الفصل 11 | من 47 فصل

رواية عشق مهدور الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
23
كلمة
5,393
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

إتأخرت. قالتها شهيرة بدلال وهى تنهض من أمام مرآة الزينة. وضعت فُرشاة الشعر تاركةً تصفيف شعرها. من ثم سارت نحوه بخطوات تتهادى بالغنج الذي تُجيده. رافعةً يديها تُعانقه، تضع ثغرها على شِفاه تُقبله. بادلها القُبل بإستمتاع. ترك شِفاهها ورفع إحدى يديه أمسك طرف خُصلات شعرها قائلًا بإعجاب: قصيتي شعرك كمان غيرتي لونه. تبسمت بدلال قائلة:

تغيير يكسر الملل بقالي مدة كنت بطوله، وكمان كان أسمر، قولت أقصه وأغير لونه Blonde. أيه مش عاجبك اللوك الجديد، ولا مش لايق عليا. فرك طرف خُصلات شعرها قائلًا: بالعكس اللوك الجديد حلو أوي ومصغرك عشر سنين. لوت شِفاهها تدعي أنها مقموصة قائلة:

قصدك أيه إنى كبرت، لاء هو عشان بقى عندي بنت في الجامعه أبقى كبرت. إنت عارف إني إتجوزت بدري وإعتزلت شُغل المودلينج وأنا في عِز شُهرتي. إنت عارف إن كان في دور أزياء عالمية مشهورة كانت ومازالت تتمنى مني بس إشارة، أني أرجع من تاني للموديلز، بس أنت لما خيرتني رغم شهرتي وكمان حُبِ للمودلينج، قلبي أختارتك. ومشيت ورا قلبي. رغم أنه يعلم أن نصف حديثها كاذب، لكن ذلك الإطراء جعلهُ يزهو، وهى تتغنج بدلال تُقبلهُ بإغراء.

إستجاب لها، يقضي وقت مُمتع معها، ينتهي بإنتشاء للإثنين. إضجع على الفراش بظهره. بدلال منها إقتربت منه وضمت نفسها له، وضعت رأسها على صدره تعبث بآناملها برقة على صدره. سأله: قولي بقى إتأخرت ليه، إنت في القاهرة من الصبح. رد ببساطة: أنا فعلًا في القاهرة من بعد الضهر جيت مع آصف، كان عندي شوية مشاوير ومصالح. إدعت الدلال سأله بعتاب:

يعني لو مكنتش جاي مع آصف، وشوية المشاوير بتاعتك دي، مكنتش شوفتك. يعني مش جاي عشان شوشو حبيبتك وحشتك، حتى نص إنت ما وحشتني. أنا زعلانه منك، إنت بقيت تغيب عليا أوى وإنت عارف إنت قد أيه بتوحشني. قالت هذا ورفعت رأسها عن صدره تنظر لوجهه قائلة بدلال: إنت قلبك تقيل، بس بقى. ياترا أنا كمان مش بوحشك؟ جذبها لصدرهُ مُبتسمًا يقول:

أكيد بتوحشيني جدًا، بس إنتِ عارفه طبيعة مشاغلي الكتير الفتره اللى فاتت. كنت مشغول جدًا، سواء في جولة الانتخابات النصفيه، كمان أنشغلت بقضية المرحوم سامر. بس خلاص الفترة الجايه هعوضك. إبتسمت بدلال وعادت تعبث بآناملها على صدرهُ وإدعت الحُزن وهى تقول بنبرة تحريض:

أنا لسه قلبي بيوجعني لحد دلوقتي على المرحوم سامر واللى مضايقني كمان إن البنت اللى قتلته نفدت من العقاب. دى كانت تستحق حبل المشنقه، بس طبعًا القانون سهل يتخدع، وفلتت من العقاب. بسبب قلبك الطيب. نظر لها بغصة تقسم قلبه، لكن قال: مين اللي قالك إنها نفدت من العقاب. أنا متأكد إنها هتاخد العقاب المناسب وقريب جدًا. مستحيل تتهني بعد ما شوهت صورة ابني. رفعت رأسها عن صدره وسألت بذهول: قصدك أيه؟ رد أسعد بهدوء:

بكرة تعرفي. دلوقتي أنا حاسس إني مُرهق ومحتاج أنام عشان عندي بكرة جلسة حلفان اليمين في المجلس ولازم ابقى فايق ليها.

رغم فضول شهيرة، لكن تبسمت له وعادت تسكن صدرهُ تشعر بإنشراح في قلبها. رغم كتمان أسعد، لكن تعلم أنه مازال بقلبه الانتقام من تلك الفتاة. شار عليها عقلها أن تجذب هاتفها وتُخبر اسعد عن تلك الصور الخاصة بـ آصف مع تلك الفتاة، لكن تراجعت. ماذا ستفسر له كيف وصلت تلك الصور لها. لكن شعرت بسعادة وشماتة في آصف الذي دومًا يُظهر البُغض لها. بينما ضم أسعد جسد شهيره بين يديه، يتذكر بالأمس [فلاشـــــــــ/باك]

اكتسب من خبرته كـ نائب في البرلمان أن يسمع الحديث الى النهاية بعدها يقرر: أيعترض أم يوافق، أو يلتزم الصمت ولا يبالي، أو أخيرًا يمسك العصا من النصف. هكذا فعل بعد أن سمع قول آصف. بينما تسرعت شُكران وقالت برفض: لاء، مستحيل. شاور على أي بنت تانية غير سهيلة. نظر لها آصف قائلًا: إنت مش كنتِ نفسك إنى اتجوز وكنت بتلحِ عليا كتير، أنا أهو هحقق لك رغبتك. تنهدت شُكران بغصة ودمعة تتكون بعينها وقالت برفض:

لاء، يا آصف مستحيل. أنا حاسه بشوية تعب. هقوم أنام. لم يستغرب آصف من رفض شُكران، لكن استغرب من صمت أسعد. نظر له قائلًا بإستخبار: وحضرتك كمان رأيك أيه؟ هترفض زي ماما؟ صمت أسعد للحظات يُفكر قبل أن يُرد على آصف. عكس توقعه: لاء أنا موافق طالما دي رغبتك. مقدرش أفرض عليك قرار متأكد إنك مش هتمتثل ليه. إنت حُر في حياتك، بس أنا مش هقدر أستقبل البنت دي هنا في سرايا شعيب. قصدك أيه؟ هكذا تسأل آصف بإستغراب.

حنكته كـ سياسي وقبل ذلك معرفته بـ آصف، لديه يقين أن آصف سيستغل زواجه من تلك الفتاة ويأخذ قصاص أخيه. بالتأكيد لديه هدف من هذا الزواج. آصف سبق وأخبرهُ أنه كان يعلم قرار المحكمة وأن لديه العقاب المناسب لها. أخبره بذلك سابقًا، والآن حسم آصف قراره. الزواج من تلك القاتلة له هدف لديه. ربما كي يُظهرها على حقيقتها مُدعية الشرف وهي ليست سوى مُتسلقة عديمة الشرف. لكن أخبره بدهاء كي لا يشعر أنه يفهم مآربه من خلف ذلك الزواج:

إنت حُر في حياتك واختيارك للي تناسبك وتشاركك حياتك، عشان إنت اللي هتشيل عواقب ده بعد كده. استغرب آصف رد والده الذي خيب توقعه، لكن لديه هاجس أن أسعد يفهم نواياها من خلف ذلك الزواج. ربما بداخله أراد أن يقنعه أن يتراجع عن ما برأسه. ربما وقتها كان شعر بأن أسعد لديه قلب. لكن امتثل لقراره قائلًا: تمام أنا هنتظر إن تقنع ماما توافق. أومأ أسعد برأسه قائلًا: إنت مش محتاج موافقة مامتك، لأنها مش هتعاشر مراتك معاها هنا.

استغرب آصف سائلًا: مش فاهم قصدك أيه، ياريت توضح. رد أسعد: يعني إنت أكيد مستحيل تدخل البنت دي هنا السرايا كـ زوجة ليك، وأنا ومامتك أكيد من هنستقبلها بالورود، زي أي كنة تدخل للسرايا. البنت دي مقامها بدرون السرايا. للحظة تفاجئ آصف من رد أسعد، وقال بخشونة: تقريبًا، إنت بترفض بس بطريقة إنك متفرضش رأيك عليا؟ رد أسعد:

لاء غلطان قولتلك إنت حُر، بس أنا يوم ما أستقبل لك زوجة هنا في السرايا تكون بنت ناس محترمين ومن مقامنا الاجتماعي، لكن إنت عاوز تتجوز البنت دي مقدرش أمنعك، بس متأكد إنك مع الوقت هتمِل منها ومش بعيد تطلقها، وتختار اللي تناسبك. أنا مش ضد إنك تجرب وتفشل. ذُهل آصف من رد والده المجحف. ماذا يقصد بـ تجرب وتفشل. لكن صمت لا يود الجدال بأمر محسوم لديه. سيتزوج من سهيلة عقابًا على كذبها. [عودة]

عاد أسعد يبتسم وهو يشعر بالهدوء النفسي. تلك المُدعية رسمت نهايتها بغباء منها. هي بالتاكيد لن ترفض زواجها من آصف طمعًا في المغفرة التي لن تنالها. بل سيتضاعف عقابها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بمنزل أيمن بغرفة الجلوس

على تلك الطاولة وضعت سهيلة بعض الكتب والمراجع أمامها تنظر لها بشرود تتذكر مواقف زُملائها بالمشفى ونظراتهم لها اليوم كذلك حديث مدير المشفى الفج لها. سالت دمعة من عينيها. دمعة حسرة. هي لم ترتكب أي جرم. ألا يكفي عقابها بالسجن لأشهر ذاقت فيها جرعات مريرة من العلقم، كذلك ألا يكفي أنين قلبها بمن تخلى عنها وتركها تواجه مصير معتم دون حتى أن يسألها مرة واحدة حتى لو وجه لها الاتهام مثل الباقين، لكن اتخذ الصمت حتى نظرات عيناه لم تراها.

أثناء شرودها شعرت بيد وضعت على كتفها. سرعان ما انتفضت واقفة بخضة متحفزة... لكن سرعان ما تنهدت براحة قائلة: بابا. استغرب أيمن من ردة فعلها المبالغة. وقال بود: ايوا بابا مالك اتخضيتى كده ليه. ازدردت سهيلة ريقها وقالت بتبرير كاذب: مفيش يا بابا بس كنت مركزه في قراية المراجع، ومش منتبه لخطوات حضرتك.

نظر أيمن الى تلك الكتب والمراجع الموجودة فوق الطاولة كان معظمها مغلق الا من مرجع واحد مفتوح على أول صفحة، لكن شعر بوخزات قوية في قلبه وضم سهيلة قائلًا بحنان: ربنا يوفقك. هسيبك تكملي مذاكرة وهروح أعملك شاي. ضمت سهيلة نفسها لـ أيمن تحاول أخذ الأمان المفقود منه وقالت: لاء شكرًا يا بابا، أنا حاسه بإرهاق ومش هقدر أكمل مذاكرة هأجلها لبكره. تبسم لها بحنان قائلًا: كنت هقولك كده، بس قولت سهيله مش بتتعب من المذاكرة، بس...

أكملت سهيلة بقية حديث أيمن بآسف: بس كل شيء بيتغير يا بابا. هروح أنام تصبح على خير. رد أيمن يشعر بآسى: وإنتِ من أهله.

دخلت سهيلة الى الغرفة الخاصة بها مع هويدا. سابقًا كانت تشعر بخوف من إغلاق باب الغرفة، لكن الليلة أغلقت الباب وذهبت نحو فراشها أزاحت الدثار قليلًا وتمددت على الفراش سامحة لعينيها أن تزرف دموع تحاول بها إخراج مكنون قلبها الذي يأنت. تشعر انها مازالت سجينة بين جدران أعين الناس ترى بأعينهم سهام اتهامات قاسية تخترق قلبها، لكن همست لنفسها بإصرار لن تستسلم. ستعود لحياتها وتبدأ من النهاية. وما كانت تخطط له دومًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد مرور شهر ونصف ظهرًا بالقاهرة بشقة آصف بغرفة نومه وقف أمام المرآة نصف عارٍ ينظر الى انعكاسه. تمعن النظر الى ذقنهُ بعد أن قام بتهذيبها. بنفس الوقت سمع رنين هاتفه. وضع ماكينة الحلاقة التي كانت بيده فوق طاولة مرآة الزينة وتوجه نحو طاولة جوار الفراش. نظر للهاتف تبسم وهو يقوم بالرد: سيادة الكابتن طيار بتكلمني منين النهارده. تثائب أيسر وهو يقول بإرهاق:

إحنا في موسم الحج وشغال على خط الطيران المصري السعودي. تبسم آصف قائلًا: طب كويس، روح حج واطلب من ربنا يهديك. ضحك آيسر قائلًا: آمين. حتى ماما وصفوانه كمان طالعين الحج السنة دي. هبقى مرافق لهم وأقولهم يكثفوا الدعاء، ربنا يهديك إنت كمان، ويرتاح قلبك.

فهم آصف فحوى حديثه ولم يرد الحديث بهذا الشأن بدل الحديث لدفه أخرى الى أن انتهى الحديث بينهم. كاد يضع الهاتف على الطاولة لكن اهتز بصوت رسالة. فتحها شعر بغضب وغيرة من محتوى الرسالة الذي كان صورة لـ سهيلة تقف معها شخص آخر يمد يدهُ لها بكتاب كذلك خلفهم بعض الكتب. فطن أنها ربما مكتبة الجامعة. لكن لما تقف مع هذا الشخص. اجتاحته مشاعر الغيرة، وجزم لنفسه لابد من الآسراع في قرار الزواج منها بأقرب وقت. واللّيلة ستكون البداية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالجامعه كانت يارا تسير برواق الجامعه مع إحدى صديقاتها يتحدثن عن رأيهن بأحد الأساتذة وطريقته السيئة في شرح المادة الدراسية، لكن للحظة توقفت حين رأت طاهر يقترب منها. شعرت بغيرة حين رأته يسير يتحدث مع إحدى زميلاته. في البداية ظنت أنه سيحدثها لكن تجاهلها، وسار من جوارها حتى دون النظر لها. شعرت بغضب يملأ قلبها. نظرت لزميلتها وقالت لها:

لسه في وقت أكتر من نص ساعة عالمحاضرة التانية، خلينا نروح الكافيه اللي قدام الجامعه نشرب قهوة تصحصحنا شوية. وافقت زميلتها وذهبن الى الكافيه. دلفا. نظرت يارا الى طاولات الكافيه، لكن ازداد الغضب لديها حين رأت طاهر يجلس مع تلك الفتاة يبدوان مندمجان وأمامهم بعض الكتب كذلك كوبان من القهوة. أشارت لصديقتها قائلة: خلينا نقعد شوية. تبسمت لها صديقتها وقالت بمرح: إعملي حسابك إنك إنت اللي عازماني عالقهوة.

اومأت براسها. جلسن لبضع وقت يحتسين القهوة. نظرت لها زميلتها قائلة: خلاص مبقاش فاضل عالمحاضرة غير عشر دقايق على ما نرجع للجامعة كمان، وياك نلاقي مكان قريب من منصة الدكتور. لم تنتبه يارا لحديث زميلتها بسبب عينيها اللتان تنظران نحو طاهر الذي كأنه تغاضى عن رؤيتها وهو منسجم مع تلك الفتاة. لكن الأغرب أنه انضم لهم بعض من زُملائهم. ربما هذا ما جعل قلبها يهدأ قليلًا. بينما استغربت صديقتها ووكزتها على يدها قائلة:

سرحانة في أيه. نظرت يارا لزميلتها وقالت ببساطة: مش سرحانة، بس كنتِ بتقولي أيه. ردت زميلتها ببسمة: آه.. فعلاً مش سرحانة، على العموم بقولك خلينا نقوم نرجع للجامعة المحاضرة خلاص فاضل عشر دقايق، على ما نوصل للمدرج.

نهضت يارا بمضض وسارت مع زميلتها تعمدت المرور من جوار تلك الطاولة التي يجلس خلفها طاهر، لكن لم يرفع رأسه وينظر لها. شعرت بغضب كذلك وخز في قلبها بسبب انشغاله بالحديث مع زميلته. غادرت تشعر بشرود تسأل نفسها ماذا تعني له تلك الفتاة التي بسببها حتى لم ينظر لها. بينما بالحقيقة بسبب انشغاله مع زميلته بمراجعة ومناقشة بعض الدروس سويًا لم ينتبه لها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بـ المكتبة التابعه لكلية الطب.

تجولت تقرأ عناوين تلك الكتب المصفوفة على أرفف المكتبة تبحث بينها عن ذلك المرجع الطبي التي تريده. انشرح قلبها حين وجدته موضوع على أحد الرفوف. مدت يدها كي تجذبه، لكن تفاجئت بيد أخرى سبقتها وجذبت المرجع وأخذته. استدارت تنظر خلفها، كان شخصاً يبدو عليه الوقار. تنحنحت قائلة: المرجع ده بيناقش بعض الظواهر النفسية. رد الآخر قائلًا:

عارف، أنا كنت بدور عالمرجع ده من فترة حتى سألت أمين المكتبة وقالي إن كان في طالب مستعيره وكويس إني جيت النهاردة ولقيته. شعرت سهيلة بآسف وخجل أن تُخبره أنها تود استعارة هذا المرجع لحاجتها الضرورية إليه، لكن سألته: وهترجع المرجع تاني للمكتبة إمتي؟ رد باحترام: بصراحة مش عارف، بس... توقف ينظر لها وسأل بفضول: إنتِ محتاجة للمرجع ده. التزمت الصمت قليلًا، بينما هو شعر أنها مألوفة لديه. سألها: إنتِ بتدرسي طب نفسي. ردت سهيلة:

لاء، أنا خلصت دراسة طب أطفال، بس بعمل رسالة الدراسات العليا وكنت واخده موضوع تأثير الطب النفسي مش بس على الأطفال على البالغين كمان. ضحك مازحًا يقول: قصدك طب المجانين، مفيش حد في مصر بيعترف بالطب النفسي. تبسمت له قائلة: فعلاً ده صحيح، أنا كان نفسي ادرس طب نفسي من البداية بس طبعًا الطب النفسي في مصر مالوش مستقبل. ضحك مازحًا يقول:

بالعكس الطب النفسي له مستقبل كبير في مصر، كلنا أوقات بنبقى محتاجين نفضفض بس طبعًا مش لدكتور المجانين. تبسمت له قائلة: هو ده اللي خلاني ادرس طب اطفال، بس ناوية أعمل رسالة الماستر والماجستير والدكتوراه عن تأثير الطب النفسي، جنب طب الأطفال. ضحك قائلًا:

يعني تمسك العصاية من النص، للأسف أنا معملتش كده، درست طب نفسي وكمان اخدت الماستر والماجستير والدكتوراه فيه بس طبعًا مش في مصر. أنا يادوب راجع من بعثة من فرنسا كم شهر. بصراحة هناك عندهم امتيازات للطب النفسي ومش بيخجلوا أنهم يزوروا طبيب نفسي من فترة للتانية عكس هنا طبعًا. للحظة تذكرت سهيلة سامر وأكم من مرة نصحته باللجوء لطبيب نفسي، لكن هو امتعن وسار بعقله خلف مغامرات أودت بحياته وكاد يضيع مستقبلها بسببه. لاحظ الآخر،

شرود سهيلة سألها: على فكرة متعرفناش، أنا دكتور "بيجاد وحيد" دكتور نفسي. نفضت ذكرى سامر وابتسمت له قائلة: أنا سهيلة أيمن، دكتورة أطفال. مد بيجاد يدهُ لها للمصافحة قائلًا بود: إتشرفت بيك يا دكتورة، اتفضلي. صافحته سهيلة باستحياء ونظرت الى يده الأخرى الممدودة بالكتاب قائلة: إنت مش محتاج للمرجع ده؟ رد بيجاد:

هقولك الصراحة أنا كنت محتاج ليه عشان كنت هعمل بحث طبي، سهل أجيب اللي لازميني عنه من مواقع طبية عالنت، بس كنت هستسهل وأخد المعلومات اللي عاوزاها من المرجع ده. واضح إنك محتاجاله أكتر مني، كمان أنا مش مستعجل عالبحث بتاعي. بحياء مدت يدها وأخذت المرجع قائلة: تمام طالما مش مستعجل عالبحث حضرتك، أنا ممكن آخد المرجع وخلال أسبوع بالكتير هرجعه هنا للمكتبة تقدر وقتها تستعيره. أومأ لها ببسمة قائلًا:

تمام أسبوع مش كتير، بس أتمنى أن الكتاب يفيدك يا دكتورة. تبسمت له وهى تنظر له بشكر. ثم عادت بنظرها الى المرجع تبتسم. بينما بيجاد ظل ينظر لها بنظرة شغف، لكن قطع نظره لها رنين هاتفه.

أومأ لها وتجنب منها للرد على الهاتف، بينما سهيلة فتحت المرجع قرأت بعض السطور، ثم غادرت دون انتظار. بينما بيجاد بعد أن أنهى الحديث على الهاتف، عاد مرة أخرى للمكان نظر حوله يتلفت بالمكتبة، لم يراها كأنها اختفت. تبسم وبداخله أمنية لقائها مرة أخرى. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مساءً بمنزل أيمن وضعت سحر تلك الصنية على طاولة أمام عادل ورحبت به قائلة: نورتنا يا عادل. تبسم لها بمودة، بينما نظر لـ أيمن قائلًا:

بصراحة كده يا عم أيمن موضوع زفافي أنا وهويدا. توقف عادل للحظة حين رأى اعتدال هويدا ونظرها له بتحفز، لكن قبل أن تتحدث تحدت أيمن قائلًا: أنا عارف إن زفافكم اتأجل كتير بسبب الظروف اللي مرينا بيها في الفترة الأخيرة بس الحمد لله ربنا كشف الغمة، وبصراحة كده الواحد نفسه يفرح. أنا بقول بلاش تأجيل أكتر من كده، كفاية. قاطعته هويدا بتسرع: وليه نتسرع يا بابا، كمان أنا معنديش اجازات دلوقتي خلي الزفاف للصيف الجاي.

نظر عادل لها باستغراب، بينما قالت سحر: ليه نأجله ده كله، الحمد لله الجهاز كله موجود، خلونا نفرح شوية، كفاية غم، ومفيهاش حاجة لو أخدتي أجازة أسبوع ولا اتنين بدون مرتب. رد أيمن هو الآخر بتوافق: أنا بقول كده كمان، كفاية مدة الخطوبة طولت قوي، والظروف الحمد لله اتعدلت خلونا نفرح، على بركة الله يا عادل من بكرة روح احجز قاعة الفرح في أقرب وقت.

نظرت هويدا لـ عادل بسخط، بداخلها نفور تكره أن يضعها أحد امام الأمر الواقع، كذلك بداخلها غضب بسبب تشتتها بعد تجاهل أسعد لها، وأجزمت أن السبب هو براءة تلك السخيفة سهيلة، وددت لو تنهي هذا الموضوع وتنفسل عن عادل لكن بداخلها هاجس يمنعها من ذلك خوفًا أن تشمت فيها سهيلة كذلك تخشى ألا تتزوج بسبب سمعة أختها التي أصبحت كالعلكة بفم الناس، حتى لو كانت حصلت على البراءة لكن ما زال هناك البعض الذي لا يصدق أنها بريئة من دم زميلها. صمتت تتقبل الأمر غصبًا بغضب جم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بـ سرايا شعيب بغرفة آصف

كان يتمدد على فراشهُ يضع يديه أسفل رأسه، ينظر الى سقف الغرفة، شاردًا، بتلك الصورة التي وصلت لهاتفه ظهرًا، تخص سهيلة وهي واقفة مع شخص آخر تذكر حين سأل الذي أرسل له الصورة من هذا، أجابه بأنه لا يعرفه، لكن سيأتيه بمعلومات عنه بأقرب وقت. كذلك أخبره أنها وقفت تتحدث معه لبعض الوقت، قبل أن تتركه وتغادر. قطع عليه ذلك التفكير، صوت طرق على باب الغرفة. سمح بالدخول. اعتدل جالسًا على الفراش يبتسم حين دلف الى الغرفة والدته تحمل بيدها كوبًا

من اللبن قائلة: كنت متوقعة إنك لسه سهران. جبت لك كوباية لبن دافية اشربها وبعدها هتنام مرتاح. تبسم لها وهو يأخذ منها الكوب، وارتشف بعض القطرات. بينما جلست شكران على طرف الفراش جواره ومدت يدها على خصلات شعرهُ وقالت بأمومة: شعرك محتاج يتقصر شوية يا سيادة المستشار. "سيادة المستشار" تلك الكلمة التي كانت دائمًا تقولها له سهيلة. شعر بالجمود. بينما تنهدت شكران قائلة له بنُصح: بلاش يا آصف. لم يفهم آصف مقصدها وسألها:

بلاش أيه يا ماما؟ ردت عليه شكران بهدوء، رغم ثوران قلبها النازف: بلاش تتجوز من سهيلة. فهم آصف لكن سألها: إنتِ رافضة سهيلة عشان زعلانة إنها طلعت براءة. أومأت شكران برأسها وفاجأته: أنا فعلًا متأكدة إن سهيلة بريئة من دم... توقف لسانها عن ذكر اسم سامر الذي أصبح نطقه يؤلم قلبها. بينما تفاجئ آصف من قولها وقال باستغراب: مش فاهم قصدك أيه. ردت شكران:

سهيلة أنا أعرفها من وهي طفلة كانت هادية وملهاش في الشر، ومعتقدش إن قلبها يستحمل إنها تقتل. استغرب آصف قائلًا: بس ممكن تدعي بالكذب عشان تنجي نفسها من حبل المشنقة. ردت عليه شكران: إنت قولتها، كذبت عشان تنجي نفسها، الروح غالية يا آصف، عشان كده بقولك بلاش تتجوز سهيلة، خليها بعيد عنك، أفضل ليها ولك. أنهت شكران قولها وهي تضع يدها على قلب آصف. آصف الذي نظر لها باستغراب وتسأل: مش فاهم؟ ردت شكران:

لاء فاهمني يا آصف مفكرني مكنتش ملاحظة نظراتك لما بتشوفها هنا في السرايا، فاكر كتير قبل كده كنت بطلب منك إنك تتجوز حتى أوقات كنت بقولك على عرايس بنات ناس أنا أعرفهم، كنت منتظرة منك تقولي أنك عاوز سهيلة، بس إنت كنت بتخيب ظني، بس النهارده بقولك بلاش يا آصف... خايفة عليك تندم بعد كده. نهضت شكران ونظرت لـ آصف بحنان قائلة: أنا مسافرة بكرة السعودية هدعيلك في الحرم ربنا يريح قلبك.

غادرت شكران الغرفة وتركت آصف يشعر بتخبط، ما بين قلبه وعقله وزاد التوهان بعد حديث شكران. رغم وجع قلبها المُدمى دافعت عن سهيلة. سهيلة التي لا تستحق منها شفقة.

كاد عقله يسلم الدفة لقلبه يتحكم ويتراجع، لكن صدح رنين هاتفه. جذبه من جوارهُ، ونظر له، فتح تلك الرسالة المرسلة له، قرأها وعلم من فحواها، أن سهيلة غادرت المشفى قبل قليل. لكن سرعان ما شعر بغضب وعاود قلبه للجمود حين قرأ تلك الرسالة الأخرى المرسلة بمعلومات عن الشخص التي كانت تقف معه ظهرًا بالمكتبة. أنه أحد الدكاترة الذين يشرفون على رسالة الدراسات العليا الخاصة بها، والتي سبق وأخبرته أنه ابن طبيب عالجها وكانت معجبة به. شعر بغضب قوي يهمس من بين أسنانه قائلًا:

طبعًا الإعجاب سهل يتنقل من الأب للإبن، بس ده مستحيل أسمح بيه. نفض دثار الفراش عنه ونهض بغضب يتوجه ناحية خزانة الملابس. أخرج زيًا خاصًا له، وبسرعة ارتدأه وبثوانٍ خرج من السرايا. ذهب الى مكان قريب من موقف السيارات الخاص بالبلدة وقف خلف أحد الزوايا يراقب حتى وقع بصره على سهيلة التي للتو ترجلت من إحدى السيارات. تتبعها.

كان ذلك بعد منتصف الليل حين ترجلت من سيارة الأجرة على مشارف البلده. ما هي إلا لحظات رأت خيالًا خلفها. يَبِس قلبها خوفًا وشعرت بأن هناك من يتعقبها. حاولت الإسراع بالمشي، تبتهل أن يخيب ظنها، أو تصل الى منزل والداها بسلام، دون أذى. يكفي ما مرت به على مدار العام والنصف المنصرم، والذي كانوا مثل كابوس مستمر بالكاد فاقت منه وعادت مرة أخرى لعملها كـ طبيبة مرة أخرى. لم تحاول المراوغة أو السير بشوارع جانبية تصلها للمنزل أسرع.

اختارت الشوارع الرئيسية بالبلدة إلى أن وصلت إلى أمام منعطف شبه مظلم قريب لمنزلها. لكن ارتاعت حين شعرت يد تسحبها من معصم يدها. انخضت وارتعشت أوصالها تخشى أن تصرخ. ما زال عالقًا برأسها نظرة البعض لها رغم براءتها من تلك الجريمة لكن هناك من شكك بشرفها، والآن تخشى أن يقال أنها كاذبة تدعي الشرف. لكن كان لابد من رد فعل. منزل والدها بعد بضع خطوات. لو صرخت هل هو أول من سيخرج وينقذها دون إثارة فضيحة؟

لكن ربما ذلك المتعقب لها لا يهاب. لا يوجد حل آخر. بالفعل حسمت القرار وكادت تصرخ، لكن ذلك المتعقب كأنه قرأ فكرها. بسرعة وضع يده الأخرى فوق فمها يسحبها بقوة خلفه إلى أن دخل ذلك المنعطف شبه المظلم وثبتها على حائط أحد المنازل. وقف ينظر لها باستهزاء. هل حقًا لديها قلب يخاف بعد أن قتلت؟

استمتع وهو شعر بارتعاش يدها أسفل يدهُ. كذلك نظر لملامح وجهها المشدوهة قبل أن ترفع عينيها وتنظر له على ذاك الضوء الخافت. للحظة حين علمت هويته شعرت بأمان. لكن عاد شعور القلق لقلبها حين أزاح يدهُ من على فمها. التقطت نفسها بصعوبة وقالت بخفوت: آصف! للحظة توحشت عيناه يشعر بوهج يغزوا قلبه، ود لو يقتص من كذبها الآن، لكن تمالك أعصابهُ، وقال لها ببرود أجادهُ: هستناكِ بكره بعد الضهر عالجزيرة، بلاش تتأخري.

قال هذا وترك معصم يدها ابتعد عنها لكن تلاقت عيناهما. كل منهم لديه شعور مختلف. هي رغم رجفة جسدها لكن انزاح الخوف من قلبها. هو رغم رؤيته للخوف الذي كان مرسومًا على وجهها لكن شعر بطوفان ناري في قلبهُ ولم يهتم. لديه هدف سيصل له مهما تنازل وتظاهر بعكس ما يشعر به.

لم تتحدث تشعر أن صوتها انحشر. أومأت برأسها بموافقة وذهبت سريعًا نحو باب منزل والدها. وقفت للحظة تلتقط نفسها قبل أن تخرج مفاتيح المنزل من حقيبتها ولرعشة يديها سقطت منها. انحنت بسرعة وجذبتها بنفس الرعشة. استقامت تضع المفاتيح بمقبض الباب. بمجرد أن فتحت الباب دلفت إلى داخل المنزل وأغلقت الباب ووقفت خلفه تستند عليه، تلتقط أنفاسها الهاربة بتسارع. وضعت يدها على موضع قلبها حتى هدأت مرة أخرى خفقاتها. تذكرت وجه آصف شعرت بهدوء وتبسمت وهي تتذكر طلبه مقابلتها بالجزيرة، المكان الذي دائمًا ما كانا يتقابلان فيه بعيدًا عن الأعين. تنهدت

تخبر نفسها تشعر بأمل جديد: بكره هقوله عالحقيقة كاملة، وقلبي حاسس إنه هيصدقني. بينما هو ظل ينظر لها إلى دخلت إلى داخل منزلها باستخفاف واستهزاء من تلك المدعية. هل حقًا ما زال لديها قلب يخاف!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...