الفصل 26 | من 47 فصل

رواية عشق مهدور الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
18
كلمة
4,265
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

غص قلبه وثار عقله يتذكر أحد المواقف حين تقابل مع سامر وهو يدلف إلى السرايا وقال له: "الضهر أذن، تعالى نصلي جماعة في الجامع." تهرب منه قائلًا: "أنا كنت نبطشية وراجع مش شايف قدامي، روح صلي إنت، أنا لو قابلني السرير عالسلم هترمى عليه." هل ارتكب سامر إثم فقد الإيمان أيضًا؟

عقله سيشتت منه حقائق كانت غائبة، ظل كثيرًا إلى أن وصل لها. وضع الكتاب فوق الفراش وبحث ببقية محتويات الصندوق. كان هناك مذكرة أخرى صغيرة لونها أزرق. فتحها سريعًا، استغرب من أول صفحاتها كانت لحروف باللغة الإنجليزية. الحرف الأول من اسمه، وهناك حرف آخر. كلمات حب وغزل. تصفح باقي المذكرة كانت مفعمة بكلمات الغرام البسيطة. لكن قبل آخر صفحة سقطت صورة على الفراش. جذبها آصف، رآها بإندهاش. الصورة بها سامر وفتاة قريبان من بعضهما وخلفهما بحر يبتسمان. نظر خلف الصورة كان إهداءً خاصًا. خمن إذن تلك المذكرة كانت لفتاة هي من أرسلتها إلى سامر. لكن من تكون؟

ظل يبحث بين أغراض سامر إلى أن سحبته غفوة دون شعور منه. استيقظ على صوت أذان. فتح عينيه، استغرب كيف استسلم للنوم دون وعي. تمطى بيديه ينفض النوم عن عينيه، ثم نهض. وضع كل تلك الأغراض بالصندوق الكبير مرة أخرى، لكن ترك الصندوق الصغير بمحتوياته فوق الفراش. ثم وضع الصندوق الكبير مكانه مرة أخرى بالدولاب. حمل الصندوق الصغير وغادر الغرفة يشعر بأسى من تلك الاكتشافات. وضع الصندوق بالسيارة ثم غادر السرايا. يعلم إلى أين لابد أن يذهب أولًا.

بزغ نهار جديد بالقاهرة. أمام المقر الخاص بـ أسعد شعيب. ترجل آصف من السيارة حاملًا ذلك الصندوق المعدني. دلف مباشرة نحو مكتبه وفتحه دون استئذان. وأغلق خلفه باب المكتب بقوة. رفع أسعد رأسه ونظر نحو باب الغرفة رغم اقتحام آصف لمكتبه. كذالك نهض واقفًا يشعر بانشراح في قلبه. كاد يرحب به. لك لحظات قبل أن يقول آصف بحدة:

"طبعًا كنت عارف حقيقة سامر كاملة عشان كده كان نفسك سهيلة تموت في السجن عشان يموت معاها حقيقته اللي كنت خايف تتفضح." تحولت بسمة أسعد إلى زفرات نفس غاضبة قائلًا بهجوم واستقلال بـ آصف: "البت دي سحبت عقلك أكيد. إيه أنت مش رجعتها تاني تعيش معاك؟ ولا سايقة عليك الدلال ومطلعة عينيك؟ فيها إيه زيادة عن غيرها؟ ولا عاجبك ذلها فيك؟ بدل ما كنت إنت اللي... قاطعه آصف بغضب:

"بلاش تدخل سهيلة في الموضوع. سهيلة هي الوحيدة اللي اتظلمت في قتل سامر. مش عارف إنت إزاي 'أب' لما تبقى عارف إن ابنك بينحدر لطريق المعاصي وتسكت؟ ولا مش فاضي غير لملذاتك و... قاطعه أسعد بغضب قائلًا بمراوغة: "مين اللي قالك إني كنت عارف؟ تهكم آصف بحنق قائلًا: "كنت عارف يا أسعد باشا والدليل السم اللي اتحط لـ سهيلة وهي في السجن. كان كل هدفك تموت وبعدها القضية تنتهي. حتى لو دفعت بريئة التمن. بالنسبة لك مفيش أي تآنيب ضمير...

توقف آصف للحظات قبل أن يستطرد حديثه بندم: "أنا كنت عارف ومتأكد إنها بريئة. كان كل اللي عايزني منها هو ليه كذبت وغيرت أقوالها وشوهت سمعة سامر بعد موته. بس فقت من الغضب اللي إنت كنت بتشعلله في قلبي. متأخر بعد ما أذيتها. رغم إنها بكذبها جملت حقيقة سامر اللي إنت كنت على دراية بيها. ومحاولتش تبعده أو حتى تساعده إنه يفهم حقيقة نهاية الطريق القذر اللي ماشي فيه." هجوم آصف شعلل غضب أسعد الذي قال:

"مين قالك إني محاولتش أساعده. بس هو اللي... قاطعه آصف بتهجم واستهزاء: "حاولت. عملت إيه؟ هو اللي كان إيه؟ ازداد غضب أسعد قائلًا: "أنا بنفسي خدته لدكتور نفسي. ولو مش مصدقني مستعد أديك اسم ومكان الدكتور وروح اسأله. وليه بتلوم عليا لوحدي؟ ليه مش بتلوم مامتك؟ هي المفروض مسؤولة زيي بل وأكتر." عاود آصف قطع حديثه بتبرير:

"أمي مكنش ذنبها أنها ضعيفة قدام جوزها عشان بتحبه. بس هو قلبه حجر مش بيشوف غير ملذاته. بيقسم وقته بينها وبين زوجة تانية هي صاحبة الحظ الأوفر في الدلال والمنظرة الفارغة. أمي اللي متأكد إنك كنت سبب رئيسي في ضعفها لما خافت بعد ما اتجوزت عليها إنك ينشغل عقلك بالزوجة الملائمة لجناب عضو مجلس الشعب المنفتحة والأرستقراطية. هي دي الوجاهة اللي كانت ناقصة. أمي الفلاحة اللي كل حياتها بيتها وولادها. حتى ولادها كنت بتحرمها منهم في

البداية. أنا لما دخلتني مدرسة عسكرية وأنا عندي سبع سنين عشان المدرسة دي بتخرج رجالة. لكن لو فضلت جنبها دلعها هيفسدني. ونفس الشيء عملته مع آيسر بعدي. لكن سامر طبعًا كنت اتجوزت من شهيرة هانم. ومبقاش يهمك. سيبته جنبها أهو يشغلها في الأوقات اللي إنت بتكون فيها عند شهيرة. سامر كان فعلًا قلبه طيب ومحب. طول ما كان قريب من ماما وتحت جناحها. هي قالت لي كده. بس لما بعد عشان الجيش ورجع شخصيته اتغيرت كتير. حاولت تقرب منه. لكن

مرضها كان أوقات بيخليها تتهاون غصب عنها. لكن إنت مالكش أي عذر يا أسعد باشا. خد الصندوق ده. فيه اللي وصل ليه سامر وكان السبب المباشر في ذبحه."

وضع آصف ذلك الصندوق فوق مكتب أسعد وغادر دون حتى إلقاء نظرة. صفق خلفه باب المكتب. كانت مواجهة أخرى لـ أسعد الذي انشرح قلبه ظنًا أن آصف أتى كي ينهي الجفاء بينهم. الجفاء الذي ازداد بغضًا. حقيقة واجهها. لقد خسر آصف نهائيًا. اسودت الحقيقة أمامه والسبب في تلك الخسارة الفادحة والقاصمة لقلبه. هي سهيلة التي وشّت بحقيقة سامر. تذكر حين ذهب لها بالسجن وقتها أخبرته حقيقة سامر. تفاجئ وقتها وهددها أنه لا يصدقها. وأنها كاذبة. لو

كانت متأكدة من ذلك لقالته بالتحقيقات. لكن هي علمت أنها حتى لو قالت هذا لن ينفي عنها تهمة القتل العمد. بل ربما يؤكدها عليها. لكن كانت الحقيقة عكس ذلك. هي لو قالت ذلك ستفجع قلب شكران أكثر. شد أسعد شعر رأسه الشائب وجز أسنانه بغيظ. يتمنى لو سهيلة ماتت بالسجن. أو بتلك الليلة بين يدي آصف.

*** بشقة آصف. بغرفة المعيشة. دخلت صفوانة بصنية صغيرة عليها كوبان من مشروب دافئ. وضعتها فوق منضدة بالغرفة. ثم نظرت إلى آسمية الجالسة مع شكران يتسامران حول بعض الذكريات الخاصة بأهاليهن. قائلة: "عملتلكم اليانسون يا حاجة آسمية. عايزة مني حاجة تانية؟ قبل ما أنزل أشتري شوية أغراض محتاجينهم للمعاش." أومأت لها آسمية قائلة:

"لأ تسلم إيديك يا صفوانة. بس طالما نازلة استني دقيقة. هروح أجيب الروشتة اللي فيها دوا الضغط بتاعي. هاتيه معاكِ. كنت لسه هتصل على سهيلة أقولها تجيبه معاها." ذهبت آسمية إلى الغرفة. تبسمت صفوانة لـ شكران قائلة: "الحاجة آسمية بتاخد دوا الضغط. مش عارفة إنها الوحيدة اللي آصف مش بيعرف يتكلم كلمتين قدامها." ضحكت شكران قائلة:

"والله هو يستاهل اللي بتعمله فيه. بس برضو ابني وبيصعب عليا. كمان خلت للشقة طعم. كنت أنا وإنتِ طول الوقت في وش بعض. وآصف كان بيقضي معظم وقته في الشغل بين المحاكم والمكتب. أهو بقى بيرجع للشقة عشان يشوف سهيلة. بغض النظر عن مناوشاته هو والحاجة آسمية." عادت آسمية قائلة: "سامعة اسمي يارب يكون بالخير." تبسمت شكران قائلة: "بالخير طبعًا يا حاجة آسمية. إنتِ بركتنا." تبسمت لها آسمية قائلة:

"والله إنتِ كنتِ خسارة في عيلة شعيب من الأول. أمك الله يرحمها كانت دارها جنب دار أمي وكنا حبايب. لما عرفت إنك هتتجوزي من أسعد، قلت له حرام عليكم تظلموها وتتجوز على ضرة. دي تستاهل راجل طيب يحطها تاج فوق راسه. بس أقول إيه؟ هي الدنيا كده. حظ الطيبين قليل." شعرت شكران بغصة لكن تبسمت قائلة: "ربنا يسهل لـ أسعد. هو أبو ولادي برضه." لوت آسمية شفاها بامتعاض قائلة:

"ولادك مفيش فيهم غير آيسر. عسول ودمه خفيف وشفايفه دايماً مبتسمة. بس يا خسارة طاير في الهوا طول الوقت." تبسمت شكران وتنهدت تشعر بوخزات قوية. ما زال قلبها يئن لفراق سامر. ألا تعلم آسمية أنها حين ترى سهيلة تشعر كأن ألم فقدان سامر في قلبها يهدأ قليلاً؟ سهيلة تشبه الترياق لها. مثل آصف. *** بعد قليل عادت صفوانة. دلفت إلى غرفة المعيشة لكن هذه المرة وجهها كان مسؤمًا. ألقت عليهن السلام. لاحظت شكران ملامح وجهها سألتها:

"مالك يا صفوانة؟ كنتِ نازلة تشتري الأغراض مبتسمة." تنهدت صفوانة قائلة: "الست إكرام اللي ساكنة في الشقة اللي فوقينا. قابلت بنتها وأنا داخلة العمارة حالا. لقيت وشها مخطوف. ولما سألتها عنها قالتلي إنه تعب فجأة. وقعت من طولها ليلة امبارح. خدوه المستشفى اللي في أول الحي. وقالوا كان عندها شبه جلطة. بس ربنا لطف بيها ولحقوها. وهي هتفضل في المستشفى لحد ما صحتها تتحسن." شعرت شكران بآسى قائلة:

"لا حول ولا قوة إلا بالله. دي ست طيبة جدًا. من يوم ما جينا هنا وهى معانا زي الأهل وأكتر. هقوم أغير هدومي وأزورها في المستشفى." تنهدت آسمية بآسى قائلة: "لا حول ولا قوة إلا بالله. فعلًا دي ست طيبة أوي. بتفكرني بالفلاحين بتوع بلدنا. من يوم ما جيت لهنا وهى تقول لي بتفكريني بأمي. سهيلة لسه قدامها شوية على ما ترجع من المستشفى. خديني معاكم. زيارة المريض صدقة. كمان أمشي رجلي شوية من يوم ما جيت هنا مخرجتش من الشقة."

وافقتها كل من صفوانة وشكران. *** في الثانية ظهراً. بألمانيا.

ترجل آيسر من السيارة مبتسماً أمام ذلك المطعم. ثم دلف إليه يحمل باقة الزهور. جلس خلف طاولة خاصة. نظر إلى ساعة يده. ثم نظر نحو باب المطعم. جذب باقة الزهور ونهض واقفاً يبتسم لتلك الشقراء التي تخفي جمال عينيها خلف تلك النظارة الخاصة بحفظ النظر. هو علم من مدحت أن نظرها ليس ضعيفاً. هي تضع تلك النظارة فقط حفظ نظر. هو أكثر من يشعر بالغيرة إذا رأى أحد جمال عينيها الصافية. مد يده لها كي يصافحها. لكن هي أرادت باقة الزهور التي بيده الأخرى. رفعت يدها وصافحتها انتظاراً لنيل تلك الباقة. لكن راوغ آيسر بذلك عمداً. وذهب خلفها جذب لها مقعداً. جلست عليه وعيناها على باقة الازهار. لكن تجاهل آيسر نظر روميساء إلى باقة الزهور. وجلس هو الآخر بخبث قائلاً:

"جاية في ميعادك بالظبط." ما زالت عيناها على باقة الازهار لكن ردت عليه: "أنا اتعودت أوصل في معادي. ما بحب الشخص اللي ما بيحترم معاده مع الآخرين. ما بحب أضل انتظر حدا. لا حدا ينتظرني." تبسم آيسر قائلاً: "عكسي. أنا صحيح طيار، بس الوقت عندي ممكن غصب أتأخر في الوصول." نظرت روميساء إلى باقة الزهور قائلة: "لو غصب، أو في سبب قوي للتأخير ممكن أتنازل أقبل العذر. بس إنت اليوم وصلت قبل ما أنا أوصل في الميعاد."

نظر لها بغرام ولمح لها قائلاً: "لو بودي كنت جيت خدتك من قدام الشركة اللي بتشتغلي فيها. وقضيت معاكِ وقت أطول." شعرت روميساء بحياء وظلت صامتة. إلى أن تبسم آيسر الذي يراقب ملامحها عن كثب بعشق قائلاً بمرح وخبث منه وهو يرى نظرها لباقة الزهور: "خلينا في الغدا. تحبِ تتغدي إيه؟ لا تود الطعام، هي تود تلك الباقة. لن تنتظر أكثر، قائلة: "لمين بوكيه الورد اللي معاك هديه؟ نظر آيسر لباقة الزهور ثم لها. ومد يده بها نحوها قائلاً

بإطراء: "بوكيه الورد ده، لأجمل امرأة في العالم... ليكي." شعرت روميساء بنسمة لطيفة تتوغل لقلبها وأخذت باقة الزهور. قربتها من أنفها واستنشقت عبقها. تشعر بانشراح غريب في قلبها. حتى أن عقلها سألها: لماذا وافقت على عزيمة آيسر لها ولم ترفضها كما فعلت مع غيره سابقاً؟

كانت تضع لجاماً حول قلبها. لكن مع هذا المصري لا تعرف كيف يخترق محاذيرها ويجعلها هي الأخرى تسمح بذلك دون تفكير. حتى أنها أصبحت باقة تلك الزهور مثل الإدمان لها. حتى وهو غائب يرسلها لها. مع رسالة هاتفية منه قبلها. بعض الكلمات البسيطة. لكن أصبح لها مفعول خاص عليها. كذلك آيسر. ردها على تلك الرسائل البسيط. الذي بالكاد كلمتين شكر منها. لكن أصبح لابد من أخذ خطوة جدية. آن أوانها. *** أمام أحد المحاكم.

اقترب إبراهيم من آصف قائلاً: "كنت مفكر هنكسب القضية دي من أول جلسة. معرفش ليه طلبت من القاضي التأجيل. سبب وتناقشنا في القضية." نفث آصف دخان سيجاره قائلاً: "دماغي مش رايق. حاسس إني مش مركز." نظر له إبراهيم بتعجب قائلاً: "في إيه مالك؟ بعد ما شاكر مشي من المكتب إنت مشيت بعديه فوراً. روحت فين؟ شكلك مرجعتش للشقة. هدومك نفس اللي كانت عليك من امبارح. خير؟ قالك إيه شاكر؟ نظر له آصف بضيق وتهرب قائلاً:

"مقالش حاجة. أنا بس مصدع. شكلي هاخد دور برد. أنا راجع الشقة. نتقابل المسا في المكتب. نناقش في القضية لأن القاضي أجلها أسبوع واحد. يلا سلام. أشوفك المسا في المكتب." لم ينتظر آصف وغادر دون الانتباه إلى نداء صاحب القضية. لكن انتبه إلى تلك السيارة التي تسير خلفه. أصبح بداخله يقين أن هناك من يراقبه. لكن ماذا يريد منه؟ عقله أصبح مثل طاحونة الهواء تتخبط من كل اتجاه. *** بشقة آصف.

دخلت سهيلة إلى الشقة تشعر بإرهاق. لم تتعجب حين لم تجد جدتها كذلك صفوانة وشكران. هي علمت صدفة أن تلك السيدة إكرام مريضة بالمشفى. بالتأكيد ذهبن لزيارتها. ذهبت مباشرة نحو الغرفة التي تمكث بها مع جدتها. جلست على الفراش تمطت برقبتها التي تشعر ببعض الألم الطفيف بها. ثم نهضت واقفة تقول: "ما أقوم أستحمى. يمكن يكونوا رجعوا. تيتا لو شافتني بالمنظر ده هتقولي إرهاق نفسي زيادة عن اللزوم."

بعد دقائق فتح آصف باب الشقة ودخل. استغرب عدم وجود أي أصوات بالشقة. نظر إلى ساعة يده قائلاً: "المفروض ده وقت الغداء. وأنا شبه اتعودت على صوت الحاجة آسمية وهي بتقول لهم: حطوا الغدا نتغدا والغايب مالهوش نايب. غير سهيلة حبيبتي طبعًا."

تقصده هو بالغائب. رغم أنه يعود بنفس الوقت تقريباً. رغم تعاملها الحاد معه لا ينكر أنه أحياناً يغيظ منها. سهيلة حين أخبرته أن جدتها ستظل معها وافق ظناً أنها مسألة وقت يومين لا أكثر. كذالك جدتها امرأة مسنة. لكن هذه "جبروت" عليه. لكن أين هي؟ كذالك يعلم أن سهيلة قد عادت من العمل بالمشفى. أين ذهبن النساء؟

كاد أن ينادي على والدته لكن صمت خشية تهجم آسمية عليه. وتنعته بالمزعج. كما تقول عليه. تجول بين المطبخ وغرفة المعيشة وغرفة والدته تعجب أكثر. لكن غرفة سهيلة كانت مواربة قليلاً. نظر لها رأى سهيلة. أكمل فتح باب الغرفة للحظة وقف يشعر بافتتان في قلبه. هي أمامه ليست عارية ترتدي مئزر حمام طويل ومغلق بإحكام على جسدها. كذالك خصلات شعرها نديّة تتساقط منها المياه فوق ياقة المئزر ومقدمة جبهتها. فكر بل تخيل لو جذبها وهام بها مقبلاً. لكن ذهب هذا الخيال حين وقع نظر سهيلة على باب الغرفة ورأت من الذي أكمل فتح باب الغرفة. ودخل لخطوتين لا أكثر. شعرت برجفة في جسدها. زمّت طرفي المئزر أكثر عليها.

ونظرت له بهجوم قائلة: "إنت إزاي تدخل الأوضة؟ مين سمحلك؟ سبق وحذرتك... قاطعها آصف قائلاً: "الباب كان موارب. وكمان في سؤال محتاج منك إجابة عليه." تهكمت سهيلة وحاولت أن تهدأ قليلاً قائلة: "وأيه هو السؤال ده؟ ولا هي كذبة جديدة منك، بتتحايل بيها... قاطعها آصف سائلاً بتسرع واستخبار: "إنتِ كنتِ عارفة إن سامر بيحب بنت." ازدردت ريقها وصمتت للحظات ثم قالت بهدوء: "لأ معرفش." نظر لها آصف بعدم تصديق قائلاً: "سهيلة! أجابته بحدة:

"قلت لك معرفش. وإن كنت داخل لأوضتي وبتتحجج بالكدبة، فأنا معرفش. أنا مكنتش مخزن أسراره ولا العلاقة بينا كانت أكتر من زمالة وولاد بلد واحدة صداقة عادية. أو تقدر تقول كانت بالنسبة لي مصلحة. طبعاً كان سامر عنده القدرة يشتري الكتب اللي بسبب إني بنت موظف كحيان مكنتش أقدر أحمله أكتر من طاقته... فكنت بستعير أو بستلف الكتب دي من 'سامر أسعد شعيب'."

غص قلب آصف من طريقة ردها الجافة لكن حاول الهدوء ومد يده لها بصورة فوتوغرافية قائلاً: "شوفي الصورة دي كده." أخذت سهيلة الصورة من يده. في البداية تهكمت قبل أن تراها. لكن سرعان ما تمعنت في الصورة بذهول قائلة: "ريم وسامر! لاحظ آصف ذهول سهيلة وسألها باستفسار: "واضح إنك تعرفيها. مين ريم دي؟ ازدردت سهيلة ريقها قائلة:

"ريم كانت زميلتنا في الثانوية. بس هي درست في كلية الآداب واتخرجت قبلنا وتقريباً عملت سنة تربوي. وبعدها اشتغلت مدرسة في حضانة مدرسة خاصة بكفر الشيخ." توقفت سهيلة. سألها آصف: "اسمها إيه بالكامل، واسم المدرسة إيه، وهي فين دلوقتي؟ ردت سهيلة: "دلوقتي! ليه هتعمل عليها تحريات؟ للأسف دلوقتي ريم مبقتش موجودة." استغرب آصف سائلاً: "قصدك إيه؟ أكيد... قاطعته سهيلة باستعجال: "ريم ماتت بعد ما اتخرجت من كلية الطب." ذُهل آصف سائلاً:

"إزاي ماتت؟ ردت سهيلة:

"ريم مكنتش صاحبتي أوي. كنا مجرد زملاء في الثانوي. حتى مرة كانت اتخانقت هي وسامر واحنا كنا في الدرس. معرفش السبب ولا أعرف إيه اللي حصل بينهم بعد كده. واتفاجئت إن كان فيه حب بينها وبين سامر. بس اللي عرفته إنها ماتت متكهربة. كانت بتشغل السخان في بيتهم وتقريباً حصل ماس كهربا صعقها وماتت في نفس اللحظة. ماما قالت لي كده. لأني وقتها كنت في الفيوم بمارس التكليف بتاعي. كمان أعتقد سامر وقتها كان في الجيش... ده كل اللي أعرفه."

قالت سهيلة هذا ومدت يدها له بالصورة. تلاقت عيناهما للحظات. تبسم آصف يشعر بهدوء وصفاء عكس ما كان يشعر به من أفكار طاحنة قبل دقائق. بينما سهيلة بداخله هاجس: هل بعد تلك الصورة لـ سامر مع ريم قد يشك آصف ببرائتها من ذبح سامر؟ لكن قبل أن تعلم الجواب، كان هناك صوت ناهراً بحدة تقول بتعسف: "إنت إيه اللي دخلت الأوضة دي؟ بتستغل غيابي. أوعى تفكر إنك ممكن تأذيها مرة تانية وأقف أتفرج عليك."

تحولت نظرة عين آصف التي كانت صافية، إلى مضجرة. وغادر الغرفة دون حديث. بينما ضمت آسمية سهيلة إلى حضنها. سهيلة التي بداخلها تائهة لم تفهم نظرات آصف. هل عاود الشك بها؟ ربما يكون هذا سبب للانفصال نهائياً بينهم. *** مساءً. بمكتب آصف. كان يجلس يشعر بضجر. ينفث دخان سيجاره إلى أن صدح رنين هاتف المكتب. رفع السماعة وسمع قول السكرتيرة. اعتدل جالساً يقول بذهول: "بتقولي مين؟ أجابته السكرتيرة. رد عليها:

"دخله فوراً. وأي ميعاد حوله على مستر إبراهيم. مش عاوز أي إزعاج." وضع آصف السيجار الذي كان بيده بالمنفضة ونهض واقفاً. خلع معطفه وفتح أزرار القميص من على يديه وشمره حتى ساعديه وذهب خلف باب المكتب واقفاً بتحفز ينتظر. بمجرد أن فتح الباب ودلف الآخر أعطاه آصف لكمة قوية بوجهه بسبب عدم انتباه الآخر. اهتز توازنه وعاد للخلف متأثراً. بنفس اللحظة أغلق آصف باب المكتب باستهجان وغضب قائلاً بغيظ:

"أهلاً بالحبيب اللي كان رايح يخطب مراتي. الخسيس اللي نسي زمالة المدرسة العسكرية. لساك سهو زي ما كنت. اقرأ الفاتحة على روحك... إنت جاي في وقتك بالظبط. جوايا طاقة سلبية مش هلاقي أحسن منك ألطش فيه. واضح إن معشرتك للمجانين سابت أثر على عقلك... مش أحياناً بتصعق المريض بالكهرباء عشان عقله يرجع له؟ أنا بقى هصعقك وبأعلى فولت هنسيك اسمك.... يا بيجاد."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...