الفصل 40 | من 47 فصل

رواية عشق مهدور الفصل الأربعون 40 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
23
كلمة
7,555
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

كان عقلها شاردًا وهي تجلس مع والديها بغرفة المعيشة يشاهدون التلفاز. لم تكن تنتبه إلا حين شعرت بحسام يجلس على ساقيها. تبسمت له بقبول. بينما تتبعته أيمن بعينيه بعد أن نهض من فوق ساقيه وتوجه إلى سهيلة وجلس على ساقيها يُقبل وجنتها. كذلك سحر تتبعته وتبسمت حين قبل وجنة سهيلة. لكن سرعان ما غص قلبهما. وتذكر أيمن إخبار سحر له أن سهيلة أكدت لها أنها حامل. لا يعرفان أي شعور يضغط عليهما، سعادة أم أسى.

وهما يشعران أن سهيلة حائرة بين قلبها وعقلها. تشعر كأنها بمتاهة. أتكمل وتنهي زواجها من آصف، أم تبدأ من جديد وتعطي فرصة لزواجهم؟ وبالتأكيد ستجد السعادة مع آصف الذي أظهر ندمه على ما اقترفه بالماضي وأثبت ذلك بالبرهان حين أعطاها فرصة أن تختار دون ضغط منه عليها. تنهد بتمني أن تعثر سهيلة على طريق البداية التي تجد فيه سعادتها. قطع نظر أيمن وسحر لـ سهيلة وحسام، دخول طاهر مبتسمًا بعد أن ألقى عليهم السلام يقول: دايمًا متجمعين.

تبسمت سهيلة حين ترك حسام ساقيها وتوجه نحو طاهر راغبًا أن يحمله. تبسم طاهر وانحنى يحمله ثم جلس جوار سهيلة التي تبسمت له. بينما سألته سحر: جعان؟ رد طاهر: لأ يا ماما. أكلت سندوتشات في الطريق. بينما سأل أيمن: خلصت الموضوع اللي كنت بسببه في القاهرة. تنهد طاهر يشعر بأمل قائلًا: شبه خلصته. تبسمت له سهيلة، وهي تتثائب. ثم نهضت قائلة: مش هقدر أكمل الفيلم. كملوه أنتم. حاسة إني منعوسة. ضحك طاهر قائلًا:

إنتي منعوسة، إنما حسام شكله هيكمل السهرة للصبح. تبسمت سحر قائلة: حسام بينام أي وقت. تبسمت سهيلة وهي تقبل حسام قائلة: دماغه رايقة. أنا مرهقة من الشغل في المستشفى. مستشفى جديدة بقى عاوزين يعملوا منظر. تبسم أيمن قائلًا: حاولي ما تجهديش نفسك كتير، عشان صحتك. نظرت سهيلة إلى سحر، تيقنت أنها أخبرت والدها بحملها. تبسمت قائلة: حاضر يا بابا. تصبحوا على خير.

غادرت سهيلة، بينما نظر أيمن وسحر لبعضهما وتنهدا ببسمة. لم يلاحظ طاهر ذلك بسبب انشغاله بمداعبات حسام. بينما سهيلة، التي كانت تشعر حقًا بالنعاس، فجأة ذهب ذلك وشعرت بزيادة خفقان قلبها يتسارع نبضه مصحوبًا بانقباضة في صدرها. تعجبت هذا الشعور الذي تشعر به يخص آصف. نهضت جالسة تتكئ بظهرها على بعض الوسائد، تنظر نحو سقف الغرفة، شاردة بذاك الشعور القابض لقلبها من ناحية آصف. ما سببه؟ أجابها عقلها: يمكن بسبب تفكيرك فيه طول الوقت.

لم يقتنع قلبها بهذا الجواب. هنالك شعور خافق لقلبها. جذبت هاتفها وقامت بفتحه وكادت تتصل على آصف، لكن ترددت لبعض اللحظات. تنفست تحاول السيطرة على تلك المشاعر، فماذا ستقول لـ آصف، تبرر اتصالها عليه الآن؟ لكن شعرت برجفة حين أطلق الهاتف صوت إشعارات. فتحت الهاتف ترا هوية تلك الإشعارات، لعلها تهدأ قلبها وتنسى ذاك الشعور. بدأت برؤية تلك الإشعارات، لكن تصنمت يدها فجأة حين رأت ذاك الخبر الذي يخص آصف.

قرأته: جريمة اغتيال أمام مكتب آصف شعيب المحامي المشهور والضحية هي سيدة الأعمال مي المنصوري. تُرى من كان مقصودًا بالاغتيال؟ هل مي أم آصف؟ ارتعش قلبها وزادت خفقاته أكثر. بلا تردد قامت بالاتصال على آصف. تنتظر رده الذي لم يغيب سوى دقائق، لكن بالنسبة لها ساعات. بينما بالنيابة العامة كان يجلس آصف مع أحد وكلاء النيابة الذي سأله: إيه علاقتك بالمغدور بها "مي المنصوري"؟ رد آصف ببساطة: مجرد عميلة عندي في المكتب.

تفهم وكيل النيابة سائلًا: تفتكر مين اللي كان مقصود بالاغتيال ده؟ إنت ولا مي؟ أجابه آصف بهدوء: معرفش. أنا محامي وماليش أعداء. رد وكيل النيابة: إنت محامي مشهور واترافعت في قضايا كبيرة قبل كده، مش يمكن شخص حس إنك ظلمته؟ كمان اللي أعرفه إنك كنت قاضي قبل كده، ويمكن عداوات قديمة. كمان الفترة اللي فاتت اتعرضت لهجوم. قاطعه آصف قائلاً:

فعلًا كنت اتعرضت لهجوم، بس ده كان حرامي اتسلل بغرض سرقة البيت. كمان معتقدش أنا المقصود، لإن لو أنا كان المجرم انتظر خروجي من باب العمارة وبعدها أطلق عليا الرصاص زي ما حصل. وكمان في كاميرات في المكان تقدر ترجع ليها. تبسم وكيل النيابة مقتنعًا. بنفس الوقت صدح رنين هاتفه. أخرجه من جيبه وكاد يغلق الرنين، لكن تفاجأ حين رأى اسم سهيلة على الشاشة. نظر نحو وكيل النيابة قائلاً: دي مراتي.

تبسم وكيل النيابة وأومأ له بموافقة على الرد عليها. بمجرد أن فتح الاتصال، خفق قلبه حين سمع صوت سهيلة باندفاع سائلًا: آصف... إنت بخير؟ أجابها بنبرة عتاب: أنا بخير يا سهيلة، متشكر لاتصالك. شعرت بنبرة العتاب في صوته. أغلقت عينيها تتنهد باشتياق. وضعت يدها فوق موضع قلبها، لعله يهدأ خفقاته المتلاحقة. تمنت لو كان قال لها: "ألا يكفي لتعودي إلي". لكن صمتت لدقيقة.

كذلك آصف صمت، يتمني لو كانت أمامه الآن ويلقي بنفسه بين يديها فاقدًا للوعي، لا يود الشعور بغير أنفاسها قريبة منه. تنهد بخيبة أمل من صمتها قائلاً: مضطر أنهي الاتصال، أنا في النيابة. بخفوت قالت سهيلة: تمام. الحمد لله إنك بخير. مع السلامة. تنهد آصف مستهزئًا بمشاعره. ماذا ظن أن تقول سهيلة له؟ أنها ستأتي كي تطمئن عليه مباشرة؟ رغم ذلك، لم يشعر بيأس، ما زال قلبه ينبض من أجلها فقط. بعد مرور أسبوعين.

رحل الشتاء وآتى ربيع شبه دافئ أحيانًا. كذلك هنالك أيضًا عواصف ربيعية محملة بغبار. بروكسل "بلجيكا" قبل قليل. نظر الطبيب إلى نتائج تلك الفحوصات التي أمامه، ثم نظر إلى ذلك الجالس سائلًا باللغة الإنجليزية: إمتى كان آخر فحص طبي عمله؟ أجابه بهدوء: من ست شهور أو أكتر شوية. نظر الطبيب مرة أخرى إلى تلك التقارير، ثم عاد النظر له قائلاً: مش معقول. إزاي مظهرش في آخر فحص طبي؟

النتائج قدامي بتوضح إصابتك بالمرض ده من أكتر من ست شهور. شعر برجفة سائلًا: مرض إيه؟ أجابه الطبيب بتأكيد: Acquired immunodeficiency. نعم! قالها بصاعقة ذهول مستفسرًا: ماذا تقول؟ هل أنت متأكد؟ أجابه الطبيب بتأكيد: أجل، تلك هي نتيجة هذا الفحص الطبي. أنت مصاب بـ نقص المناعة المكتسب (الإيدز) صاعقة أصابت عقله، غير مستوعب للحظات، إلى أن بدأ يهذي بتكذيب: مستحيل!

أكيد الفحوصات دي اتبدلت. المركز الطبي اللي عملت فيه الفحوصات، أكيد غلطوا وبدلوا فحوصاتي مع فحوصات شخص تاني. أنا لازم أعيد الفحوصات دي تاني وأكيد هتطلع النتيجة مختلفة.

لم يفهم الطبيب ما قاله، لكن استشف أنه شبه يهذي بسبب حركات رأسه، كذلك العرق الذي يسيل على وجهه بغزارة رغم أن حرارة العيادة معتدلة، كذلك حركات عينيه الزائغة بذهول. تفهم ما يمر به من نوبة هذيان. ظل جالسًا مكانه يترقب رد فعله بحذر، إلى أن نهض وترك ذاك المغلف الخاص بنتيجة تلك الفحوصات. لم يهتم الطبيب.

بينما سار مثل المشدوه العقل، كأنه مثل المجاذيب. على سيرة المجاذيب تذكر وليفه، الذي ظل هنا بسببه لما يقترب من شهر. حقًا لديه أسباب أخرى للبقاء، لكن هنا يجد الحرية في تلك الممارسات القذرة. ذهب نحو ذاك المسكن الموجود بناية راقية. عقله لا يستوعب ما أخبره الطبيب، لديه أمل أن يكون خطأ غير مقصود.

صعد بالمصعد الكهربائي، وقف أمام باب الشقة وأخرج المفتاح، فتح الباب ثم توجه مباشرة إلى غرفة النوم يشعر بإنهاك، يود التمدد على الفراش وإغماض عينيه، يفصل وعيه عن ذاك الخبر المفجع. لكن تفاجأ بذاك الحقير فوق الفراش ومعه امرأة بوضع مثير للاشمئزاز بالنسبة له. ثار عقله أكثر، وشعر بخيانة. بينما ذاك الآخر نظر له بنظرات مرعبة كأنه يفعل خطيئة بحقه. وبرر ذاك يتهته قائلاً بالإنجليزية: إنها هي... هي من أغوتني بحركاتها المثيرة.

بينما تلك التي لا تفهم الإنجليزية، نظرت إليه بإعجاب وتركت الآخر بالفراش، سارت عارية تتهادى بسيرها تثيره. لكن كانت مغفلة أنها لا يهوا النساء بل يشمئز منهن. كذلك لم تر أنه سحب ذاك النصل الذي كان موضوعًا فوق طبق الفاكهة الموضوع فوق منضدة بوسط الغرفة. ظنت أنها تستطيع السيطرة عليه بإثارتها، حتى حين اقتربت منه بدأت تتلمس جسده بجرأة وشهوانية، لكن كانت تتقدم نحو موتها. فبمجرد أن لمست جسده، سرعان ما تهاوى جسدها أرضًا تضع يديها فوق عنقها المنحور الذي ينزف بغزارة، ينتفض جسدها إلى أن سكن دون حركة.

بينما الآخر ارتاعب أكثر، وابتعد يتخذ ركنًا بجانب الغرفة يستعطفه. بينما هو يتقدم نحوه سائلًا: إنت مريض بـ الإيدز؟ صمت الآخر دون رد. أعاد سؤاله ثم أكمل بتعسف: إنت اللي نقلت لي العدوى، وكمان خاين، ومعروف الخاين جزاؤه إيه.

جحظت عين الآخر حين شعر بذاك النصل ينحر عنقه بلا هوادة، حتى رقد جسده أرضًا ينتفض بإستغاثة. أسفل قدميه ينظر له يشعر بالاشمئزاز كأنه ذبح دجاجة أو عنزة، لا عنق إنسان. ألقى ذاك النصل أرضًا ثم بصق وذهب يجلس على الفراش ينظر نحو هاتين الجثتين، يتذكر بقسوة قلب أول مرة أقدم على قتل إنسان. فهذان مجرد أرقام بوسط قائمة قام بسفك دمائها. لكن من شعر بالأسف حين نحره كان "سامر" وليفه المدلل. بداخل تلك الغرفة نظر له سامر بضيق قائلاً:

رامز، إحنا في مستشفى عام وسبق وقولت لك إني خلاص قررت أتوب عن الممارسات دي، وقررت أتعالج. وإنت كمان الدكتور النفسي قالي إن مش صعب أرجع طبيعي. كفاية أنا مش هرجع تاني للممارسات اللي من النوعية دي. تعصب عليه قائلاً يثيره أنه بلا شخصية: كل ده عشان خايف من حتة بت متسواش. بسيطة، لو قالت لأخوك آصف سهل تكذبها. قاطعه سامر: آصف ممكن يكذبني وهيصدق سهيلة، لأنه عارف أخلاقها كويس إنها صعبة تكذب. تحدث رامز بلا مبالاة:

سهل نخرسها نهائي. نظر له سامر مذهولًا يسأل: قصدك إيه؟ رد رامز ببساطة: نقتلها. قضاء وقدر. جحظت عين سامر قائلاً: مستحيل! كمان مش سهيلة السبب. أنا كمان بقيت بحس بقرف واشمئزاز من الممارسات دي، مش حاسس فيها بأي متعة غير إننا بنغضب ربنا. تهكم رامز باستياء: الله! الله خلقنا عشان نعيش كل المتع المتاحة مش نعيش الحرمان. بقايا الإيمان بقلب سامر جادله قائلًا:

المتع الحلال. لكن اللي كنا بنعمله حرام شرعًا وقانونًا، والدليل إننا بنجاهره بيه، ما نقدرش نعيشه في العلن. وقبل ما تقول لي في دول معترفة بالميول دي وبالنسبة لها حرية شخصية، إحنا في مصر مش في هولندا أو سويسرا ولا بلجيكا. أو حتى "تل أبيب" بلد الشواذ الأولى. تنرفز رامز بعصبية مجنونة قائلاً: اللي بينا مستحيل ينتهي عشان إنت خايف من أخوك. هو ملوش ولاية عليك وإنت حر في ميولك. قاطعه سامر:

أنا مش خايف من آصف يا رامز، أنا خايف من ربنا. ربنا خلقنا على الفطرة "ذكر وأنثى". ماما كانت دائمًا تقول لي إن الاثنين بيكملوا بعض. أنا معرفش إزاي توهت وانجرفت معاك في الطريق ده، بس أنا لسه في نص الطريق ومش صعب أرجع. وإنت كمان حاول تتراجع عن الطريق ده. قاطعه وهو يقترب منه وحاول يتلمس جسده بسفور، لكن سامر تراجع للخلف قائلاً: رامز... أنا أخدت القرار، مش هرجع للطريق ده تاني وهبدأ العلاج النفسي.

اغتظ رامز بغضب وحاول إثارة ضعف سامر يتلاعب على وتر أنه ضعيف الشخصية. لكن سامر كان يرفض تلك المحاولات والاغواءات. إلى أن نفذ صبر رامز وفجأة هجم بجسده على سامر. لكن سامر قام بدفعه بقوته. بسبب قوة الدفعة تصادم جسد رامز بتلك الطاولة التي كان موضوع عليها بعض المستلزمات الطبية ومن بينها كان ذاك المبضع. ولحسن الحظ جرح جرح ليس كبير بباطن أحد ساقيه. انحنى قليلاً لمع أمامه ذاك المبضع، جذبه من على الأرض. شعر بوخز ألم في ساقه، لكن لمع بعينيه الوعيد واقترب من سامر يخفي ذاك المبضع بين ثنايا كف يده. ظن سامر من اقترابه منه أنه ما زال يود استعطافه من أجل أن يهاوده. لكن كان مخطئًا حين رفع رامز يده نحو نحر سامر، يكز على أسنانه قائلاً

بجنون غيظ من صد سامر له: بينا عهد، و"الخاين جزاؤه القتل".

بلحظة كان ينحر عنق سامر، الذي شعر للحظة بالانعدام قبل أن يترنح جسده ويسير بهوجاء بالغرفة يُبعثر كل ما يصطدم به دون قصد، غير قادر على الكلام. بينما رامز سقط المبضع من يده وظل ينظر لـ سامر مذهولًا للحظات غير مستوعبًا ما فعل. هو كان يقصد التهويش فقط كي يمتثل سامر لرغبته ويعود معه لتلك الممارسات. لم يستمر سامر كثيرًا بالترنح وتمدد أرضًا فاقدًا كل المقاومة، فقط يشعر بألم قاسٍ لخروج الروح من جسده.

بنفس الوقت فتحت سهيلة باب الغرفة. لم تر رامز الذي عاد للخلف خلف باب الغرفة. بإنسانية سهيلة حاولت مساعدته. لكن رامز رجف أن تنظر خلفها وتتعرف عليه أو حتى ترى وجهه بتلك القطعة المعدنية. ضرب سهيلة على رأسها، تأثرت وجعلها تغشى الرؤية شبه بين الوعي واللا وعي. ظل رامز واقفًا للحظات خلفها، للحظة اتخذ قرار ذبح سهيلة هي الأخرى عقابًا منه. لكن سمع صوتًا خارج الغرفة. خشي أن يدخل إلى الغرفة. جذب ضماد وبعض القطن وقام بلفهما حول

جرح ساقه، كذلك مسح تلك الدماء التي سالت من جرح ساقه من على الأرض. ثم حسم قراره، لابد أن يغادر قبل أن تسترد تلك الحقيرة وعيها مرة أخرى. فتح باب الغرفة بمواربة، نظر إلى الخارج وجد الممر خاليًا. خرج من الغرفة، وكاد يتجه نحو باب الخروج من المشفى. لكن رأى لمعة تلك الكاميرا. فكر بدهاء وعاد إلى داخل المشفى. ذهب إلى أحد المراحيض الخاصة بالمشفى. شعر بارتعاش في جسده، ظل هكذا لدقائق يستوعب ماذا فعل. هو قتل وليفه. لم يشعر بالندم

على ذلك. نيم ضميره القذر بهذيان أنه خائن جبان ويستحق القتل.

لكن شعر بألم في ساقه. جلس أرضًا لوقت إلى أن سمع صوت سرينة الشرطة. خرج من المرحاض، ونظر إلى تلك التشديدات الأمنية بالمشفى كاملًا. فكر بألم ساقيه. لسوء حظه أثناء سيره انزلقت قدمه دون انتباه منه أو ربما بسبب الألم. شعر بألم مضاعف. رأى أحد العاملين بالنظافة في المشفى، طلب منه أن يساعده، يأخذه إلى قسم العظام بالمشفى كي يبتعد عن محيط مكان الجريمة.

قام أحد الأطباء بالكشف على ساقه. في البداية ظن أن سبب ذاك الجرح الذي بباطن ساقه بسبب شجارًا، لكن أقنعه جواب رامز: خناقة إيه؟ كل الحكاية كنت ماشي واتزحلقت وكان في شريحة إزاز مرمية عالأرض اخترقت باطن رجلي وجرحتها وأنا كنت قريب من المستشفى قولت أدخل أخيطها، ومقدرتش أمشي. وقعت على رجلي. بس العامل الطيب ده ساعدني. تفهم الطبيب قائلاً: للأسف أنا دكتور عظام وإنت محتاج دكتور جراحة أو ممارس عام يخيط لك الجرح ده.

أومأ رامز متفهمًا. خرج مع العامل الذي سنده قائلاً: المستشفى مقلوبة. في دكتور اتقتل، ومش هنلاقي دكتور في الاستقبال. تعالى معايا وأنا أشوف لك أي ممرضة تضمد لك الجرح. وافق رامز وذهب معه حتى أتى له بمقعد وجلس عليه وتركه لدقائق ينتظر حتى أتى بإحدى الممرضات. ضمدت له جرح ساقه. ظل قليلًا بالمستشفى إلى أن سطع ضوء النهار وآتى له العامل قائلاً:

أنا نوبتي خلصت والمستشفى لسه فيها هرج ومرج. وجرح رجلك ميستاهلش تزنب نفسك هنا في المستشفى عليه. نهض واقفًا وادعى شعور الألم قائلاً: فعلًا أنا بقيت أفصل. شكرًا لك، وكمان زمان اللي في البيت قلقوا عليا. موبايلي شكله ضاع من غير ما أنتبه بعد ما وقعت. يبقى لك جزيل الشكر، بس لو سندتني لحد باب المستشفى أشوف أي مواصلة توصلني للبيت. زمانهم عقلهم هيطير.

تبسم له العامل بقبول وساعده إلى أن وصلا إلى أمام باب المشفى. كان يخفض رأسه عمدًا حتى لا تلتقط أي كاميرا بالمشفى ملامح وجهه. حتى أنه أشار إلى إحدى سيارات الأجرة الخاصة. قبل أن يصعد أخرج مبلغًا من جيبه وأعطاه للعامل شاكرًا له. في البداية رفض العامل، لكن هو أصر وقام بشكره. لاحظ العامل ذاك الوشم الذي ببداية معصم رامز بحرف "الميم بالإنجليزية". ليس هذا السبب الوحيد الذي لفت انتباهه، بل هنالك غرابة أسفل ذاك الوشم، هنالك حرف آخر لحرف الراء. لم يهتم العامل بذلك، فلا شأن له.

غادر سائق سيارة الأجرة. لم يسير كثيرًا وأوقفه رامز بحجة أن له أقرباء بإحدى المناطق. ترجل رامز بعد أن أعطاه مبلغًا. غادرت سيارة الأجرة. سار رامز قليلًا إلى أن دخل إلى مرآب خاص بذاك المكان وذهب نحو إحدى السيارات الفخمة. فتحها وصعد إليها. جلس قليلًا، يلتقط نفسه بالسيارة يشعر بهدوء نسبي بعد أن ابتعد عن المشفى. قبل أن يقود سيارته عائدًا إلى القاهرة. صدح رنين هاتفه الذي كان قد تركه بالسيارة قبل أن يذهب إلى المشفى. جذب الهاتف وقام بالرد.

سمع شهيرة تقول بغضب: إنت فين؟ بتصل عليك مش بترد عليا. أكيد مع واحدة من إياهم. اسمعني كويس، أنا عرفت إن سامر ابن أسعد مات، أو اتقتل. المهم إنه مات ولازم أكون موجودة في كفر الشيخ طبعًا عشان أواسي شكران وأسعد. وإنت كمان لازم تحضر الجنازة بتاعته. أهو حتى مجاملة. رد رامز: أوكيه تمام. اسبقيني وأنا هحصلك على هناك.

أكدت عليه شهيرة الحضور، وأغلقت الهاتف. ألقى رامز الهاتف جواره بالسيارة وشعر ببعض الأسى، ليس على سامر، بل أنه فقد وليفًا كان له مكانة خاصة. على أصوات أنين انتزاع روح ذاك الحقير، عاود النظر له ونهض واقفًا يشعر ببعض الاشمئزاز. بـ القاهرة. ذُهلت شهيرة حين سمعت من ذاك الموظف يُخبرها: روحت البنك أصرف الشيك بتاع مرتبات اللي بيشتغلوا في الأتيليه زي كل شهر. لقيت مفيش رصيد لحضرتك في البنك. يكفي المبلغ اللي مكتوب في الشيك.

تقوس حاجبي شهيرة قائلة: مستحيل! يمكن حصل غلط أو لخبطة. على العموم أنا هتصل على البنك أشوف إيه الحكاية، ومش هيحصل حاجة لو اتأجل صرف المرتبات لبكرة. أومأ لها العامل وغادر. بينما جذبت شهيرة هاتفها وكادت تتصل، لكن تراجعت وفكرت: لما لا تذهب إلى البنك بتلك الحجة؟ بالتأكيد خطأ وبالتأكيد سهل إصلاحه. بعد قليل بالبنك. جلست شهيرة بغرفة المدير الذي استقبلها ليس كالعادة بترحاب فائق، فقط ترحاب فاتر. تجاهلت ذلك قائلة:

مدير الحسابات عندي جه يصرف شيك مرتبات الموظفين، قالي إن مفيش رصيد في حسابي، أكيد ده غلطة منكم. -لأ مش غلطة يا شهيرة. نظرت شهيرة نحو باب المكتب وإلى ذاك الذي فتح الباب بجبروت قائلاً بتأكيد: فعلًا حسابك في البنك بقى خمسين ألف جنيه بس. ذُهلت شهيرة قائلة بخفوت: أسعد... إيه الجنان اللي بتقوله ده. تضايق أسعد وأومأ برأسه لمدير البنك الذي فهم الإشارة وخرج من المكتب وتركهم. نظر لها بتجهم قائلاً بغضب:

سبق وحذرتك يا شهيرة، وإنتي استهونتِ بتحذيري ليكِ. فكرتِ نفسك إنك أذكى، بس عشان تعرفي إن اللعب معايا مالوش نتيجة غير الخسارة. البنك ده أنا بملكه من الباطن، يعني كل الموظفين اللي فيه رهن إشارتي، حتى "عادل" نفسه رهن إشارتي. وعشان تعرفي إني كريم معاكِ أنا سبت الفيلا باسمك بس عشان متشرديش كرامة لبناتي، لكن العشرة اللي كانت بينا إنتي أخدتِ تمنها كامل مميزات مني، بقيتِ سيدة مجتمع محترمة. لكن إنتي بطرتي وفكرتِ إن اسم "شهيرة" أقوى بدون ذكر اسم "أسعد شعيب". بس متخفيش، اسم أسعد شعيب ما زال له سيطرة على حياتك بمزاجي، واطمني ده مش هيستمر كتير. مسألة وقت. بس عشان تعرفي مفاجأتي التانية ليكِ اللي هتبهرك.

بمنزل أيمن. مساءً. بعد أن انتهوا من العشاء، أتت سهيلة بصينية عليها أكواب الشاي. نهض أيمن وأخذ منها الصينية قائلاً: المفروض تريحي نفسك. الإجهاد مش كويس عشانك. تبسمت سهيلة له قائلة: يعني عمايل الشاي هي اللي هتجهدني. تبسم لها أيمن قائلاً: أيوا ويلا تعالي اقعدي جانبي وهويدا موجودة. استغربت هويدا اهتمام أيمن المبالغ ولم تهتم. تنحت قائلة:

بما إنكم متجمعين مع بعض مش ناقص غير رحيم. ومعتقدش الأمر ده يخصه. كان في موضوع خاص بيا عاوز أقولكم عليه. تبسم طاهر سائلاً: خير، إيه هو الموضوع ده؟ أجابته هويدا: أنا قررت أتزوج مرة تانية. نظرت سحر لها بتفاجؤ قائلة: واللي هتتجوزيه ده مجاش طلبك من باباكِ ليه؟ كمان موقفه إيه من ابنك؟ ردت هويدا بتبرير: ابني هيتأثر بيه لما أتزوج. هو مرافق معاكم. كمان اللي هتجوزه شخص أنتم تعرفوه وأنا قولت أمهد الموضوع الأول.

تنهد أيمن سائلاً: ومين الشخص ده بقى؟ ذُهل الجميع حين سمعوا جواب هويدا: أسعد. "أسعد شعيب". تفوهت سحر سريعاً: مستحيل. كذلك أيمن الذي وافقها قائلاً: مستحيل... ده عمره قد عمرك مرتين وأكتر. بينما صمتت سهيلة، تعلم لو تحدثت هويدا لن تتوانى عن إيلامها ظناً أنها تود مصلحتها مع آصف. رغم أنها تعلم حقيقة مقصدها. كذلك طاهر صمت مذهولاً، رغم فهمه لما تفكر به هويدا، لا تفكر في شيء سوى المال والسلطة اللذان يمتلكهم "أسعد".

تغاضت هويدا عن رد فعل سحر وأيمن وملامح طاهر وسهيلة. وقالت بتعمد: أنا النهاردة كان آخر يوم ليا في العدة، وخلاص وافقت على فرصة جوازي من أسعد وكمان حددنا كتب الكتاب بكرة. ذُهلت سهيلة لكن ما زالت صامتة. بينما تهكم أيمن بأسف يشعر بغصة قائلاً: يعني كنتِ بتعرفينا مش أكتر، بس أنا مش موافق يا هويدا... ناسيه إنه على ذمته اتنين، ده عنده بنات أكبر منك. ضجرت هويدا قائلة:

بس أنا موافقة، وهو وطنط شكران شبه منفصلين وإسألي سهيلة، وكمان مراته التانية معاه على خلاف وقريب هينهي جوازه منها. نظر أيمن إلى سحر التي تدمعت عينيها، وللحظة كادت تنطق وتقول لها الحقيقة أن أسعد سيفسد حياتها كما فعل ابن عمه سابقًا وأفسد حياة والدتها الحقيقية. لكن صمتت بعد إشارة أيمن لها. أيمن الذي هددها يستحث فيها الأمومة المفقودة لديها، ربما تتراجع حتى لو ظاهريًا قائلاً بجفاء حاول إجادته:

لو اتجوزتي من أسعد يبقى تنسينا وكمان تنسي ابنك. كأنه قال هراءً. والإجابة واضحة حين قالت بغضب: أنتم مش شايفين سعادتي فين، وأنا مستحيل أضيع الفرصة. مستحيل اتنازل عن قراري وأسمح لكم تحطموا حياتي عشان أسباب فاضية. "تحطموا حياتي". هكذا استهزأ أيمن وسحر يشعران بألم وغصات قوية في قلبيهم، من تلك النقماء التي لولاهم، ربما لكانت عاشت مجهولة الهوية والنسب، وتحطمت حياتها حقًا. بـ فيلا شهيرة.

لو أطلقت العنان لذلك الجحيم الذي بقلبها لأحرقت كل شيء حولها وحوله لرماد. جذبت هاتفها بغضب وقامت باتصال، سرعان ما فُتح الخط وقالت بهجوم: بقالك فترة قاعد عندك في بلجيكا بتعمل إيه؟ أكيد صايع بتتمتع مع النوعية القذرة اللي عندك، ارجع مصر فورًا في مصيبة حصلت. بهدوء وبرود أجابها: إيه المصيبة دي؟ أسعد مات. ردت شهيرة بتمني: ياريته كان مات، بقولك بلاش تسأل كتير لازم ترجع مصر فورًا. أجابها بهدوء:

تمام، أنا كده كده كنت راجع مصر بكرة بعد الظهر. باليوم التالي. بـ سرايا شعيب. ظهرًا. "بارك الله لكم وبارك عليكم وجمع بينكم في خير". قالها المأذون بعد أن عقد قران هويدا وأسعد. شعرت هويدا كأنها امتلكت سعادة الكون. بينما أسعد لا يعرف لما ليس سعيدًا كما توقع، لكن ابتسم حين نهض مدير أعماله وأخذ معه المأذون والشهود وغادروا السرايا.

رسمت هويدا الخجل بإتقان حين اقترب منها أسعد. لكن سرعان ما تذمرت حين سمعت صوت هاتف أسعد الذي أخرجه من جيبه ونظر إلى الشاشة. سرعان ما شعر برجفة في قلبه وقام بالرد ليسمع: باشا آصف بيه خرج من المحكمة ودلوقتي خد طريق تاني غير طريق من المكتب أو السكن بتاعه. تلهف أسعد وفكر للحظات قائلاً بأمر: خليك ورا آصف وأوعى يتوه منك، وخليك معايا على تواصل.

أغلق أسعد الهاتف وتوجه إلى باب السرايا. ذهبت خلفه هويدا التي شبه نسيت تواجدها، لكن هي شعرت باستقلال لشأنها وتتبعته ونادت عليه قبل أن يصعد إلى السيارة. أجابها باختصار: خليكي هنا. شعرت هويدا بغضب، كيف له أن يتركها وحدها بعد دقائق من عقد قرانهم. لكن لن تتغاضى عن إيلامه لاحقًا، يكفي الآن أنها أصبحت زوجة "أسعد شعيب". بعد دقائق. بمنزل أيمن الدسوقي. دخل أسعد بلهفة سألًا: فين سهيلة؟

خرجت سهيلة من غرفتها ونظرت إلى أسعد الذي اقترب منها برجاء قائلاً: سهيلة آصف في مشكلة ومفيش حد يقدر يقنعه إنه يعدل عن اللي في دماغه غيرك. أول مرة بطلب منك طلب، رجاءً صدقيني أنا غرضي مصلحة آصف. ارتجف قلب سهيلة سأله: مش فاهمة تقصد إيه، ومشكلة إيه؟ رد أسعد بتوسل: سهيلة مش وقت أسئلة، هقولك كل حاجة في الطريق، بس أرجوكِ بسرعة لازم تجي معايا. عشان مصلحة آصف. متأكد إنك بتحبيه ويهمك مصلحته. نظرت سهيلة إلى سحر وأيمن الذي وافقها

بقبول حين قالت دون تردد: ثواني هغير هدومي وأجي مع حضرتك. دقائق كان أسعد وسهيلة بالسيارة التي تنطلق بسرعة كبيرة على الطريق. سألت سهيلة: قولي إيه المشكلة اللي فيها آصف. رد أسعد: آصف عرف من قاتل "سامر". تعجبت سهيلة قائلة: وإنت عرفت منين إنه وصل للقاتل! رد أسعد: عرفت بالصدفة. تسألت سهيلة: ويا ترى عرفت مين القاتل كمان. رد أسعد: لأ. لو كنت أعرف كنت سبقت آصف وانتقمت منه بنفسي وبعدت الخطر عن آصف.

-وإزاي آصف وصل للقاتل بعد الفترة دي كلها؟ أكيد مش صدفة يوصل قبلك. هكذا سألت سهيلة أسعد الذي أجابها: آصف من زمان وهو بيبحث ورا القاتل وأكيد حادثة بيت البحيرة مكنتش صدفة. وأرجوكِ كفاية أسئلة. وادعي نوصل قبل آصف ما يتهور. صمتت سهيلة، وضعت يدها فوق بطنها ترجو أن لا يخطئ آصف ويتهور مثل عادته حين يتعصب لا يفكر فيمن أمامه، فقط ينفذ ما برأسه. بينما قبل قليل. أمام المطار.

نظر رامز إلى تلك السيارة التي عرف هويتها وسرعان ما توجه وصعد إليها دون حديث. حتى لم ينظر إلى سائق السيارة الذي انطلق بها. جلس ينظر خارج شباك السيارة، لكن تفاجأ بطريق مختلف. نظر نحو السائق قائلاً: مش ده الطريق. وصلني لـ فيلا مدام شهيرة. أجابه السائق وهو يعطيه ظهره قائلاً: هو ده طريق المكان اللي الباشا أمرني أوصله لعنده.

تبدلت ملامح رامز حين سمع صوت تكات صمام الأمان الخاصة بأبواب السيارة، واستدار له السائق وألقى على وجهه رذاذًا جعله يغيب عن الوعي. ثم تحدث عبر الهاتف قائلاً: آصف باشا، أنا عالطريق ومعايا الشخص المطلوب. رد عليه آصف: تمام، أنا انتهيت من جلسة المحكمة وجايلك عالـ مكان. مش عاوز أي تعذيب بدني. -تؤمر يا باشا. بـ هنجر بمنطقة سكنية تحت الإنشاء.

دلف آصف يشعر بنيران تسحق جسده سحقًا وكل ما بخياله آخر صورة رأى بها سامر وهو مذبوح، وصورة أخرى لـ سهيلة وهي غارقة بدمائها بين يديه تلك الليلة. فقط صورة الدماء تتراقص أمام عينيه. دخل إلى تلك الغرفة ونظر إلى رامز الجالس على أحد المقاعد نائمًا ومقيدًا بوثاق. نظر إلى الشخص الآخر قائلاً باختصار: فوقه.

أتى ذاك الشخص بدورق ماء وقام بسكبها بوجه رامز الذي شهق وفتح عينيه يرى أمامه بغشاوة إلى أن رأى جيدًا شعر بهلع وبرد فعل تلقائي حاول النهوض لكن شعر أنه مقيد. ازداد قلبه رعبًا حين نهض آصف واقترب منه باستهزاء قائلاً:

طول عمري بكرهك من يوم ما عرفتك. عمري ما ارتحت لك، بس كنت حريف وقدرت تسبكها كويس وتنفي عنك إنك قذر وشاذ. طبعًا لما تتحرش بالعارضات كنت ذكي جدًا في إخفاء حقيقتك، بس ليا سؤال ليه كنت بتخفي الحقيقة دي رغم إنك متكيف منها وقتلت بسببها؟ بعترف إنك خدعتني لوقت كبير. ضحك رامز بجباة قائلاً: شوفت أهو الاعتراف ده منك بالنسبة لي ذكاء كبير، مع إنهم دائمًا بيمدحوا بذكائك. بس أنا تفوقت على ذكائك. تهكم آصف بضحكة سخرية قائلاً بازدراء:

فين الذكاء ده؟

لما تبعت لي مي المنصوري عشان تستدرجني بأنوثتها وذكائها، اللي إنت خوفت لما ضعفت قدامي إنها تقول لي على هويتك، وخوفت أوصلك عن طريقها عشان كده قتلتها، بس للأسف مي كانت مجرد طُعم أنا اصطدتك بيه. أنا عرفتك من قبل مي أو بمعنى أصح شكيت فيك وأكد لي الحقير اللي بعته ورايا أسيوط وفشل في قتلي، طبعًا مش هيغامر ويقتلني وسط الناس. يومها حالي شريط فيديو، وكشف لي شبه يقين عن هويتك، بس كان لازم أتأكد. إنت عارف إني كنت قاضي ولازم

أتأكد من الدلائل قبل ما أصدر قراري. المهم طبعًا الموظف اللي ساعدك في المستشفى ليلة قتلك لـ سامر، قالي على علامة مميزة فيك. وشم حرف الميم اللي على إيدك، واللي مقصود بيه طبعًا ميولك الشاذة، كمان قوس اللي سبق وذكرت قدامي إن ألوانه بالنسبة لك حياة. كل دي كانت دلائل. أكدها العامل اللي اتعرف على صورتك بسهولة جدًا. كمان موبايل المجرم العبيط اللي بعته ورايا في البحيرة. كنت ساذج زي الفراشة بتنجذب نحو النور عشان تتحرق، وده

اللي هعمله فيك. هخليك تطلب الرحمة قبل ما تموت، وشوف نهاية ملذاتك اللي بسببها سفكت دم سامر، وورطت سهيلة فيه. هدفعك التمن مضاعف قد العذاب اللي اتعذب سامر وانت واقف تتفرج عليه وهو بينزف. أنا كمان هقف أتفرج على دمك وهو بينزف تحت رجليا.

رغم هلع رامز، لكن ربما حلاوة الروح أو جباثته تحكمت به. ضحك باستهزاء قائلاً:

حتى لو قتلتني مش هترتاح لإن اللي بتعمل عشانها كده هي نفسها مبقتش بتحبك والدليل بعدها عنك خمس سنين. أنا انتقمت منها لما دخلت السجن. صحيح هي عاملة زي القطط بسبع أرواح، رغم إني بعت لها السم، بس مماتتش. بس بكفاية عليها المدة اللي قضتها في السجن وهي خايفة من كل اللي حواليها. مكنتش بتعرف تنام، حتى لما خرجت من السجن إنت كملت عليها. هي خدت جزاءها صحيح، مش زي ما كنت أتمنى، بس أهو شفيت غليلي منها. وإنت كمان سامر خاف تعرف حقيقته وبسببك اتمرد عليا. عارف إنت بالنهاية هتقتلني، بس أنا هبقى مبسوط لأني عارف إن عذابك مش هينتهي.

ذُهل آصف من قول ذاك الحقير الذي أخبره أنه هو من أرسل لـ سهيلة السم وهي بالسجن. هو ظن أن والده هو من فعل ذلك. لكن وقاحة حديث هذا القذر فاقت عقله. وقام بصفعه أكثر من صفعة بقوة غضبه، حتى نزفت الدماء من أنفه وفمه. ضحك ساخرًا بوقاحة يقول باستفزاز: فين "سامر" كان يشوف صاحب الأخلاق وهو بيستقوي على شخص مقيد. تهكم آصف ونظر إلى الشخص الآخر قائلاً: فك القذر ده.

قام بفك وثاقه. نهض فجأة وكاد يأخذ ذاك السلاح من فوق خصره، لكن آصف كان واعيًا له ولكمه بقوة أرداه أرضًا. وأخرج سلاحه وفتح صمام الأمان. تبدلت نظرة عيني رامز إلى نظرة هلع، حين سمع صوت فتح صمام الأمان للسلاح الذي بيد آصف. بينما قبل لحظات ترجل كل من سهيلة وأسعد من السيارة. الذي نظر إلى ذاك الشخص الذي يقف أمام باب ذاك الهنجر قائلاً: كويس إنك عرفت تفتح الباب قبل ما نوصل. نظر أسعد نحو سهيلة قائلاً:

خلينا ندخل بسرعة، متأكد آصف غضبان. وافقته دون تردد ودخلت خلفه مباشرةً، بل سبقته بخطوات. بينما بنفس اللحظة استهزأ آصف بهذا الجبان القذر. أليس ذاك من كان يشعر بزهو وعدم مبالاة ويتبجح ويتواقح بالرد قبل لحظات. اتخذ آصف القرار وصوب فوهة السلاح نحو رأسه، وبالفعل كاد يطلق عليه الرصاص، لكن تصلبت يده حين سمع صوتًا يناهه: لا يا آصف بلاش تلوث إيدك بدم شخص قذر. نظر الاثنان نحو ذلك الصوت، تفاجأ آصف وهمس قلبه بلوعة: سهيلة.

بينما استهزأ الآخر بضحكة مسموعة. عاد آصف ينظر له برغبة عقله يود أن تضغط يده على الزناد ويفجر رأسه، لكن هناك صوت آخر جعله ينظر نحوه وهو يناهه هو الآخر: لا يا آصف أوعى تقتله. استهزأ آصف وهو ينظر له قائلاً: أسعد باشا. أخيرًا وصل. تغاضى أسعد عن نبرة استهزاء آصف قائلاً: بلاش تلوث إيدك بدم القذر ده. سيبه أنا هتصرف معاه بالطريقة اللي تناسبه. تهكم آصف بضحكة مغصوصة قائلاً بسخرية: هتتصرف معاه إزاي يا أسعد باشا؟

تهدده، ولا هتبعت له سم، ولا هتبعت اللي يهتك عرضه. بس اللي زي ده معدوم الشرف. -آصف. قالها أسعد، لكن صمت حين قاطعته سهيلة برجاء: آصف مش هتستفاد حاجة لو قتلته، هتبقى مجرم زيه. آصف، إنت كنت قاضي قبل ما تبقى محامي، وتقدر تجيب الحق بالقانون. لو قتلته هتبقى مجرم متفرقش عنه.

ضحكة ذاك القذر أغاظت آصف، لكن في المقابل حديث سهيلة ونظرة عينيها المترجية، لكن الأقوى كان ترجي سهيلة، مما جعل آصف يستجيب لها وأخفض يده بالسلاح قليلاً. لكن سخرية ذاك المجرم وضحكته المستمرة أضجرت آصف فرفع السلاح مرة في وجهه وبلحظة كاد يطلق عليه، لكن تحذير سهيلة: أوعي يا آصف لو قتلته يبقى تنسي وعمري ما هرجع لك تاني، مش هقبل أعيش مع قاتل. بغضب نظر لها آصف قائلاً بتبرير كأنه يريد منها تفويضًا بقتله كي يعثُر على راحته:

الحقير ده بسببه اتعذبنا إحنا الاثنين سنين بعيد عن بعض. -كان قدر يا آصف، صدقني قتله مش هيرجع عمرنا ولا هيمحي الوجع اللي عشناه. سلمهُ للشرطة يا آصف، اللي زي ده خسارة فيه الرصاصة لأنه عارف إن جنته وهو عايش وبس. آصف هو بيستفزك بضحكه عشان عارف إنه لو خرج من هنا هيلاقي عيون الكل بترجمه بنار تحرق قلبه وعقله. نظرات الاشمئزاز كفيلة تموته. آصف لو قتلته تبقى حطيت النهاية بينا، ومفيش فرصة رجوع. نزل السلاح.

مع كل كلمة كانت سهيلة تتقدم خطوة تنظر لـ آصف برجاء أن يتراجع عن قتل هذا الحقير. إلى أن أصبحت أمامه مباشرةً، تنظر لعينيه برجاء أن يخفض السلاح. نظر آصف إلى عينيها، حن قلبه وهي تترجاه بهذه الطريقة. هي حقًا ما زالت تعشقه. أجل، كان الجواب منها حين وقفت بينه وبين ذاك المجرم وبلا أي اهتمام لأي شيء رفعت يديها وعانقته. زلزلت الباقي من كيانه واستسلم لطوفان حنينه الذي كان يأنه بعذاب تلك السنوات التي عاشها وهو يخشى نظرة عينيها الكارهة له. ترك السلاح يسقط من يده وعانقها يضمها أكثر له بحنين. سالت له دمعة عينيها فرحًا حين سمعت صوت السلاح الذي ارتطم بالأرض. عانقا بعضهما كأنهما غصنان من شجر ملتفة الأغصان.

لكن فجأة دوي صوت طلقتي رصاص. خفف آصف من عناقه لها ونظرا الاثنان أمامهم مذهولان. قاتل ومقتول وكلاهما يحتضران.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...