الفصل 5 | من 47 فصل

رواية عشق مهدور الفصل الخامس 5 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
25
كلمة
4,975
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 11%
حجم الخط: 18

على نغمات تلك الأغنية التي تتردد كلماتها في أذنه، تفوت مباشرة إلى وجدانه، كأنها تصف حالة قلبه. "آه على قلب هواهُ مُحكم فاض الجوى منه فظلما يكتم يحي أنا بحت لها بسري أشكو لها قلباً بنارها مغرم ولمحت من عينيها ناري وحرقتي قالت على قلبي هواها مُحرم كانت حياتي فلما بانت بنأيها صار الردى آه علي أرحم كل القصايد من حلا عينيك من دفا إيديك كتبتن وقولتنه هودي القصايد مش حكي يا روحي وهو بكى القصايد هو لكِ كلن كل القصايد"

كان صداها يتردد عبر أثير هاتف أحد ركاب القطار، امتزجت كلماتها ونغمات الأغنية معًا تطرب قلبه مباشرة. أغمض عينيه لتحتل صورة أمنية يتمنى أن تتحقق في التو. رأى نفسه بمكان تحيطه أشجار عالية تحاوط ذلك الفضاء الواسع ذو الإضاءة الخافتة. نظر إلى تلك الخيمة المستطيلة ذات اللون الوردي تحتل مكانًا جانبيًا صغيرًا، مزينة بأكاليل الزهور المنسدلة فوق تلك الأعمدة التي تحاوطها تلك اللمبات الصغيرة سبب إضاءة المكان، كذلك يحاوطها ستائر حريرية تهتز بنسائم الهواء الخفيفة.

توجه بخطوات هادئة نحو تلك الخيمة وفتح إحدى أطراف تلك الستائر، أزاحها بيديه على جنب. تبسم حين وقع بصره نحو ذلك الفراش المزينة بالزهور التي ينتشر عبقها. تحولت نظرته لوله حين وقعت عيناه على تلك الجالسة على طرف الفراش تخفض وجهها بحياء، رغم أنها تخفيه خلف وشاح أبيض مزين بتاج من زهور دوار الشمس البيضاء والصفراء.

ترك تلك الستائر تنسدل مرة أخرى خلفه وهو يسير نحوها. مع كل خطوة يزداد في قلبه الغرام والاشتياق. لم يتوقف أمامها بل انحنى قليلاً وجثى على ساقيه أمامها ومد يده لها. بتلقائية وخجل وضعت يدها بيدهُ. نهض واقفًا، وهي الأخرى نهضت واقفة أمامه. بشوق وتوق ترك يدها ورفع يديه يزيح ذلك الوشاح الذي يخفي وجهها عنها.

كانت صورة بديعة لها أمام عينيه العاشقة، زهرة خلابة تسر قلبه قبل عينيه. هي أمامه عروس كما يتمنى. انحنى برأسه على جبينها طابعًا قبلة عشق. بخجل تبسمت له. جذبها من يدها وخرجا من تلك الخيمة إلى البراح. رفع يده الأخرى ونظر لها مبتسمًا، وهي تضع أناملها بين كف يده يتمسك بها. ثم ترك يدها الأخرى سرعان ما وضعها حول خصرها وضمه لجسده. يدور بها مستمتعان بتجاوب خطواتهم معًا. يسمعان صوت تلك الألحان ممزوجة مع أصوات حفيف الأشجار الهادئ كأنهما توافقا على معزوفة غرام خاصة بهما. كانت معزوفة رائعة مجهولة الهوية، هما فقط من يعرفان هويتها، فهي معزوفة العشق الصافي الذي يسكن قلب كل منهما للآخر.

مع نهاية الأغنية كانت نهاية الطريق وتوقف القطار بآخر محطة له "القاهرة". مرغمًا فتح عينيه، كان يود البقاء بذلك الخيال طوال العمر. يود البقاء هو وهي فقط بمكان واحد دون حواجز تفرضها هي عليه. نهض واقفًا وجذب تلك الحقيبة الصغيرة وترجل من القطار. مجرد بضع خطوات على رصيف القطار تقابل مع ذاك السائق الذي اقترب منه وانحنى يأخذ تلك الحقيبة من يده قائلًا باحترام: "نورت القاهرة يا سيادة المستشار."

ترك آصف له الحقيبة مبتسمًا بود قائلًا: "شكرًا، كويس إنك متأخرتش بس فين العربية." رد السائق: "لما كلمتني عالموبايل وقولتلي إن القطر خلاص داخل عالقاهرة جيت فورًا، والعربيه راكنها جنب محطة القطر." تبسم آصف له قائلًا: "تمام هات مفاتيح العربية وإرجع إنت بيتك تصبح على خير." أعطى له السائق سلسلة مفاتيح قائلًا: "وإنت من أهله يا سيادة المستشار، توصل بالسلامه."

بعد دقيقتين، وضع السائق تلك الحقيبة بالمقعد الخلفي للسيارة وأومأ لآصف الجالس خلف المقود برأسه وغادر. بدأ آصف بقيادة السيارة. بداخل قلبه ما زال يشعر بانشراح من ذلك الخيال. تنهد بشوق وأخرج علبة سجائره وأشعل إحداها. زفر دخانها الذي نظر له ببسمة وهو يتذكر ضيق سهيلة واستهجانها الدائم عليه بسبب تدخينه، وتجهمها أكثر من مرة من ذلك. لكن أكمل تدخين السيجارة وهو يتذكر ذكرى أخرى لسهيلة. ذكرى أول لقاء بينهم.

كان شابًا يافعًا بعمر الحادية والعشرين، كان يدرس وقتها بالسنة قبل النهائية بكلية "الحقوق". كان صاحب جسد فاره يعطيه هيبة. كان يقوم ببعض التمرينات الرياضية القاسية بحديقة السرايا. كان يجلس سامر على طاولة قريبة منه يحسب له مدة ذلك التمرين القاسي، حتى أتت إحدى الخادمات ونظرت لسامر قائلة: "في بنت واقفة عند باب السرايا الداخلي بتقول إنها زميلتك في المدرسة وإسمها 'سهيلة أيمن الدسوقي'." تبسم سامر لها قائلًا:

"آه دي فعلاً زميلتي في الفصل وكانت كلمتني من ساعة كده أنها عاوزة ملزمة خاصة بالإحياء، كمان كان بقالها كام يوم غايبة من المدرسة وطلبت مني أعرفها خدنا إيه في المنهج في الأيام اللي فاتت، دخليها الصالون وأنا جاي فورًا." ذهبت الخادمة بينما توقف آصف عن تلك التمرينات يلهث وغمز لسامر بمزح قائلًا بإيحاء: "مش بدري عالغراميات دي، إنت يادوب كملت سبعتاشر سنة من كم شهر." تبسم له سامر قائلًا:

"غراميات إيه، دي زميلتي في الفصل، وبعدين غراميات ومع سهيلة بالذات ملهاش غير في الدراسة وبس، يلا هروح أستقبلها مش حلوة تنتظر كتير، دي ذكية جدًا وهتنفعني في الامتحانات." غمز له آصف قائلًا: "وماله يبقى حب مصلحة." تبسم سامر له وهو يغادر قائلًا: "سهيلة ولا ينفع معاها حب من أساسه، كمل تمرينك."

توقف آصف للحظات حتى هدأت أنفاسه بعد تلك التمارين. لا يعرف لماذا هنالك شعور بالفضول لديه، أراد رؤية تلك الفتاة. جذب منشفة صغيرة وقام بتجفيف عرق وجهه وتوجه إلى داخل السرايا. كاد يمر من أمام غرفة الصالون، لكن لفت نظره تلك الواقفة تعطيها ظهرها، كانت نحيفة قليلاً ومحجبة رغم صغر عمرها. ازداد الفضول لديه لرؤية وجهها.

دلف إلى الصالون وتنحنح. استدارت سهيلة ظنًا منها أنه سامر، لكن سرعان ما أخفضت وجهها بحياء حين تفاجئت بشاب يرتدي سروال قطني قصير يمزج بين اللون الأسود والأحمر لمنتصف فخذيه، كذلك فانلة بحمالات من نفس ألوان السروال، يضع منشفة حول عنقه، جسده بالنسبة لها ضخم.

بينما هو حين استدارت ورأى وجهها شعر كأن سهمًا أصاب قلبه. لم تكن جميلة للغاية، لكن وجهها ملائكي بريء رغم أنه يبدو على ملامحها بوضوح أنها مجهدة أو ربما كما قال أخيه أنها كانت مريضة. رغم أنه رأى فتيات أجمل منها، لكن لم تثرن لديه أي شعور عكس تلك النحيفة ذات الملامح البريئة التي ظل ينظر إلى ملامحها وكاد يتحدث معها، لكن دلف سامر إلى الغرفة يحمل بيديه تلك الملزمة وبعض الكتب.

نظر سامر لـ آصف باستغراب من وجوده في الغرفة، بينما تنحنح آصف يشعر أنه يريد البقاء والتحدث معها. لكن مرغمًا سيطر على نفسه وتجاهل ذلك الشعور وخرج من الغرفة وتركهم سوياً. ذهب إلى غرفته تدلى مباشرة إلى المرحاض، نزع عنه ملابسه ونزل أسفل ذلك الصنبور يشعر بهطول المياه فوق جسده، لكن شعور آخر يغزو عقله، أو بالأصح يحركه قلبه، يود رؤيتها مرة أخرى الآن. سريعًا انتهى من الاستحمام وخرج للغرفة يرتدي ثيابه ثم خرج من الغرفة وتوجه

ناحية غرفة الصالون بفضول. كان باب الغرفة مواربًا. ظل واقفًا يتأمل سهيلة التي ما زالت جالسة مع سامر يتحدثان، إلى أن نهضت واقفة بعد وقت قليل وأخذت من يد سامر تلك الملزمة وتلك الكراسات، وتوجهت نحو باب الغرفة. وكادت تخرج منها لكن توقفت لوهلة حين تفاجئت بـ آصف أمامها مباشرة بعد أن حسم أمره يود الحديث معها.

رفعت بصرها تلاقت عيناهما للحظات كانت كفيلة بإرسال إشارات تخترق القلبين مباشرة. شعرت سهيلة بخجل، لكن هذه المرة تبسمت، فهو أمامها يرتدي ملابس أخرى شبابية تستُر جسده. تنحى آصف مرغمًا حتى مرت سهيلة وغادرت، لكن ظل ينظر في أثرها إلى أن خرجت من باب السرايا. كان هذا اللقاء الأول الذي ترك بداخل الاثنين رغبة الرؤية مرة أخرى، وبالفعل تكررت اللقاءات، لكن ظل أول لقاء صامت لهما له تأثير قوي عليهما.

تبسم وهو يتذكر ذلك اللقاء الصامت بينهم. شعر بشوق لمعرفة رد فعلها حين يضعها أمام الأمر الواقع ويطلب يدها من والدها. حسم القرار، لا داعي للانتظار أكثر من هذا، لن يعطيها فرصة للتحجج بأي حجة بعد الآن، أي حجة لن ينتظر من أجلها. بسبب برودة الطقس كذلك التوقيت المتأخر كان الطريق شبه خاليًا ساهم في تسريع سرعة السيارة ليصل إلى البلدة في وقت قياسي. -بمنزل أيمن غرفة هويد

لم تستطع النوم، لا تعلم سبب لذلك الشعور براحة الذهن، إن كانت من عدم وجود سهيلة معها بالغرفة، أم من ذلك الكهل الذي تفكر فيه. نهضت من فوق الفراش أشعلت ضوء الغرفة وتوجهت ناحية خزانة الملابس فتحت إحدى الضلف الخاصة بها، وجذبت ذلك الكيس المعلق وذهبت نحو الفراش. أخرجت منه فستان أسود لامع، خلعت عنها رداء النوم وقامت بارتداء ذلك الفستان الذي كان بلا أكمام عاري من فوق الكتفين ينسدل بضيق على جسدها يصل لمنتصف فخذيها، يبرز

أنوثتها وساقيها الممشوقة بسخاء. نظرت لانعكاسها في المرآة بإعجاب من أنوثتها التي يبرزها الفستان. ذلك الفستان التي اشترته من التسوق عبر الإنترنت وأخفته حتى لا تراه والدتها ولا سهيلة ويسألان لماذا اشترت فستان هكذا، وهي لن ترتديه. كانت بنصف ثمنه اشترت أكثر من طقم مناسب لها وللحجاب التي تضعه فوق رأسها دون اقتناع، فقط تضعه واجهة حتى تظهر أنها متدينة. أسدلت خصلات شعرها شبه القصير والتي تداوم على صبغه بأحدث وأغلى المُرطبات

التي تقتنيها من راتبها بالبنك. لا تشعر بالمسؤولية سوى ترفيه عن نفسها فقط. تركت أمر جهازها إلى والداها اللذان يدبرانه دون أن تعرض عليهما المساهمة حتى ولو لجزء صغير. تستمتع براتبها التي تدخره وتنفقه على ما تشتهيه من أجود وأغلى الماركات.

ذهبت نحو الدولاب مرة أخرى وجذبت علبة متوسطة وضعتها فوق التسريحة وجلست على مقعد وأخرجت من تلك العلبة الأنيقة الخاصة بأدوات التجميل وبدأت تضع على وجهها تلك المساحيق بعناية، تبرز جمال ملامحها. صبغت شفتيها بلون أحمر ناري، ونظرت لإنعكاسها، رأت نفسها أيقونة جمال. تأسفت على حالها، فهذا الجمال محكوم عليه أن يبقى مدفونًا وهي تعيش هنا بتلك القرية الصغيرة، كذلك تعمل ببنك وضيع. وآخر ذلك هو خطيبها الموظف مثلها. فكرت ماذا لو كان

تبدل الوضع وكان خطيبها يشبه ذلك الكهل "أسعد شعيب" ليس في الملامح بل في الثراء. كانت استمتعت بجمالها، وأوهام يصنعها عقلها البطار عن حياة ترسمها أن تكون سيدة مجتمع يشهد الجميع بذكائها وأناقتها. لكن حين تعود للواقع تشعر ببؤس وهي مدفونة بتلك القرية النائية. لكن لو ابتسم لها الحظ وكان شعورها صحيحًا أنها اليوم لفتت نظر ذلك الكهل ربما يتغير كل هذا. وأحلام وردية لو حصلت فقط على دعم منه وارتقى للعمل بأحد بنوك الاستثمار.

فاقت من تلك الأوهام بسبب سماعها لصوت سعال خارج الغرفة، سريعًا بدلت ثوبها وعادت لمنامتها مرة أخرى ونظفت ملامحها من تلك المساحيق. وعاودت دس تلك الأشياء بتلك الضلفة وأغلقتها وأطفأت ضوء الغرفة حتى لا يراه أحد شاعل ويدخل يسألها لم تركت الضوء الليلة وتتذمر من سهيلة لو أضاءته. توجهت نحو الفراش تمددت عليه، تشعر بأمنيات لو واحدة تحققت لانصلح حالها. أغمضت عينيها تستسلم لأوهامها. -بالمشفى

اختل جسد سهيلة وانخفضت بجسدها أرضًا، ارتكزت على رسغيها تشعر بدوخة بسبب تلك الضربة التي تلقتها على رأسها. شعرت كذلك بغشاوة بعينيها لثوانٍ قبل أن تستدير لرؤية من القاتل. كان استغل ذلك وخرج من الغرفة وأغلق خلفه الباب. لثوانٍ حتى استطاعت سهيلة السيطرة على وعيها مرة أخرى. نظرت لسامر الممدد أرضًا ينتفض جسده ودماء غزيرة تسيل من عنقه. اقتربت منه لكن لسوء حظها كان ذالك المبضع جوار رأسه مباشرة بلا انتباه، وضعت يدها عليه بالخطأ

وهي تحاول إنقاذ سامر. بعد أن أسرعت وجذبت ملاءة فراش الكشف وحاوطت عنقه بها تكتم اندفاع الدماء، ونهضت واقفة تشعر بترنح. لكن سيطرت عليها إنسانيتها وفتحت باب الغرفة وصرخت بقوة حتى يأتي أحد العاملين بالمشفى ويساعدها بنقل سامر إلى غرفة العمليات لإنقاذه.

آتى أحد العاملين بالفعل ودلف إلى الغرفة. انذهل حين رأى تلك الملاءة ملفوفة حول عنق سامر. وقف متصنمًا للحظات، حتى صرخت عليه سهيلة قائلة: "بسرعة هات ترولي ننقله بيه لأوضة العمليات وشوف دكتور جراحة في المستشفى." للحظات ما زال العامل واقفًا مشدوهًا، حتى صرخت عليه سهيلة مرة أخرى. خرج مسرعًا، وظلت سهيلة تحاول كتم الدماء وقالت: "سامر قول لي مين اللي عمل فيك كده."

همهم سامر ببعض الكلمات لم تستطع تفسيرها قبل أن ينتفض جسده ويسكن بلا حركة. انصدمت سهيلة من ذلك وحاولت إنعاش قلبه بالضغط بيديها لكن بلا جدوى. لقد نفذ الأمر وفاضت روحه. دموع سالت من عينيها وهي جاثية جوار جسده تشعر بأسى عليه وكذا بفشلها في إنقاذه. نطقت الشهادتين عليه بقلب منفطر. بنفس الوقت آتى ذالك العامل ومعه اثنين من المسعفين وطبيب آخر ونظروا إلى سامر علموا أنه توفي. نظر لها الطبيب ثم للآخرين وتحدث بأمر ونهي:

"محدش يلمس أي حاجة، ولازم نبلغ الشرطة فورًا." بالفعل خلال دقائق كانت شرطة الجنايات تعاين الغرفة كذلك جسد سامر. جذب أحد الأفراد ذلك المبضع ووضعه بكيس بلاستيك خاص، وعاينوا الغرفة بتدقيق ثم أمر المحقق بأخذ جثة سامر إلى المشرحة. ثم خرج من الغرفة، سأل الطبيب الآخر قائلًا: "فين الدكتورة اللي قولت إنها كانت مع القتيل." رد الطبيب: "موجودة هنا في المستشفى." طلب المحقق:

"تمام ممكن فين أوضة المدير المناوب في المستشفى، كمان لازم نبلغ أهل القتيل." أشار له الطبيب على الغرفة وذهب معه. بعد لحظات دلفت سهيلة إلى الغرفة بعد أن ذهب آخر لإحضارها إلى الغرفة. تساءل المحقق: "يا ريت تحكي لي بالتفصيل إيه اللي حصل؟ سردت سهيلة ما حدث بالتفصيل. كان المحقق يستمع لها إلى أن انتهت من سردها، فاجأها بالسؤال: "وإنتي شوفتي مين اللي كان معاه في أوضة الكشف؟ ردت سهيلة بالنفي:

"لأ، لأنه ضربني على راسي جامد ودوخت ولما فقت كان هدفي أنقذ سامر." لفت نظر المحقق نطقها لاسم سامر بلا ألقاب وتساءل باستفسار: "واضح إن في بينك وبين القتيل معرفة قوية بدليل نطقك لاسمه بدون لقب دكتور؟ ردت سهيلة ببساطة: "إحنا كنا زملاء من ثانوي وكمان أهل بلد واحدة وكنا بنذاكر مع بعض حتى لما دخلت كلية الطب هو كمان دخل لمدة سنة كلية طب خاصة وبعدها حول طب عام وفضلنا زملاء." أومأ المحقق برأسه قائلًا: "آه تمام."

"طب إنتِ قولتي إنك سمعتي أصوات قبل ما تدخلي الأوضة، يا ترى تعرفي مين اللي كان مع الدكتور أو على الأقل تقدري تخمني؟ تعلثمت سهيلة للحظة وهي تقول: "لأ مقدرتش أفسر غير صوت سامر بس." لاحظ المحقق تعلثمها وفاجأها: "للأسف يا دكتورة أنا مضطر أقبض عليكِ." انفزعت سهيلة وتعلثمت قائلة: "تقبض عليا ليه، أنا كنت بحاول أنقذهُ." وقف المحقق وأشار إلى أحد معاونيه، فهم إشارته واقترب من سهيلة وفتح تلك الأصفاد. نظرت

سهيلة للمحقق بفزع وقالت: "أنا قولت اللي حصل ومش أنا اللي قتلته، لو أنا اللي قتلته كنت هفضل معاه في الأوضة وأحاول أنقذهُ." رد المحقق بموضوعية: "للأسف يا دكتورة، واضح جدا إنها جريمة وإنتِ المتهم الأول لحد ما الطب الشرعي يحقق في الأدلة الموجودة، ولحد الفصل في ده مضطر أقبض عليكِ، بس طبعًا ليكِ الحق تكلمي حد من أهلك عشان يقوم لك محامي." نظرت سهيلة بهلع إلى المحقق، ماذا يقول؟

هي بريئة لم تفعل شيئًا سوى أنها حاولت إنقاذ سامر، لكن امتثلت غصبًا وفتحت هاتفها وقامت بالاتصال على هاتف والدها وانتظرت للحظات حتى رد عليها بهدوء في البداية رغم رجفة قلبه باتصالها وهي بوقت عملها بالمشفى بهذا الوقت المتأخر من الليل، لكن نهض من فوق الفراش مفزوعًا سائلًا: "هتبقى في أي قسم وإيه اللي حصل؟ نظرت سهيلة إلى ذالك المحقق الذي أشار لها ألا تتحدث كثيرًا. وقالت اسم قسم الشرطة بامتثال:

"لما تيجي للقسم هتعرف يا بابا." أغلقت سهيلة الهاتف ونظرت إلى المحقق الذي أشار لمعاونه أن يضع بيديها الأصفاد. بالفعل جذب المعاون له يديها ووضع الأصفاد حولهم وأغلقها. شعرت سهيلة بفزع وانقباض في قلبها حين سمعت صوت إغلاق الأصفاد حول معصميها. بينما بمنزل أيمن

كل ذرة في جسده ترتعش وهو يغلق الهاتف الذي كاد يسقط منه أرضًا لو لم يتمسك به قبل أن يصل للأرض. استيقظت سحر أيضًا بسبب صوت رنين الهاتف ورأت فزع أيمن، انزع قلبه هي الأخرى وانتظرت غصبًا حتى أنهى المكالمة وسألت بترقب: "إيه يا أيمن، سمعتك بتكلم سهيلة وبتقول لها قسم إيه، إيه اللي حصلها؟ رد أيمن وهو يخرج ملابس له من الخزانة ويرتديها بسرعة: "معرفش لما سألتها قالت لي لما تيجي القسم هتعرف." هلع قلب سحر وقالت:

"هلبس وأجي معاك قلبي مش مطمن." رد أيمن بنهي: "لأ خليكي هنا، وأنا هبقى اتصل عليكي، يمكن أمر سهل، حد من المرضى هاجم عليها ولا حاجة، خليك." بصعوبة وافقت سحر، رغم شعورها السيئ. -بـ سرايا شعيب للتو وصل آصف إلى السرايا. كان السكون يعم المكان قبل أن يفاجئ بوالده ووالدته الإثنين يخرجان من غرفتهم يبدوان بملامح مترقبة ومرتعبة. تفاجئ هما أيضًا بمجيء آصف ونظرا له باستغراب، دون حديث وأكملا السير. استغرب آصف سائلًا:

"إيه ملامحكم شكلها مرعوبة هو أنا بخوف أوي كده." ردت شكران: "سامر... " توقفت للحظة تبتلع ريقها وأكملت: "اتصلوا على باباك وطلبوا منه يروح لهم القسم بسببه." لوهلة ظن أسعد أن ربما فعل سامر أمرًا تافهًا وتشاجر مع أحد وقال بتهجم: "متخافيش أوي كده، يمكن الأمر بسيط، خليكِ الجو بره برد وهيتعب صدرك، أنا هتصل أقولك إيه؟ وافقت شكران بصعوبة لكن طلبت من آصف الذهاب مع والده. امتثل آصف وذهب معه إلى مركز الشرطة.

-بعد قليل بمركز الشرطة بغرفة التحقيقات باستثناء من المحقق ترك سهيلة مع والدها لدقائق معدودة لم تتعد خمس دقائق ودلف إلى الغرفة قائلًا: "أنا عملت لحضرتك استثناء، بس بلاش تضرني، والأفضل إنك تجيب محامي للدكتورة، لأنها للأسف أول المتهمين في الجريمة، إن ماكنتش هي المتهمة الوحيدة."

بمضض خرج أيمن من تلك الغرفة شبه تائه بعدما سردت له سهيلة ما حدث معها باختصار، وعلم أنها متهمة بالقتل، ولن تعود معه للمنزل ستبقى الليلة بالحجز لحين استكمال التحقيقات. لحسن حظ أيمن أنه خرج من باب آخر للمركز لم يتقابل مع سيارة آصف الذي دخل من باب آخر ومعه أسعد توجها الاثنان إلى غرفة المحقق مباشرة. دلف آصف أولاً ثم خلفه أسعد الذي ترك الأمر لآصف وقام بتعريف والده قائلاً:

"سيادة النائب 'أسعد شعيب' وأنا 'آصف شعيب' مستشار أول بمحكمة جنايات أسيوط." صافح المحقق آصف ثم أسعد وسرد لهم ما حدث عن مقتل سامر. انصعق الاثنان ولم يصدقا في البداية، لكن ليست كذبة. رغم ذهول عقل آصف لكن قال بوعيد: "وعرفتوا مين اللي قتله؟ رد المحقق دون ذكر اسم:

"لغاية دلوقتي الأدلة اللي لقيناها في الأوضة مع القتيل هي المشرط اللي انذبح بيه تقريبًا وده اتحول للطب الجنائي لرفع البصمات، وكمان كان في دكتورة معاه في الأوضة، بس للأسف أوضة الكشف مفيش كاميرات مراقبة عليها مفيش غير كاميرا في الممر بعيد شوية ومعرفش هتجيب اللي دخل أو خرج من الأوضة في الميعاد ده أو لأ، غير كمان أمرت بتفريغ كاميرات المراقبة اللي على أبواب وممرات المستشفى كلها، والتحقيقات ما زالت مستمرة."

شعر أسعد فجأة كأن ساقيه تهدلت وجلس على أحد المقاعد يشعر كأنه هُرم فجأة. بينما آصف شعر بتوهان أكثر وتساءل: "فين جثة سامر." رد المحقق: "الجثة في مشرحة المستشفى، عشان تكملة بقية إجراءات التشريح." نظر آصف لأسعد ثم للمحقق قائلًا: "تمام أنا عاوز أشوف الجثة." نهض المحقق قائلًا: "حضرتك مستشار في الجنايات وعارف الإجراءات ممنوع قبل انتهاء الطب الشرعي وتقديم التقرير النهائي."

تعصب أسعد يشعر بنخر في قلبه ونهض واقفًا باستهجان قائلًا باستعلاء: "إيه اللي ممنوع، إنت بتقول ابني اتقتل وكمان عاوز تمنعني أشوفه إنت متعرفش أنا مين." حاول آصف التمسك بالهدوء رغم الحطام الذي يشعر به وقال: "إهدى يا بابا، الأفضل إنك ترجع للسرايا وأنا هعرف بقية اللي حصل من المحقق." تعصب أسعد وشعر كأن جسده اختل وقبل أن يسير ترنح. أسرع آصف بإسناده، وهو يكبت الحزن في قلبه. نظر للمحقق وقال له: "دقايق وراجعلك."

أومأ له المحقق برأسه. بينما ذهب آصف مع أسعد نحو السيارة، لا يعلم أي منهم يحاول دعم الآخر حتى لا يسقط أرضًا، فالمصاب أليم. فتح آصف السيارة لأسعد الذي دلف بها ونظر لآصف قائلًا: "خلينا نروح المستشفى، أنا بعلاقاتي هخليهم يفتحوا المشرحة." حاول آصف معه أن يعدل عن ذلك وينتظر سماح القانون الذي يدافع عنه، لكن رنين هاتف أسعد الذي لا يهدأ جعله يمتثل وذهب معه إلى المشفى. بعد قليل بغرفة المشرحة

فتح أحد العاملين لهم الغرفة. خِل هدأ.

دلف الاثنان إلى الغرفة جذب العامل أحد التوابيت. كانت لجثة مغطاة بملاءة بيضاء لكن عليها آثار دماء. لوهلة شعر أسعد بأمل وجذب الملاءة من فوق وجه سامر، لكن ضعف قلبه أكثر. إنها جثة هامدة لا روح فيها. لكن لفت انتباه آصف ذالك الضماد الملفوف حول عنق سامر الذي كان شبه مدمي. شعر كأن فجأة تحجر قلبه، ليس فقط قلبه بل الدمعة أيضًا تحجرت بعينيه التي أصبحت شبه دامية كأنها تنصهران. بينما أسعد لم يستطع الوقوف أكثر من ذلك، خرج يسير

بترنح يستند على حوائط الغرفة. بينما آصف ما زال متصنمًا أمام جثمان سامر، يتأمل ذالك الجرح العميق بعنقه يتساءل عقله من صاحب القلب الحاقد الذي فعل ذلك وسفك عنق إنسان. لام نفسه لما لم يسأل المحقق عن هوية من فعل ذلك، أو بالأصح من فعلت ذلك. المحقق ذكر أن المتهم طبيبة، بأي حق هي طبيبته.

خرج من الغرفة بغضب ساحق تاركًا الزمام لغضبه المهدور. سمع رنين هاتف أسعد الذي لا يهدأ. نظر الاثنان لبعضهما يعلمان هوية المتصل إنها "شكران". نظر أسعد لآصف بإنهمام قائلًا: "هرد عليها أقول لها إيه؟ رد آصف بتعسف وغضب: "قبل ما نرد عليها لازم أعرف مين الدكتورة اللي المحقق قال إنها المتهمة." بعد دقائق عاد آصف إلى مركز الشرطة ترجل من السيارة وترك أسعد المكلوم، ودلف إلى المركز مباشرة إلى غرفة المحقق وفتحها دون طرق على الباب،

وسأل المحقق مباشرة: "مين الدكتورة اللي قولت إنها المتهمة في قتل أخويا." فتح المحقق ملف أمامه وقرأ الاسم قائلًا: "اسم الدكتورة 'سهيلة أيمن الدسوقي الغتوري' وهي محجوزة هنا في الحجز على ذمة القضية." "مين!؟ " هكذا كان رد آصف بصدمة. كان الهول أفقد عقله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...