلى جاسر بخطوات مهزوزة، ثم لكمه بصدره بترنح.

"اسكت يلا مش عايز أسمع صوتك، عشان لو مراتك ليها دخل وحياتك عندي لأدفنها بايدي حتى ابنك مش هيشفع لها." قالها مع انبثاق عبراته. اتجه جواد حازم إلى جاسر ينظر لعمه بذهول. "انتوا ازاي بتقولوا كدا وليه فيروز تعمل كدا في جنى، لا أكيد جاسر بيهبل من اللي شافه." بوجه ضربه الألم وقلب ينتفض بنبضاته ويتسارع حتى شعر بتوقفه، وعيونٍ تنفجر من نيران الغضب صاح غاضباً. "عشان بحب جنى، عشان قولت لفيروز هطلقك."

صدمة ذهول أصابت الجميع حتى جحظت أعينهم، ارتعد جسد عز وهو يهز رأسه بعنف وعيناه كنيران جحيمية. "لا أكيد انت مجنون، أكيد الواد دا مجنون." استدار إلى جواد الذي هوى على مقعده ووضع رأسه بين راحتيه. "ابنك بيقول ايه، الواد دا بيقول ايه... " جذبه من ثيابه وبدأ يهزه بعنف. "انت بتقول ايه يلا، هي مين دي اللي بتحبها؟ اختي اللي ماتت بسببك سنة كاملة." جذبه وظل يدور به.

"ماهي كانت قدامك وانت عملي عبيط، جاي بعد ما اتجوزت ومراتك بقت حامل، جاي تقولي هتتجوزها، دا أنا أدنك مكانك وميهمنيش حد." قالها ثم دفعه بقوة سقط من خلالها على الأرضية وهو لم يبد أي فعل. أما جواد حازم الذي وقف مذهولاً وكأن على رأسه الطير، يردد حديثه. "عشان كدا جنى رفضت حبي، يعني انت كنت بتلعب عليا ياجاسر، وهي... " صمت ينظر إلى جواد. "ساكت ليه ياخالو ياكبير العيلة، ماترد على ابنك، قوله ايه الهبل اللي بيقوله دا."

بدأ عز كالمجنون يحطم كل ما تطاله يده. "هموتك ياجاسر، هموتك، أقسم بالله لو اتأكدت اللي حصل لأختي دا بسببك هموتك." "بااااس... مش عايزة أسمع ولا كلمة، فكروا في صهيب لما يوصل ويشوف بنته كدا." ثم رفعت نظرها إلى جواد الذي تغير وجهه وأصبح شاحب وأكملت. "شوف هتقول ايه لاخوك اللي تاني مرة يتكسر ياحضرة اللوا." هنا أغمض عيناه وانزلقت عباراته، وشعر بقبضة تعتصر فؤاده عندما تذكر صهيب.

دقائق وصل صهيب بجوار ريان. بساقين مرتعشتين وريان يحاوط أكتافه حتى لا يسقط بخطواته. "بنتي... بنتي فين ياجواد؟ برودة اجتاحت أوصاله وارتجفت أعصابه عندما فقد قدرة النظر إلى أخيه وهو يسمع تألمه بصوته. استدار يبحث عن عز الذي جلس غارقا بنيران صدره محاولا السيطرة على نفسه؛ حتى لا يهجم على جاسر ويلقيه لغيبات الجب. لاحت نظرته لجاسر الجاثي على الأرضية الباردة، انزل كف ريان واتجه إليه بخفقاته التي أشعرته بألم حاد بصدره. "جاسر...

" همس بها صهيب بتقطع. رفع جاسر عيناه المتورمة إليه وعبراته مازالت تغسل وجنتيه. "قاعد كدا ليه ياحبيبي وفين بنت عمك، قالولي عندك وحد حاول يموتها، أوعى تقولي عملوا حاجة لأختك ياحبيبي." "آآآه... " صرخ بها عز عندما فقد توازنه بالكامل واتجه إليه يسحبه حتى أوقفه وظل يلكمه. "ماترد على عمك ياحيوان ساكت ليه، قوله عملت ايه في بنته." وصل إلى أذنه وهمس بفحيح. "قوله عملت ايه في اختك يلا." قالها بضحكات مرتفعة من بين بكائه.

أشار عليه لوالده الذي يوزع النظرات بينهم بتيه هو لا يعلم مالذي يحدث، ولكن قلبه يؤلمه بشدة. انزلقت عبرة من صهيب وهو يسأل بتقطع. "بنت... كل... ما ابن عمك كدا ليه يا عز؟ تحرك بالارتعاش، فالذي وصل إليه جعله غير متزن، شعر بإنسحاب أنفاسه ونظراته على جواد الصامت الذي يستند بظهره على الجدار مطبق الجفنين كأنه يتهرب منه. فصل عز عن جاسر وحضنه.

"متزعلش من عز هو بس زعلان على اخته، قولي فين اختك ياحبيبي، هي كلمتنا وقالت فيه حد بيجري وراها." دفن رأسه في حضن عمه، وبكى بصوت مرتفع، صوت اهتزت له قلوب الجالسين سوى من عز الذي يكور قبضته محاولا عدم الوصول إليه لقتله. اتجه ريان لجواد حازم. "البنت ماتت ياجواد ولا ايه؟ رفع مقلتيه لريان وهز رأسه نافياً. "جنى اتعرضت للاغتصاب ياعمو ريان." ***

هنا تلاشت قدرة صهيب وتراجع بجسده خطوة للخلف، مبتعداً عن جاسر، ودموعه افترشت وجهه، حاول الحديث ولكن كأن الحروف هربت ولم يعلم كيف يكون الكلام. برودة اجتاحت جسده وهو يهذي بتقطع وعيناه على جواد المتصنم بجلوسه. "اغت... ص..ا..ب.. قصد..ك بن..تي، ولا قصدك... هنا شعر بسحابة سوداء تحاوطه، فترنح جسده فهوى مغشياً عليه. تلاقه جاسر القريب منه بذراعيه، هب جواد فزعاً من مكانه، وكل دمعة انحدرت من أخيه كأنها نيران تكوي صدره.

صرخ عز بالمسعفين حتى توصلوا إليه، حملوه متجهين إلى غرفة للكشف عليه. وصلت نهى وغزل وبيجاد وأوس بعد فترة، كانت الوجوه على الجميع مرسومة بالألم والحزن. خطت نهى تبحث بعينيها على صهيب وعز، ولكنهما غير موجودين، اتجهت سريعاً بخطوات متعثرة إلى جواد ومليكة. "فين بنتي ياجواد، بحثت بعينيها." "عز وصهيب فين، وجواد كمان مش موجود ياغزل، فين بنتي؟ توقفت مليكة تحتضنها. "نهى اهدي حبيبتي، صهيب تعب شوية واخد مهدئ، وجواد وعز معاه."

حاوطتها بنظراتها منتظرة باقي حديثها. "أيوة فين جنى؟ تحركت غزل بعدما شعرت بالكارثة من وجوههم، وضمت نهى إليها. "تعالي يانهى ارتاحي، وأنا هشوف ايه اللي حصل." ابتعدت عنها صارخة. "أهدى أنتِ مش شايفة وشوشهم، بنتي فين يامليكة وليه صهيب واخد مهدئ؟ "ماما... " أردف بها عز. استدارت بلهفة إليه، أسرعت بخطوات متعثرة حتى كادت أن تسقط على وجهها. "فين اختك ياحبيبي؟ " حاوطها بذراعيه وهو يرمق غزل سريعاً متجهاً إلى غرفة جنى.

اتجهت غزل إلى مليكة وجاسر. "ايه اللي حصل البنت حصلها ايه؟ " قلبها ينتفض بقوة غير مسيطرة على أعصابها مما سيقال، هي استنتجت أن هناك شيئاً سيئاً حدث. "قصت مليكة لها ما صار، مع صرخة نهى بالداخل." هرولت للداخل بجوار مليكة. *** عند فيروز. "مدام سمعاني، فتحت عيناها تنظر حولها متسائلة." "أنا فين؟ تذكرت ما صار لها، وضعت كفيها على أحشائها. "ابني حصله حاجة؟ كانت الممرضة توصل إليها أكياساً من الدم.

"لو سمحتي يامدام لو سمعاني حركي إيديك." حركت كفيها تمسح دموعها وهي تهذي. "ابني، فين ابني؟ "مدام عايزين جوزك ضروري، لو سمحتي لو رقم نتواصل معه." "ليه، ابني مات؟ "اهدي دلوقتي وقولي رقم جوزك، احنا ملقناش أي إثبات معاكي، غير الست قالت إنها لقيتك ومشيت." همست برقم والدتها. "دا رقم ماما، اتصلي بيها." عند سحر ظلت تجوب المكان.

"فيروز مبتردش، دا مكنش اتفاقنا ياامجد، ليه خليت هاني يروح لوحده، وبعدين كان يقصد بايه يخلي حد يهجم عليها؟ ارتشف أمجد من كأسه الذي حرمه الله واردف. "بنتك عجبته ياسحورة، البت خسارة في الظابط." ضيق عيناه متسائلاً: "مقولتيش ياسحورة، ازاي قدرتي تقنعي فيروز بكره جاسر، مع أنها هربت من البيت عشان ابن عمها." غمز وأكمل. "دا حتى عرفت أنه كان بيحبها، هو ايه اللي حصل خلى جاسر يكره البت؟ جلست وجذبت منه كوبه. "سحرتلهم...

" جحظت عيناه ينظر إليها بذهول، ثم أطلق ضحكة صاخبة يهز رأسه. "مش معقول ياسحر، ايه اللي بتقوليه." نفثت تبغها وقوست فمها. "كنت مستنية أشوفها زي حياة ولا إيه، فيروز دي فرخة بتبيض دهب." صمتت تتذكر ذاك الشخص ثم رفعت نظرها. "تعرف واحد طلبها ليلة واحدة وكان مستعد يدفع فيها 10 مليون، لولا هربت بمساعدة الست حياة." مط شفتيه للأمام وتحدث مستهزئاً. "اهي راحت لظابط ببلاش." توقفت وبدأت تقهقه ثم اتجهت وجلست بجواره.

"وحياتك هو شهر واحد وقلبت عليه حياته، وخليتها زي الخاتم في أصبعي." غمز بعينيه متسائلاً: "ليه عملتي ايه؟ تراجعت تضع ساق فوق أخرى وتكلمت بعنجهية. "ماقولتلك ياأمجد سحرتلها، واحدة عرفتني على عرافة مشهورة أوي، وبصراحة انتهزتها فرصة، والسحر عمل الشغل اللي عايزاه وأكتر كمان." قهقه أمجد وهو يهز رأسه رافضاً كلماتها. "انتِ مصدقة كلام الهبل دا." رفعت حاجبها ساخرة ثم مدت كفيها على ركبتيه وغمزت له.

"تحب تجرب ولا إيه ياأمجد عشان أكدلك أن الست دي عملت اللي مقدرتش عليه." تراجع بظهره ونظراته تحاوطها، يستمع إليها باهتمام. "يعني بنتك كرهت الظابط من السحر، طب هو ازاي صدق وهو كان بيحبها بدليل اتجوز بنت مجرم." ضحك وهو يلوح بكفيه. "آسف ياسحور ماهي دي الحقيقة." جزت على أسنانها. "اتمقلط عليا ياأمجد، بس هشبع فضولك، لما رجعوا من شهر العسل البنت كانت رافضة قربي خالص، بس هددتها." دنت تنظر بمقلتيه.

"عارف هددتها بإيه، فاكر نادر طبعاً واللي عمله فيها، ولولا العملية إياها كان زمانها بتنفذ كلامي، بس أبوها الله يسامحه فضل يقول البنت هتفضل معيوبة ومش هتتجوز وراح عملها العملية." أومأ منتظراً باقي حديثه.

"بدأت تيجي مجبرة لحد ما السحر اللي الست عملتهولها وضربت ضربتي، شوية صور ليها وهي في أحضان دا ودا، وصور وهي بتشرب، غير كام تسجيل ملعوب فيه لظابط أنه اتجوزها انتقام، مع عمايل جواد الألفي وكل شوية ونصايحه، وأنا أزود الجرعة هنا دا مش بيحبوكي معتبرينك بنت مجرم." نفث تبغها وأزالت رمادها بإبهامها ثم رفعت نظرها إلى أمجد مستأنفة حديثها.

"عملت حفلة هنا، واتصلت بجاسر على أساس أنه يجي ياخدها لقيها بترقص قدام حامد البنا وانت عارف حامد وبلاويه. طبعاً شخصية زي جاسر مش هيقبل على مراته اللي شافه." قهقهت وهي تتذكر تلك الليلة. انحنت بجسدها تنظر إلى أمجد. "تعرف عمل ايه... ضربها وقالها هطلقك، وكان هيطلقها فعلاً بس أغمى عليها وعرف وقتها أنها حامل."

ظلت تقهقه بصوتها البغيض، ونهضت متجهة للبار، مع إني أقنعته قبلها أنها بتاخد حبوب منع الحمل، وبعتله فيديو أنها اتجوزته عشان تنتقم لعمها وابنه، وأكدتله بكلامي اللي عملته فيه قبل الجواز، وكمان سقوط الجنين اللي بسببي بعد ما أقنعتها تاخد حاجة وتنزله، وفهمته كمان أنها كانت ناوية متجبش منك عيال بس الحمل التاني جه غلطة، وفعلاً أقنعتها أنها تاخد حبوب منع الحمل، مع العلم مكنش بيعبرها ولا بيقرب منها غير لما هي تستعمل أساليبها اللي خليتها تمشي عليها بحذافيرها.

اتجهت إلى أمجد تحمل كاسان من الخمر ثم جلست وناولته أحدهما واستأنفت حديثها. "تعرف قالي ايه لما قولتله كدا؟ "قالي وأنا اتجوزتها تمن للورق اللي وصلنا واللي بسببه كل المجرمين اللي زي عمها وغيره في السجن، أنا هعيش مع بنتك يومين وأرميها، ماهي مكنتش تطول أصلاً تكلم واحد من عيلة الألفي، ومش أي حد دا جاسر الألفي." قهقهت وهي تهز رأسها وتلوح بيديها.

"العبيط بنتي كانت جوا وسمعت كلامه، ولما واجهته قالها اه، أنا اتجوزتك عشان أنسى بنت عمي أما حوارات الحب دي تمثيل ويوم ما أسلم قلبي هسلمه لواحدة نضيفة." قهقه أمجد بعد حوارها. "يخربيتك ياسحور دا انتِ الشيطان يضربلك تعظيم سلام." جزت على أسنانها وتحدثت غاضبة. "كنت مستنية مني ايه والهبلة ماشية وراه، استنى لما تكون زي حياة اللي مبهدلة أبوها، كان لازم أشفي غليلي من ابن الألفي." تحولت عيناها للهيب عندما تذكرت حديث جواد.

"ابوه قالي هنا ياأمجد وهددني قال إيه ابعدي عن حياة ابني." أشارت على نفسها. "عايز يبعدني أنا عن بنتي، طيب استنى بس لما تولد والله لأحصرهم على حفيدهم ومش بس كدا لأعملهم جرسة وأخليها تفضحهم، وأفضح بنت صهيب كمان اللي بتتلزق في الولد، لا والاهبل جاي بكل بساطة يقولها زي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف." ألقت الكأس حتى تهشم وصرخت. "معروف ايه دا، عايز يطلقها ببلاش والله لأخد اللي وراه واللي قدامه بس اصبر عليا." ***

أرجعت خصلاتها بعنف وهي تشير لأمجد. "شوف هاني وصل لفين، خليه يعرفني البنت وصلت لفين." بتر حديثهم هاتفها. "أيوة... " ضيقت عيناها متسائلة. "مستشفى ايه... " طيب. الغضب ارتسم على وجهها كاد يندلع من حدقيتها لتهتف باستنكار. "شوفت عمايل زفت هاني، البنت في المستشفى وكمان نزلت البيبي." في المشفى بعد وصول الجميع وحالة التوتر التي انتابتهم وخاصة بعد حديث جاسر. نهض متجهاً إلى غرفة جنى. هب عز ناهضاً يجذبه من ثيابه.

"انت رايح فين، انت مش مرحب بيك امشي غور من هنا." دفعه جاسر عندما فاض به، وفقد السيطرة على انفعالاته. "امشي من قدامي عشان منخسرش بعض." تجهمت ملامحه واتجه إليه كالبركان الثائر. "لا يلا تعالى وريني هتعمل ايه، تخسرني، انت مفكر أنك غالي عندي، تعالى كدا." نهض بيجاد عندما تأزم الوضع. نظر لجواد الذي لم يرف له ساكن فكأنه لم يشعر بما يحاوطه. "توقف بيجاد بينهم." "ممكن تهدوا، احنا في المستشفى، لاحظوا إنكم بين عيانين."

لم يصمت عز وأصابه نوبة جنونية عندما فتح جاسر باب الغرفة وولج للداخل عند جنى. دفع بيجاد بغضب. "الواد دا بيحرق دمي، أقسم بالله بيحرق دمي." نهضت ربى واتجهت إليه ووجهها عبارة عن لوحة من الألم والحزن. أمسكت كفيه. "عز حبيبي ممكن تهدى، شكلك نسيت جنى بالنسبة لجاسر إيه." استدار يرمقها غاضباً. ثم نفض كفيها.

"بالنسباله ايه يادكتورة قوليلي، مش دا اللي رماها وراح اتجوز، وهو عارف أنها بتحبه، مكفوش وجعها لا كانت هتغتصب في بيته، ردي عليا يادكتورة وقوليلي." "جنى بالنسبة لجاسر إيه غير أنه بيتسلى ويقضي وقت حلو، هو خسران حاجة، بنت جميلة بريئة كل شوية تترمي في حضنه، وياترى هو... "اخرررص ياحيوان... " قالها جواد بعد صمت دام لساعات منذ رجوعه، نهض ووقف أمامه عندما وجد حديثه القاسي لأبنته.

امسكه من كتفه بعنف يضغط عليه وصرخ بوجهه عالياً مما جعل الدموع تتجمع بعينيه. "نسيت نفسك يلا بتشك في اخلاق أخوك، أخسي عليك، نسيت أن دا تربية جواد الألفي." "يالا لكزه بصدره وابتلع ريقه بصعوبة، وشعر بتثاقل بتنفسه وكأن حجرا يطبق على صدره ثم قال بوجع مرير بعدما ترقرق عيناه بالدموع."

"دا جاسر يا عز، افتكر أن جاسر هو عز وعز هو جاسر، واللي يوقف قدام التاني هفعصه بجذمتي سواء انت ولا هو، واللي متعرفوش هو وقف من كام شهر وقالي أنا عايز ارتبط بجنى... صفعه بخفة على وجهه. "أنا ما وافقتش ياباشمهندس، على الرغم متأكد أن الاتنين بيحبوا بعض، بس رفضت عشان مظلمش اختك. متجيش تعمل راجل وتسيء لأخوك قدامي، وابوك عارف كل حاجة، يعني انت مالكش كلمة عندي." دنى عز ينظر لمقلتيه وأردف.

"طيب اسمعني ياحضرة اللوا، ابنك لو آخر راجل مستحيل اخليه يقرب من اختي، ومش بس كدا، علاقتي بيه اندفنت ومبقاش يهمني، يعني من الآخر كدا ينسى حد اسمه عز الألفي، ومعنى ينسى عز ينسى جنى، خليه يروح يشوف مراته هي أولى بيه." أشار بسبباته محذراً إياه. "ولو انت عمي جواد فعلاً ويهمك جنى اللي بتقول عليها بنتك خليه يبعد عنها، وهاتلي حق اختي اللي ابنك أهدره." قالها ثم دفع ربى من أمامه وتحرك متجهاً إلى والده.

وقفت ربى تنظر إلى أثره بذهول، ثم رفعت نظرها إلى أبيها. "بابا ايه اللي حصلنا؟! أطبق على جفنيه يجذبها لأحضانه، ثم طبع قبلة على رأسها. "اعذريه حبيبتي، عز مجروح ومش أي جرح، دا مطعون في أخته ياروبي، وأكيد فاهمة معنى كلامي." أزالت عبراتها ثم رفعت نظرها إلى أبيها. "هو جاسر بيحب جنى فعلاً ولا قال كدا إحساسه بالذنب؟ اتجه بنظره إلى غزل المتصنمة فأشار بعينيه على ابنته. سحبتها غزل.

"تعالي ياروبي سيبي بابا دلوقتي، بعدين نتكلم ياقلبي." بالداخل عند جنى. جذب المقعد وجلس بجوارها. "حبيبتي عدى ست ساعات هتفضلي كدا، ايه جاسر مش وحشك ياجنى، انتِ وحشتيني، ووحشتيني أوي كمان." زفرة حارة خرجت من جوفيه. "عارف إني غلطت، بس وحياة ربنا اتنازلت عنك عشان سعادتك، فكرتك بتحبيه، شوفتي عملتي فيا ايه." دنى يهمس لها.

"تنازلت على قلبي عشان أشوف السعادة في عيونك، أصلاً غالية عليا أوي، توهت ياجنى، توهت وقلبي تاه معايا، حاولت أنسى وأتناسى بس مقدرتش، رضيت بقدري بس قدري مرضيش بيا، عرفت مفيش سعادة وأنا بعيد عنك، عارف اتأخرت، وعارف كلهم كانوا عندهم حق." *** احتضن كفيها وآه خفيضة خرجت من جوفه بطعم العلقم مستأنفاً حديثه.

"كنت مستعد أتنازل عن نفسي بس ما أشوفش الحزن في عيونك، عارفة لو عمو صهيب عرف وقتها أن فيه مشاعر ليكي، كان هيغصبك عارف، ولو اتغصبتي عليا كنت هموت ياجنى، كنت مستعد أفضل دافن مشاعري بس أهم حاجة عندي أشوف نظرة الحب من عينيكي، مستعد أكون أخوكي طول حياتي بس أشوفك سعيدة مع اللي قلبك اختاره."

تنهيدة عميقة بأنفاس محترقة عندما توقف عن الحديث فلم يجد من كلمات تعبر عما يجيش في صدره، اكتفى إليها بالنظرات وهو يرسمها برماديته، ثم انحنى يطبع قبلة عميقة على وجنتيها. رمشت بأهدابها عدة مرات هامسة باسمها. "لاحت ابتسامة شقت ثغره وهو يحادثها." "جنى حبيبتي... سمعاني." فتحت عيناها تنظر لوجهه القريب، صرخت مبتعدة تضم جسدها. "ابعد عني... " صرخت بها وهي تضع كفيها على أذنيها. "ابعد...

" صرخت حتى استمع عز الذي وصل بمصاحبة صهيب. جذبها بقوة لأحضانه. "جنى اهدي حبيبتي." دفعته وصرخت. "ابعد ياحيوان... " قالتها منتفضة عندما شعرت بكفيه على جسدها. انهمرت عبراته ممزوجة بنزيف روحه حينها اشتهى الموت بكل جوارحه وهي يرها تنفر منه، وتصرخ مبتعدة خائفة. جذبها بعنف، يحاوطها بين ذراعيه كقلعة حامية لها يهمس بجوار أذنها في الوقت الذي دفع عز وصهيب الباب والجميع خلفهم. "اهدي حبيبتي... أنا جاسر، اهدي انتِ هنا في أمان."

شهقت ببكاء تهذي بكلمات لم يفهمها. طبع قبلة على خصلاتها عندما انزلق حجابها من انفاعلاتها. "جنى انتِ في حضني محدش هيقدر يقربلك حبيبتي... اهدي." بكت وبكت تشد من احتضانه وهي تحاوط خصره، قائلة بصوت متحشرج بالبكاء. "خبيني ياجاسر، خبيني منهم." مسد على خصلاتها. "متخافيش ياقلبي، أنا هنا." اقترب صهيب وهو يستند على عز في دخول جواد، والجميع ينظر إلى تمسكها بأحضانه وبكائها وكلماتها التي انهمرت الدموع لأجلها.

"خبيني حبيبي، عايزين يغتصبوني." جنى همس بها صهيب. هنا صرخت وابتعدت تجذب خصلاتها تمزقها وتبكي بشهقات. "اغتصبوني يابابا... الحيوانات نهشوا لحم بنتك." هوى صهيب على فراشها، وجذبها لأحضانها مع ارتفاع صوت بكائه. "محدش قرب منك ياحبيبة أبوكي." ظلت تدفع والدها وتصرخ، ابتعدت عن الجميع تضم جسدها وهي تهز رأسها. "مش عايزة أشوف حد، كله يبعد، عايزة ماما." "ياماما."

قالتها ببكاء، أسرعت الطبيبة تحاول حقنها بمساعدة جاسر وعز وجواد للسيطرة عليها. صرخت بصوت شق المكان. "حيووووووان... حيوانات." ظل تهذي بها حتى غفت بمكانها. حملها عز ووضعها على الفراش ثم دثرها، ذهبت عيناه لبعض الآثار التي تركها ذاك الجبناء الذين لا يعرفون قيماً ولا أخلاق. فنهض معتدلاً وعلى حين غرة صفع جاسر بقوة. شهقة خرجت من غزل وهي تصرخ باسم ابنها. أسرع بيجاد إليهما عندما وجد ترنح جواد واستناده على ريان.

"عز ابعد كدا بدل ما أضربك على وشك أغير ملامحه." ثم استدار إلى جاسر. "جاسر روح شوف مراتك اللي محدش عرف يوصلها، لو سمحت الوضع مش متحمل." سحبته غزل وربى من كفيه. "حبيبي تعالى برة، هي نامت دلوقتي، لازم نطمن على فيروز." قطع حديثهم رنين هاتفه. خرج للخارج وأجاب. "نعم... انت فين ياحضرة الظابط." "مراتك مرمية في المستشفى لازم تيجي فوراً عايزينك ضروري." "مستشفى ايه؟ " تسائل بها وتحرك كالألي. وصل بعد قليل. أسرعت إليه تصرخ فيه.

"كنت فين وبنتي بين الحياة والموت، كنت فين لما هجموا عليها وضربوها وسقطوها." رفع نظره مذهولاً. "حد اعتدى عليها؟ " تسائل بها بعينين متسعتين. بترت حديثهم الممرضة. "المدام لازمها عملية حالا ولازم موافقة جوزها لو سمحتوا." "عملية!! " قالها متعجباً. "آسفين يافندم المدام فقدت الجنين وعندها نزيف شديد، حاولنا معاها ولكن للأسف لازم من استئصال الرحم." صدمة عنيفة حتى شعر ببرودة تجتاح جسده، فهتف. "استئصال رحم ليه؟!

ربعت سحر ذراعيها. "ليه متعرفش أن فيه ناس هجموا عليها، بنت عمك بعتتهم عشان يسقطوها." اتجه إليها وتقدم منها وعينيه ترسل سهاماً مشتعلة ثم أشار بسبباته. "كلمة كمان وهنسى أنك أم مراتي، اللي يعتبر كدا ملهاش حاجة عندي، كدا كل واحد منا في طريق، بس أنا هعمل بأصلي وهفضل معاها لحد ما تفوق وترجع لحالتها ودا كرم مني مش أكتر يامدام." دنى وانحنى بجسده يرمقها بنظرات نارية.

"متفكريش التمثيلية دي خلت عليا، أكيد ترتيبكم جه عليكم بس ربنا عادل واهو الحمد لله مفيش حاجة تربطني بأقذر أيام عشتها مع بنت." دفعها بيديه وتحرك وهو يهتف بغضب. "وسعي كدا من قدامي وشوفي لكِ ركن استخبي فيه عشان مطلعش جنان حياتي كله عليكي يا أقذر عباد الله."

مرت عدة أيام والحال كما هو، حتى ذهب ذات يوم للمشفى عند فيروز، فمنذ عمليتها وإفاقتها لم يتقابلا. ولج إلى غرفتها وجدها تغفو، جلس بجوارها لبعض الوقت وهو يطالعها، فبعدما وجد سجلات الكاميرا، واستماع مكالمتها مع والدتها ونيران غضبه تحرقه، يود لو يزهق روحها لماذا فعلت به ذلك، ألم تكن أنثى وتشعر بكم الألم الذي تعرضت له جنى. فاق من شروده على صوتها. "جاسر... نصب عوده واتجه إليها. "حمد الله على السلامة يافيروز، عاملة إيه."

وضعت كفيها على أحشائها وبكت. "شوفت ابني ضاع مني ياجاسر." نزل بجسده وحاوطها بذراعه. "دا عقاب عشان اللي عملتيه في الأول، كان ذنبه إيه ابني الأول تنزليه، اهو التاني لحقه، كدا عدل ربنا ياحبيبتي ومش بس كدا، لسة فيه مايصدمك." رمشت بأهدابها وهي تبكي. "فرحان فيا وشمتان هو دا مش ابنك كمان، ليه مش زعلان، دا كله عشان يفضالك الجو مع الست جنى." انحنى مرة أخرى وانفاسه الحارقة على وجهها كادت تحرقها. "فيروز أنتِ طالق."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...