بالكافيه القريب من الجامعه. ترك طاهر ذلك النادل الذى كان يتحدث معه حين رأى دخول يارا إلى الكافيه. توجه ناحية إحدى الطاولات وظل واقفًا ينتظر ببسمة على وجهه، يشعر بزيادة خفقان فى قلبه. تبسمت هى الأخرى بتلقائية، يخفق قلبها بشدة بكل خطوة تقترب من طاولته. شعور مختلف، لأول مرة بحياتها تتخلى عن غرورها وتكذب كي تلتقي بشخص. شعور يتمكن من قلبها مع الوقت يجعلها تود أن يتوقف الوقت ويبقى الاثنان هنا. توجهت إلى تلك الطاولة،
تبسمت له قائلة: "إتأخرت عليك." أشار لها للجلوس وجلس هو الآخر قائلاً: "مش كتير، أنا يادوب واصل من دقايق." جلست تشعر بتوتر وارتباك، لا تعلم كيف تبدأ حديث معه، كأنها نسيت كل ما كانت تفكر به طوال الطريق. بينما شعر طاهر باستغراب من صمتها. للحظات، تنحنح يقطع الصمت قائلاً: "تشربي إيه؟ إرتبكت أكثر وقالت بتسرع: "أى حاجة." أشار بيده للنادل الذي اقترب منه قائلاً بمزح مع النادل: "إتنين عصير فريش، فريش مش معلبات."
تبسم له النادل وغادر. بينما مازالت يارا متوترة، كأنها لاول مرة تجلس معه بهذا الكافيه. حاولت أن تتغلب على هذا التوتر، وأرجعت ذلك أن سابقاً كانت اللقاءات بينهم مجرد صدف، وحتى إن كانت مقصودة منها، لكن لم تكن هي من تطلب اللقاء. ظلت صامتة لدقيقة إلى أن عاد النادل بكأسين من العصير، وضعهم أمامهم، ثم غادر. لاحظ طاهر صمتها، كذلك ملامحها المتوترة التي زادت وجهها ببعض الاحمرار البسيط. قرب كأس العصير الخاص بها أمامها قائلاً:
"إتفضلي." تبسمت بتوتر، تشعر أن الحديث الآن مجازفة، وقالت بهدوء: "شكراً." تبسم لها. لفت نظره نظرة للهاتف الخاص بها. ظنت أنه تضايق من صمتها، جلّت صوتها وقالت بهدوء: "أنا آسفة إن كنت معطلاك. بصراحة انت عارف إني اتصلت عليك النهارده، عشان الفون بتاعي وقع مني في الميه، وهو نفس الفون اللي كنت أخدته صلحته قبل كده في مركز الصيانة اللي سبق وصلحت لي الفون فيه. أنا لو اعرف مكان مركز الصيانة مكنتش طلبتك، واضح إني عطلتك."
تأسف منها قائلاً: "أبدًا مش معطلاني، بالعكس." تبسمت له وهي تخرج هاتفها من حقيبة يدها، ومدت يدها نحوه قائلة: "الفون أهو." مد يده هو الآخر يأخذ منها الهاتف. تلامست أناملهما معًا، رفع عينيهما ونظرا إلى بعضهما ثوانٍ، كانت تُرسل إشارات إلى قلب كل منهما. كل منهما لديه شعور خفي لا يعلمه. أهو مجرد ارتياح صداقة، أم مشاعر أخرى عابرة غير مفهومة؟
لكن قطع تلك النظرات والإشارات رنين هاتف طاهر. انتبهت يارا وسحبت يدها وتركت الهاتف لـ طاهر، الذي نظر لشاشة الهاتف وقرأ اسم المتصل. التقطت يارا شاشة الهاتف دون قصد منها، علمت أن والدته هي من تهاتفه.
بينما طاهر شعر برجفة في قلبه أن تخبره والدته بخبر سيئ. اليوم محاكمة سهيلة، كان سيذهب للمحكمة، لكن أرجأ ذلك بسبب مهاتفة يارا له وطلبها منه اللقاء من أجل تصليح هاتفها. وافق بسبب اشتياقه للقائها منذ عدة أشهر بعد نهاية امتحانات الجامعة لم يلتق بها، فقط يتبعان بعض عبر وسائل التواصل الاجتماعي عبر الهواتف. مجرد تعليقات كل منهم للآخر على بعض المنشورات التي يضعها على حسابه الخاص. كأنها كانت متنفس لهما لمجرد المتابعة فقط. كذلك هي كانت نفس الشيء، لكن اتخذت خطوة، وأسقطت هاتفها عنوة بالماء كي تستطيع اللقاء به.
تنحنحت بارتباك وقالت له: "مش هترد على اللي بيتصل عليك." نظر لها ثم جذب هاتفه وقام بالرد، يشعر برهبة أن يسمع خبر عن سهيلة يجعله يحزن. لكن مجرد أن قام بالرد سمع والدته تتحدث بصوت يبدو سعيد. انشرح قلبه قليلاً، لكن سرعان ما سأم وجهه للحظات وهو يسمع باقي قولها: "سهيلة القاضي حكم عليها بثلاث سنين سجن مع إيقاف التنفيذ، يعني هتخرج من السجن." انبسطت ملامحه وقال بانشراح:
"بجد يا ماما، بابا قالك كده أخيرًا، يعني سهيلة هترجع البيت." أجابته سحر بفرحة عارمة: "أيوا، باباك قال لي المحامي هيحاول يخلص الإجراءات النهارده، وإن شاء الله ترجع للبيت النهارده." تبسم طاهر قائلاً: "إن شاء الله هرجع المسا والقاه في البيت، عندي شوية شغل في مركز الصيانة هخلصهم وأرجع عالمسا مش هتأخر، سهيلة وحشتني أوي."
أغلق طاهر الهاتف ونظر إلى وجه يارا التي لا تعلم سبب لشعورها بغصة في قلبها بعد أن سمعت اسم سهيلة. ماذا تعني له ليفرح كل هذه الفرحة الظاهرة على وجهه؟ كذلك بداخلها ترقب، ودت سؤاله لكن هو نظر لها قائلاً: "تعرفي إن وشك حلو عليا أوي... ياريتك كنتِ كلمتني من زمان." تبسمت له بترقب وسألت باستفسار: "مش فاهمه." تبسم لها قائلاً: "جالي خبر كنت مستنيه من فترة طويلة." شعرت بفضول وسألت: "وياترى بقى خبر حلو ولا... تبسم لها قائلاً:
"خبر حلو جدًا، سهيلة دي تبقى أختي وكانت... توقف للحظة قبل أن يزلق لسانه ويخبرها أنها كانت محبوسة بالسجن، ثم أكمل: "كانت غايبة من فترة وهترجع للبيت النهارده." انشرح قلبها بارتياح، إذن "سهيلة" هي أخته. تبسمت له بمودة قائلة: "ترجع بالسلامة، واضح إن ليها عندك مكانة كبيرة أوي." تبسم طاهر قائلاً: "فعلاً... سهيلة أختي قريبة، رغم إنها أكبر مني، بس بحس أوقات إنها بتبقى ضعيفة، وهي اللي محتاجة لأخ كبير."
ظلت يارا تسمع له عن مدحه لأخته، شعرت بغصة. رغم أن لديها أخوات أكبر منها، لكن لم تشعر بأن لهم وجود طاغٍ بحياتها، لا يتشاركون سوى اسم الأب فقط. دخل لقلبها شعور، لاول مرة تتمناه أن يكون أحد إخوتها مثل طاهر ويتحدث عنها بهذه الطريقة المقربة. ظل بينهم حديث دون شعور منهم، مر وقت طويل. تحدثا بمواضيع كثيرة، لكن لم تستطع أن تتحدث عن أخواتها أمامه، فماذا تقول له عنهم؟
هم مجرد إخوة بالكنية فقط. لكن ولدت تلك الساعات مشاعر، ربما مع الوقت تنكشف حقيقتها. *** في المحكمة. قبل دقائق. نطق القاضي الحكم: "بعد المداولات والاستجوابات، كذلك أقوال المتهمة واستنادًا إلى الأدلة الخاصة بالجناية، قررنا لجنة المحكمة، الحكم على المتهمة 'سهيلة أيمن الدسوقي' بالسجن ثلاث سنوات مع إيقاف التنفيذ."
في البداية كادت آسمية أن ترفع صوتها وتصيح بأن هذا ظلم. لكن تحكمت في غضبها حين استدار لها المحامي مبتسماً. عقدت حاجبيها باستغراب من بسمته، ولت نظره إلى أيمن، تفاجأت بانبساط على ملامحه هو الآخر. لحظات لم تفهم سبب لابتسامتهم ولا مغزى الحكم. وجهت بصرها نحو سهيلة الواقفة خلف قفص الاتهام، ترى رد فعلها هي الأخرى على قرار القاضي. لم تندهش حين رأت ملامحها لا تعطي أي رد فعل، تبدو عيناها تنظر نحو مكان آخر بالقاعة. بتلقائية منها
نظرت إلى ما تنظر إليه، سريعًا تعرفت على هويته من تنظر له سهيلة. إنه الابن الأكبر لـ أسعد شعيب، شقيق القتيل. تسأل عقلها هل أرسله والده مكانه كي يقوم بذم وتهديد سهيلة كما كان يفعل هو بعد كل جلسة قضائية، يقترب من قفص الاتهام ويتوعد لها أنها لن تفلت دون عقاب يشفي حسرته على فقدان ولده. لكن ذلك لم يحدث حين ابتعد آصف، وأعطى ظهره لـ سهيلة وبدأ بالسير نحو باب الخروج من القاعة. زفرت نفسها بارتياح.
بينما قبل لحظات من مغادرة آصف من أسفل تلك النظارة، تحاشى النظر نحو سهيلة إلى أن قال القاضي قراره، الذي كان يتوقعه. نظر نحوها، توقع أن يرى الفرحة على وجهها، فهي بهذا الحكم المخفف أصبحت حرة وستخرج من السجن. لكن تفاجأ بملامحها التي لا تعطي أي رد فعل. رمقها بنظرة نارية غاضبة، فسر عقله ذلك أنه ثقة منها بعدما برأت نفسها بكذبة قذرة. بنفس اللحظة امتلأ قلبه شعور بالحقد والجمود. حسمه عقله لو بقيت أكثر بالقاعة ربما شفقت عليها. بالفعل توجه نحو باب الخروج من القاعة.
بينما سهيلة كانت تنظر له بأمل أن يقترب من قفص الاتهام وينظر لها دون تلك النظارة. ودت أن يتحدث لها ويقول أي شيء، حتى إن قال أنه على يقين أنها قاتلة. لكن كان صمته قاتل بالنسبة لها. كذلك رؤيته وهي يكاد يخرج من باب القاعة، أغمضت عينيها بقوة وآسفة، تشعر كأن قلبها ينزف. لوهلة همس قلبها اسمه "آصف".
للحظة توقف آصف عن السير كأنه سمع همسها باسمه. لوهلة هي الأخرى ظنت أنه لم يكن قلبها هو ما همس باسمه بل نطقها لسانها. لكن انتهت تلك اللحظة حين نفض آصف عن رأسه، تملكه الجمود وشعر أنه فقط توهم همسها باسمه. أخذ نفس عميق يشعر بالاختناق ثم أكمل سير وخرج من القاعة.
بينما بدأ كل من بالقاعة بالخروج منها، كذلك كاميرات التصوير، التي تهافت البعض منها نحو قفص الاتهام، يسألون سهيلة عن شعورها بهذا الحكم المخفف، وهي لا تشعر بهم، فقط تشعر بانسحاب في قلبها قبل أن يسحبها أحد العساكر ويخرج بها من ذلك القفص. *** بعد قليل بأحد ممرات المحكمة. لم تستطع آسمية التحكم في دموعها وهي تقول: "وشكم ليه بيضحك والقاضي حكم على سهيلة بالسجن تلات سنين."
تبسم أيمن لها وقبل أن يفسر لها، صدح رنين هاتفه. أخرجه من جيبه ونظر للمحامي مبتسماً يقول: "دي سحر اللي بتتصل أكيد. قلبي ملهوف أعرف قرار القاضي... أنا هرد عليها أطمنها وإنت فهم عمتي قرار القاضي." تنهد المحامي بارتياح وفسر لها:
"بصي يا حجة، قرار المحكمة صحيح تلات سنين سجن بس مع إيقاف التنفيذ، يعني سهيلة هتخرج من السجن خلاص، لأن الحكم ده يعتبر لاغي، زي إفراج بس يتنفذ لو هي ارتكبت جريمة تانية وخدت حكم تاني وقتها هتنفذ الحكمين. دلوقتي هندفع للمحكمة مبلغ زي كفالة، كمان هنقدم استئناف عال حكم وإن شاء الله ربنا يسهل." شعرت آسمية بانشراح في قلبها وآمنت على حديث المحامي وقالت بلهفة:
"أي كفالة ادفعها لها، من جنيه لـ مية ألف وأنا اللي هجيبهالك حالًا، المهم أنها تطلع من السجن، كفاية كده." تبسم المحامي، مع إغلاق أيمن الهاتف وهو يبتسم قائلاً: "سحر مش مصدقة، وبتقول مش هتصدق غير لما تشوف سهيلة قدامها... تدمعت عين آسمية، لكن استأذن المحامي منهم قائلاً: "هستأذن أنا هروح أكمل إجراءات خروج سهيلة، وكمان أعرف مبلغ الكفالة اللي حدده القاضي." أومأت له آسمية قائلة:
"على ما تخلص الإجراءات هروح أنا وأيمن نسحب فلوس من البنك ونرجع بسرعة." *** بمقر خاص لـ أسعد بالبلدة يُدير منه بعض الشؤون الخاصة. جذب ذلك الملف وقام بفتحه، تلمس بأنامله تلك الصورة، القريبة الشبه من المرأة الوحيدة الذي خفق لها قلبه لكن عثر عليها متأخرًا، كانت مرتبطة برجل آخر، كما أنها توفت بريعان شبابها. همس اسمها "إبتهال".
طوى الصفحة وبدأ بقراءة باقي محتويات الملف. لفت نظره تاريخ ميلادها، كذلك شهادتها الجامعية، لكن توقف للحظة غير متوقع قائلاً: "مكتوب كتابها! عبس وجهه وأغلق الملف، يزفر نفسه بغضب. قطع تفكيره رنين هاتفه الجوال. ترك الملف وقام بالرد، يسمع للمتصل. فجأة نهض متعصبًا يقول بغضب: "مستحيل أقبل بقرار المحكمة ده، دي مستحيل كان يحصل الا لو إنها اشترت لجنة القضاة...
كمان بتقول إن آصف حضر جلسة المحكمة ومكنش له أي رد فعل. تمام، اقفل دلوقتي." أغلق أسعد الهاتف وألقاه بغضب فوق المكتب، وبعصبية منه أزاح تلك الأوراق التي كانت فوق المكتب. نهض واقفًا يسير بغضب، لم ينتبه أنه دهس بحذائه على ذلك الملف. يشعر بغضب ساحق، بنظره أن قرار المحكمة قرار مخيب. ليته ما ترك للمحكمة حق القصاص وأخذه من البداية كما يليق به وأخذ حق غدرها بابنه. لكن الآن فات الوقت. زفر نفسه بعمق وغضب سحيق، وهسهس بجحود:
"لاء مفتش الوقت، مش هتفلت من عقابي ولا هتتهني بحريتها." *** عصراً. بحديقة سرايا شعيب. طوى آصف صفحات تلك الجريدة الذي لم ينتبه حتى لحرف سقطت عيناه عليه. كل ما يجول برأسه ملامح سهيلة، نظرة عينيها له. لأول مرة لم يكن يرغب النظر إلى عينيها ولا لملامحها حتى لا يسقط ببراثنها ويصفح عن ادعائها الكاذب متأثرًا بصفو عينيها وبراءة ملامحها. وضعت أمامه إحدى الخادمات كوبًا من القهوة وآخر من الماء قائلة باحترام:
"قهوتك يا آصف بيه. تؤمرني بحاجة تانية؟ هز رأسه بنفي، قائلاً: "لاء متشكر." انصرفت الخادمة، طوى الجريدة للحظات، وأشعل سيجاره، نفث دخانها، وعاود يتصفح تلك الجريدة. حاول نفض سهيلة عن رأسه، لكن هيهات، هي أصبحت محور هام بحياة من بالمنزل، وبالأخص والده الذي دلف إلى السرايا وترجل من السيارة يسير نحوه بغضب. سرعان ما قال له: "قلت لي أمشي قانوني مع الحقيرة اللي قتلت سامر، وفي الآخر القانون عمل إيه؟
أهو القانون اللي قلت عليه، هيخرجها من السجن خلاص، ولا كأنها مش بس قتلته لاء وكمان شوهت صورته قدام الناس وطلعت هي الشريفة اللي دافعت عن شرفها، ومش بعيد كمان تاخد براءة، وترجع تاني دكتورة. أنا لازم أطعن في الحكم ده، ظلم دي تستحق مش بس الشنق، لاء كمان يتمثل جثتها قدام الناس." شعر آصف بغضب من حديث والده المتهجم على سهيلة، وقال له بحِدة:
"بلاش تخلي غضبك يخرج عصبيتك وتغلط. أيًا كانت مجرمة أو لأ، أنا اطلعت على القضية وبصفتي قاضي كنت هحكم نفس الحكم ده بناءً على الأدلة والأقوال اللي اتقدمت للمحكمة، وكمان بصفتي قاضي أحب أقول لك إن سهيلة لو قدمت طعن عال حكم يترفض، القضية فيها أركان كتير ناقصة، وأي قاضي هيحكم عالأدلة اللي قدامه بنفس الحكم." أنهى آصف قوله وهو يطوي تلك الجريدة ووضعها فوق الطاولة وأشعل سيجارة أخرى.
أخذ أسعد السيجارة من يد آصف بغضب وسحقها بالمنفضة قائلاً باستغراب: "بطل حرق سجاير، وقول لي قصدك إيه، ولما إنت كنت عارف بكده ليه مسبتنيش أتصرف معاها من البداية، كنت هخليها تتمنى الموت ومطلوش، بعد ما أفضح حقيقتها وإنها مش شريفة." تهجم وجه آصف يشعر بغضب قائلاً: "بابا بلاش أسلوب الهمج والمجرمين ده." تهجم أسعد ورفع صوته بغضب قائلاً:
"أسلوب الهمج ده اللي ينفع مع نوعية المجرمة اللي قتلت وشوهت صورة أخوك، إيه يا سيادة القاضي نسيت إن سامر يبقى شقيقك." رد آصف: "مش ناسي ولا قادر أنسى، بس أسلوبك ده... قاطعه أسعد قائلاً: "أسلوبي ده هو اللي هيرجع حق أخوك لما البنت دي تتفضح إنها مدعية كدابة وإن معندهاش شرف، وأنا هعرف أثبت ده." تهجم أصف قائلاً بغضب:
"وده هتعمله إزاي، هتبعت لها اللي يغتصبها، زي ما بعت لها عاهرة في السجن، ولا بالتهديد زي ما كنت بتهددها بعد كل جلسة في المحكمة." ذُهل أسعد من قول آصف وقال له ببجاحة: "إنت متابع بقى، هي البت دي كانت داخلة مزاجك ولا إيه؟ تعصب آصف قائلاً: "كل عصبيتك دي مش هتجيب نتيجة، القضية خلاص شبه انتهت، بس أنا هقدر أرجع حق ادعائها على سامر بالكذب." تهكم أسعد قائلاً باستهزاء:
"وده إزاي بقى، بالقانون اللي في الآخر خرجها شبه براءة كأنها بيكافأها." نهض آصف واقفًا بسخط ونظر له بثقة قائلاً بحسم: "هقولك إزاي في الوقت المناسب، أنا صدعت من الشمس هنا، كمان علبة السجاير خلصت هروح أجيب غيرها، كمان عندي قضية بعد يومين ولازم ادرسها كويس." تهكم أسعد بغضب يذم نفسه ليته ما ترك الأمر للقانون كما طلب منه آصف.
بينما آصف خرج من السرايا سيرًا على قدميه، اللتان أخذاه إلى منزل والد سهيلة، ليراها وهي تدلف مع والداها وجدتها كذلك المحامي الخاص بها. شعر بغضب وابتعد عن المنزل، تجول بالطريق دون هدف قبل أن يعود للسرايا. *** بمنزل أيمن مساءً. دلف طاهر باشتياق سائلاً: "فين سهيلة." تبسمت له سحر قائلة: "سهيلة قاعدة في أوضة الجلوس جدتك آسمية مش مكلبشة فيها."
تبسم طاهر وهو يتوجه إلى غرفة الجلوس. وقف يشعر بغبطة وهو ينظر إلى سهيلة التي كانت ملامحها شاحبة، كذلك نحفت أكثر، لكن كل هذا مع الأيام سينتهي. اقترب منها حين نهضت تنظر له بدمعة تلألأت بعينيها. شعر بغصة في قلبه، سرعان ما جذبها وضَمها إلى حضنه هامسًا بأخوة: "حمد الله عالسلامة." ضَمته ببسمة وأخوة قائلة بمزح: "في الحالة دي بيقولوا 'كفارة' أو تتذكر ومتتعادش." ضَمها قويًا يقول: "كفارة دي للمجرمين مش للمظلومين."
جذبت آسمية سهيلة من يدي طاهر، لتجلس بحضنها قائلة بحنان: "ربنا ظهر الحق، وإن شاء الله في الاستئناف تاخد البراءة." تبسم طاهر لها، كذلك سهيلة، وسحر التي قالت بتمني: "وكمان ترجع تاني تمارس الطب." شعرت سهيلة بغصة، وكادت تتحدث بيأس، لكن دلف أيمن يقول:
"إن شاء الله هترجع وتبقى أشهر دكتورة أطفال في كفر الشيخ، المحامي قالي ممكن نقدم التماس في وزارة الصحة، ونقدم حيثيات الحكم وإنه كان دفاع عن النفس وقتها أكيد هترجعي تمارسي الطب تاني."
تبسمت سهيلة بأمل، بينما تهكمت هويدا التي دخلت تشعر بالبغض من احتوء وفرحة الجميع بخروج سهيلة من تلك القضية. هذا الحكم وخروج سهيلة الآن من السجن، بالتأكيد أفسد عليها بعد أن كانت تقدمت خطوة نحو الوصول إلى امتيازات من "أسعد شعيب" بهذا الحكم تراجعت فرصتها لديه. شعرت بغضب وقالت باستهزاء: "وإزاي بقى هيقبلوا يشغلوا دكتورة وهي ليها صحيفة سوابق، وكمان قتل." نظرت لها آسمية بغضب وقالت:
"سهيلة مقتلتش، وكفاية رغي فارغ في الموضوع ده، وخلونا نفرح المهم إنها رجعت تاني للدار." أنهت آسمية حديثها وضمت سهيلة لصدرها تُقبل وجنتها. شعرت هويدا بالبغض وقالت: "طبعًا، فرحتك بيها متتوصفش مش أول حفيدة تشيليها بين إيديك، ليها معزة." نظرت سحر لـ هويدا وقالت بضيق: "وشالتك إنتِ كمان، ومعزتكم كلكم واحدة في قلبي." تهكمت هويدا قائلة: "لاء طبعًا، سهيلة نصيبها كبير، دي اتولدت على إيديها...
أما أنا اتولدت وهي كانت في وقتها بتعمل عمرة، لمعزة تختلف." نظرت آسمية لـ هويدا، وقالت: "كلكم معزتكم عندي في قلبي واحدة، إن كان إنتم ولا ولاد خالكم." تهكمت هويدا قائلة: "خالي وولاده عايشين في السعودية مش بينزلوا مصر غير في أجازة الصيف." نظرت آسمية لها بلا مبالاة وضمت سهيلة بمحبة، بينما جلس أيمن جوارهم قائلاً: "والله يا عمتي مش عارف أودي جمايلك فين، إنتِ اللي دفعتي الكفالة اللي حددها القاضي." ضمت آسمية سهيلة وقالت:
"كفالة إيه اللي بتتكلم عنها ده ولا كنوز الدنيا تكفي لحظة وجود سهيلة وسطنا." إزداد البغض في قلب هويدا وهمست لنفسها وقالت بغيظ: "كنتِ وفرتي فلوسك الكتير لحاجة تنفع... فلوسك مظهرتش غير عشان الغبية دي، لكن طبعًا لو كانت ليا أو مساهمة في جوازي مكنتش ظهرت... طبعًا الملاك البريئة لها حظ، بس نفسي أعرف رد فعل آصف إيه، وإزاي الشهور اللي فاتت دي كلها مستخدمش سلطته وجابلك إعدام، ولا يكون... توقفت هويدا تفكر، وأكملت بغضب:
"لا يكون هو كمان لسه مخدوع في براءتها، ولا يمكن هو اللي طلب من القاضي، يحكم بالحكم ده، عشان تخرج من السجن." تراجعت هويدا عن ذلك قائلة: "مستحيل ده يحصل، أسعد لما كلمته عن قضية سهيلة من كام يوم حسيت إنه محروق ومغلول أوي، وأكد لها إن آصف كمان زيه، بس إيه اللي حصل وخلى القضية ترسي على حكم زي ده، مش معقول يعني آصف كان بيتلاعب بـ أسعد عشان يخرج حبيبة القلب من السجن." *** بعد مرور شهر. بمحكمة الاستئناف.
خلف قفص الاتهام كانت سهيلة تشعر باختناق بسبب أنها عادت مرة أخرى لذلك القفص غصبًا من أجل الحكم بقرار استئناف الحكم السابق. لكن قرار القاضي جعلها تنسى ذلك الرهاب قليلاً، حين قال: "بعد مداولات من لجنة القضاة في قضية الاستئناف، قررنا منح البراءة لـ 'سهيلة أيمن الدسوقي' من قضية القتل الخطأ إلى الدفاع عن النفس." أصبح هنالك تهليل بعدالة القضاء من ناحية، لكن هنالك ناحية أخرى ازداد الغضب لديها. *** بعد مرور أكثر من ثلاث أشهر.
صباحًا. أمام المشفى التي كانت تعمل بها سهيلة.
توقفت تستنشق الهواء بعمق قبل أن تدلف إلى المشفى بخطوات ثابتة، تشعر بأنظار بعض العاملين بالمشفى تخترق جسدها يتهامسون. قبل عدة أشهر تقترب على عام خرجت من هنا يُقيد يديها أصفاد معدنية، بتهمة قتل حدث معجزة وتبرأت منها، وها هي تعود مرة أخرى تستأنف حياتها مرة أخرى. لن تهزم لكبوة حدثت بحياتها. تشعر من عيون البعض بالاتهام أنها قاتلة، لكن أدلة القانون برأتها، والبعض الآخر تعامل معها سابقًا ولديه شبه يقين أنها ليست قاتلة، وهناك من يستهزئون منها كيف لا تستحي أن تعود للعمل كـ طبيبة بعد اتهامها بقضية قتل. لكن الخطأ ليس عليها بل على من قبلوا ذلك ووافقوا على عودتها لممارسة، ربما قامت برشوتهم.
تغاضت بكبرياء وثقة عن كل تلك النظرات وتوجهت إلى غرفة مدير المشفى مباشرة. دلفت بعد أن طرقت على باب مكتبه وسمح لها بالدخول. بمجرد أن رفع وجهه عن تلك الأوراق الذي كان يطالعها ونظر لمن دخل، سأم وجهه ونظر لها بمقت. شعرت سهيلة بنظرته لكن حاولت الثبات. هي تعلم أنها بريئة لن تهتز ثقتها ببرائته، حتى لو كان مازال البعض يشكك في ارتكابها للجريمة. تحدثت بثبات بعد أن ألقت عليه السلام:
"أكيد وصل لحضرتك قرار من وزارة الصحة إن أرجع أمارس الطب." جذب مدير المشفى ملف خاص وفتحه قائلاً: "أيوه وصلنا قرار وزارة الصحة بموافقتها أنك ترجعي لممارسة عملك كـ طبيبة أطفال بالمستشفى، رغم إن ليا تحفظات عال قرار، لو القرار كان في إيدي أكيد كنت رفضت تنفيذهُ بس مُرغم إني أنفذ القرار حتى لو مش مُقتنع ببرائتك يا دكتورة." *** بـ سرايا شعيب. بالصالون كان يجلس آصف برفقة أسعد وشكران. نظر له أسعد قائلاً:
"كنت بتقول عندك حاجة مهمة عاوز تقول لينا عليها." نظر آصف لـ أسعد بترقب قائلاً: "أنا قررت إني أتجوز." رغم غصة قلب شكران لكن تبسمت له، بينما تبسم أسعد سألاً بلهفة: "ويا ترى عندك عروسة خاصة حاطط عينك عليها، ولا عاوزني أرشح لك عروسة، بنت... قاطعه آصف قائلاً: "لاء في عروسة خاصة." تبسم أسعد سائلاً: "ويا ترى مين العروسة، أكيد بنت قاضي ولا شخصية مهمة." نظر له آصف باستهزاء. بينما قالت شكران:
"مش مهم هي بنت مين، الواضح إن ليها مكانة خاصة عند آصف بدليل إنه أخيرًا اقتنع وهيتجوز." سخر أسعد من حديث شكران، لكن نظر لـ آصف بتساؤل: "ومين بقى العروسة اللي أقنعتك إنك تتجوز." نظر له آصف بترقب قائلاً: "سهيلة أيمن الدسوقي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!