الفصل 9 | من 44 فصل

رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل التاسع 9 - بقلم سيلا وليد

المشاهدات
30
كلمة
9,568
وقت القراءة
48 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

قبل شهرين، وبعد أسبوع من عملية صهيب، ولج جاسر غرفتها التي اتخذها لها بمكان أكثر هدوء وراحة، حيث الأشجار الخضراء تحاوطه. كانت تجلس تنظر للخارج بشرود. خطى إليها، يمسد على خصلاتها: "عاملة إيه النهاردة حبيبتي؟ رفعت نظرها إليه وابتسمت: "الحمد لله، أحسن بكتير. هنرجع القاهرة إمتى؟ بقالنا شهر هنا." جلس بجوارها يحاوطها بذراعيه: "لسه شوية، أطمن عليكي الأول، وكمان أبوكي يفوق. مش ضامن عقله." وقت ما قالتها بدموع الخزي،

هتفت من بين بكائها: "جاسر، ليه عز عمل كدا؟ من إمتى وهو بقى كدا؟ طبع قبلة على رأسها يربت على ظهرها: "غصب عنه حبيبي، أخته وكل حياته يحصلها كدا وبسببي. كانت الضربة قوية عليه." طافت عيناها بجميع أرجاء المكان وتساءلت: "وليه بسببك؟ إنت ذنبك إيه؟ دا نصيبي يابن عمي." صمت للحظات عندما فقد النطق، وكأن الحروف هربت من بين شفتيه. سحب نفسًا طويلاً وزفره، قائلاً والخذلان يخترق صدره كالرصاص:

"لأني السبب فعلًا يا جنى، أنا اللي بعتك هناك." اتجه ببصره إليها وتنهد حزينا: "فيروز ومامتها السبب." شهقة خرجت من فمها تهز رأسها رافضة حديثه: "مش معقول، لا مستحيل. وليه تعمل كدا؟ بكت بمرار والدموع تتساقط من محاجرها متلألئة، وتحدثت من بين دموعها: "أنا ما أذيتهاش يا جاسر، ليه تدبحني بالطريقة دي؟ احتضن وجهها وتعمق بالنظر لمقلتيها: "لأنها اكتشفت الحقيقة، فحبت تتخلص منك." "حقيقة؟! " تساءلت بها مذهولة.

"حقيقة إيه دي اللي يخليها تدبحني كدا؟ حقيقة إيه اللي تخليها تخليني أخاف من أقرب الناس ليا؟ أطبق على جفنيه وأنزل نظره للأسفل عندما شعر بثقل همومه. رفعت ذقنه تنظر إليه بدموع عيناها: "ساكت ليه يابن عمي؟ ليه مراتك دبحت بنت عمك بالطريقة البشعة دي؟ استند على الحائط برأسه. فلقد حاول نسيان تلك الأيام التي عاشها بآلامها حد الاختناق دون أن يصدر صوتا، أو يعذب أحد غيره. تحمل انفطار قلبه وإلغاء شخصيته حتى وصل لهذا الحال.

أطبق جفنيه وأرجع رأسه للخلف منهزما، ثم سحب نفسًا محاولا التنفس. ولكن كيف له التنفس وهو يشعر بأشواك تخربش رئتيه. استدار برأسه وأجابها وعيونه تحاوطها بتركيز: "عرفت إني بحبك يا جنى." قشعريرة اختلجت كيانها، حتى شعرت بارتجاف جسدها، فهتفت بتقطع: "ودي جديدة؟ ماهي عارفة علاقتنا ببعض من قبل الجواز." قالتها متهربة. أرجع خصلاتها التي حاوطت وجهها بعشوائية بسبب الهواء ووضعها خلف أذنها، ودنى يهمس بالقرب من شفتيها:

"لا يامهلكة قلبي، مقصدش الحب دا، أقصد حبك اللي أهلكني ومبقتش قادر أخبي أكتر من كدا." تراجعت للخلف تنظر إليه بذهول وارتجافة بقلبها من حديثه، حتى فقدت توازنها أمامه وضعفت وهي تتمتم: "إيه الهبل اللي بتقوله دا؟ وازاي تكذب عليها؟ تنهيدة عميقة وزفرة خفيضة بنيران الحب، ثم همس باسمها بنبرة خفيضة ولكنها وصلت لأذنيها بصوته الدافئ، مما جعلها تشعر بارتجافة أوصالها، فبعدت عنه.

رفع ذقنها ومازالت نظراته تفترس ملامحها الجميلة رغم شحوب وجهها. تلاقت عيناها بعينيه: "عايز توصل لأيه يابن عمي؟ جذبها بقوة لأحضانه ولف ذراعه يدفنها داخل أحضانه: "إنتِ في حضني كدا، هوصل لأيه ياحبيبي؟ حاولت الفكاك من أحضانه: "جاسر لو سمحت، مينفعش كدا. ابعد لو سمحت، مش عايزك تقرب مني." رفع خصلاتها ووضعها على جنب ووضع ذقنه فوق كتفها، وانفاسه تلفح عنقها هاتفا دون جدال ومازال متحكما بها:

"لا ياحبيبي، هقرب وهقرب أوي كمان. ولو كنت سكت الشهر دا فعلشان كنتي تعبانة مش أكتر." استدارت تطالعه بغضب: "جاسر، إنت اتجننت؟ ابعد بقولك. متخوفنيش منك." شدد من احتضانها: "جنى، اتعاملي معايا على إني جوزك علشان منتعبش مع بعض. إنتِ مراتي وهتفضلي مراتي لأخر يوم في عمري." قالها ثم نهض متجها للداخل. مرت عدة أيام أخرى وهو يتجنب الحديث معها سوى في أمورها الصحية، إلى أن أتى ذاك اليوم.

"اجهزي، هننزل القاهرة. قدامك نص ساعة بالكتير والاقيكي تحت." أمسكت كفيه: "هتفضل تعاملني بالطريقة دي؟ سحب كفيه بعيدًا وأردف: "إحنا مش هنروح حي الألفي. ودا أمر من والدك. وزي ما والدتك فهمتك، هتنزلي على البيت اللي اشتريته. ومامتك هتروحلك كل فترة هناك. ممنوع عز يعرف مكانك. دا لو خايفة عليا من أخوكي." توقفت أمامه ورفعت ذراعيها تحاوط كتفه: "اللي بتقوله دا غلط. بلاش تعمل عداوة مع العيلة لو سمحت." "عداوة؟! " قالها متعجبا،

ثم تحدث مستنكرا كلماتها: "جنى، هتعيشي معايا على إنك مراتي. دا أخر ما عندي." "عايزة أقعد لوحدي. لازم أرتب حياتي قبل أي قرار. وإنت كمان لازم ترتب حياتك مع مراتك وتنسى الهبل اللي قولته." جز على أسنانه وضغط على رسغها بقوة وهتف بهسيس: "احمدي ربنا إنك خارجة من تعب." دنى حتى اختلطت أنفاسهما وهتف بهسيس: "متخلينيش أضطر أخليكي مراتي غصب عنك. واقنعي نفسك من دلوقتي إنتِ مرات جاسر الألفي."

لف ذراعه وجذبها من خصرها ينظر لذهولها وعيناها المتحجرة، ثم دنا يهمس بجوار أذنها: "احفظي الكلمتين دول وحطيهم في قلبك قبل عقلك. جنى جاسر الألفي، هتفضلي كدا لحد ما أموت." فتحت فمها للتحدث، فوضع إبهامه على شفتيها: "مش مسمحولك بكلمة. سمعتك زمان، النهاردة أنا مبسمعش. يعني تقدري تقولي أصم عن أي كلام مش عاجبني." سقطت كلماته فوق مسامعها كصاعقة صفعتها بقوة. ابتلعت ريقها بصعوبة تنظر إليه بأعين زائغة غير مستوعبة حديثه،

ولسان حالها يتسائل: من هذا الذي أمامها؟ أمال بجسده قائلا: "أنا جاسر، هو بشحمه ولحمه. بس الفرق إنك مراتي وأنا جوزك. فاهمة؟ قالها وهو يداعب أنفها بأنامله. توسعت حدقيتها لا تصدق تبدل حاله. وقفت بجسد مرتجف تريد حضنه ليحميها من ارتجافة جسدها الذي تسبب بها، حتى شعرت بخواء ساقيها ولم تقو على حملها. استدار متحركا وهو يهتف: "يالا اجهزي، عايزين نوصل." بعد عدة ساعات، ولجت بجواره إلى منزلهما الجديد. وجدت به خادمة ومرافقة لها.

"مين دول؟! " تساءلت بها جنى. ربت على كتفها: "غادة، خدي شنطة المدام دخليها جوا وحضريلها الحمام." قشعريرة أصابت جسدها من كلمته التي خصها بها "المدام". كانت تطالعه بأعين تفيض عشقا. أحست بالحرارة تزحف لوجنتيها خجلا عندما طبع قبلة بجانب شفتيها: "ادخلي ارتاحي. مامتك في الطريق وأنا ساعتين وراجع." استدار متحركا ولكنه توقف عندما أشارت لحقيبته: "خد هدومك معاك. أنا عايزة أفضل لوحدي. مراتك المجنونة أولى بيك."

سكت هنيهة يحاول ضبط انفعالاته، فتراجع إليها: "حاضر يا جنى، هسيبك لوحدك وهروح لمراتي. ادخلي ارتاحي. بس عايز أفهمك حاجة، إحنا مش هنرجع حي الألفي تاني. وكلمت المحامي يفصل كل ماله علاقة هناك." "ليه كدا؟ عمو مش هيسكت؟ تراجع إليها: "أنا تعبت من كل اللي حواليا، عايز أرتاح. مش عايز كل واحد يتهمني السبب في كل حاجة. عمتك وعز وكله، حتى أخواتي. تعبت ومن حقي أرتاح، ولازم الكل يتعود." اقتربت منه وامسكت كفيه:

"جاسر، إحنا مينفعش نكمل مع بعض." نفض كفيها: "مش إنتِ اللي تقرري كدا. وياريت تنسي كلام أبوكي معايا. أنا مش هبعد عنك واعقلي. أنا هسيبك تقرري مع نفسك. ماتنسيش وأنتِ بتقرري مع نفسك تقنعي نفسك إنك هتفضلي مراتي." قالها وتحرك سريعا من أمامها. بعد فترة، وصل إلى المشفى وجد والده بغرفة صهيب: "بابا، وحشتني؟ ابتعد جواد بنظره بعيدًا عنه وتحدث إلى صهيب: "خد بالك من نفسك، متخليش حد يزعلك."

قالها وهو يرمق جاسر وتحرك خارجا. أشار صهيب بعينيه إليه. فتحرك خلف والده: "بابا... توقف جواد وهو يواليه ظهره. تحرك إلى أن توقف أمامه: "حضرتك هتفضل مقاطعني كتير؟ ضغط على كفه حتى لا يرفعه ويصفعه: "قولي إيه اللي يثبت إني أبوك؟ قولي وعرفني ياحضرة الظابط. أول مرة لجأت لباسم وشوف وصلت لإيه، وتاني مرة لجأت لعمك وشوف النتيجة إيه دلوقتي. ليكزه بكتفه يجز على أسنانه. "لجأت للغريب قبل أبوك. أبوك فين من حياتك ياحضرة الظابط؟ ...

وديت بنت عمك فين؟ وقبل ما تتكلم وتقولي متعرفش، هقولك أنا عرفت إنك اتجوزتها ومش من صهيب يا حيوان. هترجعها يا جاسر، وتخلي الكل يقرر. إنت مش عايش لوحدك. وقبل ما تعترض، عرضناها عليك في الأول وحضرتك رفضت، ومتفكرش الحادثة هتضعفها. بالعكس، أنا هقفلك." "بابا، جنى مع جوزها." أشار بسباباته: "يبقى هتخرب بيوت كتير. ودلوقتي امشي من قدامي، خليك بعيد عني. ووقت ما تحتاج حد، ياتروح لعمك صهيب أو عمك باسم." احتضنه وانسابت عبراته:

"بابا، لو سمحت بلاش تقسى عليا كدا. لو سمحت." "أقسى عليك؟ وإنت عملت فيا إيه يا كبير؟ قولي عملت إيه غير إنك صغرت أبوك قدام الكل؟ وآخرهم يعقوب اللي جه بيطالب بخطيبته. مكنش قدامي غير أقوله عند الدكتور، أفضلها تفضل بعيد عن الكل." "صغرتني يا كبير؟ صغرت أمك خالص." "بابا، متقولش كدا لو سمحت. إنت أغلى من روحي. محبتش أوجع قلبك عليا." احتضن وجهه بعنف يهزه: "إنت أهبل يلآ؟ إنت ابني وابني الكبير، اللي روحي فيه. إزاي تقول كدا؟

رفع بصره وتحدث مهموما: "أنا تعبت ويأست من كل حاجة. وصلت لطريق اللاعودة." "ياللـ! لكزه بقوة وصاح غاضبا: "ابن جواد الألفي ما يقولش كدا يلا. أنا هسيبك يومين لحد ما ترجع بنت عمك وهي اللي تقول. ومن الأفضل إنك تبعد. ومش عشانك." "عشان عمك مش مستعد أفقد حد فيكم. إنت هتتحمل أما هو لا." ربت على كتفه: "مش بقولك طلقها، بس بقولك رجعها عشان تريح الكل ونرجع نلم شمل العيلة." هز رأسه رافضا حديث والده: "مش هقدر. خلينا كدا بعيد."

"تمام يا جاسر." ابتسم له ثم دنا يقبل كتفه: "ربنا ما يحرمني منك ياحبيبي." تحرك وهو يشير بسباباته: "غلطان يا ابن جواد، أنا مسمحتكش لسه." ولج إلى صهيب: "عامل إيه ياحبيبي دلوقتي؟ الحمد لله كدا خوفتنا عليك ودخلت غيبوبة." شاكسه صهيب بصوت متألمًا: "لا متخافش، لازم أربيك الأول وبعد كدا أموت." "بعد الشر عليك ياعمو. أنا جيتلك هنا يوم العملية، بس عز قام القيامة." أومأ برأسه حزينا: "عارف. معلش ياحبيبي اعذره." رفع نظره بمغزى:

"جنى عاملة إيه؟ "نهى بتقولي بقت كويسة. وكمان آخر مرة كلمتها حسيت إنها كويسة." ابتسم عندما تذكر ذاك الشهر المنصرم بينهما وعقاب كلا منهما للآخر: "بتضحك على إيه يلا؟ اوعى يكون قربت للبت، أدبحك." قهقه جاسر عليه، ثم غمز بعينيه: "لحد دلوقتي لسه ياصهيوب، لكن أوعدك في أقرب وقت هتكون جد." جحظت عيناه يشير بسباباته محذرا: "إياك يابن جواد." دنى من عمه وانحنى بجسده يحاوطه بذراعه:

"أنا مش جواد الألفي ياصهيوب، قولتهالك قبل كدا، متحلمش أرجعلك بنتك. دي حاجة. الحاجة التانية اللي لازم تقتنع بيها." "إن بنتك اللي هي جنى جاسر الألفي دلوقتي بقت ملكي ومحدش يقدر يقربلها غيري. ماشي ياصهيبة." ولج عز بتلك الأثناء: "بتعمل إيه هنا؟ وفين جنى يا جاسر؟ استدار متحركا: "حمد الله على السلامة ياصهيوبة، وياريت تقنع نفسك باللي قولته. إنت يلا خد تعالى." قالها صهيب بصوت متقطع. استدار يرفع حاجبه بسخرية:

"متحاولش ياعمو، خلاص خرج السهم من القوس." وصل إليه عز يجذبه من تلابيبه: "متخلنيش أستعمل حاجة توجعنا كلنا يابن عمي." "عز... " قالها صهيب. لم ينظر إلى والده وظل يطالع جاسر بنظرات جحيمية: "صدقني هتخليني ألجأ لحل هيوجعنا كلنا." دفعه جاسر وأشار إلى رأسه وتحدث غاضبا: "حط في دماغك الكلمتين دول يابن صهيب واحفظهم كويس. جنى مراتي، عايز تاخدها يبقى موتني. أختك بقت ملكي ومحدش يقدر يقربلها." لكمه عز بعنف: "ملك مين ياحيوان؟

مش دي اللي سبتها ورحت اتجوزت؟ "عز... " صاح بها متألما. أمسك جاسر كفيه بعنف ورمقه بنظرات نارية: "بص يلا علشان اتحملتك كتير. أنا اتجوزت أختك من أبوها. مالكش حاجة عندي." دفعه بقوة وصاح هاتفا: "واختك موافقة على كدا، إنت مالك." قالها بابتسامة سمجة قاصدا إثارة غضبه، اقترب منه هامسا: "جهز نفسك عشان هتبقى خالو قريب." أشعلت كلماته نيران صدره، فهجم عليه كالحيوان المفترس: "آه ياحيوان ياكلب، وحياة ربي ما هسيبك."

اعتدل صهيب وآلامه قلبه وهو يراهما بذاك الشكل: "عز، جاسر... ابعدو عن بعض." توقف بجسد هزيل، حتى خانه جسده وهوى ساقطا متأواه. أسرع إليه عز: "بابا... وضع كفيه أمامه: "ابعد عني. أنا معرفش." ثم رفع نظره لجاسر ينظر إليه بخذلان: "دا وعدك ليا؟ قولتلي هتتحمله، بقيتوا تأكلوا في بعض." اتجه لابنه: "دا جوز أختك. ودا أخر كلام عندي." قالها صهيب وتنفسه بدأ يقل تدريجيا. طلب الطبيب سريعا الذي وصل وفحصه:

"قولتلك ياصهيب ممنوع الحركة. عايز تموت نفسك يعني." قالها الطبيب متذمرا. وقف جاسر ونظراته للأرض حزينا على ما وصل إليه. أشار صهيب إليه: "روح، متسبش مراتك لوحدها." مرت الأيام سريعا يوما يلو الآخر، ومازال الفراق بينهما صامدا. هي بمنزلها منعزلة عن حياتها سوى من اتصال والدتها، وزيارة واحدة لوالدها بعد ما استعاد بعض من صحته.

جلست وامسكت فرشاتها وألوانها التي ابتعدت عنهما منذ قرابة الخمس شهور. تنظر لتلك اللوحات التي أرسلها إليها، بعدما ابتعد عنها مثلما طلبت منه. بدأت تخطط أمامها دون وعي حتى أنهت رسمتها، تنظر إليها بذهول، فلقد أنهت رسمتها التي ما هي إلا لسارق قلبها. لا تعلم أتبكي أم تحزن؟ شهر كاملا وهو لم يزرها، اشتاقت إلى أحضانه وهمساته لها، لولا زيارات والدتها ووالدها لها من الحين للآخر لكانت جنت من ابتعاده. تذكرت حديث والدها متسائلا:

"طيب بدل جاسر مبتش هنا، بيبات فين؟ ألقت الفرشاة متنهدة بوجع. استمعت إلى طرقات منزلها، ارتفعت دقاتها اعتقادا أنه هو. خرجت العاملة: "مدام جنى، فيه واحد برة بيقول اسمه جواد الألفي." هبت فزعة متجهة إلى الباب: "عمو... " همست بها ثم ألقت نفسها بأحضانه تبكي بشهقات مرتفعة: "عمو حبيبي... حاوطها بذراعه: "حبيبة عمو، وحشتيني." ولجت تجذبه للداخل: "أخيرا حضرتك رضيت عليا وجيت تزورني." خلع جاكيته وجلس يشير إليها:

"تعالي في حضن عمو يابنت صهيب، وحشتي عمو." جلست بأحضانه كطفلة فاقدة لوالديها، تضع رأسها على كتفه: "بابا قال أكيد هتيجي بس اتأخرت أوي." رفعت رأسها تنظر إليه بحزن: "أكتر من شهرين وجنجونة مش وحشتك؟ ابتسم على ملاكه، أزال خصلاتها من فوق عينيها: "جوزك فين؟ هبت واقفة، تفرك كفيها: "قصدك مين؟ توقف بجوارها يمسك كفيها: "هو إنتِ متجوزة حد غير الحلوف ابني؟ ابتسمت ونظرت للأرض بخجل تهز أكتافها: "معرفش، أكيد في الشغل وزمانه جاي." رفع

ذقنها ينظر إلى مقلتيها: "مش عيب تكدبي على عمو. أنا عارف إن الحلوف بقاله شهر مجاش هنا، وعارف كمان إنه باع شقته القديمة واشترى شقة لفيروز. بس اللي معرفوش هو فين. وفيروز كمان مش موجودة في مصر. الولد دا بيعمل إيه من ورايا؟ جنى، أنا جاي آخدك معايا." "جلست مهزوزة... "أرجع؟ أرجع فين حضرتك؟ رفعت نظرها إليه: "عمو، أنا بقيت متجوزة ومينفعش أخرج من غير إذن جاسر حتى لو جوازنا شكلي." "يعني سايبك لوحدك عادي عندك؟

تبقي لوحدك وهو مع مراته التانية؟ تألم قلبها بعد ذكر فيروز وأجابته بعيونها الحزينة: "أنا اللي طلبت منه يبعد علشان أعرف أقرر." "جنى، هسألك سؤال وياريت تجاوبي عليه علشان من إجابتك دي هتحرك على أساسها." نظرت له منتظرة حديثه: "إنتِ عايزة تكملي مع جاسر؟ أنا عارف إنه كتب عليكي بعد ما باباكي طلب منه. متزعليش مني حبيبتي، أنا ما أرضاش تكوني زوجة تانية غصب عنك. جاسر كتب كتابه... هزت رأسها قبل ما يكمل حديثه:

"عمو، ممكن منتكلمش دلوقتي لو سمحت. أنا لسه تعبانة، ووقت ما آخد قرار هقول لحضرتك، وقولت لجاسر كدا. وعلشان كدا هو مش موجود." نهض من مكانه قائلا: "خلاص حبيبتي، أي وقت تحتاجيني فيه هتلاقيني." عند ربي وغنى. توقفت غنى تنظر إلى أختها بعيون متألمة. أرسلت رسالة لزوجها ثم خطت إليها: "روبي حبيبتي، بتعملي إيه؟ مش ناوية تروحي تشوفي جوزك؟ تنهدت بحزن وأجابتها: "غنى، أنا تعبانة وعايزة أبعد عن الأيام دي علشان منخسرش بعض."

قطع حديثهما دلوف بيجاد: "غنى حبيبي، تعالي إنتِ وروبي نخرج شوية ونأكل درة مشوي." حبيبي... توقفت ربى: "هروح أشوف ياسمينا بتعمل إيه. اخرجوا إنتوا." توقف بيجاد ينظر إلى أثرها بحزن: "أنا مدخلتش زي ما قولتي، بس وحياة ربنا عز دا عايز يتربى." جلست متنهدة بحزن: "لسه ماوصلتش لجاسر يابيجاد؟ جلس بجوارها ثم جذبها إلى أحضانه:

"هو كلمني يا غنى، كان بيطمن عليكم. حسيته تعبان، بس اللي مش قادر أفهمه ليه مش عايزكم تتواصلوا مع فيروز. أنا خايف ليقتلها." لكزته ونهضت غاضبة: "خليت أخويا مجرم يابيجاد." جذبها بقوة لأحضانه: "وحياتك جوزك هيتحول لمجرم من جاسر وعز. روحي شوفي سفيان، وأنا هنزل لباباكي دلوقتي، عايزه في موضوع." بالأسفل، وصل عز الذي توقف أمام جواد يخيره بين ابنته وأخته، مما وصل إلى انهيار جواد ودخوله المشفى وحجزه بها.

عند جاسر، عاد إلى منزله بعد غياب شهر عنها بعدما طلبت منه المغادرة، تركها لتقرر. ولج للداخل. تحرك حتى وصل إليها وجلس على عقبيه يرسمها بعينيه. لقد اشتاق إليها كثيرا بعد شهر ولم يراها به. اتجه بكفيه المرتعش يلامس خصلاتها هامسا باسمها: "جنى." فتحت جفونها بتثاقل وكأنه يراودها بأحلامها، ولكن هبت فزعا عندما لامس كفيه وجنتيها وابتسامة على وجهه. ابتلعت ريقها بصعوبة تحاوط جسدها بذراعيها: "جاسر!! إيه اللي جابك هنا؟

استغرق لحظات يطالعها فقط، فحمحم ناهضا ينظر لتلك الأكياس: "جبتلك حاجات، عرفت إنك مخرجتيش بقالك فترة، فقولت أكيد تلاجتك فاضية." جذبت مأزرها تضعه على جسدها، تلملم خصلاتها، بعدما ولاها بظهره، فتحدثت: "لا عمو جواد كان هنا وجابلي حاجات." استدار إليها جاحظا عيناه متسائلا: "بابا!! هو عرف مكانك؟ جلست تنظر للأسفل وإومات برأسها إيجابا والدموع تغيم بمقلتيها. رفع ذقنها بأنامله يتنهد بحرقة قائلا بنشيج مرير:

"شكل بابا وجب معاكي. دا لو عرف." نظرت إليه وتكونت الدموع بعينيها: "تفتكر واحد زي عمو جواد مش هيعرف اللي حصل؟ قبضته وانفاسه تحرقه من يقترب منه: "يبقى عمره ما هيسامحني." اقتربت منه واحتضنت كفيه لأول مرة منذ فترة طويلة وتعلقت عيناها بعينيه إثر سماعها كلماته التي اخترقت جدران قلبها، فتحدثت بتقطع: "جاسر، لازم ترجع لحياتك وتعمل زي ما وعدت بابا." نهض غاضبا منها ثم تحدث: "وأنا مش فاكر اتفقت مع باباكي على إيه.

دنى يهمس بجوار أذنيها: "لو فاكرة يابنت عمي، فكريني." ارتعش جسدها من انفاسه التي لافحت عنقها، فتراجعت للخلف تحتضن نفسها وتهرب من نظراته التي تخترقها. ارتبكت متمتمة: "أنا هقوم أجهز الغدا، تاكل قبل ما تمشي." قالتها ونهضت متجهة للمطبخ سريعا. تحرك خلفها بالأكياس البلاستيكية ووضعها على الرخامة، وتحرك يقف خلفها يحاوطها بذراعيه:

"أنا مش همشي، أنا هبات هنا الليلة. ومش بس الليلة، ادتك وقت بزيادة ودلوقتي أنا جاي زي ما اتفقت معاكي." سقط الذي بيديه حتى أصدر صوتا، فارتبكت تجمع الزجاج. نزل يجمع الزجاج، مبتعدا بها عن المكان، يحتضن كفها الذي نزف: "ينفع كدا؟ مش تاخدي بالك. مفكرة نفسك طفلة." رن صمتا هادئا عليهما وهو يقوم بتنظيف جرحها. لم يخل من النظرات وحبس الأنفاس والتفكير يأبى طي الكتمان، فإما البوح والاستكانة، أو الصمت والعذاب الأبدي.

"بتعمل كدا ليه يابن عمي؟ ياترى تكفير ذنب عن اللي حصلي؟ ولا... رفع إبهامه يضعه على شفتيها ودنى ورماديته تحاور بنياتها: "إياكِ تغلطي، عشان وقت العقاب هيكون شديد أوي يابنت عمي. بقالي فترة مستحمل ضغط عليا. قلبي مبقاش متحمل يامهلكة روحي." رجفة بسائر جسدها وهي تعانق عيناه، فارتجفت شفتيها وهمست: "ابعد عني عشان متتأذيش يا جاسر، أنا ميرضنيش الأذى والوجع. مش عايزة أوجعك. مش قصدي حاجة تانية." جذبها لأحضانه

يعتصرها بقوة هامسا لها: "وجاسر يستاهل العذاب يا جنى. لا يستاهل يتعذب ويكفر عن ذنوبه." ارتفعت شهقاتها وهي تحاوط خصره: "أنا مؤذية للكل، آذيت الكل، فرقت الكل. ليه بيحصل معايا كدا؟ هو أنا وحشة لدرجة الكل بقى يكرهني كدا؟ حتى إنت ما صدقت تبعد عني." أخرجها من أحضانه يحتضن وجهها وتكورت عبراته يرسم وجهها الجميل: "إنتِ أجمل بنت في الدنيا دي كلها. إنتِ البلسم والدوا يا جنى. أوعي حبيبي تقولي كدا." بكت بنشيج وارتجفت شفتيها

تهز رأسها رافضة حديثه: "وبدليل أنا هنا، مهاجرة بعيد عن حضن أمي وأبوي، وأخويا اللي حياته اتدمرت بسببي." بتر حديثها يبتلع كلماتها بجوفه، لأول مرة يتذوق تلك الشفاه التي أرهقت منامه حتى لم يشعر بهدوء روحه العاصية. لحظات وهو يحتضن شفتيها، ربما هدوء لملمة نفسه، أو هروبا من القادم. كل ما يجب فعله وما يشعر به هو تذوقها فقط. فصل قبلته عندما شعر باختناقها. وضع جبينه فوق جبينها: "إياكي أسمعك بتقولي كدا تاني."

"ليه بتعمل معايا كدا؟ لو مفكر إنك بتعمل تكفير ذنوب عن اللي حصل، مش هسامحك." نظرات معذبة إليها وقلب ينتفض بعشقها: "يعني بعد اللي حصل من شوية دا، لسه بتقولي كدا؟ بعد اللي قولته كله ولسه برضو مصرة على وجع قلبي." تحدث بها بأنفاس حارقة تصفع وجهها. رفعت نظرها إليه فهمس لها من بين دقاته العنيفة بعد تذوقه لكرزيتها: "اعذريني، فأنا متعب حد الجحيم من بعدك عني." رجفة أصابتها في خضم أحاسيس أرهقتها وأثقلت نبض قلبها:

"هترضى أكون زوجة تانية وتسبني أموت هنا وترحلها؟ تعلقت عينيه بعينيها أثر سماعه كلماتها التي اخترقت قلبه، ود لو يخبأها بين ضلوعه. اقترب ينظر لعيناها بتعمق: "أنا طلقت فيروز، ومحدش يعرف غير أبوكي ومامتك. وقبل أي حاجة، علشان تعبت من كل حاجة، وياريت متسأليش عن حاجة دلوقتي." نهض وجذب كفيها متجها إلى المدفأة وقام بإشعالها وجلس بجوارها واضعا غطاءا ثقيلا على أكتافهما: "النهاردة لازم نتكلم يا جنى. ليه قولتي إنك بتحبي جواد؟

وليه ابن عميد الجامعة جه يخطبك وأنتِ مقررة رفضه؟ ما رفضتيش من الأول." رفع نظره إليها واستأنف: "وليه اتخطبتي ليعقوب؟ إزاي قدرتِ تموتيني بالطريقة دي؟ سحب هواء متنهدا بعمق يملأ صدره: "ليه كل لما أشوفك تبعدي عني على الرغم حياتنا كلها مع بعض؟ اعتدلت ودنت منه: "إنت ليه اتجوزتني يا جاسر؟ حتى لو طلقت فيروز فعلا، ليه فجأة كدا اتجوزتني؟ "علشانك بحبك." ابتسمت بسخرية، فرجعت تنظر للنيران أمامها. رفع ذقنها:

"بلاش الضحكة المستفزة دي." جذبها بين أحضانه وجذب الغطاء على أكتافهما. وضعت رأسها بصدره تستمد الدفئ. مسد على خصلاتها البينة: "سامعك حبيبي." قالها بهمس جانب أذنها. استدارت تتعمق برماديته: "جاسر، هو فجأة كدا حسيت إنك بتحبني؟ ماهو مش معقول تنسى فيروزتك فجأة كدا." ضم كفيها بين راحتيه، ثم رفعهما إلى فمه يلثمهما: "هتصدقيني ولا هتقولي كذاب؟ مازالت نظراتها عليه على عينيه:

"مش عارفة. الأول كنت بصدق أي حاجة تقولها، لكن دلوقتي مش عارفة يا جاسر. صدقني مبقتش فاهمالك." أخذها بين أحضانه، مالت برأسها ساندة إياها فوق كتفه: "هحاول أقتنع بكلامك." سحب نفسًا عميقا ثم تحدث قائلا: "من تلات سنين بالظبط، يوم تعيني في الشرطة، بنت جميلة دخلت مكتبي وابتسامة

ملت قلبي وهي بتقولي: "مبروك ياحضرة الظابط الجميل." البنت دخولها عليا اليوم دا معرفش هزني لأول مرة رغم إنها طول الوقت في وشي، ويعتبر مابنفترقش غير وقت النوم." وضع ذقنه على خصلاتها وأكمل بعيون مشتاقة لتلك الأيام: "وقتها قولت يمكن كانت وحشاني عشان غايبة عني شهرين، ودا أول مرة تبعد عني."

كانت تستمع إليه متذكرة ذاك اليوم. تراجعت بجسدها تستند عليه بالكامل، شعور الأمان والراحة غمرها حتى جذبت كفيه ليحاوط جسدها بالكامل لتختفي بين ذراعيه. فأستأنف قائلا: "واحد من صحابي دخل وهي قاعدة معايا وعمال تقنعني بعروسة من صحابتها. أنا كنت واخد الموضوع هزار، رغم قلبي وجعني وقتها منها، ومكنتش عارف السبب. لحد ما جه صاحبي دا وجه يسلم عليها ويهزر معاها. وقتها غيرت وحسيت بألم في قلبي لما اتكلمتي معاه." رفع ذقنها

يعانق بنيتها برماديته: "فاكرة قولتيلي إيه لما عاتبتك؟ كانت تنظر لمعة عيناه. ارتجفت شفتيها من نظراته فابتعدت ببصرها بعيدا عنه. أدار وجهها إليه: "قولتيلي بفكر أبعد عن العيلة وأتجوز واحد حلو وأمور كدا." زفرة حارة خرجت من بين آلام قلبه فاستأنف: "قولتلك ماتيجي يابت أجوزك أنا، وأهو زيدنا في دقيقنا. رديتي عليا بإيه؟ "لا طبعاً، أنا يوم ما أفكر أتجوز واحد بعيد عن العيلة." سكتت شوية وقالت: "ممكن أتجوز قريب، بس أكيد مش إنت."

كانت نظراته تحاوط عيونها التي تحولت للحزن: "فاكرة كلامك دا." "بس أنا كنت بهزر، متوقعتش إنك بتتكلم جد." دنى منها بأنفاس تمر فوق كرزيتها هامسا: "حتى لو كنت بهزر، ردك كان قاسي أوي ياحبيبة عمري." رفعت كفيها على وجنتيه: "عمري ما حسيت إنك ممكن تحبني." احتضن وجهها: "ليه؟ ليه محستيش بيا؟ وأنا حاولت أفهمك كذا مرة إنك أهم شخص عندي. افتكري مع نفسك كدا ذكرياتنا." وضع جبينه فوق جبينها وهمس من بين أنفاسه:

"اليوم اللي قررت أفتحلك قلبي لقيت جواد جاي يقولي أنا بحب جنى. مصدقتش وروحت أكلمك لقيتك بتقولي إنك خارجة معاه." تلمعت عيناه بعشقها الخاص: "الوقت دا كنت اتأكدت إني بحبك بجنون. ولو فضلت جنبك بحالتي دي كنت هعمل جريمة. كان لازم أقنع نفسي وأقنع الكل إني بحب فيروز. كان لازم الكل يتأكد من كدا. علشان كدا وقفت قدام بابا لأول مرة." أطبق على جفنيه وارتفعت أنفاسه:

"بابا لو كان فضل مُصر يا جنى، كان ممكن أضعف قدام قلبي وأوجع جواد. غير جواد، إنتِ كنتِ عندي أهم حاجة. مكنتش أقدر آخدك غصب. مكنتش عايز أوجع قلبك على حبيبك." هزت رأسها وانسابت عبراتها: "غلطان يابن عمي، مش يمكن وقتها أكون بحبك." احتضن وجهها بقوة وهزها: "مكنتش هرضاها على نفسي أوجع أخويا اللي هو جواد، وأوجع حبيبتي اللي هي إنتِ. مكنتش هتحمل تكوني جوا حضني وقلبك متعلق بواحد تاني." انسابت عبراتها وأصبحت كزخات المطر:

"إنت كنت بتموتني بقراراتك دي. لو فكرت مع نفسك كنت عرفت بعدك عمل فيا إيه." بدأت دقات قلبه تدق بصدره بشكل كادت أن تتوقف من تسارع نبضه. همس بصوت متحشرج من قوة مشاعره التي وصل لمعناها: "أفهم من كلامك إيه؟ استدارت تواليه ظهرها ووضعت رأسها بأحضانه: "كمل. سمعاك." "إزاي قدرت تتجوز فيروز وقلبك معايا؟ وازاي... " صمتت ولم تقو على استئناف حديثها عندما شعرت بنزيف روحها كلما تذكرت أنه أصبح لغيرها. غيرها امتلكته.

أدارها إليه يزيل عبراتها التي آلمت قلبه ومزقت نياط روحه: "جنى، أنا مكنتش عايش، وحياتك مكنتش عايش. صعب أوي إنك تقنعي نفسك إنك تعيش بدون حب. أنا حاولت أقرب وأكون طبيعي بس إنتِ دايما كنتِ بيني." رفرفت أهدابها ورفعت كفيها على قلبه: "مهما تقول يا جاسر، دا بقى ملك لغيري. كنت بتاخدها في حضنك." شهقة خرجت من روحها النازفة قبل فمها وهي تتحدث من بين بكائها: "أنا كنت بموت وإنت واخدها في حضنك." رفعت كفيها الذي ارتجف من سوء ذكريات

آلمت روحها وأستأنفت: "وصل بيا الحال أنام في أوضتك عشان ريحتك متفارقنيش. إنت في شهر العسل وأنا نايمة على سريرك بعيط. إنت بتلف بمراتك وبتفكر إزاي تسعدها وأنا قلبي بينزف على اشتياقك. كنت عايزة أضمك بس، مش عايزة حاجة تانية غير تاخدني في حضنك." احتضنت وجهه تنظر لعيناه المذهولة: "أنا رحت لدكتور أتعالج من حبك يا جاسر، تخيل وصلت لفين. تمنيت أفقد الذاكرة عشان ما أتوجعش وإنت قدامي وواخد مراتك في حضنك."

تسابقت أنفاسها مع دقات قلبها مع كلماتها التي انتفض قلبه لها. رفعت أناملها ترسم بحنو ملامح وجهه واستأنفت: "لو كان ينفع أدفع قلبي عشان يبطل يأن كنت عملتها، لكن للأسف يوم عن يوم وحبك بيزيد، وكأن بعدك وغيابك بيزيد التعلق والحب. افتكر يوم ماقولت مراتك حامل وبابا سافر هو وماما وقعدت عندكم في البيت. فاكر الليلة دي؟

لما رجعتلي بعد ماوصلت مراتك وفضلت طول الليل سهران جنبي. تعرف وقتها كنت هقولك متبعدش تاني لولا عمو جواد جه واستغرب وجودك. وقولتله إنك كنت بتطمن عليا." جذبه يعصره بأحضانه وانسابت عبراته رغما عنه: "لما بابا خاف عليا وقالي متتهورش في قضية راكان البنداري وأنتِ جريتي عليا تحضنيني جامد قولتي آخد بالي من نفسي." رفعت عينيها وغرزتها داخل مقلتيه:

"كنت هموت عليك، ولما انضربت بالنار قلبي وقف واتمنيت أموت ولا أتوجع وجع فراقك. وقتها اتمنيت إنك تتجوز فيروز فعلا ولا يحصلك حاجة." بتر كلماتها بجوفه، فيكفي لقلبهما عذابهما. اختطف كرزيتها يعزف سيمفونية بنهم باشواقه، فلم يعد للبعد مقترح في قاموسه. رفعت ذراعيها تحاوط عنقه لتروي نزيف روحها وتنعم بقربه حتى لو هتسرقها من غدر الزمن بها. ظلا لوقت يعزف لها وتعزف له ليعلم كلا منهما كيف يكون العشق. همس من بين أنفاسه المتسارعة:

"مفيش حبيبة لقلبي غيرك. بحبك بجنون يابنت عمي. اعرفي إنك من يوم ما اتولدت اتكتبتي على اسمي. ومن وقت ما عرفت إن مفيش حد شاغل قلبك، أقسمت لربي مستحيل حد يقرب منك حتى لو هتحول لمجرم." لمعت عيناها بالسعادة فنطق قلبها قبل لسانها: "جاسر...

تعمق بنظراته وأنفاسه الحارة ينتظر على أحر من الجمر ما ستقوله. فلو اقترب أحد منه لأستمع لدقات قلبه التي تتخبط بصدره بقوة آلمته من شدة ضرباتها وهو ينتظرها. دنت منه وصنعت تواصل بصريا متزامنا مع دقات قلبيهما، لم يفصلهما سوى أنفاسهما، فهمست من بين شفتيها التي تلذذ بطعمها المسكر منذ لحظات: "بحبك يابن عمي وبحبك بجنون. عاشقة متهورة وشمت قلبها بعذاب حبك حتى أصبحت لحياتي دواء لعشقي اللاذع."

دقات عنيفة بصدره، من لحن كلماتها التي روت روحه المشتاق. رسمتها عيناه ببريق عشق خاص بها، دنى وانفاسه الحارة تلفح بشرتها بحمرة لذيذة، رفع أنامله يلمس على وجهها بالكامل. صامتة عيناه تحكي الكثير والكثير بصمت وأنامله تتحرك بحرية على وجهها. أغمضت عيناها عندما شعرت برجفة بعمودها الفقري. دنى يداعبها بأنفه هامسا من بين أنفاسه المتسارعة من قوة مشاعره: "عارفة إنتِ عملتي فيا إيه بكلماتك دي."

وضعت رأسها بصدره هروبا من نظراته ومن همسه الذي أهلكها فجعلها هشة ضعيفة لم تقو على الحديث أو النظر إليه. أخرجها من أحضانه بإصرار يحتضن وجهها ومازالت نظراته عليها: "بتهربي مني ليه؟ أنا لسه معبقتش." نظرت إليه بذهول: "عاقبتني!! قطبت مابين حاجبيها: "عايز تعاقبني أنا بعد اللي قولته؟ طيب أنا أعمل فيك إيه على اللي عملته؟ وزعت نظراتها على وجهه بالكامل ثم هتفت:

"لو هنعاقب بعض زي ما بتقول، هيكون عقابك شديد أوي يا ابن عمي. عقاب ممكن يموتنا احنا الاتنين." نظرات فقط من كلاهما، فكان الصمت في هذا الوقت بلاغة مطلوبة. جذبها إليه حتى اختفت بين ذراعيه، نزل برأسه بعنقها يحبس نفسه داخل صدره ضاغطا على كل عصب في جسده مانعا رغبته في اقتحام أسوارها. هو وعد عمه، فيبدو أنه لم يفي وعده لعمه. كيف يتحكم في سيل مشاعره الجامحة بعشقها. ارتعشت من أنفاسه التي ضربت عنقها، فهمست بشفتين مرتجفتين:

"جاسر!! "إش... "سبيني كدا شوية." تراجعت بجسدها حتى يرفع رأسه. رفع عيناه وتعانقت نظراتهما: "هتفضل تبصلي كدا؟ "بحبك." "بحبك." انسابت عبراتها بقوة ثم رفعت كفيها تخلل أناملها الرقيقة وسط خصلاته مع دقات قلبها التي أصبحت كالمعزوفة هاتفة بهدوء رغم ضجيج قلبها: "معرفش أفرح ولا أحزن." قالتها وهي تعبث بخصلاته ثم اتجهت بنظرها إليه:

"قولي إنت المفروض أعمل إيه وحبيبي اللي ما تمنتش غيره جاي يعترفلي بحبه، بعد ما رماني أكتر من سنة واتجوز." "قدر يتجوز لا ومراته حملت كمان." قالتها بشهقات مع ارتفاع أنفاسها. اختلج صدره مصعوقا بألم نزف روحه، فاحتضن وجهها: "جنى سامحيني. كنت بدور على سعادتك." وضع كفيه موضع قلبها: "لو بتحبيني اسألي قلبك. قوليله جاسر باعني ولا باع نفسه علشاني." دنى وحاوط خصرها بقوة يبحر بمقلتيها:

"لما طلبت السماح علشان محستش بقلبك، مش علشان روحت اتجوزت. فلو اتجوزت فإنتِ السبب." انهارت أمامه وبكت بشهقات: "قولي يا جاسر لو أنا اللي اتجوزت قبلك كنت... وضع كفيه على شفتيها: "كنت موت يا جنى. علشان كدا اتجوزت قبلك علشان مموتش وأقدر أسيطر على نفسي." "كفاية النار اللي ولعتيها بقلبي من اقتراب جواد منك." لمس ثغرها يمرر أنامله عليه بقوة كأنه يزيل آثار ما به. "إزاي قدرت تخليه يلمس حاجة مش ملكي؟

دنى وهو يبثر قبلاته على وجهها مبتعدا عن ثغرها حتى ارتجفت شفتيها وحاولت الحديث، ولكنها منعها عنادا، حجزها بين خاصتيه لفترة ليست بالقليل، حتى أنها دعت ربها ألا يفصلها أبدا. ظل يعزف لها عشقه حتى فاق الصمود أمام فتنتها الطاغية، فنهض وهو يحملها ومازال يعقد علاقة منفردة بخاصتها، متجها بها لغرفتهما ليشاركها لأول مرة عزف القلوب.

وضعها برفق على تختهما يعانق عينيها وشفتيها المرتجفة. رفع أنامله يتحسس عنقها، ثم انحنى ليغرز أنفاسه ويصك ملكيته بكامل جسدها، حتى أصبحت زوجته قولاً وفعلاً.

حان شعاع الشمس بين البزوغ فقد هلت بشائرها وأيقظ الفجر نورا فأحيا العباد لربهم داعين المولى عز وجل العافية والرزق، متجهين للحي القيوم لقضاء صلاة الفجر. استمع إلى أذان الفجر، فتح عينيه بتثاقل، أزاح خصلاتها بهدوء من فوق وجهه، اتجه بنظره لملاكه الغافية بأحضانه، ظل يتأملها بحب يتحسس بأنامله تقاسيم وجهها الذي يعشقه حد الجنون. دنى من أنفاسها ولمس كرزيتها مطبق الجفنين. "ماهذا الشعور الكامن بصدره؟ هل هذا الاكتمال الروحي؟

يود لو يخفيها بداخل صدره. ظل يمسد على خصلاتها وابتسامة ملئت روحه قبل وجهه. اليوم فقط عرف معنى السعادة، اليوم فقط اكتمل كيانه. يا الله، ماهذا الشعور الذي أحياه في القلوب. نزل بوجهه بعنقها: "لو أعرف إن الحب حلو كدا، صدقيني مكنتش بعدتك يوم واحد." لثم عنقها: "بحبك يا من أهلكتي قلبي ونزفتي روحي. بحبك بل عشقتك بكل ذرة بكياني." "دعيني أحطم كبرياء العشق، فوالله ليس لعاشق له كبرياء." رفرفت أهدابها تختبئ بصدره خجلا مما صار.

بسعادة هائلة لمس وجنتيها: "جنجونة قلبي بتهرب مني ليه؟ دي صباح الخير بتاعتك." تمسحت بصدره كقطة أليفة: "بس بقى." رفعها يجذب الغطاء على جسدها: "مكسوفة مني يا جنى." أغمضت عيناها ولم تقو على فتحهما. مال على أذنها: "افتحي عينك بدل ما أفتحها بطريقتي، وأظن إنتِ فاكرة إيه اللي حصل امبارح." فتحت عيناها سريعا: "أهو خلاص." قهقه عليها وهو يلمس ثغرها بأنامله: "لازم أهدد يعني." رفع بصره إليها: "لدرجة دي شايفة كدا تهديد؟

وضعت رأسها بكتفه. "جاسر بس بقى والله هعيط." طبع قبلة مطولة على رأسها: "كنت عايز أشاركك معايا أول فرحة لقلبي، علشان كدا قولتلك الكلام دا." رفعت نظرها إليه متسائلة: "فرحة إيه؟ تمدد باسطا جسده بالكامل على الفراش وهو يجذبها لأحضانه. وضع رأسها على صدره وتخلل أناملها: "سعادة قلبي ياروحي، إن جنجونة قلبي بقت مراتي." لكمته بصدره: "اتلم يابن عمي علشان." لحظة فقط وأصبح الوضع بالنسبة لها كارثيا عندما حاوطها بجسده:

"ابن عم مين يابت هتستهبلي." ارتفعت وتيرة أنفاسها، حتى ارتفعت نبضاتها وبدأ صدرها يعلو ويهبط بطريقة ألفتت نظره. حاولت الحديث بتقطع فهتفت: "جاسر، ابعد شوية." كانت عيناه ثاقبة افتراسية على ملامحها فهتف: "ولو مبعدتش هتعملي إيه؟ ارتجف قلبها من قربه ونظراته المغرمة بها. انحنى يهمس بجوار أذنها وانفاسه الحارة تضرب عنقه بالكامل حتى شعرت بإنسحاب أنفاسها وخيانة قلبها الضعيف بقربه:

"إنتِ مراتي وحبيبة قلبي، مقولتش بنت عمي. هسمعك تقولي ابن عمي دي هعاقبك وعقابي هيكون شديد لدرجة كل شوية هتكرري مع نفسك إن جاسر جوزك وحبيبك." رفعت بنيتها فتلاقت برماديته التي تعمقت بالنظر إليها، لا تعرف لما تلك النظرة الجديدة لها. رن صمتا من الحديث ولكن لم يخلو من نبضات قلبيهما وأنفاسهما: "أنا إيه يا جنجون قلبي؟ قالها وهو يلمس وجنتيها: "جاسر... ابعد لو سمحت مينفعش كدا." مال برأسه بحنايا عنقها: "مجنونة إنتِ؟

أنا ما صدقت أقرب عايزة أبعد." رفع رأسه ونظر لعيناها القريبة: "عايزاني أبعد يا جنى؟ هزة عنيفة أصابت جسدها بالكامل ولم تعلم بما تجيبه. شعرت بتحجر عبراتها فهمست: "لا... قصدي معرفش." ابتسم بحزن يهز رأسه: "السؤال صعب الإجابة ياحبيبة عمري. جاسر لو سمحت افهمني." اعتدل متجها المرحاض: "قومي خدي شاور عشان نصلي الفجر مع بعض."

قالها متحركا إلى الخارج. أغمضت عيناه بحزن. كلما تذكرت ضعفها واستسلامها له ينشطر قلبها. كيف تستسلم له بهذه الطريقة وهو الذي تركها وتزوج رغم حبه لها. تراجعت بجسدها على الفراش: "مش هقدر أعيش بعيد عنه. لا أنا مش هقدر."

قالتها وجذبت مأزرها ترتديه متجهة للمرحاض. بعد قليل انتهى من صلاتهما، خرج متجها إلى المطبخ، بينما هي جلست تنظر لأثره بحزن. أمسكت مصحفها تقرأ وردها، ثم نهضت متجهة إليه وجدته يقوم بإعداد القهوة ويشاهد الأخبار عن طريق التلفاز، وهو يشعل سيجاره. توقفت أمامه وجذبت السيجارة من فمه، وألقتها بالسلة، ثم أمسكت فنجان قهوته وقامت بسكبها بحوض المطبخ. قطب جبينه متسائلا: "مالك يا جنى على الصبح؟ اتجت تنظر إليه بحزن وغضب منه:

"مش ملاحظ إن مفيش عريس يقوم الصبح يشرب سجاير وقهوة يابن عمي وسايب عروسته زعلانة؟ دا لو كنت عروسته أو أهمه أصلا." انفرجت شفتيه مصعوقا بحديثها، وانعقد لسانه بذهول. فتجمد وكأنها أرشقته بسهام مسمومة هزت كيانه وجعلت أنفاسه تتثاقل. فكيف فعل بها ذاك اليوم الذي تعتبره الفتيات يوم عمرها. خطى حتى وصل إليها وجذبها لأحضانه يشد على عظامها يعتصرها ويضمها إلى ضلوعه: "آسف ياحبيبي، مقصدتش أزعلك." حاوطت خصره:

"أنا زعلانة منك أوي أوي يا جاسر وفي نفس الوقت مش عايزك تبعد عني." رفع رأسها واحتضنها: "قولي عايزة إيه يرضيكي وأنا أعملهولك، اطلبي حتى روحي دي، إنتِ مالكها من زمان." رفعت نفسها وطبعت قبلة على وجنتيه: "خلاص مش عايزة حاجة." رفع حاجبه ساخرا: "أسميه إيه دا إن شاء الله؟ ابتسمت وأجابته: "كدا بفهمك خلاص مش زعلانة منك يا ابن عمي." ضغط على خصرها بقوة: "مسمعش ابن عمي دي تاني يا جنى علشان مزعلش منك بجد." "هو إنت مش ابن عمي؟

امال... ينظر لثغرها: "لا ياحبيبي... دا كان زمان لما كنا أخوات. إنما دلوقتي لا، دلوقتي إنتِ روحي وحياتي. أنا كمان لازم أكون كدا. مستهلش يا جنى." كانت تتابعه بعينيها السعيدة. فهمست له بعيونها اللامعة بعشقه: "ماهو إنت كدا، ومن زمان أوي." شدد من احتضانها ونبض قلبه ارتفع بوتيرة أنفاسه: "أنا إيه يا جنى، عايز أسمع." قالها من بين أنفاسه المتسارعة. تضجرت وجنتيها بإحمرار لذيذ وتنحت متحاشية التقاء النظر بعينيه الهالكة فهمست:

"إنت حبيبي وروحي يا جاسر." رفع ذقنها بأنامله عندما انحبست أنفاسه داخل صدره، ونظر لعيناها: "بصيلي وإنتِ بتتكلمي. بلاش تهربي بعيونك عني. إحنا مابنكذبش بمشاعرنا عشان نهرب." "إنت حبيبي وروحي يا...

ابتلع باقي الحروف وأخذ ينهل من كرزيتها عسلها المصفى لتغذية روحه، وما زاده إلا جنون عشقه بها، فأخذ يعمق أكثر وأكثر بخاصته، وبدأ يعبث بيديه كيانها حتى استسلمت بكافة إرادتها لطوفان عشقه. ليكمل ملحمة عشقه ويسطرها بنبض قلبه وثغره، فهو لم يجد من كلمات تعبر عن مدى عشقه لها سوى حصاره لها.

بعد عدة ساعات، أشرقت عيناه كشمس باتت في الأفق البعيد. ينظر لتلك الملاك التي تتوسد صدره. رفع كفيه يمسد خصلاتها، تنهد بعمق يملأ صدره بالهواء المختلط بعبيرها. ابتعد قليلا محاولا ضبط انفعاله الذي بعثرته وخطفت قلبه حتى أصبح قديسا لها. حاول استياقظها عندما غلبه الشوق، فقلب العاشق لا يهدأ سوى بادله عاشقه الهوى. كأنه ولد بالأمس ليحيا عاشقا بتلك الطريقة التي لأول مرة يشعر بها بحضرتها.

أزاح خصلاتها المتمردة حتى ظهر وجهها الندي أمامه. انحنى ليعزف بترانيم عشقه على كرزيتها عندما فقد السيطرة على نفسه. تململت الجميلة بنومها، عندما داعبها عاشقها الولهان. فتحت عيناها الجميلة التي أصبحت له نور يوميه. ابتسمت خجلا: "صباح الخير." قالتها بقلبا ينتفض بالعشق. انحنى يضع رأسه بحناياها: "صباح الحب على عيون حبيبي." غرد بها ككروان بحديقة منزله. رفعت كفيها على وجنتيه وتحرر من صدرها نفسا ناعما مبتسمة:

"صباح الحب على حبيب قلبي." هنا صمتت الألسنة وتعانقت القلوب بالنبض، فلم يتبقى من عشقهما سوى نيران الشوق. بعد فترة يجلس بجوارها بحديقة منزله يتناولان فطورهما: "اجهزي علشان هنسافر يومين." رفعت بصرها متسائلة: "هنسافر فين وليه؟ وضع قطعة من الخبز بالفراولة بفمها واستأنف حديثه: "إيه بلاش نقضي شهر العسل ولا إيه؟ اعصر قلبها بقبضة فهزت رأسها رافضة: "لا يا جاسر مش عايزة سفر، إنت معايا كفاية عليا كدا." ضغط

على كفيها الذي يحتضنها: "حبيبي كفاية معملتش فرح، كمان مش عايزة شهر عسل." وضعت رأسها على كتفه: "لا... مش عايزة. شهر العسل دا كدبة ياحبيبي. الشهر العسل عندي إني أحس بسعادة روحي وإنت جنبي، غير كدا مش عايزة. ممكن تاخدي لأجمل مكان في العالم بس مش سعيدة، وممكن نكون هنا في الحديقة البسيطة دي وأكون أسعد واحدة على وجه الأرض." اعتدلت تشير إلى حضنه وأجابته: "دا سعادتي والعسل اللي بتقول عليه دا مش مرتبط بشهر مرتبط العمر كله."

رفع ذقنها يملس على وجنتيها: "علشان كلمة حبيبي دي أبيع روحي ياروحي وأعملك اللي إنتِ عايزاه." ابتسمت بخجل وأجابته: "عندك شك ولا إيه ياحضرة الظابط؟! حرك شفتيه بصوت اعتراضيا: "لا ياحبي، معنديش شك، وحياة عيونك الجميلة دي واثق فيكي ثقة عمياء." لمست وجنتيه وتحدثت: "مش مصدقة إنك جاسر ابن عمي." أطلق ضحكات مرتفعة يضرب كفيه ببعضهما: "مش أنا قولتلك علشان تريحي نفسك انسي إني ابن عمك، أنا حبيبك." ابتسامة شقت

ثغرها تهز رأسها ثم هتفت: "مجنون." جذبها بقوة حتى ارتطمت بصدره: "مجنون بس إيه." رفعت أناملها تخلل خصلاته: "مجنون بس بحبك يا... وضع إبهامه على شفتيها: "لو قولتي ابن عمي صدقيني متلوميش غير نفسك." قهقهت بصوتها الناعم تضع كفيها على فمها: "لا مش هقول." صمت ومازالت ابتسامتها تزين ثغرها فهتفت وهي تضع كفيها على وجنتيه: "وم تنساش إن حبيتك وأنت ابن عمي." دنى منها يداعب أنفها: "بس عشقتك وإنت مراتي وحبيبة قلبي وروحي."

هزت رأسها ضاحكة: "مجنون والله وحالتك غريبة." نهض يعانق أناملها واتجه إلى خزانة ملابسها: "اجهزي علشان هنخرج جولة هتعجبك كمان." استدار متحركا ولكنه تذكر شيئا، فأخرجه من جيبه، امسك كفيها ووضع خاتم بأصبعها ثم رفعه يلثمه: "الخاتم دا متخلعهوش أبدا حبيبي." نظرت للحجر الذي يزينه: "دا خاتم طنط غزل مش كدا؟ نزل بجبينه يستند على جبينها: "طنطك غزل قالت لبسه لمراتك وقولها مبروك يا مرات ابني." رفعت عينيها المترقرق بالدموع:

"جاسر، عايزة أروح أزورهم علشان خاطري حبيبي." طبع قبلة على شفتيها وهمس لها: "اجهزي النهاردة هنزور راكان البنداري، عازمنا في مزرعته ووعد أجهز نفسي لمقابلة العيلة وبعد كدا آخدك لهناك." حاوطت خصره تتمسح بصدره كقطة أليفة: "مش هتبعد عني مش كدا." رفعت نظرها تنظر له: "اوعى تبعد عني يا جاسر، حتى لو عمو جواد طلب منك كدا." دفعها من خصرها حتى أصبحت بمقابلته: "تفتكري لو القلب فصله عن الجسم، الجسم بيعيش حبيبي." حاوطت عنقه

ونزلت بجبينها تهمس له: "دلوقتي هقولك بحبك يابن عمي وإياك تعترض." أطلق ضحكات مرتفعة وهو يدور بها وابتسامتها تنير وجهها ومازالت تحاوط عنقه. بعد عدة ساعات بشقة فيروز. استمعت إلى طرقات على باب منزلها، دلفت والدتها تنظر للخادمة بغضب: "فين سِتّك يابت." أشارت الخادمة اتجاه الشرفة: "قاعدة برة ياهانم." تحركت ونيران خطواتها تأكل الأرض: "قاعدة في الساقعة كدا ليه؟

خليكي موتي نفسك عياط عليه لحد ما تموتي والباشا عايش حياته في أحضان مراته." رفعت نظرها إلى والدتها: "عرفتي مكانهم." ألقت صور لجاسر وجنى وهو يحملها ويدور بها: "شوفي وأملي عينك علشان تعيطي على واحد خاين زي دا." انسابت عبراتها تحرق وجنتيها: "لدرجة دي نسيتني يا جاسر." نظرت لعيناه السعيدة، وقرب ثغره لثغر جنى، كورت يديها بغضب جحيمي على الصورة حتى أذابتها بين قبضته وهمست من بين أسنانها:

"وحياة وجع قلبي لأبكيك عليها يا جاسر واخليك ترجعلي تبكي." آه صرخت بها كلما تذكرت قربهما. جلست والدتها تنظر إليها بتشفي قائلة وهي تنفث تبغها: "اسمعيني كدا وافهمي هقولك إيه علشان لو عملتي كدا هتخليه يرجعك غصب عن أبوه." بمنزل جواد. بعد استقرار حياته تم نقله إلى منزله بمتابعة غزل له. جلست بجواره وانحبست الدموع بعينيها تنظر لنومه. رفعت كفيه تقبلهما، ثم وضعت رأسها على صدره وشهقة خرجت من فمها:

"مش هقدر أعيش دقيقة واحدة بعدك ياحبيب عمري. لو خايف على غزالتك لازم تقوى وترجعلي بسرعة." رفع كفيه يحاوطها: "غزل بلاش تعيطي." رفعت نظرها وأزالت عبراتها: "حاسس بإيه دلوقتي؟ رسم ابتسامة يزيل عبراتها بإبهامه: "حاسس إني محظوظ بأجمل ست في الدنيا." اقتربت منه وقبلته بعشقها الدفين: "ربنا يخليك ليا." استمعوا لطرقات على باب الغرفة، اعتدلت. دلفت صهيب يستند على نهى. حاول جواد الاعتدال ولكنه أشار إليه: "خليك ياحبيبي مرتاح."

نظر إليه بتعب: "اتجننت ياصهيب، إزاي تيجي بحالتك دي." وزع نظراته على نهى وغزل قائلا: "سبونا لوحدنا شوية." اتجهت نهى ببصرها لجواد تهز رأسها رافضة تركه. هز رأسه لها أي لا تخافي. جلس بجواره على الفراش قائلا بمزاح: "اِتأخر كدا مالك واكل السرير كدا." ابتسم له جواد: "فاكر زمان." وضع رأسه على كتف جواد: "هو فيه أحلى من زمان؟ ربنا يخلينا لبعض." صمت ران بينهما للحظات بتره جواد قائلا:

"عايزين نعمل فرح لجاسر وجنى. مينفعش البنت تتجوز كدا." ربت على يديه قائلا: "البنت سعيدة مع جاسر يا جواد. عارف إني انصرفت من غير ما أرجعلك وفهمتك إن جاسر أخدها بدون علمي. أنا قولت كدا عشان أهدي عز وأعرفه أد إيه جاسر بيحب البنت." أومأ برأسه متفهما: "عرفت ياصهيب، عرفت كل حاجة. بس اللي وجعني إزاي تكسرني بالطريقة دي وتوافق إن جاسر يفض شراكته بعز. مهما كانت اختلافاتهم بس أكيد هيجي يوم ويتصافوا." تنهد صهيب قائلا:

"أنا قولت كدا وقتها عشان أهدي النار اللي بينهم. مكنتش أعرف الموضوع هيتطور كدا." رفع جواد نظره لصهيب قائلا: "عرفت إن عز جه يساومني بربى مكان جنى." طأطأ رأسه بخزي من أفعال ابنه: "عرفت يا جواد." قالها متألما حزين. رجع جواد بظهره على الفراش:

"الولاد بيضيعوا ياصهيب. حازم اللي سافر ومنع ولاده بنزولهم مصر بعد ما رفضت جواز جواد بجنى، وجنانه عليا آخر مرة. وادي عز وتهوره اللي وصله إن بنتي معادش عايزاه. وابني اللي مطرود برة العيلة والكل نافره. حتى أوس قطع علاقته بيه. قولي أرتاح إزاي وولادي كلهم وقعوا." ربت صهيب على كتفه: "عدينا بأكتر من كدا نسيت ولا إيه." سحب نفسًا طويلا، وزفره على مراحل. وآه خرجت متألمة: "لا ياصهيب، المرادي الضربة شديدة في أكبر واحد من ولادي."

استمعوا إلى صرخات نهى بالخارج. نظروا لبعضهما البعض، حاول جواد الخروج. دلفت غنى إلى والدها: "بابا ألحق فيروز برة وعز هجم عليها وبيضربها." بمكتب يعقوب. ولج أحدهما: "... يعقوب باشا

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...