بعد مرور يومين.
خرجت يارا من السرايا بلا هدف. أخذتها قدماها إلى ذلك الكافيه القريب من الجامعة. تستغرب ذلك الشعور الذي تشعر به. رغم أن سامر نصف شقيق لها، كذلك لم يكن بينهما انسجام أخوة. فقط كانت بينهما محادثات عادية مثل رفقاء يتشاركون المنزل لبعض الوقت. بالنهاية هم أخوات نصف شقائق. ربما تشعر بزيادة مشاعر قليلة في شعورها نحو آصف وآيسر، لكن بداخل قلبها أكثر. اقترب حزنها كثيرًا على موته شابًا. عقلها يخبرها أن ربما هناك سبب آخر هو بشاعة
موته. كذلك حال والدته زوجة أبيها. لا تنكر معاملتها الحسنة لها. وبالأخص منذ أن جاءت للبقاء في كفر الشيخ من أجل استكمال دراستها الجامعية. لم تجد منها نفورًا، عكس والدتها. تشعر دائمًا أنها تبغض أخواتها، سواء البنتان اللتان كانتا من زواج أبيها الأول. وأكثر بغضًا ناحية أبناء "شكران". لأول مرة تشعر بهذا الشعور المحزن والصعب بداخلها. لا تعلم لما أرادت أن تخرج من السرايا اليوم. تود الخروج من تلك الحالة التي تسيطر عليها. أو
ربما لسبب آخر بداخلها أمنية، علها ترى طاهر حتى من بعيد دون حديث بينهما.
جلست خلف إحدى الطاولات القريبة من رؤية المارة بالشارع. طلبت من النادل قدحًا من القهوة دون سكر. عيناها تنظر إلى الشارع من خلف نظارتها الشمسية التي تخفي عينيها الحزينة. حتى أتى لها النادل بقدح القهوة. انتظرت لدقائق حتى هدأت سخونتها. جذبت القدح وبدأت ترتشف منه بروية بعدم استطعام حتى انتهت منه. ظلت جالسة لوقت حتى شعرت بالملل من رتابة الانتظار. كذلك رأت بعض زخات المطر الغزيرة خارج الكافيه. كادت تنهض لولا أن رأت طاهر. يهرول للدخول إلى الكافيه هو وبعض زملائه احتماءً من المطر.
بينما هي نهضت. بداخلها رغبة تود السير أسفل ذلك المطر. ربما يغسل عن كاهلها ذلك الشعور السيئ. توجهت نحو مكان الخروج من الكافيه. بنفس اللحظة كان يقف طاهر قريبًا من ذلك المكان ورآها. وكادت تخرج. بتلقائية منه مد يده وأمسك معصمها قائلًا: "المطرة شديدة قوي بره." توقفت اللحظات وسادت النظرات بين الاثنين لثوانٍ قبل أن يسمعا صوت سرج الشتاء. أفاق طاهر وترك معصمها متأسفًا: "آسف إني مسكت إيدك بدون ما أقصد."
نظرت نحو معصمها. شعرت برعشة تسير بجسدها. لا تعلم سببها. أهو ذلك الهواء البارد الذي يسود الطقس؟ أم ازدادت البرودة في جسدها بسبب إقصاء يده عنها. لكن أومأت رأسها بامتثال وابتسامة خرجت مغصوبة منها. بينما هو شعر بأنه أخطأ وتسرع بمسك يدها. كان من السهل تحذيرها شفويًا فقط دون ذلك. لكن لا يعلم لما تلهف وفعل ذلك. كذلك شعر بغصة من ملامحها التي تبدو حزينة. كذلك ود رؤية عينيها اللتين تختفيان خلف تلك النظارة القاتمة. بِخفوت
أجلت صوتها: "شكرًا، فعلًا المطرة شديدة. ولو خرجت ممكن آخد برد. بس إنت كمان هدومك مبلولة." خلع ذلك المعطف الجلدي الذي كان يعلو ثيابه قائلًا: "لأ، المطر على الجاكيت بس." تبسمت له. عيناها تتمعن لكن انشغلت من أسفل تلك النظارة التي تخفي نظرات عينيه عنه. بينما هو الآخر يود التمعن بالنظر لها لكن يشعر باستحياء وقبل ذلك استحرام. تبسم لها قائلًا: "بلاش الوقفة دي هنا. الجو عاصف. ادخلي لجوه الكافيه دفا عن هنا."
لا تعلم أهي جرأة منها، أو تلقائية حين قالت: "تمام. خلينا ندخل نقعد على أي طاولة نشرب نسكافيه أو أي مشروب دافي." تبسم لها بموافقة قائلًا: "تمام... بس أنا اللي عازمك." أومأت له بابتسامة قائلة: "تمام." ذهب الاثنان وجلسا خلف إحدى الطاولات. أشار طاهر للنادل الذي أتى مبتسمًا ودون ما طلبه الاثنان. وضع طاهر معطفه على مقعد ثالث بالطاولة. نظر إلى صمت يارا. أراد أن يتحدث معها وسألها يفتح معها حوارًا:
"آه، صلحتي موبايلك في المركز اللي كتبت لك اسمه." ردت ببساطة: "لأ، معرفتش أوصل للمكان. بس اشتريت موبايل جديد. بس مش نفس الماركة. ولا حتى نفس إمكانيات الموبايل ده. بس أهو بيقضي والسلام." تبسم لها قائلًا: "غريبة. العنوان بتاع مركز التصليح ده مشهور هنا في كفر الشيخ. واضح إنك مش من هنا عشان كده يمكن معرفتيش توصلي لمكانه." ردت يارا: "فعلًا. أنا عايشة في القاهرة. أنا هنا بس عشان الجامعة. جواب التنسيق جابني هنا."
ابتسم طاهر قائلًا: "مالها كفر الشيخ دي؟ مميزة جدًا." ابتسمت يارا قائلة: "فعلًا. كمان دي تعتبر بلدي لأن بابا كمان من هنا من كفر الشيخ." ابتسم طاهر وكاد يسألها عنه، لكن بنفس اللحظة صدح رنين هاتفها. فصمت. بينما هي استأذنت منه وفتحت حقيبة يدها. أخرجت هاتفها. نظرت للشاشة ثم لطاهر وقامت بإغلاق الهاتف دون رد. لم يهتم طاهر لذلك. بينما هي عاودت النظر خارج الكافيه، ثم قالت: "المطرة باين هديت." نظر طاهر نحو الشارع وقال:
"واضح كده فعلًا." ما زالت تود البقاء معه، لكن نهضت قائلة: "كويس، حتى عشان ألحق سكشن العملي قبل الدكتور ما يدخل المعمل ويقول كلام مش لطيف." نهض هو الآخر. لكن نظر لها بعتاب حين أخرجت نقودًا من حقيبتها وكادت تضعها أسفل القدح الخاص بها. أمسك يدها مرة أخرى بنُهى قائلًا: "سبق وقولت إني عازمك عالنسكافيه." نظرت له بابتسامة وقالت: "تمام، بس المرة الجاية أنا اللي هعزمك."
أومأ لها بموافقة وترك يدها. وأخرج مالًا من جيبه ووضعه على الطاولة وأشار لها بالسير أمامه. سارت أمامه. لكن توقفت للحظة ونظرت له قائلة: "على فكرة إحنا متعرفناش على بعض. أنا 'يارا أسعد... كادت أن تُكمل بقية اسمها، لكن لا تعلم لما توقفت عن ذلك. ربما ظنت أنه يعرف اسم والدها، فهو صاحب سطوة كبيرة في المحافظة. أرادت أن يتعرف عليها هي فقط. تبسم طاهر قائلًا: "وأنا 'طاهر أيمن'."
تبسمت له. سار الاثنان وخرجا من الكافيه. كان ما زال هناك رذاذ خفيف للمطر. تبسم طاهر لها قائلًا: "واضح إن العاصفة لسه مهديتش والمطر مستمر. بس على خفيف."
تبسمت له. بداخلها شعور غريب، أو كأنها تأثرت بمشهد رومانسي رأته بأحد الأفلام. عاشقان يسيران أسفل زخات المطر يمسكان بأيديهما. بالفعل تحقق ذلك باختلافات بسيطة. أنها لا تمسك بيده. حتى أنها سرحت بخيالها ولم تنتبه إلى تلك الحفرة الضحلة التي كادت تتعثر بها. لولا أن أمسك طاهر يدها وجذبها بعيدًا عنها قائلًا: "مش تخلي بالك وإنتِ ماشية. أكيد النظارة معتمة مش شايفة منها."
قال طاهر هذا بدافع داخله أن تخلع تلك النظارة وينظر إلى عينيها. لكن هي وضعت سبابتها على النظارة وعدلتها حول عينيها. لا تود أن يرى عينيها الذابلة بسبب الحزن، أو تفضحها نظرات عينيها له أنها معجبة به. ترك يدها حين ابتعدت عن تلك الحفرة وسارت بجواره إلى أن دخلا إلى الحرم الجامعي. توقف فجأة حين اقتربت منه إحدى زميلاته تبتسم له. تبسم هو الآخر لها ثم وقف يتحدث معها بود، كأن المطر لا يهطل فوق رأسيهما. شعرت بغيرة. لكن استأذنت وتركتهم. رغم أنها تبتعد عنهم، لكن كانت تراقبهما خلال انعكاسهما بنظارتها الشمسية. إلى أن دلفت إلى المعمل الخاص بالمحاضرة. جلست تزفر نفسها تشعر بغضب. لكن سرعان ما تنهدت بابتسامة طفيفة.
بينما طاهر ظل يتبعها إلى أن غابت عن عينيه داخل المعمل. زفر نفسه بابتسامة يشعر بسعادة. لمجرد أن بقى معها ذلك الوقت القليل. سعادة ربما ساهمت في إزاحة ذلك الحزن الذي يتملك قلبه بسبب قضية أخته. *** بالسرايا. قبل قليل.
دخلت شهيرة من غرفة شكران تشعر بانتشاء في قلبها من رؤيتها لشكران بهذا المنظر "بائسة". هي تستحق ذلك. تعلم أنها هي من تزوجها أسعد عليها. لكن لديها يقين أن تلك المكانة الخاصة التي لديها لدى أسعد هي أنها أم أبنائه الذكور. لو كانت أنجبت له ذكرًا لكان سهل عليها أن تسيطر عليه أكثر. لكن لسوء قدرها أنجبت فتاتين. وبعد الفتاة الثانية تعرضت لمرض أضطرت بسببه استئصال الرحم دون علم أسعد. حتى لا يراها ناقصة ويبحث عن أخرى غيرها. وادعت
اكتفاءها بإنجاب البنتين. تربطان بينهم. تحملت كثيرًا أنها زوجة ثانية. هي من اختارت البقاء بالمكوث بالقاهرة. بحجة أن لديها عملها الخاص بعروض الأزياء. كان سهل متابعة ذلك من أي مكان. لكن ودت أن تكون بعيدًا عن شكران حتى لا تشعر بأن هناك أخرى تمتلك قيمة أكثر منها لدى زوجها. كذلك تتلاعب على اشتياق أسعد لها. هي تعلم أن شكران بسبب مرضها المزمن، قد تقصر ببعض المشاعر الرجولية الذي يحتاجها. لولا هؤلاء الفتية ربما كانت استحوذت
على أسعد وحدها. ها هو واحدًا منهم قد فارق الحياة. ليت الاثنان الآخران يلحقان به بأقرب وقت. وقتها هي من ستضع يديها على كل ما يملكه أسعد. بغض النظر عن ابنتيه من زوجته الأولى. لكن حتى هاتان لديها لهن حل. لو أعطت لهن الطفيف سيرضيان به. فهو يضع لكل منهن مبالغ طائلة باسمهن بالبنوك. كذلك كتب لهن قطع أرض بأسمائهن. يكفيهن هذا. هي فقط وابنتيها لم يكتب لهن شيئ. فقط مبالغ مالية لا تحسب. يكفي لقد تحملت كثيرًا.
وهجت عينيها بنظرة تشفي وتمني. سرعان ما أخفتها بنظرة تصعب حين دلف أسعد إلى الغرفة. مثلت أنها كانت تبكي وهي تجفف عينيها بمحرمة ورقية. نظر أسعد نحو الفراش وشعر بآسف على تلك الراقده غافية بفعل بعض الأدوية. تنهدت شهيرة بادعاء الآسف قائلة: "صعبة عليا. ربنا يصبر قلبها. هو كده الفراق صعب في أوله. وده ابنها وموته صعبة علينا كلنا. ما بالك هي قلب أم غير مرضها كمان." تنهد أسعد يشعر بآسف هو الآخر. ثم نظر إلى شهيرة سائلًا
باستخبار: "إنتِ لابسة كده ليه؟ رايحة فين؟ ازدردت شهيرة ريقها وأجابته: "أنا مسافرة القاهرة. 'رامز' أخويا اتصل عليا وبيقولي فيه مشكلة في الأتيليه ومش عارف يحلها. هسافر القاهرة أحلها وهرجع آخر النهار تاني." نظر لها أسعد سائلًا: "وأيه هي المشكلة دي بقى اللي مايعرفش يحلها؟ ردت شهيرة بتفسير:
"كان فيه زبونة مهمة اختارت مجموعة فساتين من الديفليه اللي كنت عاملاه آخر مرة. وهو غلط وحط لها مجموعة تانية. وهي زبونة مهمة للأتيليه. ولازم أنا أحاول أصلح الغلط ده معاها عشان مخسرهاش. دي من أهم زباين الأتيليه. وهو من غير ما يسألني اداها معاد النهارده بعد الضهر. هروح ومش هغيب. يادوب هراضيـها. ومسافة السكة، يعني المسا هكون هنا."
نظر أسعد لشهيرة. بداخله شعر بغصة. يعلم أن شهيرة بالتأكيد ملّت من البقاء هنا. لكن تنهد باستسلام قائلًا: "تمام. بلاش ترجعي في نفس اليوم. كده كده فيه هنا اللي يراعي شكران. وكمان آصف وآيسر هنا. وكثر خيرك الأيام اللي فاتت كنتِ معانا." وضعت شهيرة يديها حول خصر أسعد ورفعت وجهها تنظر له ومثلت الحزن قائلة بعتاب:
"أنا مش غريبة يا أسعد. المرحوم سامر يبقى أخو بناتي. وكان له مكانة خاصة عندي. ربنا يعلم حزنت عليه قد إيه. وكمان زعلانة أوي على حالة شكران. هي صحيح ضرتي وبتشاركني فيك بس ربنا العالم حزينة على حالها قد إيه وقلبي متقطع عليها. لو كان رامز كلمني قبل ما يحدد مع الزبونة الميعاد كنت قلت له أجله الفترة دي. أو حتى خد منها المجموعة وأما أرجع أبقى أتفاوض معاها. بس هو قالها إني أنا اللي هقابلها في الأتيليه. ومن الذوق والصدق إني أقابلها بنفسي زي ما قال لها."
استسلم أسعد قائلًا: "تمام... بس لو الوقت اتأخر بلاش ترجعي في الضلمة. باتي هناك في القاهرة وابقي تعالي بكرة." أومأت شهيرة برأسها وهي تسحب معه أسعد للخروج من الغرفة قائلة: "شكران نايمة. بلاش تزعجها. اتمشى معايا لحد مكان العربية." توقف الاثنان أمام سيارة تقف بالحديقة. نظر أسعد للسيارة سائلًا: "فين السواق؟ ردت شهيرة: "راح يوصل يارا للجامعة." أخرج أسعد هاتفه وكاد يهاتف سائقًا آخر. لكن وضعت شهيرة يدها على الهاتف قائلة:
"هكلم مين؟ رد أسعد: "هكلم أي سواق تاني يجي يوصلك للقاهرة." ردت شهيرة: "لأ، مالوش لازمة. إنت عارف إني بعرف أسوق عربيات كويس ومعايا رخصة قيادة. كمان مش أول مرة أجي للبلد وعارفة الطريق. كمان العربية فيها GPS هيوجهني عالطريق بسهولة." كاد أسعد أن يرفض ذلك. لكن هي أصرت. استسلم لها قائلًا: "تمام، بس زي ما قولتلك لو اتأخرتي باتي في الفيلا."
أومأت شهيرة برأسها وتوجهت نحو باب السيارة وفتحتها وصعدت إلى داخلها. ثم فتحت زجاج الشباك وأشارت له بيدها. وقامت بتشغيل السيارة وغادرت. تتنهد بارتياح بعد أن خرجت من باب السرايا. قادتها تشعر كأنها كانت حبيسة وتحررت. لكن فجأة توقفت بالسيارة حين رأت أمامها أكثر من تشعبة للطريق. احتارت أي طريق تسلك حتى يوصلها إلى الطريق الرئيسي للبلدة الذي يوصلها ببداية الطريق السريع. زفرت نفسها بغضب وهي تنظر نحو جهاز الخريطة الخاص بالسيارة. لم يعطها إشارة لأي طريق.
زفرت بغضب قائلة: "حتى GPS مش شغال هنا. مفيش قدامي غير إني أسأل أي حد ماشي عالطريق." عاودت السير بالسيارة إلى أن رأت شابًا يسير على جانب الطريق. فتحت زجاج باب السيارة ونظرت على الطريق. توقفت حين رأت وأشارت له قائلة: "لو سمحت... من فضلك." نظر لها الشاب ثم ذهب نحوها. سألته: "لو سمحت أنا مش من البلد هنا ومش عارفة آخد أي طريق قدامي يوصلني للطريق السريع."
وقف للحظة مأخوذ من تلك المرأة التي تبدو راقية. كذلك خصلات شعرها التي تدلت وتطايرت بسبب هواء الطقس السيئ من أسفل وشاح رأسها الذي انزاح للخلف. للحظة صمت. لكن أجابها حين عاودت سؤاله ودلها على بداية الطريق. شكرته ثم عادت تقود السيارة نحو الطريق الذي وصفه لها غير مبالية. بينما هو ظل مكانه متصنمًا للحظات ينظر في أثر السيارة التي بدأت تبتعد عن مرأى عينيه. تنهد بحسرة قائلًا:
"عربية زي دي كفيلة بحل كل مشاكلك يا عادل. وتقدر وقتها تحل نفسك من الارتباط بـ هويدا. اللي بتتحمل عجرفتها عشان مرتب ملاليم." *** بعد الظهر. بمنزل أيمن. نفضت سحر بقايا ذلك الطعام الذي شبه لم يأكل أحد. بنفس الوقت صدح رنين جرس باب المنزل. ذهب رحيم وفتح الباب للطارق. ثم عاد بصحبته. نظر أيمن ورسم بسمة خافتة قائلًا: "أهلًا يا عمتي. الدار نورت." ردت أسيميه: "الدار هتنور لما ترجع سهيلة قريب يارب." تبسم أيمن بغصة.
بينما قال رحيم: "أكيد سهيلة هترجع يا تيتا. تعرفي عيل رزل زميلي النهاردة بيقولي أختك هتكمل بقية حياتها في السجن. كنت هضربه. وقولت له سهيلة قلبها أبيض وبكرة هتطلع وترجع للدار. وأنا هبقى ظابط وهدافع عنها." تبسمت سحر بدمعة وهي تربت على شعره. كذلك قالت أسيميه: "أيوه يا حبيبي. أي حد يتكلم على سهيلة بسوء ربنا ينتقم منه." تهكمت هويدا قائلة:
"البلد كلها بتتكلم عنها يا تيتا. أنا بقيت أنكسف أبص في وش زمايلي في البنك. نظراتهم كلها اتهام. كأني أنا اللي قتلت مش هي." نظرت لها أسيميه بغضب قائلة: "سهيلة مش مجرمة وتبقى أختك. واللي يسمعك يقول مصدقة إنها تقتل. مع أن المفروض إنتِ اللي تدافعي عنها." تهكمت هويدا قائلة: "أدافع عنها؟ طب أقول إيه. أنا نفسي مش فاهمة إيه اللي حصل لعقل سهيلة. طب لو هي بريئة ليه الأدلة بتقول عكس ده." نظرت لها أسيميه بغضب وقالت:
"حتى لو مش واثقة في براءتها. هي أختك والمفروض ما كنتيش تقولي كده." نظرت هويدا لها باستهزاء. بينما نظر أيمن وسحر لبعضهما يشعران بآسف من رد هويدا. لكن دلف إلى الغرفة طاهر. بعد أن ألقى عليهم السلام. أخرج من جيبه مبلغ مالي ووجهه ناحية أيمن قائلًا: "بابا أنا كنت عامل جمعية مع أصحابي في الجامعة. كنت هشتري لاب توب جديد. بس اللي عندي حالته كويسة ويستحمل. خد الفلوس دي وخلي المحامي حتى يطلع سهيلة بكفالة لحد براءتها ما تظهر."
تبسمت أسيميه ووضعت يدها على كتف طاهر بمحبة. ثم نظرت لهويدا التي شعرت بخزي. لكن لم تهتم بنظرات أسيميه لها. بغضت نظرات أسيميه لها. تعلم دائمًا أنها تبادلها نفس الشعور. لكن لم تهتم إلا لذلك المال الذي وضعه طاهر فوق فخذ والده. كادت تقول له يكفيك غباءًا. احتفظ بمالك قد ينفعك مستقبلًا. *** ليلًا. بسرايا شعيب. بغرفة شكران، على ضوء شبه خافت.
كان آصف يجلس على أحد المقاعد بالغرفة. يغمض عينيه. سمع هذيان شكران وهي نائمة، كذلك همسها كأنها تنتحب. نهض من مكانه وذهب نحو الفراش. نظر لوجه شكران. رأى لمعة تلك الدمعة التي سالت من عينيها على وجنتيها. تنهد ببؤس. حتى وهي غائبة عن الوعي تبكي. انشطر قلبه. رؤية والدته هكذا هزيلة وطريحة الفراش نائمة معظم الوقت بسبب الأدوية. رغم ذلك تشعر بالآسف.
توجه ناحية باب الغرفة وخرج بهدوء. توجه إلى شرفة كبيرة قريبة من غرفة والدته. وفتح بابها. وتقدم للأمام يتنفس ذلك الهواء البارد يلفح وجهه. يشعر أنه مثل الشرد. أخرج علبة سجائره والولاعة. أشعل واحدة وزفر دخانها ينظر إلى ذلك الضباب الذي أمامه يخفي أثر المكان. يشعر أنه بداخله معتم مثل هذا الضباب. تذكر قبل يومين أنه كان قرر
الذهاب إلى سهيلة وسؤالها: هل فعلت ذلك. لكن توقفت أمامه سيارته الخادمة وأخبرته أن والدته سقطت مغشيًا عليها وهي تجلس بين النساء اللاتي أتين للعزاء. نسي أمر الذهاب لسهيلة. أو بمعنى أصح أرجأ ذلك لحين يطمئن على صحة والدته التي تم نقلها إلى إحدى المستشفيات. وظل مرافق معها إلى صباح اليوم حين أصرت على الخروج من المستشفى. غصبًا وافقها. لكن لابد من مواجهة بينه وبين سهيلة. قرر لن يكون هناك تأجيل. بالغد سيذهب لها.
ذمه عقله: اذهب لها لكن احذر، قد يلين قلبك أمامها. تهكم على حاله: أي قلب يلين وهو يرى كل ذلك البؤس حوله. أخرجه من دوامة أفكاره شعوره بمعطف وضع على كتفيه. كذلك يد تربت عليه قائلًا: "آصف. إيه اللي موقفك في التراس كده وكمان فاتح الباب؟ الجو برد جدًا." استدار ينظر لصاحب الصوت، قائلًا: "بابا. إيه اللي صحاك دلوقتي." بآسف رد أسعد: "مين اللي قالك إني كنت نايم. تعالي ندخل لجوه الجو برد. ممكن تاخد لطشة هوا في صدرك."
امتثل آصف لوالده ودخل معه إلى داخل السرايا وأغلق باب الشرفة. جلس الاثنان معًا. تحدث آصف بسؤال: "بابا. إنت بتحب ماما؟ استغرب أسعد من السؤال وتساءل: "قصدك إيه؟ مش فاهم. أكيد بحبها. وإلا ماكنتش عشت معاها الفترة دي كلها." رد آصف بتفسير: "مش قصدي حب العشرة اللي بينكم. قصدي حبيتها كـ حبيبة. إنت فاهم قصدي." تنهد أسعد قائلًا: "مش عارف قصدك. بس أكيد حبيتها واتفاهمنا وولفنا مع بعض." تهكم آصف وفجأة بقوله:
"طب طالما حبيتها ليه اتجوزت عليها طنط شهيرة." ارتبك أسعد وأجابه بهدوء: "كل شيء نصيب." ردد آصف نفس الجملة: "كل شيء نصيب. زي ما اتجوزت ماما وإنت على ذمتك زوجة أولى. كمان رحت اتجوزت عليها زوجة تالتة." استغرب أسعد حديث آصف وقال بتوضيح وتبرير:
"أنا لما اتجوزت من شكران مراتي الأولانية كانت مريضة. والدكاترة قرروا أنها أصبحت في مراحل مرضها الأخيرة ومبقتش تقدر تديني حقي كزوج. وإنت فاهم أنا أقصد إيه. وأنا كنت شاب وقتها ودورت على اللي ناقصني في الحلال." تهكم آصف قائلًا: "في الحلال! طب ولما اتجوزت من الليدي شهيرة كانت ماما ناقصها إيه." زفر أسعد نفسه ببداية غضب قائلًا:
"مكنش ناقصها حاجة. بس سبق وقولت ده النصيب. وأنا ما أثرتش في حق شكران. وعدلت بشرع ربنا. يمكن كمان كتير بميز مامّتك عن شهيرة." تهكم آصف وكاد يتحدث ويسأله بأي شيء ميزها. لكن صدح رنين هاتف أسعد جعله يصمت حتى انتهى من الرد على الهاتف قائلًا: "تمام يا شهيرة. باتي عندك مش مشكلة. تصبحي على خير." أغلق أسعد الهاتف ونهض واقفًا يقول:
"أنا حاسس بصداع هيفرتك راسي. هروح آخد منوم يمكن يعمل مفعول وأقدر أنام. كل ده بسبب المجرمة اللي قتلت أخوك بدم بارد. بس أنا مش هسيبها قبل ما آخد حق سامر منها مضاعف. هخليها تتمنى إنها كانت تموت قبله." للحظة ارتجف قلب آصف وكاد يبوح له أن تلك هي من يهواها قلبه. لكن حاول الهدوء قائلًا: "سيب لي أنا الموضوع. أنا هتصرف فيه."
أومأ له أسعد بموافقة وتركه وغادر. ظل آصف جالسًا. يزفر سيجارة خلف أخرى وأفكار تتداول برأسه حتى تنهد بعين تنضح بقسوة هامسًا: "سهيلة". *** على الجانب الآخر بزنزانة مظلمة. كانت سهيلة جالسة على فراش شبه بالٍ تدفن وجهها بين ساقيها تبكي تشعر بضياع. يعود لذاكراتها تلك الزيارة الصباحية لوالدها حين أخبرها أنه ذهب للقاء آصف لكنه رفض مقابلته. شعرت بآسف وبؤس. هل صدق آصف أنها قتلت حقًا وتخلى عنها؟
كان الجواب سهلًا: أجل صدق ذلك. والدليل رفضه مقابلة والدها. لم يعد هناك طوق آخر لديها. كانت تتمنى أن يكون آصف هو ذلك الطوق حين تخبره أنها بريئة ويصدقها. ولكن انتهى ذلك. وعليها أخذ القرار الذي في مصلحتها كما طلب منها المحامي. فطول الوقت ليس في مصلحتها. تنهدت بندم وآسف تهمس: "آصف". *** صباح اليوم التالي. بمركز الشرطة.
دَلفت سهيلة إلى غرفة وكيل النيابة. نظرت إلى ذلك المحامي الذي يجلس معه. أومأت رأسها له. كذلك فعل المحامي. بينما نظر وكيل النيابة إلى ذلك العسكري وأمره قائلًا: "فُك الكلابشات." فعل ذلك ثم غادر. بينما نظر وكيل النيابة لها قائلًا: "المحامي بتاع حضرتك بيقول إن عندك أقوال جديدة عاوزة تدلي بيها. أتمنى تكون في مصلحة القضية." توترت سهيلة للحظة. لكن نظرة المحامي لها جعلتها تومئ برأسها بموافقة. تحدث الوكيل لها قائلًا:
"تمام. اتفضلي اقعدي عشان أسمع أقوالك الجديدة." جلست سهيلة بمقعد مقابل للمحامي صامتة حتى سألها وكيل النيابة: "وأيه هي أقوالك الجديدة؟ ازدردت سهيلة ريقها الجاف وقالت: "بصراحة أنا ما قتلتش سامر." قالت هذا وتوقفت للحظات حتى حثها وكيل النيابة على مواصلة أقوالها قائلًا: "سبق وقولتي كده. وتقرير الطب الشرعي أكد بصماتك إنتِ والقتيل عالمشرط." ابتلعت سهيلة ريقها وحاولت الثبات قائلة:
"أقصد يعني إن اللي حصل كان دفاع عن النفس. وبالغلط المشرط وصل لرقبة سامر." استغرب الوكيل سائلًا: "قصدك إيه؟ ردت سهيلة بعد معاناة مع ضميرها. لكن إيماءة المحامي لها وقوله: "دكتورة سهيلة، يا ريت توضحي لوكيل النيابة اللي حصل بالضبط." حثها بتردد منها تفوهت بتسرع: "أنا كنت بدافع عن شرفي." *** بنفس الوقت بـ سرايا شعيب.
دلف آصف إلى غرفة والدته كي يطمئن عليها قبل أن يخرج من السرايا. وجدها تجلس على الفراش مستيقظة. لكن صامتة فقط تسيل دموعها. من يراها يشعر بالآسف. زفر نفسه بغضب. لكن بنفس الوقت دلف أسعد إلى الغرفة. بمجرد أن رأته شكران بكت أكثر. غص قلب آصف من ذلك وكاد يجلس بجوارها يواسيها لولا أن صدح رنين هاتفه. نظر إلى شاشته. سرعان ما خفق قلبه. قام بالرد يسمع حديث الآخر له حتى انتهى.
بعصبية مفرطة أغلق الهاتف. يديه تكاد تكسر الهاتف من الغضب. تساءل أسعد: "مين اللي كان بيتصل عليك." نظر آصف إلى والده باستهجان قائلًا: "زي ما توقعت. القضية هتتحول لدفاع عن النفس. المجرمة غيرت أقوالها وقالت إن سامر حاول يعتدي عليها. وقتلها له كان دفاع عن شرفها. دلوقتي ممكن تخرج من السجن إخلاء سبيل على ذمة القضية. وتتحاكم وهي خارج السجن ومش بعيد تاخد براءة أو حتى أقصى حكم سجن مع إيقاف التنفيذ." وقف أسعد بغضب قائلًا:
"مستحيل ده يحصل. مش هسيبها تنفد بدون عقاب. لو وصلت هبعت لها اللي يقتلوها قبل ما تطلع من السجن. أو ليه يقتلوها؟ يبقى رحمتها. أنا هخليهم يغتصبوها وتقتل هي نفسها خوف من نظرات الناس ليها زي ما هي بتدعي على المرحوم بالكذب."
بينما آصف رغم تأجج النيران بقلبه، وهو يرى دموع ونحيب والدته. لكن بلحظة أتت له فكرة يستطيع بها أخذ القصاص ويثأر ليس فقط لأخيه المغدور بل أيضًا للعدالة الضائعة خلف أكاذيب وافتراء تلك المجرمة. ونظر لوالده بغضب يسحق قلبه دون رد. وحسم قراره. لم يبق داعٍ للمواجهة مع سهيلة. هي من حسمت مصيرها معه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!