وحشتيني! سمعتها وهي تلتفت خلفها تنظر له. سُرعان ما شعرت بانشراح في قلبها، وبخطوات سريعة كانت تقطع تلك المسافة القليلة بينهم. وقفت أمامه تلتقط نفسها، تهمس اسمه بشوق: "آصف، كنت متأكدة...
قطعت بقية حديثها حين استدار وأعطى لها ظهره، يسير يبتعد عنها بالسير بين أشجار تلك الحديقة. استغربت ذلك، لكن سارت خلفه. لكن فجأة شعرت كأن أغصان تلك الأشجار تمدد بعروشها أمامها، وكلما حاولت إزاحتها عن طريقها جرحت يديها بأشواكها الحادة. توقفت تشعر بأن تلك الأشواك أصبحت تغزو جسدها، ودماءها أصبحت تسيل فوق تلك الأشواك. نظرت أمامها، حاولت الاستنجاد بـ آصف، نطقت اسمه بصعوبة. توقف للحظة واستدار ينظر لها، لكن فجأة خافت من عينيه اللتين نظر لها بهما. شعرت كأنهما فرحان بما أصابها من جروح بسبب تلك الأشواك.
نهضت مفزوعة تنظر حولها. كانت المكان شبه مظلم، ضوء يكاد يكون مُعدم بالزنزانة. ظلت لدقيقة غير مستوعبة ذلك الحلم. لكن كان تفسيره واضحًا. رفض آصف لمقابلة والداها ليس لها تفسير آخر غير أنه صدق أنها ليست بريئة وتخلى عنها. سالت دموع عينيها، تشعر أن قلبها هو من يئن ويبكي بألم. تذكرت حديث وكيل النيابة لها وهو يسألها صباحًا: "كيف قتلته؟
" أجابته أنها لم تدري بشيء بعد أن تلقت تلك الضربة على رأسها، وحين عادت للوعي وجدت سامر ينزف من عنقه. حاولت إنقاذه. لكن كانت الصدمة الكبرى لها حين قرر وكيل النيابة إعادة تمثيل الجريمة بنفس المكان بالمشفى بالغد. شرد عقلها، ماذا ستمثل؟ تنهدت بأسى، تشعر بضياع. فجأة انقلبت حياتها دون سبب. والسؤال الأسوأ التي تخشى إجابته: هل من الممكن أن يكون كل ما تعيشه كابوسًا، أو ربما أنها تشاهد فيلمًا لبطلة غيرها مقهورة؟
لكن الجواب كان صعبًا. هي بطلة تلك القصة التي دلفت لها بقدميها. ليتها تجاهلت كل ما سمعته وتركت سامر لشأنه طالما أنه بعيدًا عنها. نظرت حولها، ازدادت دموعها، حين أدركت أن الليل ما زال بأوله، وما أطول ليالي الشتاء أمام بؤس قلبها. ***
على طاولة سفرة العشاء. ترأس الطاولة آصف، وعلى أحد جانبيه جلس آسعد، وجواره آيسر. وعلى الناحية الأخرى كانت تجلس كل من يارا الشاردة، وجوارها شهيرة التي كانت عينيها مُنصبة على آصف العابس الذي يعبث بالملعقة في الطبق الذي أمامه، يبدو شارد الفكر. تعمدت الحديث عن قصد منها،
تمثل الأسى والحزن: "الحاجة شُكران الله يكون في عونها. لما ببص لها قلبي بيتقطع عليها. مش عارفة المجرمة اللي قتلت سامر دي معندهاش قلب، إزاي خانت العشرة، ونسيت عطف الحاجة شُكران عليها." رفع آصف وجهه عن الطبق ونظر لشهيرة بعبوس قائلًا باستفسار: "وعرفتِ منين إن ماما كانت بتعطف عليها؟ ارتبكت شهيرة وأجابته: "أنا سمعت بعض النسوان اللي جم للعزا وهما بيتكلموا إن سهيلة، مش اسمها سهيلة برضه." أومأ آسعد رأسه بنعم.
بينما استطردت شهيرة الحديث تود إثارة غضب آصف: "سمعتهم بيقولوا إنهم كانوا بيشوفوها تيجي للسرايا كتير، كمان كان ليها مكانة خاصة عند الحاجة شُكران، بس هو فيه نوعية كده بتبقى خسيسة وتنكر المعروف." شعر آصف بالغضب ورمقها بحنق قائلًا
بسخط: "مكنتش أعرف إن الليدي شهيرة بتسمع لنم النسوان اللي المفروض إنهم جايين يعزوا مش يتهامسوا على مين يستاهل أو مين خان المعروف، وماما مكنتش بتعطف على سهيلة من الأساس، بلاش تصدقي همس الحريم الفارغ." تفاجأت شهيرة من رد آصف الذي شبه دافع عن تلك المجرمة، لكن لم تستسلم وقالت بإيحاء: "اللي يسمعك يقول بدافع عن المجرمة اللي بسببها فقدنا سامر غير زيادة مرض الحاجة شُكران."
نظر لها آصف بتهكم وصمت لدقيقة، ثم نهض من على مقعده دون رد. بينما استغرب آسعد ذلك سائلًا آصف: "رايح فين؟ مش هتتعشى." نظر آصف لشهيرة بامتعاض ثم قال ببرود: "شبعت، هطلع الجنينة أشرب سيجارة." رغم شعور شهيرة ببغض آصف لها، لكن تشعر بداخلها بانشراح ليس غريب عليها. بينما نهض آيسر هو الآخر متحججًا: "أنا كمان شبعت، هطلع أطمن على ماما وبعدها هنام. من بكرة هرجع أستأنف شغلي في الطيران، تصبحوا على خير."
شعرت شهيرة بالحقد سواء على آصف كذلك آيسر. نظرت نحو يارا التي تبدو شاردة وتهكمت عليها قائلة: "وإنتِ مش عندك محاضرات في الجامعة بكرة." نهضت يارا كأن شهيرة أعطتها حجة للنهوض هي الأخرى وقالت: "فعلاً، عندي بكرة سيكشن عملي وكمان امتحانات نص السنة قربت، هطلع أنام. تصبحوا على خير."
شعرت شهيرة بالضجر من رد فعل يارا ونظرت لآسعد الذي يظهر على ملامحه هو الآخر الحزن الشديد. شعرت بامتعاض من ذلك، لكن أكملت عشاءها تحاول جذب آسعد للحديث معها رغم عدم رغبتها بالطعام. ***
بينما خرج آصف إلى حديقة السرايا، شعر بنسمة هواء باردة اخترقت جسده. زفر نفسه بسخونة تخرج من قلبه عكس تلك البرودة. توقف للحظات ثم نظر نحو إحدى تلك الغرف الموجودة بالحديقة، ذهب نحوها مباشرة. قام بفتحها ودخل إليها. نظر إلى تلك الأجهزة الرياضية الموجودة بالغرفة، شعر بغضب يزداد في قلبه. خلع عنه سترته الثقيلة وخلفها باقي ثيابه، ظل فقط بسروال حول خصره، وتوجه ناحية ذلك الكيس الرملي المعلق. جذب قفازين للملاكمة وضعهما بيديه، ثم
بدأ بلكم ذلك الكيس الرملي، لكمات تزداد عنفوان وقوة مع الوقت، يشعر برغبة أقوى للتنفيس عن مكنون قلبه الغاضب. ظل لوقت يلكم الكيس الرملي حتى شعر ببوادر إرهاق. ترك اللكم وجلس على أحد المقاعد بالغرفة، يلهث يتصبب العرق بكامل جسده وبغزارة أقوى فوق جبهته يسيل على عينيه اللتين تحجرتا. ربما يود البكاء على ذلك الشعور القاسي في قلبه يهدأ، لكن مقلتيه كأنهن أصبحن من صخر. أغمض عينيه يعتصر ذلك العرق الذي وصل لأهدابه.
جالت أمامه عيناه صورة سهيلة وآخر لقاء بينهم. تذكر حديثها. للحظة شعر كأن هذا اللقاء كان مثل "لقاء الوداع" بينهم. تذكر بقية حديثها الحاد معها ذلك اليوم. [فلاشــــ/باك] ألقت سهيلة تلك الفتاتيت من العيش على طول يديها فوق مياه البحيرة. تبسمت على صراع تلك الطيور التي تهبط للمياه تلتقط تلك الفتاتيت. تهكم آصف على تلك الطيور قائلًا: "مش عارف بيتخانقوا على إيه دي فتاتيت عيش؟ عادت
سهيلة بنظرها له وقالت له: "بالنسبة لك فتاتيت عيش، بس بالنسبة للطيور دي مش حاجة ضئيلة دي كنز هتسد جوعهم لحد بكرة. بعدين مجاوبتش على سؤالي." نهض يقف جوارها، وضع يده فوق يدها الموضوعة على صاري بالمركب قائلًا بإدعاء التذكر: "سؤال إيه مش فاكر؟ نظرت له سهيلة بضيق وسحبت يدها من أسفل يده وضيقت عينيها تعلم أنه يتخابث عليها وقالت بتكرار: "مع إني متأكدة انت فاكر كويس أوي سؤالي بس مفيش مانع أسأله تاني...
ليه اخترت تبقى قاضي في المحكمة؟
في البداية شعر آصف بضيق من سحبها يدها، لكن نظر لها ببسمة عيناه تنضح عشقًا لها مجاوبًا: "بس أنا جاوبتك وقولت لك إن مكنش قدامي غير التدريس في الجامعة، وده مكنش من أهدافي، أنا مش بحب التدريس، كان المتاح قدامي آخد سلك القضاء، وده كمان الأفضل ليا، بغض النظر عن التنقلات في أماكن كتير، بسبب طبيعة وظيفة القاضي، ده غير مشا مشاكلها، آخرها إني كنت معرض للإغتيال والدليل قدامك أهو إيدي المرفوعة على صدري في قلب حامل طبي."
نظرت له وفكرت قليلًا، ثم قالت: "بس معتقدش ده السبب الوحيد إنك اخترت تبقى قاضي، عندي يقين في سبب تاني." أزاح آصف يده التي كانت على الصاري، ومدها ناحية وجهها كي يقوم بإزاحة طرف وشاح رأسها الذي تطاير بسبب هواء البحر يُخفي وجهها قائلًا بمغزى: "يمكن التواصل العاطفي بينا خلاكِ تفهميني أكتر من نفسي." تراجعت بوجهها للخلف بعيدًا عن يده ورفعت طرف وشاح
رأسها عن وجهها وقالت له: "مغرور، بس هقولك سبب اختيارك للقضاء السبب هو 'السلطة'. انت بتحب السلطة يا آصف، بتحب يكون لك أمر واجب النفاذ على غيرك." ضحك آصف وهو يعود للجلوس، بينما استطردت سهيلة الحديث بتوضيح: "بس في رأيي انت اخترت الطريق الأصعب، يا سيادة القاضي، الحكم على الناس مش سهل زي ما أنت فاكر." تبسم آصف قائلًا: "وأيه الصعب، أنا بحكم بالأدلة والبراهين والمعطيات اللي قدامي."
تسألت سهيلة: "كل ده مش عملية حسابية مضمون نتيجتها، وفين روح القانون؟ أوقات الأدلة والبراهين والمعطيات مش بيبقوا كفاية عشان تحكم بيهم. سمعت مرة جدتي 'آسمية' بتقول مثل شعبي (كذب مساوي أحسن من صدق منعفش) ضحك آصف قائلًا: "مش فاهم معنى المثل ده إيه، وأيه دخله في القضاء."
فسرت سهيلة له المثل: "يعني أوقات الكذاب بيعرف يسبك كذبة كويس يخلي اللي قدامه يصدقه وهو مقتنع أنه صادق، والصادق لأنه على نياته معرفش يبقى يسبك كلامه كويس فيبان أنه مهزوز أو مش صادق... أوقات بنشوف حقائق بشكل غلط، حاذر يا آصف تتعمي عينيك عن الحقيقة وغشاوة الكذب تخدعك."
ضحك آصف قائلًا: "لأه اطمني أنا منتبه كويس، وبمناسبة إنك قولتي، عـ الأمر النافذ اللي أنا بحبه، أمتى هتوافقي إني أتقدملك ونتجوز وتبقى ليا ومعايا طول الوقت ومتتحججيش إنك هتتأخري، أو تبعدي عني؟ نظرت له بتفكير ثم قالت بهدوء: "بعد ما أخد الماستر، يعني قدامك سنة على الأقل تفكر فيها كويس يا سيادة المستشار." اندهش آصف قائلًا: "سنة بحالها؟
لأه أنا هستخدم سلطتي كـ قاضي وهصدر قرار ملزم التنفيذ إننا نتجوز في الإجازة القضائية في الصيف الجاي، وإبقى كملي الماستر وإنتِ مراتي." هزت رأسها بنفي. تبسم لها قائلًا بتحدي: "هتشوفي قبل السنة ما تخلص هتكوني حرم سيادة المستشار 'آصف شعيب'." تهكمت سهيلة بمرح وكررت كلمة آصف باستهزاء: "حرم... الكلمة دي قديمة أوي بقت أولد فاشون، بتتقال للناس العواجيز." تبسم لها آصف قائلًا: "طب بلاش حرم، أظن كلمة 'مدام' أفضل بكتير."
شعرت سهيلة بالخجل واحمرت وجنتيها وأخفضت وجهها بحياء. تبسم آصف على حيائها الذي فتنه وهام أكثر بها، ود لو كان معها وحدهم فقط فوق ذلك المركب، ربما وقتها كان قبلها وما اهتم برد فعلها بعد ذلك حتى لو صفعته على وجهه، لكن وجود المراكبي منعه من تحقيق أمنيته... أدار دفة الحديث لناحية أخرى يستمتع بالحديث معها سائلًا: "طب وإنتِ ليه اخترتي تبقي دكتورة أطفال."
جلست سهيلة قريبة من آصف وأجابته وهي تنظر ناحية مياه البحيرة، تشعر كأن ألم تلك الفترة عاد تشعر به يضرب بطنها. "أنا لما كنت صغيرة كنت بحب شغل الديكور، وكان نفسي أبقى مهندسة ديكور، بس في أولى ثانوي اتغيرت أمنيتي." استغرب آصف سائلًا: "وأيه سبب تغير أمنيتك من مهندسة لـ دكتورة أطفال بالذات." شعرت بألم وأجابته: "تعرف إني كمان كان نفسي أدرس طب نفسي جنب دراسة طب الأطفال."
تبسم آصف قائلًا: "فعلاً منكرش تنفعي دكتورة نفسية بتعرفي تحللي طبيعة الشخصيات، بس إيه السبب اللي خلاكِ تغيري أمنيتك." تنهدت سهيلة
تشعر بنغزة في قلبها قائلة: "لما كنت في أولى ثانوي كان جالي حالة تسمم بسبب جرعة دوا زيادة أو كانت علاج غلط من الأساس، وآثر عليا جامد وقتها، وكنت تقريبًا بموت بس كان فيه دكتور أطفال في المستشفى هو اللي عرف سبب سوء حالتي وقتها وهو اللي اتعامل مع حالتي لحد ما عديت مرحلة الخطر وشبه خفيت، بصراحة أنا وقتها عجبت بالدكتور ده جدًا، واتحولت أمنية حياتي من مهندسة ديكور لـ دكتورة أطفال عشان أبقى زميله له في يوم من الأيام وأقول له إني كنت ومازلت معجبة بيه وكنت....
قاطعها آصف يشعر بالغيرة قائلًا بحدة: "وكنتِ إيه كمان نفسك تتجوزيه." تبسمت سهيلة بإيماءة رأسها بمعنى -يا ريت. ود آصف لو صفعها لكن حاول التحكم في غضبه وغيرته سائلًا: "والدكتور ده فين دلوقتي." تنهدت سهيلة بأسى: "للأسف الدكتور توفى من سنتين يعني قبل ما أتخرج من كلية الطب، بس تعرف إن ابن الدكتور ده دلوقتي بقى دكتور نفسي معروف غير إنه أستاذ في الجامعة، وأعتقد إنه ممكن يكون من ضمن اللجنة اللي هتناقش معايا الماستر."
تنهد آصف بضجر قائلًا: "مش عارف ليه مستعجلة على الماستر إنتِ لسه صغيرة، يعني سامر زميلك ومش بيفكر في الماستر." ردت سهيلة: "على فكرة سامر أكبر مني بسنة هو عاد سنة في الإعدادي." تبسم آصف قائلًا: "فعلاً، بسبب وقت الامتحانات كان وقع من على سلم السرايا وكان عنده الناحية اليمين من جسمه كل ضلوعها مكسورة تقريبًا ومحضرش الامتحانات وعاد السنة، مع إن كان سهل يحضر وقتها الامتحانات بس ماما رفضت، وقالت مجتش من سنة تتعوض."
تهكمت سهيلة قائلة: "طنط الحاجة شُكران بدلعكم أوي، وممكن الدلع ده يفسد سامر متهيألي إنه محتاج شوية يعتمد على نفسه، ويختار طريقه، يحس إنه مسؤول عن حياته ويصلح من نفسه شوية قبل فوات الأوان، يجيب لكم مصيبة." استغرب آصف من حديث سهيلة وكاد يسألها، لكن المراكبي اقترب منهم قائلًا: "حمد الله على السلامة وصلنا الشط."
نهضت سهيلة واقفة وتوجهت نحو سلم المركب، سار خلفها يشعر بفضول أن تكمل بقية حديثها معه عن سامر، لكن انتهى آخر لقاء بينهم بعد أن أصرت كالعادة أن تعود للقرية وحدها، بينما هو تغافل ولم يضع الأمر برأسه إلا الآن. [عـــــــــــودة] ظل للحظات يفكر في معنى حديث سهيلة، لماذا لمحت بذلك، ماذا كانت تقصد؟ هل تحرش بها سامر حقًا؟ لا سامر كان يعتبرها زميلته فقط. رأى جلوسهم معًا سابقًا كان بحدود، إذن مستحيل. هكذا جاوبه عقله.
وضع أنامله حول جبهته يفركها بضيق يشعر بصداع يفتك برأسه يكاد عقله يشت. لما ادعت سهيلة بالكذب على سامر؟ لديه يقين أن سهيلة كذبت حين قالت أنه حاول الاعتداء عليها. ازدادت تحجر عينيه وتحجر معها قلبه يشعر أنه كتلة منصهرة تحرق فؤاده. ليتها قتلته هو وما كان عاش يشعر بكل هذا الألم الذي ينهش كيانه بالكامل. *** بإحدى غرف السرايا.
تمددت شهيرة فوق الفراش الناعم الوثير رغم ذلك تشعر بضجر تود العودة للقاهرة والبقاء هناك تشعر بحريتها عن البقاء هنا بين حوائط تلك السرايا القديمة، كذلك تبتعد عن ذلك البؤس والحزن المسيطر على السرايا ومن فيها. جذبت هاتفها تتصفح بعض الرسائل الخاصة المرسلة لها من أصدقائها، لكن رأت تلك الرسالة القديمة التي مازالت تحتفظ بها. فتحت الرسالة ورأت تلك الصور التي كانت مرسلة لها...
صور تجمع آصف مع تلك الفتاة المتهمة بقتل سامر. تبسمت بانشراح وهي ترى نظرات عين آصف لتلك الفتاة تبدو بوضوح نظرات عاشق. تنهدت بسعادة، آصف يعشق قاتلة أخيه. هو الآن مشتت بحرب ضارية بين حبيبة قلبه وبين أخيه الذي قتلته تلك الفتاة. هدر قلبه مع دماء أخيه، بالتأكيد يشعر بألم جم في قلبه، واضح على ملامحه وتصرفاته العصبية دائمًا.
ألقت شهيرة الهاتف على الفراش واتكأت بجسدها فوق الفراش تتمطى بحرية وراحة نفسية رغم ضجرها من البقاء هنا، لكن رؤيتها لآصف بهذا التشتت خفف من ذلك الضجر. انتبهت لصوت فتح باب الغرفة، نظرت باتجاهه رأت دخول آسعد الذي دلف وجلس على طرف الفراش يتنهد بألم. نهضت تجلس على رسغي قدميها خلف آسعد وضعت يديها فوق كتفيه تقوم بتدليكه بخفة قائلة: "اطمنت على الحاجة شُكران."
تنهد آسعد بأسى قائلًا: "أيوه آيسر طلع ينام، سبت معاها صفوانة هتفضل معاها بنفس الأوضة." رغم تلك البسمة التي فوق شفاه شهيرة ولم يراها أسعد، لكن ادعت الحديث بنبرة حزن: "ربنا يرف بقلبها مش سهلة عليها أنا لو مكانها كنت روحت السجن للمجرمة دي وقطعتها بأساني لأ وكمان المجرمة عشان تطلع نفسها من الجريمة بتدعي على المرحوم سامر أنه كان هيعتدي عليها." تعصب آسعد بشدة وانتفض جسده. شعرت شهيرة بانتفاضة جسد أسعد أسفل يديها،
تبسمت وازدادت في صب غضبه: "المفروض تتصرف مع البنت دي، كده ممكن تنفد من العقاب اللي تستحقه." تنهد آسعد قائلًا: "أنا فعلاً كنت هدخل وهعرف البنت دي قيمتها كويس، بس آصف قال لي هو اللي هيتولى أمر سير التحقيقات." تسألت شهيرة بفضول: "يعني إيه آصف هو اللي هيتابع سير التحقيقات، إنت اللي قلبك مكسور على موت ابنك، وآصف...
قاطع آسعد شهيرة قائلًا: "ناسيه آصف قاضي وأكيد عارف طريقة سير التحقيقات دي، وكمان مش عاوز ينتشر في البلد إني بفتري على البنت دي بسبب سلطتي كنائب مجلس الشعب، سايبها تجيب آخرها... لأني لو تدخلت في الأمر مش هيكفيني موتها." تهكمت شهيرة بين نفسها، آسعد ترك القضية لآصف "العاشق المتيم". ألم ينتبه أنها حين أتت بسيرتها بسوء أمامه دافع عنها، لكن لن تهتم، آصف يستحق ذلك العذاب الذي يعيشه، دم أخيه على يد حبيبته. ***
مع سطوع نهار جديد. في حوالي العاشرة صباحًا. بالمشفى التي كانت تعمل فيها سهيلة.
دَلفت بين اثنتين من العساكر بيديها أصفاد، حاولت إخفائها أسفل كم كنزتها، لكن حتى لو أخفتها، فكل عيون من بالمشفى تنظر لها تنهشها وبالتأكيد تنعتها بالقاتلة. كان الطريق من باب المشفى إلى تلك الغرفة التي قُتل فيها سامر بالعادة قصير، لكن الآن كان بالنسبة لها كأنه طريق طويل لا ينتهي. تسير وهي تشعر أن قدميها مثل الهلام، أعين زملائها بالمشفى سهام تخترق جسدها تدمي قلبها.
توقف العساكر حتى أتى من خلفهم وكيل النيابة وشخص آخر معه كاميرا مُعدة للتصوير، كذلك مدير المشفى ومعه المحامي الخاص بـ سهيلة. تحدث وكيل النيابة بهدوء: "دلوقتي هنعيد تمثيل الجريمة زي ما حصلت من البداية، ياريت بلاش تنسي أي تفصيلة حتى لو صغيرة." أومأت سهيلة رأسها تشعر كأن روحها تنسحب من جسدها. ظلت متصنمة مكانها، يعيد عقلها ما حدث بالغرفة قبل أيام. بينما نظر وكيل النيابة للعساكر آمرًا: "فُكوا الكلابشات من حوالين إيديها."
امتثل العساكر لذلك، بسبب توتر سهيلة ورعشة يديها أثناء فك الأصفاد ضغط العسكري على يديها ترك أثر لهما فوق معصميها. أشار لها وكيل النيابة قائلًا: "اتفضلي ابدئي إيه اللي حصل من بعد ما دخلتي الأوضة."
ظلت سهيلة متصنمة لبعض الوقت حتى أشار لها مرة أخرى، توجهت نحو باب الغرفة تسير بترنح تشعر أنها تفقد جزءًا من روحها بكل خطوة. قبل أن تصل إلى باب الغرفة تهاوت بجسدها أرضًا، تشعر بانسحاب عقلها الذي لم يعد يتحمل، تركت له الزمام يفقدها الوعي، وتمددت أرضًا مغشيًا عليها.
بتلقائية انحنى مدير المشفى يجث العرق النابض لها، تنهد براحة قائلًا: "واضح إن الدكتورة مقدرتش تتحمل إعادة تمثيل اللي حصل وأغمى عليها ولازم تتنقل لأوضة خاصة عشان نتعامل مع حالتها." أومأ له وكيل النيابة بموافقة.
بعد لحظات وضع اثنان من المسعفين جسد سهيلة فوق نقالة طبية خاصة وذهبا إلى إحدى غرف المشفى. تغافل الجميع عن رؤية آصف الذي كان بالمشفى ورأى جزءًا من ما حدث. شعر بانخلاع في قلبه وهو يرى سهيلة تبدو غائبة عن الوعي فوق تلك النقالة. سُرعان ما نهر نفسه على ذلك الشعور وغادر المشفى قبل أن يرق قلبه أكثر. *** بالبنك الزراعي.
لو غيرها لكانت تشعر بأسى على مستقبل أختها الوحيدة التي تواجه أزمة شبه أطاحت بمستقبلها، لكن هي هادئة كأنها لا تعنيها. اقترب عادل بمقعده من مقعد هويدا، وانتهز وقت فضاء العمل قائلًا: "أنا اتكلمت مع عمي أيمن امبارح وقالي إن النيابة أمرت بإعادة تمثيل الجريمة النهارده، متعرفيش إيه اللي حصل." ردت هويدا بلا مبالاة: "وأنا هعرف منين وأنا هنا في البنك من الصبح، والمثل بيقول يا خبر بفلوس." تفاجأ عادل بجواب هويدا البارد الجاحد.
لكن عاود الحديث يخبرها: "امبارح وأنا مع عمي أيمن اقترح عليا إننا نأجل زفافنا شوية على ما نشوف موضوع سهيلة هيوصل لأيه، وأنا وافقت مش معقول هـ... قاطعته هويدا بغضب: "إزاي تقرر توافق على تأجيل زفافنا بدون ما تقول لي، وبعدين إيه اللي مش معقول، على العموم مش مهم، طالما وافقت على تأجيل الزفاف مترجعش تضايق لما أنا كمان أطلب تغيير قاعة الفرح."
شعر عادل باستغراب من رد فعل هويدا، لو كانت أخرى هي من كانت طلبت منه ذلك، لكن هويدا لديها قلب جاحد. بينما هويدا بداخلها تشعر بانبساط من تأجيل زفافها، لكن مصحوب بضجر بسبب تأجيله من أجل تلك الحمقاء سهيلة. لو كان لسبب آخر ما كانت تضايقت بل كانت رحبت بالأمر. ***
بالمشفى أقر الأطباء أن سهيلة دخلت بحالة انهيار نفسي وأنهم أعطوها بعض الأدوية الخاصة بالتهدئة النفسية وبسبب أثرها الطبي ستظل نائمة لوقت، يتحتم بقاؤها بالمشفى الليلة من أجل متابعة حالتها. *** ليلًا. بـ سرايا شعيب.
انتصف الليل وهو ما زال ساهدًا كما بالليالي السابقة، لم يتذوق النوم سوى لأوقات قليلة خطفًا ثم يصحو وهو يشعر بسُهد. نهض من فوق فراشه قرر أن يأخذ حمامًا دافئًا عل هذا الشعور يزول عنه، لكن هيهات. وقف أسفل تلك المياه تتناثر المياه فوق جسده يشعر بحرارة تغزو جسده. أدار مؤشر درجة حرارة المياه من دافئه إلى بارده، لكن ارتجف جسده فقط للحظة سُرعان ما عاد نفس الشعور يُحركه قلبه الذي يود الاطمئنان على حال سهيلة. أغلق المياه وخرج
إلى الغرفة ترك الزمام لقلبه يتحكم به. ارتدى ثيابًا أخرى وخرج من السرايا متوجهًا إلى المشفى. دخل بخطوات ثابتة، لكن توقف بالممر حين رأى شرطي يقف أمام تلك الغرفة. تردد للحظات قبل أن يحسم الصراع قلبه، توجه نحو ذلك الشرطي، وأخرج هويته القضائية.
هويته القضائية تلك كانت كفيلة بجعل ذلك الشرطي الذي يقف حارسًا على باب الغرفة يسمح له بالدخول إلى الغرفة دون اعتراض بل ويفتح له بنفسه باب الغرفة. دلف إلى داخل الغرفة يشعر بغضب سُرعان ما تحول لوخزات قوية تضرب قلبه حين وقع بصره على تلك الراقده فوق الفراش ملامح وجهها الشاحبة، كذلك تبدو أنها فقدت القليل من وزنها بعدة أيام.
للحظات راف قلبه حين رأى يدها المغروز بها إبر طبية تتصل بأنابيب تغذي جسدها بمحلول طبي. انحنى قليلًا وكادت أنامله تلمس يدها، لكن سُرعان ما تحجرت عيناه وقلبه حين رأى آثار تلك الأصفاد حول يدها الأخرى. سُرعان ما استقام يضم أصابع يده يضغط عليها بقوة تكاد تنفر الدماء من أوردتها. نفض عن قلبه تلك الشفقة التي تملكت منه للحظات. ذمه عقله وصراع محتدم بأشد أوجهه بين مشاعر متناقضة بين العقل والقلب الذي ينزف قهرًا أمام حيرة العقل، وضميره كـ قاضٍ وقبل كل ذلك "حق الأخوة". هي كذبت وشوهت صورة أخيه المغدور.
أبعد عينيه عنها واستدار بجسده وكاد أن يغادر الغرفة لكن توقف قبل أن يصل لباب الغرفة للحظة حين سمع همس ضعيف من سهيلة كأنها تنطق اسمه برجاء: "آصف."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!