الفصل 41 | من 47 فصل

رواية عشق مهدور الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
23
كلمة
5,590
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 87%
حجم الخط: 18

خرج من غمرة أفكاره حين فُتح باب تلك الغرفة وطل أحد الأطباء. نهضت سهيلة واقتربت من الطبيب سائلة: خير يا دكتور. تبسم الطبيب قائلاً: مش خير يا جماعة بصراحة، الرصاصة اخترقت في جزء دقيق من العمود الفقري، والحمد لله قدرنا إننا نطلعها من جسمه بس طبعاً العمود الفقري تأثر ولسه هنشوف الضرر وصل لفين، بعد طبعاً ما يفوق المريض ويبدأ رحلة العلاج، دلوقتي هيخرج على العناية المركزة تحسباً لأي مضاعفات.

شعر آصف بأسى ازداد بأسًا حين خرج ذاك الفراش النقال مُمدد عليه أسعد. ذهب خلفه هو وسهيلة حتى دخلا إلى غرفة الرعاية المركزة. ظل واقفاً حتى نظر له الطبيب قائلاً: من فضلكم دي العناية المركزة، وقوفكم هنا مالهوش لازمة، المريض قدامه مش أقل من اتناشر ساعة على ما يفوق، تقدروا تنتظروا خارج الأوضة. وأي تطور لحالة المريض هنبلغكم بيه أول بأول. جذبت سهيلة آصف بصعوبة حتى خرجا من الغرفة.

وقف آصف يشعر كأنه مسلوب جزء من عقله، لا بل من جسده أيضاً. شفقت سهيلة عليه، وضعت يدها على كتفه قائلة: والدك قوي أوي وأكيد هيقاوم... قاطع آصف بقية حديثها حين جذبها على غفلة وقام باحتضانها بقوة، كأنه يريد لصقها بجسده. انخضت سهيلة في البداية، لكن سرعان ما تبسمت وضَمته هي الأخرى على استحياء. ثم آنت بألم طفيف. خفف آصف من قوة احتضانه لها وعاد برأسه للخلف ينظر إلى وجهها.

لا يعرف للمرة الكام يتوغل الندم لقلبه بعد أن حاولت إسعاف والده، كما فعلت معه سابقاً. حاولت إسعافه حسب قدرتها، كذلك فعلت سابقاً مع سامر وكانت نتيجة إنسانيتها أشهراً قضتها بين جدران زنزانة معتمة تُقاسي وحدها بين معتادات الإجرام. مع ذلك حافظت على إنسانيتها، لم تُغير ولم تتخاذل رغم ما مرت به، ما زالت الإنسانية تتحكم بها. *** في شقة آصف زفرت شكران نفسها بأسى حين وجدت باب غرفة آصف مازال مفتوحاً. إذن لم يعد.

ذهبت إلى غرفتها وجذبت هاتفها وقامت بالاتصال عليه. أخذ وقتاً حتى قام بالرد على سؤالها الملهوف: إنت فين يا آصف، أكيد لسه في المكتب زي عادتك سهران، أمتى هترجع للشقة. حاول آصف الهدوء قائلاً: أنا مش راجع الليلة يا ماما، عندي قضية مستعجلة في إسكندرية واضطريت أسافر عشانها. زفرت شكران نفسها بتحذير قائلة: إنت بتجهد نفسك أوي الفترة دي... هو مفيش محامي غيرك في المكتب كان يسافر عشانها. أجابها بهدوء عكسي:

دي قضية مهمة ويادوب الليلة وهرجع بعد ما أخلصها فوراً. تنهدت شكران بقلة حيلة قائلة: تمام، ربنا يوفقك، تصبح على خير. أغلقت شكران الهاتف وقامت بوضعه جوارها على الفراش. تتنهد بأسى حتى سمعت صوت صفوانة: هو آصف لسه مرجعش ولا إيه. تنهدت شكران قائلة: لأ، وهيبات في إسكندرية، عنده قضية فجأة هناك. تساءلت صفوانة بعدم فهم: قضية إيه اللي طلعت فجأة دي. تنهدت شكران بأسى:

أكيد مفيش قضية، آصف من بعد سهيلة ما رجعت كفر الشيخ هو بيجي للشقة بس عشان ينام كام ساعة، رجع لعادته القديمة يلهي نفسه في الشغل. لما سهيلة كانت موجودة لو كان عنده قضايا تلزم سفره مكنش بيبات غير نادر. مش عارفة أمتى هيرتاح قلبي من ناحية آصف، عامل زي التايه. وسهيلة كمان مش عارفة إيه في دماغها. أوقات كنت بحس أنها خلاص نسيت الماضي وهتبدأ من جديد، بس اتفاجئت برجوعها تشتغل في كفر الشيخ تاني.

أنا نفسي قلب آصف يرتاح ومعاه قلب سهيلة. أنا بفكر أسافر ليها كفر الشيخ وأقولها كفاية كده، بلاش تضيعي عمركم والسعادة وانسى اللي فات. أومأت صفوانة قائلة: ده اللي أنا كنت هقولك عليه، أنا مسافرة البلد بعد يومين، إيه رأيك تيجي معايا ونروح لها ونقول لها كلمتين يمكن تعقل. تبسمت شكران بتوافق. كذلك صفوانة التي قالت: أنا كنت قايمة أصلي قيام الليل، إيه رأيك تتوضى ونصلي سوا وندعي ربنا يقرب بينهم. آمين.

قالتها شكران وهي تنهض تشعر ببعض القلق الطفيف. *** في فيلا شهيرة ألقت هاتفها فوق الفراش بغضب، تشعر بثوران في عقلها. قالت باستهجان: رامز الحقير، اللي قال جاي النهارده بقينا بعد نص الليل وحتى بتصل على موبايله مش بيرد عليا، حتى دلوقتي بيدي غير متاح. مش بعيد يكون وصل مصر وقفل الموبايل عشان مزعجوش وهو غرقان مع واحدة قذرة. عقلها يكاد يشتعل، هلوست قائلة:

إزاي استهونت بـ أسعد، كان لازم أسمع كلام رامز لما كان بيقولي حطي فلوسك في بنك أجنبي، استثمارته أعلى وآمن. أنا اللي كنت غبية. مفيش غير رامز هو اللي يقدر يساعدني في المحنة دي. صحيح أكيد هيساومني، بس مبقاش قدامي غيره وإني أقبل أشتغل تاني معاه مع اللي بيهربوا ماس. لازم أثبت للحيوان أسعد إني مش محتاجه له. ذهبت نحو الفراش وجذبت الهاتف، قامت بالاتصال على هاتف رامز. تنهدت براحة قليلاً حين فُتح الاتصال وقالت باندفاع:

إنت فين، أكيد مع واحدة من ساقطة و... قاطعها الذي فتح الهاتف قائلاً: حضرتك الشخص صاحب الموبايل ده دلوقتي في المستشفى وأنا وكيل النيابة. ذهلت سائلة: مستشفى إيه ونيابة إيه، إنت أكيد حرامي سارق الموبايل. غصباً رد عليها بذوق: حضرتك غلطانة، وأنا لغاية دلوقتي بعطي لك عذر بس زي ما قولتلك صاحب الموبايل في مستشفى تقدري تروحي تتأكدي بنفسك وتطمني عليه، وأنا وكيل النيابة اللي بيحقق في الجريمة وبعتذر منك مضطر أنهي الاتصال.

أنا بس رديت عشان شفت اسم حضرتك وقولت أكيد من أهل المصاب، بسبب تكرار الاتصال. أغلق وكيل النيابة الهاتف، بينما انزعجت شهيرة. عاودت إلقاء الهاتف على الفراش تشعر بشبه انهيار عقلها من التفكير. بقسوة جذبت خصلات شعرها للخلف تحاول بث بعض الهدوء لعقلها، حتى ارتجفت يديها، واحمرت عينيها، ونظرت نحو الهاتف الخاص بها. ذهبت نحوه وجذبته بحدة ولمعت جمرة عينيها قائلة:

مفيهاش حاجة أما أروح للمستشفى أتأكد، يمكن يكون ربنا له رأي تاني، وأملاك رامز تبقى ليا، تعوض اللي نهبه أسعد مني. *** بالمشفى نظر آصف إلى سهيلة الجالسة على أحد المقاعد بجواره. شفق قلبه قائلاً: سهيلة مالهوش لازمة تفضلي هنا في المستشفى، هتصل على السواق يجي ياخدك للشقة، إنتِ لازم ترتاحي. تبسمت سهيلة له قائلة: لأ عادي، ناسيني إني دكتورة وواخدة على السهر في المستشفيات.

كاد يندفع آصف ويقول لها أنها لابد أن ترتاح من أجل حملها، لكن توقف بداخله يود أن تخبره هي أولاً. وقال بتورية: عارف إنك واخدة على السهر، بس أكيد مرهقة من مشوار كفر الشيخ لهنا كمان. مأكلتيش وده مش كويس عشانك. أنا هطلب لكِ أكل من مطعم، لازم تاكلي. أومأت رأسها بموافقة قائلة: اطلب أكل لينا إحنا الاتنين يا آصف. تنهد آصف قائلاً: تمام... لكن بنفس الوقت كان هناك فراش نقال يتوجه إلى غرفة العناية المركزة يحمل رامز.

نظر له آصف يقبض يديه بسحق، ود أن ينهي حياته. لكن لاحظت سهيلة قبضة يدي آصف. نهضت سريعاً نحوه تحاول إلهاؤه قائلة: آصف أنا جعانة، مش قلت هتطلب لينا أكل. أغمض آصف عينيه يحاول غض بصره للحظات حتى مر ذاك الفراش. ونظر إلى سهيلة يستمد الهدوء من بسمتها الخافتة. تنهد قائلاً: تمام... هطلع للجنينة الشبكة أفضل هناك. أومأت سهيلة رأسها بموافقة تود أن يبتعد عن هنا الآن. بعد دقائق

عاد آصف ومعه حقيبة ورقية، وضعها على مقعد بجوار سهيلة قائلاً: في مطعم قريب من المستشفى جبت منه أكل. تبسمت له وأمسكت يده قائلة: اقعد يا آصف كُل معايا. كاد أن يرفض، لكن نظرة عينيها المترجية جعلته يستسلم وشاركها الطعام رغم عدم رغبته. لكن نهض بضجر حين سمع صوت شهيرة البغيض التي قالت باستهجان: إنت هنا ليه، فين رامز، فيه إيه، إنت طول عمرك بتكرهني وبتكرهه هو كمان، أكيد إنت السبب.

لأ وكمان جبح وقاعد قدام الأوضة اللي هو فيها، وطبعاً معاك الحية اللي عاملة فيها ملاك الرحمة عشان تساعدك عشان تموه. لم تقل هذا فقط بل جذبته من تلابيب قميصه بخشونة. نهض لها... ينظر لها بغضب قائلاً بتوافق: أنا فعلًا طول عمري بكرهك، وبكره رامز وكرهته أكتر لما اتأكدت إنه هو اللي قتل سامر أخويا وكان نفسي أقتله بنفسي، بس هو خسيس ولسه هياخد جزاء أفعاله الدنيئة. مش معقول مكنتيش تعرفي حقيقة رامز إنه "شاذ". صُدمت شهيرة

بعدم تصديق قائلة باستهجان: كذاب، إنت بتحاول تشوه صورته عشان تهرب من العقاب أكيد. تهكم آصف بضحكة سخرية قائلاً: عقاب إيه! لو بأيدي كنت فعلًا قتلته، لأنه قاتل وكمان ضرب بابا برصاصة وهو كمان هنا في الأوضة اللي قدامك دي. يا ترى هو كمان يهمك أمره، ولا كل اللي يهمك منه هو هتورثي قد إيه. ذهلت شهيرة للحظات قبل أن تبتسم بخفوت. بنفس الوقت لاحظ آصف تلك البسمة على شفاها.

شعر باستهزاء وحاول الرجوع للخلف حتى يتحرر من يديها اللتان تمسك بهما تلابيب قميصه. يشعر بالاشمئزاز من لمسها له. رغم غصة قلبه على والده، كيف تحمل الزواج من هذه المرأة الباردة المشاعر. كذلك شفِق على أختيه من أم أنانية كهذه. *** بـ سرايا شعيب شعرت هويدا بضيق الوقت. أصبح بعد منتصف الليل وأسعد لم يعد أو حتى هاتفها ويعتذر ويخبرها بوقت عودته. نظرت إلى سلسلة المفاتيح التي بين يديها تخص أسعد.

بسبب استعجاله نسيها على الطاولة قبل أن يغادر. شعرت بغضب وهي تفكر لماذا كان متعجلاً لهذه الدرجة. كذلك طول الوقت وعدم عودته جعلها تشعر بالمهانة. رغم أنها في البداية تعمدت عدم الاتصال عليه من باب الدلال، لكن تأخر الوقت للغاية ولم يظهر أي اهتمام بها كأنه نسيها. تنفست بغضب وحسمت أمرها قائلة: مافيهاش حاجة يا هويدا اتنازلي واتصلي إنتِ عليه. بالفعل قامت بالاتصال على هاتف أسعد تنتظر الرد. ثوانٍ وفُتح الاتصال.

اندفعت بدلال حاولت إجادته كي لا تثير انزعاجه منها من البداية. قالت بلهفة كاذبة: أسعد إنت فين قلقتني عليك يا حبيبي. انزعج آصف من حديثها، وأعطى الهاتف لـ سهيلة قائلاً: دي هويدا ردي عليها وقولي لها إن بابا في المستشفى. أخذت سهيلة الهاتف من هويدا التي تذمرت قائلة: مش بترد عليا ليه يا حبيبي. تهكمت سهيلة باستهزاء فهي لم تسمع تلك الكلمة من هويدا حتى لـ حسام طفلها، لكن أجابتها بهدوء:

عمو أسعد اتصاب برصاصة وهو في المستشفى يا هويدا. انزعجت هويدا بخضة سائلة: بتقولي إيه ومستشفى إيه؟ ردت سهيلة: مستشفى هنا في القاهرة، واطمني حالته مش خطيرة أوي. إزاي حالته مش خطيرة، قوليني الحقيقة، إنتِ أكيد بتكذبي عليا. ابتلعت سهيلة طريقة حديث هويدا الجافة وقالت بتأكيد: هويدا أنا مش بكذب، عمو أسعد في العناية المركزة، هبعت لك اسم وعنوان المستشفى في رسالة. أغلقت سهيلة الهاتف بينما مازال الذهول مسيطر على هويدا.

عقلها يكاد يجن ماذا حدث، وكيف حدث، ولماذا حدث الآن بالتأكيد من سوء حظها. لكن لا... سهيلة قالت أن حالته غير خطيرة، بالتأكيد ربما إصابة عابرة. نهضت فجأة وحسمت قرارها ستذهب لمعرفة حالته بالضبط. لم تهتم بالوقت المتأخر. *** مع بداية الصباح فتحت سهيلة عينيها على صوت هويدا التي تلهث قائلة: فين أسعد قولولي حالته إيه بالظبط. كذلك فتح آصف عينيه، رغم أنه لم يكن نائماً. نظر إلى هويدا قائلاً:

والله آخر تطور الدكتور قالنا عليه إنه لسه تحت تأثير المخدر والحمد لله محصلش أي انتكاسات لغاية دلوقتي. معلشي يا عروسة حظك ملحقتيش تفرحي، بس الأيام جاية ادعي ربنا يشفيه ويقوم بالسلامة. شعرت هويدا بالغيظ من نبرة استهزاء آصف، ونظرت نحو سهيلة التي شعرت هي الأخرى بالأسف على هويدا، كذلك بالكسوف من آصف. لكن هويدا وضعتها بموقف مخزٍ أمامه بزواجها من والده، رغم اعتراض والديها لكن هويدا لم تهتم بمشاعر أحد عكس مصلحتها.

سألت سهيلة: واضح إن جوزك بيتريق، قولي لي أسعد فين وايه حالته بالظبط. ردت سهيلة: عمو أسعد في أوضة العناية والدكتور محرج أي زيارات وبالعافية سمحوا لينا نقعد بالإستراحة اللي جنب أوضة العناية. قبل أن تتحدث هويدا دلفت عليهم شهيرة التي نظرت إلى هويدا باستحقار وظنت أنها آتية مجاملة من أجل سهيلة. قالت باستهزاء: طبعاً جايه عشان تجاملي أختك وأسعد يفكر إن ده أفضل نسب هو ناسبه. تهكمت هويدا قائلة بقصد:

لأ أنا جايه أطمن على أسعد جوزي. تصنمت شهيرة للحظات قبل أن تضحك بهستيريا قائلة باستقلال: جوزك! الطموح حلو، من يوم فرح آيسر وأنا لاحظت نظراتك لـ أسعد وكمان محاولاتك جذب انتباهه، بس قولت واحدة عبيطة حركاتها مكشوفة. قاطعتها هويدا باستهجان قائلة بغيظ:

إنتِ اللي عبيطة مش أنا، أنا وأسعد اتجوزنا امبارح، وأكيد هيوصلك إخطار جوازنا حتى أسعد كان قالي إن قبل إخطار جوازنا هيوصلك إخطار بورقة طلاقك لأن أسعد طلقك قبل ما يكتب كتابه عليا. إنتِ بتخرفي تقولي إيه! قالتها شهيرة بذهول، وأكدتها هويدا: ده اللي حصل، يعني. وجودك هنا مالهوش أي صفة، أنا هنا زوجة أسعد لكن إنتِ ولا حاجة. اغتظت شهيرة عقلها يشتعل كيف فعل أسعد هذا وتذكرت بآخر شجار لهم، حين أخبرها "مفاجأتي ليكي هتبهرك".

لم تنبهر بل ذهلت وكاد عقلها يجن ولكن لن تترك فرصة لـ هويدا تتشفى بها. ضحكت قائلة بتعمد: واضح إنك كل اللي هتاخديه من أسعد هو لقب أرملة. قالت هذا وعاودت الضحك بهستيريا كأنها بلا عقل. بينما هويدا شعرت بالقهر وكادت تصفع شهيرة، لكن أمسكت سهيلة يدها قائلة: هويدا بلاش مشاكل إحنا في مستشفى وهي بتستفزك، إهدي، الدكتور قال أن حالة عمو أسعد مش خطيرة. بضحكات غيظ غادرت شهيرة تقول باستهزاء:

الحمد لله ربنا عفاني من لقب أرملة أسعد شعيب واضح إنك آخر قايمة زوجاته كمل بيكِ الأربعة قبل ما يموت. اغتظت هويدا، ودفعت سهيلة عنها بغيظ قائلة: أنا عايزة أشوف أسعد. بسبب دفعة هويدا لـ سهيلة عادت بجسدها للخلف وكادت تفقد توازنها لولا أن جذبها آصف عليها سريعاً بلهفة ضمها. تبسمت له سهيلة بامتنان، بينما هو تنهد براحة ونظر إلى هويدا بغضب. لكنها لم تبالي حتى من رد آصف: إحنا مش مانعين دخولك له عندك الدكتور روحي خدي منه الإذن.

توقف آصف عن الحديث ونظر إلى سهيلة قائلاً: أنا اتخنقت من قعدتنا هنا تعالي نطلع للجنينة نشم هوا نضيف. كادت سهيلة تعترض لكن جذبها آصف غصباً وغادر المكان. بينما نظرت هويدا لهما تشعر بغيظ من اهتمام آصف المبالغ فيه بـ سهيلة. *** انتصف النهار والشمس مازالت بازغة، لكن هذا المكان مظلم تحفه حماية شياطين الإنس. إثنين يجلسان معاً لا أحد يرى الآخر بغرفة مظلمة فقط مثل الذئاب وميض عينيهم الأبيض هو ما يظهر بالغرفة. كان الحديث آمرًا:

رامز ورقة انكشفت وآن الأوان قبل ما يبوح بالأسرار اللي يعرفها تتحرق الورقة دي، رامز مش لازم تطلع عليه شمس بكرة. تفوه الآخر قائلاً: المستشفى دي خاصة وفيها كاميرات في كل ركن، كمان فيه حراسة من الشرطة على الأوضة اللي هو موجود فيها. مش أول مرة تحصل، دبر أمرك، وزي ما قولت رامز لازم حياته تنتهي قبل ما يفوق وقبل شمس بكرة، هستني خبر رامز. وافق الآخر قائلاً: فعلًا مش أول مرة تحصل وتأكد إن رامز في عداد الأموات. *** بالمشفى

خرج الطبيب من غرفة العناية، وتوجه إلى آصف الذي وقف هو وهويدا بلهفة سائلة: من فضلك يا دكتور أنا عايزة أدخل أطمن على أسعد. نظر لها الطبيب قائلاً: الزيارة لسه ممنوعة، بس أحب أطمنكم حالة المريض أصبحت أفضل رغم إنه لسه تحت تأثير المخدر، واول ما يفوق هيتنقل لغرفة عادية مسألة ساعات مش أكتر، بس مرحلة الخطر انتهت، والزيارة وقتها هيبدأ مسموح بيها.

قال هذا الطبيب وغادر، بينما هويدا شعرت بغضب، عقلها يكاد يشتعل رغم حديث الطبيب المطمئن. *** مساءً خرج كل من آصف وآيسر خلف الطبيب، الذي قال لهم: عدم وعي المريض من تأثير المخدر، إحنا عطينا له مخدر بنحاول نخفف الألم قبل ما يستعيد وعيه، بحيث جسمه يكون استرد جزء من المقاومة. وكمان فيه شيء مهم لازم تعرفوه وده توقع مش مؤكد، الرصاصة كانت في العمود الفقري، وأكيد وارد يكون ليها تأثير على وظائف العمود الفقري. تساءل آيسر:

مش فاهم قصدك يا دكتور، ياريت توضح. أجابه الطبيب بعملية: يعني احتمال وارد تأثير الرصاصة على جسم المريض ممكن يؤدي لشل حركته، لحد دلوقتي مش واضح مدى التأثير ده، بعد ما يتعافى المريض هنعرف مدى التأثير بالضبط. انذهل آيسر وآصف، بينما غادر الطبيب. نظر آيسر إلى آصف قائلاً: إنت هنا من امبارح ولازم ترتاح خد مراتك وأنا هبات مع بابا. وافق آصف على ذلك، ودلف إلى الغرفة مرة أخرى.

رمق والده الذي مازال نائماً، يشعر بشفقة، لا ليست شفقة بل لوعة قلب إلى ما وصل له لو صدق توقع الطبيب. نظر نحو سهيلة قائلاً: فين هويدا؟ ردت سهيلة بتبرير: هويدا بتتعب من المستشفيات، مناعتها ضعيفة وسهل تلقط أي عدوى، قولت ليها بلاش تفضل بالمستشفى وبصعوبة وافقت. تهكم آصف بداخله لو كانت والدته مكانها لما غادرت حتى لو مكثت مريضة بجواره على الفراش. تبسم بإيماء قائلاً:

تمام يلا بينا إحنا كمان الدكتور سمح بمرافق واحد وآيسر هو اللي هيبات مع بابا. وافقت سهيلة وغادرت مع آصف. *** بـ شقة آصف دخلت سهيلة أولاً، ثم آصف خلفها. أتت شكران بلهفة بعد أن سمعت فتح باب الشقة كي تطمئن على آصف، كذلك صفوانة. وقفن الاثنتين للحظة ثم تبسمن لـ سهيلة التي تشعر بخزي، من نظراتهن. لكن شكران فتحت يديها بترحيب قائلة بعتاب: وحشتيني... وزعلانه منك كده متتصليش تطمنيني عليا الفترة اللي فاتت. تبسمت سهيلة بخزي وتوجهت

إليها وحضنتها قائلة: حقك عليا، أنا.... قاطعتها صفوانة قائلة: بلاش العتاب، يا شكران المهم إن سهيلة رجعت تاني تنور الشقة. أومات شكران ببسمة وضمتها وهي تنظر نحو آصف الذي رغم سأم ملامحه لكن يبدو هادئاً ومرتاحاً. نظرت له قائلة بحنو: يلا غيروا هدومكم على ما أنا وصفوانة نحضر العشا. تبسم آصف قائلاً: فعلًا إحنا جعانين جداً. تبسمت لهم صفوانة قائلة:

على ما تغير هدومك إنت وسهيلة هيكون العشا جاهز، زي ما يكون شكران قلبها كان حاسس برجوع سهيلة وقالت لي نطبخ الطبيخ اللي سهيلة كانت بتحبه. نظرت سهيلة إلى شكران وتبسمت دون حديث. ذهبت نحو غرفتها، كذلك آصف. نظرتا لهما شكران وصفوانة التي قالت: كل واحد فيهم راح أوضته. تبسمت لها شكران قائلة بيقين: قبل آخر الليل الاتنين هيناموا مع بعض في أوضة واحدة. تبسمت صفوانة قائلة: أنا كمان حاسة بكده. *** بـ سرايا شعيب

دخلت هويدا التي أمرت ذاك السائق أن يأتي بها إلى هنا لغرضٍ برأسها طوال الطريق ينحر بها عقلها، بعد أن تسمعت على حديث آصف وآيسر مع الطبيب وعلمت أن أسعد قد يصبح مشلولاً. تشعر بخسارة، غامرت كثيراً وحين وصلت هل تصل إلى سراب. كذلك حديث شهيرة الشامت بها. لا، لن تخسر يكفي ما افتعلته إلى الآن لنيل الزواج من أسعد. وحين تزوجته لن تعيش السراب. أخرجت تلك السلسلة الخاصة بمفاتيح أسعد. توجهت إلى غرفة المكتب مباشرةً.

نظرت نحو تلك الخزنة لابد أن بها كل مستندات وأوراق ما يمتلكه أسعد، عليها العلم بكل شيء. نظرت إلى تلك المفاتيح رأت مفتاحاً يشبه مفاتيح الخزن. قامت بوضعه وفتحت تلك الخزنة بسهولة. جذبت تلك الأوراق وضعتها على المكتب. لفت نظرها ملف يبدو قديماً موضوع أسفل تلك الملفات. جذبته هو الآخر وكادت تضعه على المكتب لكن سقط سهواً من يدها على الأرض وتبعثرت منه بعض الأوراق.

انحنت وجمعتها واستقامت لكن لفت نظرها تلك الصورة التي بين تلك الأوراق. نظرت لها بتتمعن هامسة: الصورة دي أنا شفتها قبل كده عند بابا في ألبوم الصور، وقالولي دي صورتي أنا مع عمتي "إبتهال". إيه اللي جابها هنا. نظرت خلف الصورة وذهلت حين قرأت تلك الكلمة المكتوبة بوضوح "صورتي مع بنتنا يا حبيبي". ذهل عقل هويدا. وبحثت بين بقية الملف، عثرت على تلك الورقة وقرأت نصها الذي كان لها بمثابة فقدان للعقل.

هذا اعتراف ببنوة هويدا إلى أحد أفراد عائلة شعيب. ليس هذا فقط هنالك اعتراف بزواجه عرفياً من عمتها "إبتهال فكري شعيب". *** بالمشفى ليلاً فجأة انقطع الضوء للحظات قبل أن يعود على الفور. كان مثل الصقر يراقب. استغل هدوء المكان وقام بوضع قلنسوة تخفي معظم وجهه لا يظهر منها سوى عينيه. وقف أمام تلك الغرفة. اعترضه ذاك الشرطي الذي يقف على باب الغرفة. رفع تلك الأدوية التي بيديه قائلاً: ميعاد العلاج بتاع المريض.

قال له الشرطي بأمر: شيل الكمامة اللي على وشك دي عايز أشوف وشك كمان هاويتك الطبية. واقفا قائلاً: تمام ثواني. بنفس اللحظة قبل أن يزيح القلنسوة عن وجهه وضع يده بجيبه. اعتقد الشرطي أنه سيخرج هاويته، لكن أخرج قنينة صغيرة للغاية، وقام برفعها بوجه الشرطي وقام بنثر رذاذاً عليه جعله مثل المغيب رغم أنه يفتح عينيه. تبسم حين توجه إلى باب الغرفة ولم يجد اعتراضاً من الشرطي. دلف إلى الغرفة، نظر بجميع جوانبها لا توجد كاميرات مراقبة.

تنهد بارتياح، وذهب إلى ذاك الفراش نظر نحو رامز الممدد، ملامحه يبدو عليها آثار عراك. لم يهتم، وذهب نحو تلك القنينة البلاستيكية المعلقة على حامل خاص، وضع ذاك العلاج على منضدة بجوار الفراش، ثم أخرج سرنجة كبيرة من جيبه وقام بوضعها بذاك المحلول سحب جزء قليل منه، جذب السرنجة ثم ملأ باقي السرنجة بالهواء وقام بخلطها بقنينة المحلول المعلقة. وظل للحظة حتى تأكد أن الهواء اختلط بالمحلول الطبي. غادر، كما دخل دون اعتراض الشرطي.

ما هي إلا لحظات حتى سمع صوت صفير عالٍ لتلك الأجهزة الطبية الموصولة بجسد رامز يعلن أن نهايته بلحظات ويصبح ميتاً. دون إثارة شك بأنه موته مفتعل. *** بأول الليل بـ شقة آصف شعر بضجر وهو ممدد على الفراش بغرفته. نهض حاسماً أمره دون تفكير، ذهب إلى غرفة سهيلة، التي هي الأخرى رغم إرهاقها لكن لم تستطع النوم تفكر في آصف. الذي أزاح باب الغرفة، ونظر إليها، تبسمت له. وهو يقوم بمواربة الباب مرة أخرى خلفه ويتجه نحو الفراش.

بتلقائية منها، أزاحت جسدها قليلاً وأفسحت مكان تمدد به آصف وهو يبتسم. واقترب منها وضع رأسه على صدرها قائلاً: محتاج أنام في حضنك يا سهيلة. تبسمت، وبتلقائية منها لفت يديها حول ظهره واحتوته على صدرها بقبول. انشرح قلب آصف وضمه. وساد الصمت حتى شعرت بانتظام أنفاسه علمت أنه استسلم للنوم. استسلمت هي الأخرى للنوم حتى الصباح. فتحت عينيها وشعرت بقيد يدي آصف لها كأنه يحتمي بها. تبسمت وضَمته تشعر بهدوء.

احتوتها بيديها وتنفست براحة حتى شعرت ببداية استيقاظ آصف برأسه على صدرها. نظرت إلى وجهه متبسمة حين فتح عينيه، ثم أغمضهما مرة أخرى شعرت بيديه تحتضن جسدها. تبسمت له قائلة: صباح الخير. فتح عينيه وابتعد عن جسدها قليلاً يقول: صباح النور، أكيد كنت تقيل على صدرك ومعرفتيش تنامي. رفعت إحدى يديها وضعتها على وجنته قائلة برومانسية: بالعكس أنا نمت كويس وإنت مكنتش تقيل على صدري.

رفع هو الآخر يده يلمس شفاها التي انصبت عليها عيناه واقترب كثيراً وكاد يقبلها، لكن انتبهت سهيلة قائلة: آصف باب الأوضة موارب. زفر نفسه قائلاً: لازم نشوف حل لباب الأوضة الموارب أعتقد آن الأوان يتقفل علينا. أومأت برأسها مبتسمة بدلال تقول: بس أنا عندي فوبيا الأماكن المغلقة. ابتسم آصف قائلاً: تعرفي إن دي الحاجة الوحيدة اللي معرفش سببها. تبسمت سهيلة بدلال قائلة: وإنت تعرف عني كل حاجة.

أومأ رأسه موافقاً واقترب من شفاها وكاد يقبلها، لكن سهيلة وضعت يدها على فمه بتحذير: آصف. تبسم آصف قائلاً: اطمئني متأكد لا ماما ولا صفوانة هيقربوا من ناحية الأوضة دي، أنا هكلم مهندس ديكور آن الأوان فتح الأوضتين على بعض. تبسمت سهيلة بحياء. تجرأ آصف وضع يده خلف عنقها ولثم وجنتيها، ثم شفاها بقبلات ناعمة، ترك شفاها ونظر إلى وجهها تبسم حين رأى الخجل وهروب عينيها من عينيه. وضع قبلة على جانب شفاها هامساً:

سهيلة إيه رأيك نسافر كام يوم نغير جو. هنروح فين؟ عاد برأسه للخلف يفكر ثم تبسم. نظرت إلى بسمته بسؤال: بتضحك على إيه، مش لازم أعرف هنروح فين، كمان لازم أقدم على إجازة من شغلي في المستشفى. ضحك قائلاً: إجازة المستشفى سهلة بمكالمة تليفون، بكرة الصبح نروح المستشفى نطمن على بابا، وبعدها هقولك هنروح فين. تنهدت سهيلة باستسلام قائلة: تمام... بصراحة بعد اللي مرينا بيه الفترة اللي فاتت محتاجة إجازة كم يوم أفصل بيها.

تبسم آصف وهو يضم وجهها بين يديه وقبلها ثم ترك شفاها قائلاً بتلميح: إنتِ فعلًا محتاجة فترة نقاهة لأن الإجهاد ليكي مش كويس. لم تفهم سهيلة تلميح آصف وقالت: آصف في حاجة كنت عايزة أقولك عليها، ومش عارفة هتصدقيني ولا لاء. يتبع

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...