الفصل 4 | من 47 فصل

رواية عشق مهدور الفصل الرابع 4 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
28
كلمة
5,717
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

بعد مرور ثلاث أسابيع. بحوالى الحادية عشر صباحًا. بالبنك الزراعي بالبلدة.

كان هنالك لفيف من كبار شخصيات المحافظة يُرافق الوزير الذي جاء إلى البلدة من أجل افتتاح تجديد مقر البنك. كان من ضمن الحضور "أسعد شعيب"، أو بالأصح على رأسهم، فهو من ساهم بدعم وتجديد هذا المقر خدمةً منه لأهالي قريته، ظنًا منهم أنه رد جميل لهم على انتخابه نائبًا عنهم. فبوجود بنك خاص لهم بقريته الذي نشأ فيها، ما هو إلا دعاية وتسويق له. تجولوا بالمبنى، وبدأوا بدخول مكاتب الموظفين التي أصبحت تضاهي مكاتب البنوك الأساسية في الرقي.

لكن توقف أسعد للحظة حين دخل إلى أحد المكاتب. وقع بصره على تلك الفتاة التي نهضت واقفة حين دلف هو وغيره إلى المكتب الخاص بها مع زملائها. تبتسم، لكن هي الأخرى تركز بصرها على أسعد. سمعت عنه الكثير، كذلك رأته من بعيد، لكن لم تره عن قرب مثل هذه المرة. لأول مرة تتأمل ملامحه. رغم أنه كهل وتعدى عمره الستين بسنوات، لكن يبدو بعمر أصغر بكثير، شباب في نهاية الأربعينات. فقط شيب شعر رأسه هو الواضح من عمره، لكن حتى هذا يعطيه وقارًا.

اقترب أسعد منها ومد يده لها بالمصافحة سائلًا: "إنتِ من البلد هنا." ردت بذوق وصوت هادئ: "أيوه." لمعت عيناه ببسمة سائلًا: "إسمك إيه؟ ردت بتوضيح: "اسمي "هويدا أيمن الدسوقي الغتوري"."

تبسم لها، ثم انتبه إلى هؤلاء الضيوف، الذين تساءلوا عن سير العمل، كذلك استمعوا لبعض المقترحات. منها كانت عيناه مصبة بالنظر لها. لفت نظره أيضًا حنكتها في الرد على بعض الاستجوابات وكذلك المقترحات. حاول أن لا يلفت انتباه الآخرين له وخرج معهم من الغرفة، لكن قبل أن يغادر المكتب، رمقها بنظرة وإيماءة رأس مبتسمًا. ردها كان ابتسامة حاولت أن تُظهرها بسمة خجل مصحوبة بثقة.

بينما لفت ذلك نظر عادل الذي كان معهم بالمكتب. شعر بغيرة من ذلك المتصابي في نظره، لكن ضغط على زر التحكم لديه حتى لا يثير غضب ويصبح هو الخاسر. لكن بعد خروج تلك اللجنة من المكتب، اقترب من هويدا ونظر لهيامها بغضب قائلًا: "على فكرة اللجنة مشيت من المكتب، ومعتقدش إنهم هياخدوا بمقترحاتك العظيمة. بلاش تنسي إننا هنا في بنك زراعي وفي قرية، مش بنك استثماري في القاهرة." فاقت من هيامها بضجر من حديث عادل، ونظرت له بسخرية قائلة:

"عارفة إننا في بنك زراعي مش استثماري، وعادي أنا قدمت مقترحات مش أكتر. ناسي إن الوزير كان من ضمن اللجنة، يمكن يعرف إن في كفاءات مدفونة في بنوك صغيرة." تهكم عادل: "كفاءات، المقترحات اللي قولتيها دي مش من دماغك ولا تفكيرك، دي مقترحات أنا كنت بتكلم فيها معاكِ، بس مش مهم، لأني متأكد إنها ولا تفرق مع الوزير ولا غيره." تضايقت هويدا وتساءلت: "قصدك بمين غيره؟ رد عادل بسخرية واستهزاء:

"قصدي اللجنة اللي معاه وعلى رأسهم، نائب دائرتنا المحترم اللي مش بنشوف وشه غير في المناسبات الخاصة، وبمجرد ما طلع من باب المكتب نسى كل نظرة وبسمة كان بيجامل بيها عشان طبعًا بسمته دعاية له. خلاص فاضل سنة على الانتخابات ولازم يبدأ يخطط من دلوقتي للدعاية، يعني كل كلامه اللي قاله هنا كان ناعم وله غرض من وراه مش مدح لوجه الله." نظرت هويدا له بإستهجان وغضب، وقالت:

"كل اللي قولته أنا عارفاه، خلينا نكمل شغلنا، وبلاش ننم كتير." تهكم عادل قائلاً: "تمام، بس على فكرة أنا نسيت أقولك إن خلاص حجزت قاعة الفرح بنفس الميعاد اللي سبق واتكلمت فيه مع عم أيمن، بعد شهر." نظرت له هويدا بضجر وأومأت برأسها، ترسم أماني أخرى، مازال لديها وقت. *** في الجامعة.

على عكس ما كانت تفعل سابقًا، لم تكن تذهب للجامعة إلا لحضور المحاضرات العملية فقط. أصبحت تذهب للجامعة شبه يوميًا تبحث عن ذلك الوسيم "طاهر"، لكن كأنه طيف واختفى، لم يظهر بالجامعة مرة أخرى. زفرت نفسها بعد أن تجولت بالجامعة كلها بحثًا عنه، لم تره. شعرت ببعض الإرهاق. خرجت من الجامعة، شعرت بسوء مضاعف من سوء الطقس البارد المصحوب برياح رملية. لم تستطع تحمل دخول بعض ذرات الغبار بعينيها، توجهت إلى ذلك الكافيه القريب من الجامعة. دلفت وجلست خلف إحدى الطاولات وطلبت من النادل مشروبًا ساخنًا.

بعد دقائق عاد لها النادل بالمشروب ووضعه أمامها، وابتعد قليلاً. لكن تبسم وقال بترحيب بصوت شبه عالٍ: "تيتو، جيت في وقتك، الواي فاي بتاع الكافيه مش شغال، يظهر الراوتر باظ، كمان في شاشتين من شاشات العرض شكلهم كده محتاجين صيانة." لفت انتباهها صوت النادل والتفت برأسها تنظر إليه. كان طاهر يعطيها ظهره للحظات قبل أن يرد على النادل:

"تمام، متقلقش جايب معايا شنطة العدة أهي خدها خليها عندك هنا وهات لي كوباية قهوة تفوقني عشان عندي سكشن عملي بعد ربع ساعة هيخلص عالساعة واحدة وأرجع لك نعمل كشف على الراوتر والشاشات كلها." أومأ له النادل وأخذ منه تلك الحقيبة قائلاً: "تمام، دقيقة راجع لك بالقهوة بس بلاش تنسى تجي بعد السكشن في ماتش مهم الليلة ومش عاوز زباين الكافيه تطفش." تبسم تيتو قائلاً:

"لاء متقلقش مش هنسى، وبعدين شنطة العدة هنا، يعني راجع لك، أخلص بس السكشن رغم إنه ملوش لازمة بس لازم أثبت حضور عشان درجات العملي." تبسم له النادل وبعد دقيقة عاد له كوب بلاستيكي، أخذه من يده وغادر، تصحبه نظرات تلك الجالسة.

بعد أن انتقلت من مكانها إلى مكان آخر بنفس الكافيه، لكن بطاولة خلف واجهة زجاجية تطل على الشارع مباشرةً، تنتظر أن ترى قدوم طاهر مرة أخرى. تنظر بين الحين والآخر إلى ساعة هاتفها تشعر أن الوقت لا يمر. كادت تسأم من الانتظار. كذلك شعرت بإمتلاء معدتها من كثرة تلك المشروبات التي تناولتها كي تبرر جلوسها وحدها بالكافيه لكل هذا الوقت. تشعر بخجل من طول الانتظار، كذلك ترتبك من نظرات النادل كلما أتى لها بمشروب، ربما تخشى أن يسألها إن كانت تنتظر أحدًا.

لكن زفرت نفسها براحة حين رأت سير طاهر بالشارع قريب من الكافيه. لكن شعرت بغصة حين دلف إلى الكافيه ورأته يتجاذب الحديث مع فتاة تسير معه إلى أن جلست خلف إحدى الطاولات. بينما ذهب طاهر إلى ذلك النادل وقف قليلاً معه ثم عاد إلى تلك الفتاة مبتسمًا، قال لها شيئًا ثم تركها.

تأملت النظر جيدًا إلى تلك الفتاة. بنظرها هي عادية، حقًا ترتدي زيًا ملائمًا لطالبة جامعية وحجاب يخفي شعرها. بينما رأت طاهر يقوم بفحص بعض الشاشات الخاصة بالكافيه، كذلك يتجاذب الحديث بمزح مع النادل. ولاحظت أيضًا أن تلك الطاولة التي كانت تجلس عليها الفتاة أتى آخرون من الجنسين وأصبحوا مجموعة. لكن عادت بنظرها إلى طاهر الذي شبه أنهى عمله، يبدو أن لديه خبرة في صيانة تلك الشاشات. نهض مبتسمًا، وذهب نحو طاولة زملائه وجلس معهم. كانت جلسة تألف وصداقة بريئة بين الزملاء دون مزاح سافر.

شاور عقلها عليها أن تنهض وتذهب إليهم تجلس معهم فقط من أجل لفت نظر طاهر، لكن نفضت ذلك الفضول. فبأي تبرير تجلس معهم، هي لا تعرف أحدًا منهم سوى طاهر وكان لقاء عابر. ربما حتى لا يتذكره. لكن هي مخطئة، هو الآخر رآها منذ أن دلف لأول مرة إلى الكافيه، وانشرح قلبه حين رآها حين عاد مرة أخرى. بداخله هو الآخر يود التعرف عليها عن قرب، لكن يمنعه أنه لا يريد أن يقال عليه فضولي.

طغت مشاعر كل منهما وانتهى اللقاء، دون أن يقتربا من بعض، لكن ترك هذا اللقاء أملًا أن يلتقيا مرة ثالثة عسى أن تقربهم من بعض. *** بمنزل أيمن. استيقظت سهيلة بفزع بسبب تلك الأصوات العالية، كذلك بعض الصرخات. أزاحت عنها دثار الفراش ونهضت مسرعة تخرج من الغرفة. رأت والدتها تضع وشاحًا ثقيلًا على كتفيها تساءلت باستفسار: "في إيه يا ماما إيه الصريخ ده." تنهدت سحر بضجر وأجابتها:

"ده من عند الجيران، إنتِ عارفة إن الراجل المفتري مش بيبطل ضرب ولا خناق مع مراته." زفرت سهيلة نفسها: "هو الراجل ده مش هيعقل أبدًا ويحس إنه بقى جد والمفروض يحترم مراته حتى قدام نسوان عيالها، ليه بيقلل بقيمتها وبقيمته هو كمان." تهكمت هويدا التي دلفت إلى المنزل بلا مبالاة وقالت:

"بلا وكسة عياله نفسهم كده مع نسوانهم، بنفس قلة الاحترام، راحة فين يا ماما، بلاش تروحي تسلكي بينهم، بلاش الراجل ده يقولك كلمة ملهاش لازمة، هما هيعملوا الشبطة والأزعرينا دي شوية وهيهدوا ولا كأن حاجة حصلت، هما ناس بهايم غاوين فضايح." نظرت لها سحر بتفكير ثم قالت: "حرام الست بتصرخ، مرة ثانية، أنا رايحة أبعده عنها، وأنتم كملوا تجهيز الغدا زمان أيمن راجع."

تهكمت هويدا ولم تبالي، دلفت إلى الغرفة أبدلت ثيابها ولم تفعل شيئًا، بينما سهيلة هي من أكملت تجهيز الطعام. بعد العصر. أزاحت هويدا الدثار عن رأسها وقالت بضجر: "أوف مش عارفة أنام بسبب الشمس اللي جاية من البلكونة، اقفلي شيش البلكونة." ردت سهيلة التي تجلس على الفراش الآخر تقوم بقراءة بعض المراجع وتدون بعض الملخصات على حاسوبها ذي الإمكانيات البسيطة:

"فين الشمس اللي بتقولي عليها دي، الجو النهاردة هوا ورياح، ربنا يستر متمطرش غير لما أرجع من النبطشية...

ولو قفلت شيش البلكونة هشغل نور الكهربا بتاع الأوضة إنتِ شايفة، إني بنقل ملخصات من المراجع عشان الدراسات العليا، والمراجع دي في منها أنا جايباها استعارة من مكتبة الجامعة ومن بعض الدكاترة زمايلي، ولازم أرجعها لهم في أقرب وقت، إنتِ عارفة تمن المرجع الواحد من دول كام، أكتر من مرتب شهرين كاملين، معلش استحملي كلها ساعتين وهروح المستشفى." ضجرت هويدا وقالت بزهق:

"يعني عشان حضرتك تاخدي الدراسات العليا تزعجيني أنا ليل ونهار، ليلة امبارح بسبب إنك سهرانة طول الليل ونور الأوضة والع معرفتش أنام، وصحيت بدري الصبح عشان أروح شغلي وإنتِ نمتي براحتك لحد بعد الضهر، وطبعًا ميهمكيش راحة غيرك المهم طبعًا راحة نفسك." شعرت سهيلة بالأسى من ضجر هويدا منها، نهضت من فوق الفراش وحملت ذلك الحاسوب وتلك المراجع وقالت لها:

"لاء يهمني راحتك إنتِ كمان، أنا هطلع أكمل في أوضة السفرة وإقفلي شيش البلكونة وارتاحي، حتى بالليل مش هزعجك هبقى نبطشية سهر يعني مش هرجع غير بكرة الصبح." تهكمت هويدا على سهيلة وهي تخرج من الغرفة ونهضت تغلق الشرفة، كذلك أغلقت باب الغرفة خلفها وقالت باستخفاف:

"دراسات عليا وبعدها دكتوراه مفكرة نفسها مهما وصلت هتعجب "آصف شعيب" اللي عندي يقين إنها بتحاول تتلاعب بيه ويمكن كمان بتستدرجه، وعاملة فيها الملاك اللي مش بتحب الغلط." *** بينما خرجت سهيلة من الغرفة وتوجهت إلى غرفة السفرة، وضعت الكتب كذلك الحاسوب على المنضدة، ثم قالت: "الجو ساقعة أروح أعمل لي كوباية شاي أدفى بيها وأهو أركز شوية عشان أنجز وأرجع المراجع دي لمكتبة الجامعة في الميعاد اللي قلت عليه."

بالفعل بعد قليل عادت لغرفة السفرة، بدأت تتفحص تلك المراجع. إلى أن دلفت سحر إلى غرفة السفرة تشعر بضيق من هويدا وقالت لـ سهيلة: "مش بتذاكري ليه في الأوضة جوه دفء عن هنا، وكمان تمددي جسمك شوية عالسرير بدل ما إنتِ محنية كده عالسفرة." تبسمت سهيلة وقالت: "لاء هنا أفضل من الأوضة، لما بمدد عالسرير، بحس صحيح بالدفء بس ببقى عايزة أنام، هنا ببقى مصحصحَة."

وضعت سحر يدها تمسد على كتف سهيلة بحنان، تعلم أنها تبرر كذبًا حتى لا تضجر من أفعال هويدا وتبسمت لها قائلة: "ربنا يوفقك يا رب." تبسمت سهيلة لها قائلة: "ادعي لي يا ماما أنا داخلة على موال طويل، السنين اللي فاتت كانت سهلة، الدراسات العليا والماجستير والدكتوراه موالهم طويل." تبسمت لها سحر بحنان قائلة: "ربنا يسهل لك كل عسير، هروح أدفى لك كوباية لبن وأجببهالك تشربيها تدفيكِ." تنهدت سهيلة قائلة:

"لاء اللبن ممكن ينيمني، قهوة أو نسكافيه من بتاع الواد تيتو أبو رغوة تلاتة في واحد." تبسمت سحر وقالت لها: "تمام هعملك نسكافيه."

تبسمت سهيلة وعادت تنظر إلى تلك المراجع. إلى أن فجأة دق رنين هاتفها. للحظة تلهفت وجذبته، لكن خاب أملها حين رأت هوية المتصل. كانت إحدى زميلاتها بالمشفى. قامت بالرد عليها، ثم وضعت الهاتف على المنضدة جوار الحاسوب وزفرت نفسها بعمق، تشعر بشعور سيء في قلبها. آصف منذ تلك الليلة التي أتى بها إلى هنا وهو لم يعد يهاتفها مثلما كان يفعل سابقًا، حتى إن هاتفته هي يكون رده مختصر. ذمت نفسها تشعر بغصة في قلبها كذلك بعض الندم، ربما أحتدت عليه كثيرًا تلك الليلة، لكن هو من أخطأ، ماذا ظنت أن تفعل حين تفاجئ به في منزلها وغرفة نومها.

تذكرت ما حدث تلك الليلة. [فلاش باك]

دلف آصف إلى تلك الغرفة. تبسم ونظر إلى الغرفة. لم يكن دخوله الأول إلى منزل والد سهيلة، سبق وآتى لهنا لاصطحاب سامر من هنا مرة واحدة كان يذاكر مع سهيلة بأيام امتحانات الثانوية العامة وتأخر الوقت، وشكت والدته يومها أنه تعمد السهر، أو ربما لم يذهب إلى سهيلة كما قال. وقتها استقبله والد سهيلة الذي كان يسهر جوارهما، حتى أنه كان يساعدهم بالمراجعة. الليلة ثانِ مرة يدخل للمنزل، وبالأخص لتلك الغرفة التي تبدو غرفة سهيلة بسبب ألوان الغرفة كذلك فرش الفراش، تبدو غرفة فتيات.

توجه نحو باب الغرفة الذي يفتح على بقية المنزل. وضع يده فوق مقبض الباب وكاد يفتحه. لكن قبل أن يفتح الباب سمع صوت عطس سهيلة أكثر من مرة. انتظر دخولها للغرفة يترقب رد فعلها حين تراه. بينما من خلال مدخل المنزل الآخر دلفت سهيلة،

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...