فتحت سهيلة عينيها حين شعرت بتوقف السيارة. نظرت إلى الطريق، استغربت واعتدلت في جلستها سائلة: وقفت العربية هنا ليه! فتح صمام حزام الأمان الخاص به وأزاحه عن جسده وهو ينظر لها مبتسمًا قائلًا: جعان، ما أكلتش من بعد ما اتغديت امبارح. عاودت النظر خارج باب السيارة وتمعنت أنهم أمام أحد المطاعم الشعبية. عادت بنظرها له بحنق قائلة: وهتاكل في مطعم شعبي بيبيع فول وطعمية، مش من مقام سيادة المحامي المشهور؟
علم أنها تتهكم عليه، لكن نفض ذلك. أراد الاستمتاع بالوقت أكثر، تقبل منها حديثها ببسمة قائلًا: ده أفضل مكان يفطر فيه المحامي المشهور، على الأقل مش هألاقي اللي يزعجني وهاكل براحتي من غير ما أبقى متكلف. زمت شفتيها واستهزأت به قائلة: متكلف، دي من أكتر الصفات المتمكنة منك. نظر لعينيها وتبسم قائلًا: عارف، أنا بقول كفاية كلام عالماضي، بصراحة ريحة الأكل في المكان بتجوع.
لم ينتظر ردها وترجل من السيارة، ذاهبًا نحو الباب الآخر وقام بفتحه وانحنى قائلًا بسؤال: أيه مش هتنزلي من العربية؟ سخرت منه وزمت شفاها قائلة: لاء مش جعانة، أنا أكلت في المستشفى. تبسم ببرود قائلًا: تمام، هجيب السندوتشات وناكل في العربية. زفرت بنرفزة قائلة: قولتلك مش جعانة، وياريت كفاية تضيع وقت عالماضي.
استقام مبتسمًا وذهب نحو المطعم الشعبي. طلب من النادل ما يريده، ظل واقفًا لدقائق، عيناه منصبتان على السيارة بابتسام لسهيلة التي تنفخ أوداجها بالتأكيد تشعر بالضجر من الانتظار. أعطاه النادل ما قام بطلبه، دفع له مبلغًا من المال. نظر له النادل قائلًا: ثواني وأجيب لك الباقي.
رفع له يده بـ "لا" ثم انصرف نحو باب السيارة المجاور لسهيلة وعاود فتحه ومد يده بذلك الكيس البلاستيك. بضجر أخذته منه ووضعته على المقعد بجوارها وتنهدت بضيق. تبسم آصف وأغلق باب السيارة وذهب نحو الباب الآخر، دلف إلى السيارة وأغلق الباب خلفه. نظر إلى الطعام قائلًا: ريحة الأكل تغوي. تهكمت ساخرة: مش خايف الأكل يجيب لك تسمم؟ أكيد معدتك مش متعودة عالنوعية دي من الأكلات، كمان ده مش مطعم فاخر ومش لابسين في إيديهم جونتيات.
تبسم وهو يفتح كيس الطعام قائلًا بقصد: وهخاف ليه، والله لو جالي تسمم، معايا دكتورة، رغم إني عندي شك إنها ممكن تسعفني. قطبت بين حاجبيها وقالت بتأكد: لاء ده أكيد مش شك، إنت آخر واحد تهمني صحته. سأمت ملامحه للحظة، كذلك غص قلبه، لكن عاود رسم البسمة على وجهه قائلًا:
أنا جعان وكل اللي بفكر فيه دلوقتي هو ريحة الأكل، ومش مهم إيه هيحصل بعدين. وعلى فكرة عملت حسابك في السندوتشات، لأني متأكد إنك جعانة. وبقول بلاش اعتراض خلينا نأكل سوا زي زمان. رد بتعسف وعصبية: قولت زي زمان، وأنا قولتلك مش جعانة. كل لوحدك.
استسلم لرغبتها وشرع في تناول الطعام، بينما هي بالفعل جائعة، وكأن حاسة الجوع ازدادت لديها بسبب رائحة الطعام، لكن أبت أن تمد يدها إلى الطعام. لكن تبسم آصف حين ظهر على وجهها اشتهاؤها للطعام.
أخذ أحدى الشطائر ومد يده بها. كادت أن تعترض، لكن أمسك آصف يدها ووضع الشطيرة بها ثم تركها بيدها. للحظة ارتجف جسدها من إمساك آصف يدها، لكن زالت الرهبة حين ترك يدها. شعر آصف برجفة يدها، شعر بوخزات في قلبه، لكن تبسم على ترددها في الأكل. أشار لها بيده أن تشرع في تناول الطعام قائلًا: على فكرة طعمه حلو جدًا، وكمان جبت لك سلطة عارف إنك بتحبيها.
نظرت له باستهزاء، أما زال يتذكر ماذا تحب. لكن بدأت بتناول الشطيرة بروية حتى أنهتها، رغم أنها ما زالت جائعة لكن ما زالت تأبى. تبسم وهو يعطي شيطرة وأخرى حتى شعرت بالشبع وهو كذلك. جذب علبة المحارم الخاصة بالسيارة، بالصدفة في نفس الوقت فعلت سهيلة نفس الشيء. تلامست أناملهما، سرعان ما سحبت سهيلة يدها، بينما سحب آصف محارم ونظف فمه ويديه بها. ثم سحبت سهيلة محارم هي الأخرى، قائلة:
أظن كفاية كده أكلنا وشبعنا، ياريت تكمل الطريق. إنت قولت إنك هتوصلني للبلد. أشعل محرك السيارة قائلًا: تمام. عاود آصف قيادة السيارة، وسط صمت يسود بينهم. لكن بعد وقت توقف مرة أخرى حين اقترب أن يصل إلى البلدة. تنرفزت سهيلة قائلة: وقفت تاني ليه! عالعموم كويس إحنا على مشارف البلد، أكمل الباقي مشي والنهار قرب يطلع.
قالت سهيلة هذا وكادت تفتح باب السيارة، لكن أمسك آصف عضدها. شعرت بالغضب ظنًا أنه قد يجذبها ويقبلها مرة أخرى، لكن هذه المرة لن تكتفي بصفعه. لكن آصف خيب توقعها قائلًا برجاء: سهيلة كل اللي بطلبه منك فرصة، ومتأكد إنها هتكون في صالحنا احنا الاتنين. هوافق على أي شرط قصاد قبولك. رغم نبرته الهادئة والمترجية، لكن سحبت يدها وقالت بتعسف:
قولتلك كفاية ألاعيب يا آصف، متأكدة الواسطة اللي نقلتني من المستشفى اللي كنت بشتغل فيها هنا تقدر ترجعني مكاني تاني. تنهد آصف قائلًا بعناد: مكانك جنبك يا سهيلة، وفكري وهنتظر ردك. صمتت سهيلة تشعر بضجر من فرض نفسه وهيمنته، كذلك بداخلها تشتت. عاود آصف قيادة السيارة، لكن شعرا الاثنين بوخزات قوية حين مرا من أمام سرايا شعيب. أغمضت سهيلة عينيها للحظات تشعر بقسوة تلك الليلة التي مرت بها بداخل هذا المكان. سارت رجفة بجسدها،
وقالت بإصرار: كفاية وقف العربية ونزلني هنا، بيت بابا قريب من هنا. كذلك آصف شعر بالبغض من نفسه، كذلك شعور بالندم يهدم قلبه. غصبًا توقف بسبب إصرارها. ترجلت سريعًا من السيارة، سارت دون النظر خلفها، تعلم أنه ما زال يتعقبها بالسيارة. إلى أن دلفت إلى منزل والداها. تنهد بغصات قوية تضرب قلبه. كذلك آصف يتمنى أن تعطيه سهيلة فرصة أخرى، قد يكفر عن خطأه الفادح بحقها.
بينما دلفت سهيلة إلى منزل والداها، توقفت للحظات تستنشق الهواء حتى هدأت أنفاسها. فتحت باب المنزل الداخلي، ودلفت. كانت لا تود أن تقابل أحد والديها، لكن رسمت بسمة حين رأت سحر تخرج من المطبخ، قائلة: صباح الخير يا ماما، أيه اللي مصحيكِ بدري كده. تبسمت لها سحر بمودة وردت عليها الصباح، ثم قالت بسؤال: غريبة، أنا قولت مش هتجي قبل الساعة تمانية أو تسعة الصبح. توهت سهيلة قائلة: مقولتليش أيه اللي مصحيكِ بدري؟ ردت ببساطة:
حسام صحاني من شوية، جبت له كوباية لبن شربها وشكله مزاجه رايق ومش عاوز ينام تاني. حتى باباكِ صاحي هو كمان. ابتسمت سهيلة قائلة: أما أدخل أصبح عليهم. دلفت سهيلة إلى غرفة والداها، تبسمت حين رأت حسام يجلس على ساقي أيمن الممددة فوق الفراش. تبسم لها أيمن قائلًا: صباح الخير، تعالي يا سهيلة شوفي ابن أختك صاحي وعاوزني ألعب معاه، مش مراعي إني بقيت راجل عجوز.
تبسمت سهيلة لحسام الذي نهض من فوق ساقي أيمن ووقف على الفراش ينتظر اقترابها حتى يلقي بنفسه عليها. تبسمت وهي تتلقاه بين يديها، قبلت وجنتيه بمحبة قائلة: والله إنت على رأي تيتا، أسميه خسارة فيهم. جلست سهيلة على الفراش وفوق ساقيها حسام. اقترب أيمن منها ووضع يده على كتفها بحنان قائلًا:
والله حسام ده أحلى حاجة جت من ناحية هويدا. أهو بيسّليني أنا وسحر، غير لو مش هو كان فاتني صلاة الفجر وجت علينا نومة. هو لما صحانا من النوم كسبنا بركة صلاة الفجر. تبسمت سهيلة وهي تشعر بتقبيل حسام لوجنتيها. رحبت سهيلة بذلك مبتسمة. بينما غص قلب أيمن، كذلك سحر التي دخلت للغرفة قائلة: طالما صاحيين أنا حضرت الفطار في المطبخ، خلونا نفطر سوا. نهضت سهيلة، وضعت حسام على الفراش تتثاءب قائلة:
لاء أنا مش جعانة، افطروا أنتم ألف هنا. أنا حاسة بإرهاق من السفر والسهر، هروح أغير هدومي وأنام. أصحى بعد الظهر تكون ماما حضرت الغدا، أتغدى وأنام تاني. تبسم لها أيمن، كذلك سحر التي تنهدت بإشفاق عليها. غادرت سهيلة الغرفة، بينما نظر أيمن لسحر يشعر بغصة في قلبه: سبحان الله، حسام في قلبه حب وألفة لسهيلة أكتر من هويدا أمه الحقيقية. بتشوفيه لما تكون هويدا هنا يسيب حد فينا ويروح يقعد على رجليها. تنهدت سحر بأسف قائلة:
فعلاً، بس ده مالوش علاقة بإن هويدا هي أمه الحقيقية. العلاقة تعود وحنان كمان. هويدا شبه قطعت العلاقة بينها وبين ابنها بمجرد ما ولدته. ساعات ببقى عاوزة أقولها تهتم شوية بابنها، بس بخاف تفكر إني مش عاوزة أهتم بيه. والله نفسي سهيلة تخلف ويبقى لها ولاد، يمكن وقتها ترجع تحس بالحياة من تاني. أنا لما كانت واقفه على أنها تتجوز من بيجاد قلبي انشرح وقولت دعاء أمي لها هيتحقق، وهتلاقي اللي يعوضها. ظهر آصف من تاني وفاجئنا إنها لسه مراته وكمان هي عقلها اتبرجل. وجه كمل كمان ونقلها من المستشفى اللي كانت بتشتغل فيها هنا، لمستشفى بعيد. كفاية بس بهدلة السفر كم ساعة رايح جاي.
تنهد أيمن بأسى قائلًا: والله ما عارف قصة آصف دي هتخلص على إيه. بسأل نفسي هو بيعمل كده ليه. ولو بيحبها كان عالأقل صانها من البداية ومكسرش قلبها واتسبب لها في عقدة نفسية. أوقات بحس إنها بتخاف إني أقرب منها. تنهدت سحر هي الأخرى بأسى قائلة:
والله وأنا كمان أوقات بحس معاها نفس الشيء. حتى أوقات بحس إنها بتتهرب من أنها تقعد معايا، وتتحجج بأي حاجة. ولما بدخل عليها الأوضة بلقاها نايمة، أو سرحانة. اللي مرت بيه مكنش سهل، من أول الفترة اللي قضتها في السجن، وبعدها جوازها من آصف اللي فكرت إنه كان فرصة ليها تثبت برائتها، هو صدمها بخداعه ليها. وياريت سابها في حالها تكمل حياتها، راجع تاني ينغص عليها. مفيش حاجة بتقدر تطلعها من حالتها دي غير أمي. ولما قولت لها تيجي تعيش معانا هنا في الدار تبقى
جنبها باستمرار قالت لي: "لأ، هي مش هتسيب دارها وتيجي تعيش في دار بنتها. الناس يقولوا عليها إيه عايشة عالة على جوز بنتها". سهيلة هي اللي تروح تعيش معاها. بس سهيلة قالت مواعيد شغلها مش هتقدر تتحملها. تبسم أيمن قائلًا:
والله ما حد عارف مين اللي عالة على مين. عمتي ياما وقفت جنبي. كفاية قبلت زمان بجوازي منك وأنا لسه يادوب متخرج من الجامعة، حتى الدار اللي كنت وارثها عن أبويا كانت آيلة للسقوط، وبقت تدبر لي القرش عالقرش لحد ما بنيت أول دور في الدار دي، وعشنا فيها وربنا رزقنا بتلات عيال الحمد لله. بحمد ربنا عليهم. يمكن مشكلة سهيلة كانت كبيرة صحيح، بس ربنا لطف بيها. كمان كفاية أنهم محترمين وبيحبوا بعض. ونفسي هويدا تبقى معاهم.
بينما سهيلة دخلت إلى غرفتها، ألقت بجسدها فوق الفراش، تشعر بتوهان، ماذا تفعل؟ آصف يضيق عليها الخناق بتمسكه بها كزوجة له. كذلك طريق المحاكم كي تعثر على طلاق نهائي منه يحتاج لوقت بعيد، مع شخص مثل آصف قادر على التلاعب بثغرات القانون وتطويعها لمصلحته. زفرت نفسها، لم يعد أمامها سوى طريق واحد، لكن قبل أن تتخذ القرار، لابد من معرفة رد والديها.
بينما آصف بمجرد أن غابت سهيلة عنه حين توارت داخل منزل والداها، شعر كأن البرد سكن ضلوعه. لكن عاود السير بالسيارة للعودة إلى القاهرة. لكن نظر عبر مرآة السيارة الأمامية، رأى نفس السيارة الذي لاحظها حين توقف أمام المطعم، كذلك تتبعته إلى البلدة. حاول السير عبر طرق مختصرة كي يتأكد من حدسه. عن قصد ابتعد عن تلك الطرق المختصرة وسهيلة معه، كان يود بقاءها معه لأطول فترة، بل يريد أن تبقى معه طوال الوقت. تأكد حدسه، السيارة ما زالت تتبعه. إذن أصبح لابد من الاحتياط. فمن الذي يتتبعه وماذا يريد؟
بعد الظهر بمنزل أيمن. فتحت سهيلة عينيها بسبب ذلك الضوء الذي اخترق الغرفة، كذلك ضحكات ذلك الصغير المشاغب وهو يدور بالغرفة. تبسمت حين سمعت آسميه تقول: يسعد مساكِ بالورد، نوم العوافي حبيبتي. أيه قربنا عالـ عصر، هتفضلي نايمة كده ومش هتقعدي معايا شوية قبل ما أروح لداري. تمطت سهيلة بمرح قائلة: والله يا تيتا أنا عاوزة أنام ما أقوم غير بعد يومين، جسمي مكسر من سهرة امبارح في المستشفى. نظرت لها آسميه بشفقة قائلة:
منه لله اللي كان السبب. يلا قومي، أنا كنت عاملة الكيكة اللي بتحبيها وجبت لك منها ومدرياها من سحر لا تاكلها، ولا تدي منها لهويدا. تبسمت سهيلة قائلة: وهي هويدا مش حفيتدك هي كمان؟ ردت آسميه بلا مبالاة ثم بأسف: لأ دي غتتة وعاوزة تكوش على كل حاجة، مش زيك بترضي بالقليل، حتى القليل مستكتره نفسه عليكِ. يلا قومي اتوضي وصلي الضهر وبعدها اتغدي، وحلي الكيكة. تبسمت سهيلة على حسام الذي وضع يده بيد آسميه التي ابتسمت له قائلة:
انت حبيبي، تعالي هديك حتة كيكة. لمعت عين سهيلة ببسمة، فكيف لجدتها التي لا تشعر بالألفة بينها وبين هويدا، عكس ذلك الطفل التي تحبه وتدَلله. بعد قليل بغرفة الجلوس. سخرت آسميه من هويدا التي جاءت همست بصوت منخفض: يا قاعدين يكفيكم شر الجايين ولو بزيارة. سمعتها سحر التي كانت تجلس بجوارها، نظرت لها بعتب. تغاضت آسميه عن نظرتها لها. بينما قالت هويدا:
غريبة، قولت سهيلة امبارح كانت نبطشية وأكيد راجعة البيت عالصبح، قولت هتقضي اليوم كله نوم. ردت سهيلة بتلقائية: أنا راجعة من بعد الفجر ونمت، يادوب صاحية مبقاليش ساعة. استغربت هويدا، سألت: واصلة بعد الفجر إزاي؟ لقيتِ مواصلات، ولا جاية في تاكسي من القاهرة لهنا؟ كده مرتبك مش هيقضيكِ أسبوع عالـ مواصلات. ارتبكت سهيلة قائلة: لاء مش جايه في تاكسي. توقفت سهيلة للحظة. حثتها هويدا أن تستكمل قائلة: أمال جايه في إيه؟ استطردت سهيلة
حديثها تنظر لهم بترقب: آصف هو اللي وصلني لهنا. نظر سحر وآسميه بترقب، كذلك أيمن. بينما هويدا قالت ببساطة: والله كتر خيره، مش عارفة ليه إنتِ قدامك فرصة وبتتخلي عنها بمزاجك. نظرت لها آسميه بنزق قائلة باستخبار: فرصة إيه اللي ليها معاه؟ ما هو السبب في شحتتها دي، مش هو اللي استخدم الألاضيشه وخلاهم نقلوها لهناك. نظرت لها هويدا باستهزاء قائلة:
مستشفيات القاهرة أشهر من مستشفيات كفر الشيخ. كمان هو لو كانت نيته سيئة أقل حاجة مكنش عبرها وراح لها المستشفى. كمان كان غصب عليها ببيت الطاعة حتى لو هي رافضة التنفيذ. كمان المحامي قال على ما قضية الطلاق تتحكم فيها وقت لأن مفيش سبب قوي قدام القاضي يخليه يحكم بالطلاق مباشرة. استهزأت آسميه قائلة: واللي حصل منه زمان مش سبب قوي. ردت هويدا:
سبب قوي، بس فين الدليل والمحكمة ليها بالدليل. وكمان أنا في رأيي أن آصف وقتها كان معذور، اللي اتقتل كان أخوه، وسهيلة كانت المتهمة. ولوعة قلب مامته وباباها وقتها كانوا مؤثرين على عقله. استهزأت آسميه قائلة: ده عذر أقبح من ذنب. وما علينا، المهم أكيد هو موصلكيش بدون سبب، وأكيد اتكلم معاكِ، قالك إيه؟
تذكرت سهيلة حديث آصف معها بالعودة بعد أن قام بتقبيلها. قاد آصف السيارة سريعًا، لكن كانت يد سهيلة كانت أسرع حين تهجمت عليه بغضب مما جعله يطفئ محرك السيارة وينظر لها. لكن فاجأته بصفعة دون قصد منها على جانب وجهه. للحظة تبدلت ملامحه وظنت أنه لن يتوانى في الرد على صفعتها. لكن آصف حاول كبت غضبه من تلك الصفعة وأمسك معصميها بقوة، سرعان ما تراخت قبضة يده حين رأى نظرة الهلع في عينيها. ربما تلك القبضة ذكرتها بالأصفاد الذي وضعها سابقًا حول معصميها. شعر بغصة قوية في قلبه وأغمض عينيه يلجم غضبه. لكن سحبت سهيلة يديها
من يديه قائلة بعصبية وآمر: آصف افتح مزلاج العربية، عاوزة أنزل. للحظة تعصب آصف قائلًا بتجبر: لاء يا سهيلة مش هتنزلِ من العربية وهتسمعيني للآخر، لأني لغاية دلوقتي سايبك على راحتك، ومش عاوز أضغط عليكِ. تهكمت سهيلة بسخرية قائلة: سايبني على راحتي عالآخر، لاء كتر خيرك. آصف.. تعصب آصف وضرب بيده مقود السيارة قائلًا: سهيلة قولت اسمعيني للآخر. قولت لك قبل كده مستحيل أضرك تاني. تهكمت سهيلة قائلة:
قولتلك مش عاوزة أسمعك، مستحيل أصدق كلامك الناعم مرة تانية. ازدرد آصف ريقه بغصة مرة قائلًا: سهيلة أنا هقدملك عرض ومتأكد هتوافقي عليه. تهكمت سهيلة صامتة كأنها لا تريد سماعه. زفر آصف نفسه قائلًا: الشقة اللي أنا عايش فيها معايا ماما وكمان صفوانة، والشقة واسعة يعني... قاطعته سهيلة بعصبية قائلة: يعني إيه، أجي أعيش معاك في الشقة؟ يبقى بتحلم! أنا مبقاش عندي أي ثقة فيك، اللي يحكم ظالم صعب آمن له.
شعر آصف بوخزات قوية في قلبه. بينما صمتت سهيلة للحظات وفكرت، ثم استطردت حديثها: تمام يا آصف، مش إنت كل الأفعال الخسيسة اللي بتعملها دي عشان أستسلم وأجي أعيش معاك في الشقة بتاعتك الواسعة زي ما قولت؟ تمام أنا موافقة بس ليا شروط. انشرح قلب آصف قائلًا: موافق على أي شروط هتقوليها. تهكمت على بسمته قائلة:
كويس، إنت قولت إنك موافق من قبل ما تعرف شروطي. الشرط الأول مستحيل أنا وإنت يجمعنا أوضة واحدة، إنت قولتها الشقة واسعة، هيبقى ليا أوضة خاصة بيا وإنت ممنوع تدخلها نهائيًا. كمان طنط شكران تفضل معانا في الشقة هي وخالتي صفوانة. وكمان شغلي في المستشفى متدخلش فيه تاني، حتى لو اتأخرت في الرجوع أو حتى نمت فيه. زفر آصف نفسه بامتثال قائلًا:
تمام، موافق على شرط يكون ليكِ أوضة خاصة. كمان اطمني ماما وصفوانة مش هيسيبوا الشقة، لكن شغلك في المستشفى مش هسمح لك تجهدي نفسك أكتر من اللازم، وكمان سهل أجيب لك إعفاء من وردية السهر. ردت سهيلة بغضب قائلة: قولتلك تبطل تدخل في شؤوني الخاصة. اعتبر إننا مجرد سكان في مكان واحد مش أكتر. فكر آصف، لو عارض الآن ربما يخسر فرصة مع سهيلة. امتثل غصبًا وأومأ برأسه مستسلمًا: تمام موافق. عاود آصف تشغيل محرك السيارة، وسار بها قليلًا.
نظرت سهيلة للطريق وسألته: إحنا رايحين فين؟ رد آصف ببساطة: رايحين الشقة. قالت سهيلة بتسرع: لاء طبعًا، لازم آخد إذن بابا الأول ويكون عارف، ولو رفض، يبقى تنسي الكلام اللي قولته. أوقف آصف السيارة ونظر لسهيلة قائلًا: لاء مش هنسى الكلام اللي قولتي ده إتفاق بينا. وأعتقد باباكِ لو لقاكِ مقتنعة مش هيعارض. عالعموم تمام، هوصلك للبلد بس هستنى منك اتصال بالموافقة. عودة... سردت سهيلة ذلك دون ذكر قبلته لها. عارضتها آسميه قائلة:
لاء طبعًا ده مستحيل! افرضي كان بيكذب وبعد شوية شكران وصفوانة سابوا الشقة ورجعوا لهنا تاني في السرايا. ردت سهيلة بتردد: سألته قالي مامته سابت السرايا وعايشة معاه من خمس سنين في الشقة، حتى أخوه كمان عايش معاهم. استغربت هويدا ذلك، سألت: مش فاهمة، يعني مامته وباباه انفصلوا عن بعض ولا إيه. ردت سهيلة: معرفش، هو أكد لي كده. شعرت هويدا بفضول، لكن انشرح قلبها لو صدق توقعها.
بينما عارض أيمن، كذلك سحر التي نظرت لـ آسميه ظناً أنها ستساندهم في المعارضة، لكن سألها أيمن: ساكتة ليه يا عمتي. نظرت له بتفكير قائلة بدهاء: ساكتة عشان بدور في دماغي. استغرب الجميع من ذلك وسألتها سحر: بدور إيه؟ ردت آسميه بمكر: مش آصف معارض في الطلاق، وكمان بيستخدم نفوذه في الضغط علينا. أنا بقى هوافق سهيلة تروح تعيش في الشقة اللي بيقول عليها دي. للحظة استغرب الجميع قبل أن تستطرد آسميه حديثها:
بس أنا كمان هروح أعيش مع سهيلة هناك في الشقة معاهم. مش بتقول الشقة واسعة وأنا مش هحتاج لمكان، هنام جنب سهيلة في نفس الأوضة. تغضنت ملامح هويدا قائلة: هتروحي تعيشي فين؟ دول راجل ومراته. ردت آسميه: وماله، شكران وصفوانة حبايبي، وأنا هعيش مع سهيلة وأنا اللي هصرف على احتياجاتي، يعني مش هيتزكى عليا من جيبه ابن أسعد شعيب. اتصلي عليه وقولي له كده، وافق تمام، وافقش يبقى ينسى.
استهزأت هويدا بذلك، بينما رحبت سهيلة، كذلك أيمن وسحر يعلمون مكر آسميه. مساءً بمقر أسعد الخاص بالبلد. دلتفت هويدا إلى مكتبه مباشرةً تقول بدلال: كان نفسي أكون أول من يهنيك بفوزك في الانتخابات، سبق وقولت لك متأكدة إنك هتفوز بالأغلبية. نهض من خلف مكتبه مبتسمًا يرحب بها قائلًا بحفاوة، وهو يوجهها للجلوس إلى أحد المقاعد وجلس مقابل لها على مقعد آخر:
اعتبري نفسك أول من هناني، رغم إني كنت عاتب عليكِ. سبق ووافقتِ على عرضي بالشغل مع مدير الحسابات، ولغاية دلوقتي لسه مستلمتيش الشغل معاه. ردت بتبرير كاذب، فهي ترسم الدلال: ابني كان مريض، ولازم أرعاه. كمان سهيلة أختي ومشكلتها مع آصف، أنا مش عارفة إنت كنت عارف أن سهيلة لسه على ذمته ولا لأ، بس أهو الحمد لله وصلوا لحل مناسب. تسرع أسعد سائلًا: وايه هو الحل المناسب اللي وصلوا له؟ هيطلقوا تاني؟ ردت هويدا:
لاء، سهيلة هتروح تعيش معاه في شقته، بس غريبة. هو قالها إن الحاجة شكران وكمان الخدامة هيعشوا معاهم. هي مش الحاجة شكران كانت عايشة هنا في السرايا؟ بس بقالي فترة طويلة مش بشوفها، فكرتها عيانة. شعر أسعد بالارتباك قائلًا: لاء عايشة في القاهرة. إنتِ عارفة آصف بعد ما ساب الشغل في القضاء وهو استقر في القاهرة، وكان محتاج اللي تهتم بيه هناك، وهي راحت تعيش معاه، بس إحنا على تواصل.
تبسمت هويدا، واستشفت من رده أن يكون حدثها حقيقيًا، شعرت بانبساط قليلًا. بينما نهضت واقفة قائلة: أنا باركت ومش لازم أضيع وقتك أكتر من كده، عارفة إن فيه احتفال عشان فوزك في الانتخابات. نهض هو الآخر قائلًا: فعلاً للأسف، بس كلامنا لسه له بقية، عشان نتفق إمتي هتبدأي في الشغل مع مدير الحسابات. ردت عليه ببساطة: أكيد قريب جدًا. تبسم أسعد وهو يصافح هويدا قائلًا:
تمام، أنا فضيت من دوشة الانتخابات، وبعد كده هيبقى معظم وقتِ في القاهرة. أتمنى يكون الرد سريع، لأن مدير الحسابات كلمني في الموضوع ده، وقولت له ينتظر. تبسمت له قائلة: لاء أنا تقريبًا ظبطت أموري كويس، وأكيد الأيام الجاية هسافر القاهرة. بس ياريت توصي مدير الحسابات عليا، إنت عارف إن فيه فرق في التعاملات المالية، بين الشركات الخاصة والبنوك الحكومية. رد أسعد: لاء اطمني، أنا قولته إنك على ضمانتي الشخصية.
تبسمت له بدلال قائلة بثقة: وأنا قد ثقتك فيا. ترك يدها مبتسمًا وهي تغادر المكتب ثم جلس مرة أخرى على المقعد، وابتسم باستهزاء قائلًا: قدرت توصل تاني الود بينك وبين سهيلة يا آصف، وطبعًا شكران ليها دور كبير، حمامة السلام، اللي مفكرتش السنين اللي فاتت بس تتصل عليا، يمكن كانت صلحت الأمر بيني وبينك. تنهد أسعد يشعر ببعض البؤس. ربما في البداية لم يكن يهتم، لكن مع مرور الوقت لا ينكر جفاء آصف يحز في نفسه. بعد مرور عشر أيام
بحوالي العاشرة صباحًا بإحدى العيادات الخاصة بدكتور متخصص في مجال التجميل. تبسم بترحاب قائلًا بمجاملة: مدام شهيرة، العيادة نورت. تبسمت وهي ترفع لها يدها بدلال قائلة: شكرًا لذوقك. تبسم بترحاب وهو يقبل يدها قائلًا: من فترة طويلة منورتيش عيادتي المتواضعة. تبسمت له قائلة: كنت مشغولة أوي الفترة اللي فاتت. تبسم لها بمديح قائلًا: أنا دايمًا متابعك، والفترة اللي فاتت كنتِ مبهرة. تبسمت له قائلة بغرور:
فعلاً، وده السبب اللي خلاني جيت للعيادة النهارده، عاوزة أعمل شوية رتوش كده. تبسم لها بمجاملة قائلًا: رتوش إيه، الجمال ده مش محتاج لدكتور تجميل، ده محتاج لريشة فنان يرسم بورتريه لجميلة الجميلات. تبسمت له قائلة: كلك ذوق، بس أنا شايفة إني محتاجة لشوية رتوش كده، في خط بسيط كده ظهر جنب عيني، كمان عاوزة أحقن شفايفي بحقنة فيلر تبرز جمالها. نظر لوجهها بتمعن قائلًا: تمام، كمان ممكن نشد الجلد اللي تحت الدقن شوية.
تبسمت له بتوافق قائلة: أنا كلي ثقة فيك يا دكتور. عاوزة الآثار دي تختفي. ظهرًا بمكتب آصف. تبسم لـ شاكر الذي دلف إلى مكتبه بعد الترحيب بينهم. جلس آصف سائلًا: مدام مي ادتني فكرة مختصرة، أحب أعرف منك التفاصيل بالتوضيح بالضبط. تنهد شاكر بآسف صامت. لاحظ آصف ذلك وعاود السؤال بمفاجأة: إنت موافق عالطلاق؟ هز شاكر رأسه بـ "لا". تبسم آصف له قائلًا: طب تمام. ليه مضايق؟
طالما فيه مشاعر عندك للبنت دي، أعتقد إنت حر في شريكة حياتك. إنت اللي عايش معاها، ليه تدخل نفسك في سكة الندم بعدين؟ طالما مرتاح معاها وبينكم حب ليه تخسرها؟ صدقني نصيحة من شخص غلط غلطة واحدة واتخلى عن عشقه ومشى ورا غروره بيدفع ثمنها غالي في كل لحظة. راجع نفسك مي أو الفلوس مش هيضعوا شعور البؤس من قلبك بعدين. أومأ شاكر له ببسمة موافقًا. تبسم آصف له قائلًا:
كده أظن ماليش لازمة، والحل في إيدك. خد بوكيه ورد وشيكولاتة وروح صالح مراتك. تبسم شاكر له قائلًا: تعرف إنك بتفكرني بـ المرحوم سامر، كان فيه شوية طباع منك، الجدية والحدة بعض الشيء. بس ده كان في بداية فترة تعارفنا لما كنا في كتيبة الجيش سوا، بس فجأة اتغير وبقى يميل لحاجات غريبة، ويتابع مواقع أجنبية لها ميول شوية شاذة. بس أعتقد السبب في تبديل حاله، هي بنت كان بيحبها تقريبًا. اعتدل آصف مستغربًا يسأله: سامر كان بيحب بنت؟
هو قالك كده؟ رد شاكر ببساطة:
لاء، أنا اللي لاحظته كذا مرة كان يتصل ببنت بالليل ويسهر يتهامس معاها. وفجأة الاتصالات دي انتهت وبعدها اتبدل حال سامر وبقى يميل للعزلة شوية، كمان بقى عصبي. غير كان في بيدافع عن مواقع بتدعم حاجات شاذة تحت اسم دفاع عن الحريات الشخصية. حتى مرة اتكلم معايا وطلب مني أروح معاه حفلة خاصة. وروحت، كان مكان في فيلا في منطقة جديدة شبه مهجورة. كانت حفلة كل اللي فيها رجالة وشوفت مناظر مقرفة مقدرتش أكمل وسيبته وانسحبت. ولما جيت بعدها أحذره منهم قالي إنه فعلاً، معجبوش وضعهم ومش هيروح حفلات من النوعية دي تاني. هو كان مفكره حفلة عادية دعاه عليها صديق له.
تسأل آصف سريعًا: ومتعرفش من الصديق اللي دعاه ده؟ رد شاكر: لاء، هو قالي بعد كده إنه قطع علاقته بيه. وبعد فترة انتهت فترة التجنيد وهو رجع تاني لـ كفر الشيخ اللي كان بينا اتصالات متباعدة. يمكن كانت شبه انقطعت قبل وفاته بشهور. للحظات صمت آصف يفكر هل حقًا كان هناك فتاة في حياة سامر. لكن ما حدث جعله ينغمس في تلك القذارة لاحقًا. لاحظ شاكر شرود آصف ظن أنه ربما حزنًا بسبب ذكر سامر أخيه. نهض يقول:
متأسف إن كنت جددت عليه حزنك على سامر، وبشكرك إنك نصحتني وأوعدك أعمل بنصيحتك ومش هخلي حد غيري يتحكم في حياتي. أومأ له آصف رأسه ونهض هو الآخر قائلًا: أنا تحت أمرك في أي وقت تحتاجني، وبتمنى إنك تدافع عن حياتك وبلاش تخلي غيرك يتحكم فيها. تبسم له شاكر وأومأ رأسه بتوافق، ثم غادر المكتب. بينما ظل آصف واقفًا للحظات يفكر فيما أخبره به شاكر. سامر وفتاة في حياته من تكون تلك الفتاة!؟
وهل ما أخبرته سهيلة سابقًا كان عقابًا آخر له على ما اقترفه بحقها من بشاعة؟ جاوب قلبه مباشرةً، لا سهيلة ليست بهذه الدناءة وتدعي على شخص بالكذب. أو ربما تكون سهيلة نفسها هي تلك الفتاة!؟ بالتأكيد لا ليست هي.
هي أخبرته أن سامر سبق ولمح لها أنه يعلم بوجود مشاعر بينهم. مجرد تخمينات كفيلة بـ تجعله يود أن يمحو جزئية مقتل سامر وما حدث بعدها من عقله بل من حياته، ويجد أن كل هذا كان عرضًا سينمائيًّا سينتهي بمجرد أن يخرج من هذا الظلام المحيط بعقله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!