الفصل 28 | من 47 فصل

رواية عشق مهدور الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
19
كلمة
5,398
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18

في غرفة آصف، استيقظ من نومه على رنين هاتفه. فتح عينيه بإنزعاج، كان يود أن يظل نائمًا مع من كانت بسمتها تُرافق أحلامه. سنوات البُعد كان قاسيه، لكن الأقسى مثلها أيام هي قريبة منه ويخشي أن يذهب إليها طالبًا الصفح. ليست جدتها هي المانع، يعلم جيدًا هي من تضع سياجًا بأشواك بينهم. لو برغبته لسار على تلك الأشواك ووصل إليها، بأرجل دامية، لكن حتى لو فعل ذلك سيجد الصد. طريقه مازال في المهد وعليه التروي.

مازال رنين الهاتف مستمرًا، انتبه له وقام بالرد يسمع مزاح إبراهيم: "شكل صحتك من حلم جميل. أوه نسيت أقولك صباح الخير، يا سيادة الأڤوكاتو، بفكرك عندك قضية مهمة النهاردة." زفر نفسه بضيق قائلًا: "مزعج، أنا عارف إن عندي قضية ومش محتاج تفكرني، كلها ساعتين وأكون في المحكمة، سلام."

أغلق الهاتف وتركه جواره فوق الفراش وعاود التمدد فوق الفراش ينظر إلى سقف الغرفة يتنهد باشتياق يجتاحه وبداخله أمنية أن يصحو ويجدها جواره بالفراش تلقي عليه الصباح مصحوبًا ببسمتها ودلالها حين كانت تتعمد التأخير في لقاءاتهم بالبحيرة. ود أن يخبرها أنه لولا ما حدث لكانت أول ليلة زواج لهم كان سيقضيها معها بمنزل اشتراه بتلك البحيرة خصيصًا لتلك الليلة، كان سيهيم بها عشقًا، لكن تملك منه شيطان سفك كل تلك الأماني وأضاعها خلف قصاص

قاسٍ بلا ذنب. ذم نفسه على دقائق افتراسها بشكل ليس حيواني، فالحيوان يرفق برفيقته، هو لم يرفق ولم يفق من ذاك الغضب إلا حين رأى دمائها. حتى لمسة يدها حرم نفسه منها من الشعور بها. ندم ليس كافيًا لذاك العذاب الذي يعيشه باقترابها ونظرة الخوف في عينيها. قبلة وعناق أمس كانا مثل نسمة دافئة، خشي أن يعود الصقيع لقلبه حين تفيق من المفاجأة ويرى بعينيها الرهبة. ثوران يشعر به يهدر في قلبه.

أخرجه من ذلك صوت طرق على باب غرفته وخلفه صوت صفوانة أن الفطور أصبح جاهزًا. أزاح دثار الفراش ونهض سريعًا بداخله أمنية أن يرى سهيلة خِلّته قبل أن يغادر. سأم وجهه حين خرج من باب غرفته ونظر نحو باب غرفة سهيلة كان مغلقًا. أيُعقل أن جدتها مازالت نائمة؟ لا، هي تستيقظ في العادة باكرًا. سرعان ما لعبت به الظنون. هل يُعقل أن تكون سهيلة أخبرت جدتها بتلك القبلة وتضايقت منه وأخذت سهيلة وغادرت الشقة؟ لا بالتأكيد.

سار بخطوات رتيبة تتلاعب بقلبه الظنون، إلى أن وصل إلى غرفة السفرة. تنهد براحة حين وجد سهيلة تجلس هي ووالدته خلف طاولة الطعام. نظرت له شكران ببسمة حنونة قائلة: "صباح الخير يا آصف." تبسم لها آصف واقترب منها وانحنى يقبل رأسها، عيناه تنظر إلى سهيلة قائلًا: "صباح الخير يا ماما." تبسمت له شكران بمودة قائلة: "يلا اقعد افطر." جذب آصف المقعد الذي بجوار سهيلة ورمقها بنظرة مبتسمًا قائلًا: "صباح الخير يا سهيلة."

بداخله ود طبع قبلة على وجنتها يخصها بقول "حبيبتي" دون خجل من وجود والدته، لكن يخشى رد فعلها. بينما سهيلة للحظات شعرت برهبة اقترابه منها، كذلك تذكرت قبلة الأمس. شعرت بخجل، ردت بصوت محشرج قليلًا: "صباح النور." تبسم لردها، لكن نظر خلفه، ينتظر مجيء آسمية. لاحظت شكران نظره خلفه فسألته: "بتبص وراك ليه يا آصف عاوز حاجة من صفوانة." رد آصف: "لأ، بس الحاجة آسمية اتأخرت عالفطور." تبسمت شكران، بينما ردت سهيلة بهدوء:

"تيتا رجعت كفر الشيخ من امبارح بعد الظهر، خالي جاي زيارة مفاجئة وهيقعد حوالي تلات أسابيع." ارتسمت بسمة تلقائية على شفتي آصف، لكن شعر بندم ليته علم مسبقًا بعدم وجود آسمية مع سهيلة بالغرفة، ما بات ليلته يتجرع لوعة الاشتياق، على الأقل كان سر عينه برؤية سهيلة طوال الليل. بعد قليل، نهض آصف يشعر بانشراح في قلبه. دقائق قليلة قضاها بجوار سهيلة دون توبيخات آسمية. نظر إلى سهيلة قائلًا: "أنا هرجع عالغدا يا ماما."

تبسمت شكران وهي ترى نظرات آصف لسهيلة التي تدعي أنها مازالت تتناول الطعام. قالت بهدوء: "تمام يا حبيبي ربنا يوفقك." غادر آصف دون سماع صوت سهيلة، بينما تبسمت شكران لها قائلة: "والله اتعودت على وجود الحاجة آسمية معانا، ربنا يصبحها بالخير." تبسمت سهيلة. بينما عاودت شكران الحديث: "انتي رجعتِ مع آصف ليلة امبارح." ارتبكت سهيلة من سؤال شكران، فهذه أول مرة تسألها عن عودتها. أجابتها بتوتر:

"أيوا لما طلعت من المستشفى لقيته واقف واتعشينا بره."

تبسمت شكران بمغزى، لا تود إحراج سهيلة أكثر. فهي رأت آصف وهو يقبلها ليلة أمس. كانت ستخرج من غرفتها لتأتي بمياه، لكن حين رأتهم يدلفون إلى الشقة، كذلك حصار آصف وتقبيله لها، وتركه لها قبل أن تتفوه بما يفسد سعادته في هذه اللحظة. لا تنكر شعورها بغصة مما أوصل آصف نفسه، كأنه يسرق قبلة من زوجته. تنهدت بتمني وقامت بالدعاء، أن يهتدي الوصال بينهم، وتعود نظرة أعينهم الدافئة كما في السابق حين كانت تلاحظهم عن قرب. ***

ظهرًا، في مكان قريب من البناية التي تقطن بها سهيلة، ترجل رحيم من تلك الحافلة ينظر حوله إلى الشوارع، يقرأ أسماءها حتى رأى ما يبحث عنه. تبسم وتوجه نحو ذلك الشارع، لكن فجأة تصنم بمكانه بس رعونة سير تلك السيارة التي توقفت فجأة قبل أن تدهسه. لكن ليس هذا فقط ما ضايقه، بل ضايقه أكثر تلك المياه التي كانت بتلك البؤرة وبسبب رعونة سائق تلك السيارة طرطشت تلك المياه عليه ولوثت ثوبه الميري الذي كان يرتديه. تعصب حين ترجلت تلك الفتاة من السيارة واقتربت منه بلهفة وخوف، كذلك غرور

وإلقاء الخطأ عليه سائلة: "جرالك حاجة؟ بس انت اللي ماشي في نص الطريق وكان لازم... قاطعها بعصبية وهو يخرج محرمة ورقية من جيبه وقام بمسح تلك المياه الملوثة التي أصابت وجهه، نظر لها بغضب ساحق قائلًا:

"سايقة على أقصى سرعة، وكان سهل تدهسيني ونازلة بدل ما تعتذري نازلة ترمي خطأك عليا، واضح إنك إنسانة غير مسؤولة فرحانة بعربيتك الماركة وسرعتها ومش فارق معاكِ إنك ممكن كان بسهولة تدهسيني. أنا سهل آخد نمرة العربية وأروح لأقرب قسم شرطة وأقدم شكوى في المرور بأنك شخصية غير مؤهلة لقيادة سيارة في الشارع، واحدة فرحانة إنها عندها عربية أهلها شارينها لها عشان تزعج غيرها وكان سهل تتسبب في موته، واضح إنك أخدتِ رخصة القيادة بالوساطة."

نظرت له بغضب قائلة: "واضح إني مكنش لازم أنزل من عربيتي عشان أطمن عليك، وأنا فعلًا مش بتأسف لك، ومتفكرش إن بدلة الشرطة اللي لابسها دي هتخوفني ولا تفرق معايا. وقدامك العربية أهي خد نمرتها ولا أقولك أنا النمرة وروح أقرب قسم بعد شارعين وقدم المحضر اللي إنت عاوزه، سلام أنا ضيعت من وقتي لما نزلت من العربية أساسًا." بغضب من الاثنين، سار كل منهم لطريقه. بعد قليل، فتحت سهيلة باب الشقة، لكن اندهشت من تلوث ملابس رحيم قائلة:

"إيه اللي حصل؟ البدلة اللي عليك كلها ميه واضح إنها مش نضيفة، أنت اتزحلقت وانت ماشي ولا إيه؟ رد رحيم بعصبية: "لأ... كان فيه بؤرة ميه قريبة من الشارع وسواقة عربية فرحانة بنفسها وسايقة على أقصى سرعة طرطشت عليا الميه." تبسمت سهيلة قائلة بمرح: "معلشي كده كده كانت ماما هتغسلهالك أول ما ترجع للبلد، بس غريبة أنا مصدقتش لما اتصلت عليا من شوية وقلت إنك نازل إجازة على غير العادة مش متعاقب." تبدل وجوم رحيم إلى بسمة قائلًا:

"عشان بقيت ملتزم. هتسيبني واقف كده قدام باب الشقة مش تقوللي اتفضل، ولا آصف محرج عليكِ تدخلي أخوكي للشقة في عدم وجوده." تبسمت سهيلة وهي تتجنب ليدخل رحيم قائلة: "صاحبة الشقة هي طنط شكران وهي اللي تسمحلك أو لأ." تبسمت شكران التي قابلتهم في الرد هة ونظرت لسهيلة بامتنان من ذوقها قائلة: "إنتي هي صاحبة المكان وقلب آصف كمان، وأي حد من طرفك يبقى صاحب مكان ومكانة زيك."

تبسم رحيم وهو ينظر لتلك السيدة صاحبة الملامح الحنونة، كذلك ذوقها بالرد وشعر بألفة منها، كذلك ارتياح في قلبه على سهيلة التي تستحق كل السعادة. لاحظ لمعة جديدة في عينيها، ليست أول مرة تمرح معه لكن يراها اليوم بملامح أخرى حيوية أكثر وإشراق بوضوح. اقترب من شكران ورفع يده مصافحًا يقول: "أنا رحيم أخو سهيلة." صافحته بترحاب قائلة بتذكر كيف مرت السنوات:

"ياه السنين فاتت بسرعة، أنا لسه فاكراك وانت صغير كذا مرة جيت مع سهيلة في السرايا، كبرت ماشاء الله." تبسم لها قائلًا: "أنا من صغري برتاح سهيلة وكنت دايمًا بحب أرافقها." تبسمت له شكران. سهيلة، كاسمها سهلة المعشر ورقيقة، لكن ربما ما حدث لها جعلها تحاوط نفسها ببعض الأشواك الضعيفة، لكن دامية بنفس الوقت لقلب آصف. جلس ثلاثتهم بغرفة المعيشة وقتًا ليس قصيرًا إلى أن قرع جرس باب الشقة. نهضت سهيلة قائلة:

"خالتي صفوانة زمانها مشغولة في تحضير الغدا، هلبس الإيسدال وأروح أفتح أشوف مين." تبسمت لها شكران، ورحبت مرة أخرى برحيم الذي شعر معها بالود، بينما فتحت سهيلة باب الشقة تفاجئت بفتاة تضع نظارة ملونة حول عينيها، كذلك خصلات شعرها القصير لحد ما مصبوغ أطرافه بعدة ألوان، ملامحها مختفية خلف تلك الألوان التي تضعها فوقها بإتقان. كادت أن تسألها من تريد، ربما أخطأت في العنوان. هكذا ظنت الفتاة أيضًا، وعادت للخلف تتأمل رقم الشقة،

ثم سألت بنبرة شبه متعالية: "إنتي شغالة جديدة هنا." اندهشت سهيلة وقبل أن ترد عليها، رد آصف الذي جاء خلفها بغضب ورتابة: "دي سهيلة مراتي، أهلًا يا شيرويت." شعرت شيرويت بخزي بينما تبسمت سهيلة لآصف الذي نظر لشيرويت وهي تدخل إلى الشقة وهو خلفها ثم أغلق باب الشقة خلفه متنهدًا بسبب استقلال شيرويت من سهيلة. دلف خلفهن إلى حجرة المعيشة. بينما رفع رحيم نظره إلى من دلف إلى الغرفة وقف ينظر لها ببغض، كذلك هي. تحدثا الاثنين

بنفس اللحظة ونفس الكلمة: -أنت -أنتِ" نظر لهما آصف الذي دلف خلف سهيلة قائلًا: "أنتم تعرفوا بعض." نظرت شيرويت باشمئزاز له قائلة: "طبعًا لأ." بينما جاوب رحيم باستقلال واضح: "طبعًا أنا معرفش الأشكال المايصة دي." كتمت سهيلة بسمتها حين وضعت إحدى يديها فوق شفاها، بينما تبسم آصف بخفية. حاولت شكران تلطيف الجو قائلة: "أكيد فيه سوء تفاهم، خلونا نقعد سوا." قاطعت صفوانة حديث شكران قائلة: "حضرت الغدا عالسفرة."

أومأت لها شكران قائلة: "طب خلونا نتغدى سوا وبعدها نبقى نتفاهم، يلا يا شباب."

وافق الجميع وذهبوا نحو غرفة السفرة. لسوء الحظ جلس رحيم بجوار شيرويت التي تنفخ بين الحين والآخر، كذلك رحيم الذي يشعر بالاشمئزاز من تلك الخصلات الملونة، كذلك كثرة تلك المساحيق التي تضعها فوق ملامح وجهها تخفي حقيقة معالمها تقريبًا، كذلك ذاك العطر الآخاذ ذو الرائحة النافذة والنافرة بنفس الوقت. بينما آصف عيناه لا ترى غير سهيلة التي تحاول إخفاء بسمتها وهي تنظر إلى ملامح أخيها تشعر بأنه على وشك لحظة وربما ينهض ويصفع تلك الملونة الشعر.

بعد انتهاء الغداء عادوا مرة أخرى إلى غرفة المعيشة. تنحنحت شيرويت قائلة: "آصف كنت محتاجة أتكلم معاك خمس دقايق على انفراد." نظر لها رحيم باستهزاء، تلك الآفاقة التي تدعي الرقي. نهض آصف واقفًا قائلًا: "تعالى نتكلم في مكتبي." ذهبت خلفه نحو مكتبه، لم يغيبا كثيرًا وعادا مرة أخرى إلى غرفة المعيشة. تبسمت شيرويت قائلة بمجاملة:

"بصراحة أنا بحب طنط شكران جدًا وكنت أتمنى أفضل وقت أكتر، بس للأسف، الامتحانات خلاص كلها أيام وتبدأ، ولازم أجمع المنهج، هستأذن أنا." تبسمت لها شكران قائلة: "ربنا يوفقك." مازالت نظرة شيرويت لسهيلة الدونية المستوى التي لا تشعر أنها تليق بشخص مثل آصف، لكن رسمت بسمة زائفة: "اتشرفت بمعرفتك يا سهيلة."

أومأت لها سهيلة مبتسمة دون رد، بينما نظرت شيرويت إلى رحيم بغيظ، بادلها النظرة بفتور وبلا مبالاة كأنها بلا قيمة. غادرت شيرويت. جلس آصف مرة أخرى معهم. رمق رحيم بنظرة خاصة مرحبًا به. شعر رحيم للحظة بخزي منه. لاحظت سهيلة ذلك. دخل إلى عقلها فضول، لكن تسألت شكران: "شيرويت كانت عاوزة إيه؟ تبسم آصف قائلًا: "عاوزة وصاية مني للدكاترة بتوعها في الجامعة عشان طبعًا تجيب تقدير كويس في الامتحانات." تبسمت شكران قائلة:

"شيرويت عكس يارا تمامًا، ربنا يوفقهم الاتنين." تنهد آصف هامسًا: "شيرويت بنت أسعد وشهيرة، لكن يارا عن مصلحتها قربها منك يا ماما." سمعت سهيلة همس آصف، نظرت إلى شكران بداخلها

سؤال تود أن تسأله لها: كيف يستطيع قلبك تحمل كل هذا، كيف يفيض بحنان على بنات من اقتسمت قلب زوجك يومًا. تشعر أن هناك أشياء تخفى عنها منذ أن أتت للعيش هنا. لم تر أسعد حتى لا يذكر اسمه إلا قليلًا، كذلك رد شكران دائمًا تكن له الاحترام، رغم أنها على دراية بأنه لا يستحق ذلك. جلست ود هادئة، ونظرات عاشقة يخصها آصف لسهيلة. لكن قطع حديثهم رنين هاتف آصف. أخرجه من جيبه وقام بالرد على من يتصل عليه بهدوء، ثم أنهى الحديث معه قائلًا:

"تمام ساعة وهكون عندك." نهض آصف ينظر لسهيلة قائلًا: "هروح أغير هدومي وخارج تاني، بس مش هغيب، هرجع المسا عشان نروح الحفلة سوا." -حفلة إيه! هكذا سألت سهيلة، أجابها آصف: "حفلة عيد ميلاد مدام مي المنصوري." اعترضت سهيلة: "بس أنا ماليش في نوعية الحفلات دي، روح لوحدك." تنهد آصف قائلًا: "لأ هي دعتنا سوا، مضطر أمشي بس هرجع المسا ياريت تكوني جاهزة." غادر آصف دون انتظار لمحايلة سهيلة، بينما تبسمت شكران قائلة بتحريض:

"مالها الحفلات دي، حفلة عادية حتى تفرفشي شوية إنتِ من شغل المستشفى للشقة، أهي فرصة ترفهي شوية عن نفسك." رسمت سهيلة بسمة، رغم اعتراضها، كذلك شجعها رحيم قائلًا: "روحي وابقى هاتلي معاكِ حتتين جاتوه، ولا يا خسارة هكون رجعت كفر الشيخ، أقولك حطيهم في التلاجة ابقى افوت أخدهم وانا راجع للكلية." تبسمت له شكران، بينما سهيلة لا تود الذهاب، بسبب نظرات تلك المرأة التي تخص آصف بها دون حياء. ***

مساءً، دلف آصف إلى المنزل. تبسم لصفوانة التي قابلته بترحيب سائلًا: "ماما فين؟ ردت صفوانة: "الست شكران، في أوضتها كانت بتكلم آيسر عالموبايل... قبل أن يسأل آصف عن سهيلة أجابته بسؤال خبيث: "وسهيلة في أوضتها، بس إيه اللي معاك في الصندوق ده." تبسم آصف ونظر إلى ذاك الصندوق الصغير قائلًا: "بطلي خباثة الفلاحين دي يا صفوانة."

تبسمت له صفوانة بقبول وهو يتخطاها نحو غرفة سهيلة، تنهدت تدعي له براحة القلب. بينما ذهب آصف نحو غرفة سهيلة كالعادة الباب موارب. طرق على الباب ثم أكمل فتحه. تبسم حين اعتدلت سهيلة جالسة على الفراش، تنظر له بتوتر حاول تجاهله، لكن سهيلة تسرعت: "خير إيه دخلك لأوضتي." غص قلب آصف لكن اقترب من فراشها ووضع ذاك الصندوق عليه قائلًا: "جبت لك فستان مناسب عشان الحفلة، ياريت تجهزي عشان منتأخرش." زفرت سهيلة نفسها بضيق قائلة:

"بس أنا قولتلك... قاطعها آصف بحسم: "كان لازم ترفضي من وقت ما دعتك امبارح ليه سكتِ، أعتقد ساعة مش هتأثر عليك، هروح أنا كمان أغير هدومي، على ما إنت كمان تجهزي."

ترك آصف سهيلة التي تشعر بضيق. هي لا تود رؤية تلك الآفاقة، لكن آصف يمارس ضغطًا عليها، حتى تعترف بأنها تنفر من حركات تلك الوقحة. ارتسمت بالبرود، أصرت أنها لن تذهب. نهضت من فوق الفراش حملت ذاك الصندوق وذهبت نحو غرفة آصف بنيتها أنها ستعترض ولن تذهب. وقف أمام باب غرفته يستجمع شجاعتها، زفرت نفسها بتحفيز، ثم طرقت على باب الغرفة، ودلفت حين سمعت صوت سماح آصف لها، لكن تيبس جسدها حين فتحت باب الغرفة ودلفت خطوة بداخلها. شعرت بحياء حين وقع بصرها على ظهر آصف الشبه عارِ، ارتبكت وظلت صامتة للحظات. استدار آصف ونظر لها تبسم على ملامح وجهها التي أصبحت حمراء من الخجل،

وقال: "ممكن تقفلي باب الأوضة لو سمحت، وبعدها ابقى قولي اللي عاوزاه؟ انتبهت سهيلة وشعرت برجفة بجسدها سرعان ما قالت: "أنا مش عاوزة حاجة، الفستان أهو، أنا مش... -مش إيه" قاطعها آصف وهو يقترب منها، كل خطوة تربك عقلها، ورهبة تسكن جسدها. عادت للخلف إلى أن وصلت للباب شعرت بريبة قائلة: "هروح ألبس حاجة ملائمة من عندي، بس مش هلبس اللي في الصندوق ده." تبسم آصف رغم تلك الوخزات بقلبه من نظرة عينيها المرتعبة قائلًا بهدوء:

"تمام براحتك... بس كفاية تأخير." ذهبت سهيلة. وقف آصف يتنهد ربما يكفي أنها أتت لغرفته، كذلك وافقت على الذهاب معه، فلولا سهيلة ما كان ذهب إلى ذلك الحفل الذي لا يستهويه، فقط ذاهب من أجل الانفراد بـ سهيلة حتى ولو لوقت قليل. بعد قليل، انتهى آصف من ارتداء ثياب مناسبة، ذهب نحو غرفة سهيلة وقام بالطرق على باب الغرفة. لحظات قبل أن تفتح سهيلة باب الغرفة قائلة: "أنا جاهزة."

نظر لها آصف بتقييم، لا ينكر إعجابه بزيها البسيط لكن أنيق في نفس الوقت، كذلك حجابها المنمق والملائم لزيها، لكن كان ينقصه بعض الرتوش الخاصة. أخرج علبة مخملية من خلف ظهره، مد يده بها لها قائلًا: "أعتقد الطقم ده هيدي طابع ملكي ليكي، وياريت بلاش اعتراض."

لم تعترض سهيلة تود الخروج من تلك الحالة، أخذت العلبة وذهبت نحو المرآة الخاصة بغرفتها فتحت العلبة، لا تنكر إعجابها بتلك القطع الذهبية المرصعة ببعض الألماس. أخذت تضع قطعة خلف أخرى. ظل ذاك الخاتم وجواره خاتم آخر يبدوان مثل خواتم العروس. للحظة فكرت يكفي ذاك السوار والسلسال، لكن آصف لاحظ ترددها فقال: "ياريت تلبسي كمان الخاتم والدبلة."

كيف قرأ ما بخاطرها أنها لم تكن تود وضعهم بأصابعها، لكن ارتدتهم بعجالة حتى لا تتردد مرة أخرى. نظرت له بتهرب قائلة: "أنا جاهزة." تبسم وأشار لها بيده أن تتقدم أمامه، تقابلا مع شكران التي تبسمت لهم وتمنت لهم قضاء وقت سعيد.

بالسيارة، شعرت سهيلة بارتباك وتوتر مصحوب برجفة، حتى مع حديث آصف الهادئ كانت ترد باختصار. تنفست الصعداء حين ترجلت من السيارة أمام مدخل تلك الفيلا الفخمة. ارتعب جسدها حين تعمد آصف إمساك يدها، وسحبها تسير بجواره إلى أن دلفا إلى ذاك البهو الواسع، ورأت ذاك الجمع الكبير. لم تهتز ولم يلفت انتباهها أي شيء، مجرد مظاهر آفاقين فقط. كل ما تشعر به هو رجفة يدها التي يمسكها آصف، حتى تلك الهدية الذي قدمها آصف لـ مي لا تفرق معها. لكن

شعرت بضيق حين تعمدت مي، عناق آصف وقبلت وجنته، كنوع من الامتنان له على الهدية. شعر آصف بمفاجأة من فعلة مي وتضايق وغضب منها وكاد يغادر، لكن بدل ذلك بعدما نظر إلى ملامح وجه سهيلة التي تبدلت وكذالك تلك الزفرة الساخنة التي خرجت من بين شفتيها، تبسم ورسم القبول بذلك. رحبت به مي بحفاوة كأنه لا يوجد غيره بالحفل، حتى جلسا خلف إحدى الطاولات. مظاهر حفلة عيد الميلاد هذه مختلفة عليها، ليست بسيطة، فهي أشبه بمؤتمر لعقد الصفقات

والتباهي أمام الكاميرات. شعرت سهيلة بالنفور. ازداد حين عادت مي، وقامت بالانحناء على آصف، وطلبت منه أن يرقص معها. نظر آصف إلى سهيلة ود لو اعترضت، لكن أظهرت برودًا عكسيًا. تبسم آصف ونهض مع مي ذهبا إلى تلك الساحة بمنتصف البهو. بلا اهتمام شعر بإمساك مي ليده وضعتها حول خصرها والأخرى ضمتها بيدها، وبدأت بالدوران معه، لكن هو كانت عيناه على سهيلة. لاحظت

مي ذلك فقالت باستقلال: "هي دي مراتك؟ إزاي قبلت ترجعلك، مش مكنتش قابلة بـ... قاطعها آصف قائلًا: "أعتقد ده شأني الخاص." صمتت مي للحظات تشعر بالبغض لتلك الجالسة التي تستحوذ على عقل وقلب آصف، لكن آصف مع كل دوران كان ينظر نحو سهيلة، لكن تفاجأ أنها لم تعد جالسة. ترك يد مي وانسحب بعيدًا عنها، وذهب نحو طاولة سهيلة. شعر بنغزة في قلبه وخرج سريعًا، نحو تلك السيارة سائلًا: "الدكتورة خرجت من الحفلة." رد أحدهم:

"فعلًا وعرضنا نوصلها وهي مرضيتش وقالت هتتمشى شوية، وكان في فرد أمن مرافق ليها وقال إنها ركبت تاكسي وطلبت منه يوصلها للبيت." نظر له آصف بغضب قائلًا: "وإزاي تسيبوها تمشي لوحدها؟ حسابكم معايا بعدين." ***

ترجلت سهيلة من سيارة الأجرة ثم صعدت إلى الشقة ودلفت إليها، تشعر بإرهاق، ليس بدني لكن ذهني. فتحت باب غرفتها ودلفت إليها تشعر بسأم، كذلك شعور بسخونة في جسدها. ذهبت نحو الفراش مباشرةً، وجلست عليه. قامت بفك وشاح رأسها وضعته بجوارها على الفراش ثم تحررت من بعض ثيابها، وتلك المصوغات وضعتها على جنب حتى تلك الدبلة والخاتم خلعتهم، واستلقت بنصف جسدها على الفراش. زفرت نفسها تشعر بتشتت من تلك المشاعر التي انتابتها قبل قليل حين رأت آصف يرقص مع تلك المرأة. حقًا يبدو بوضوح عدم انسجامه معها بالرقص، لكن بالنهاية جسدهما قريب من بعض بأحضان بعض تقريبًا، كذلك هي كانت تتقرب منه أكثر. شعور غريب هل هو "غيرة".

فجأة انتفضت ونهضت واقفة تذم نفسها قائلة: "غيرة إيه يا سهيلة، إنتِ نسيتِ اللي جرى لك منه ولا لسه بتحبيه؟ آصف أسوأ إنسان في حياتك، أكتر شخص آذاكِ ومازال مستمر في أذيتك، بدليل خداعهُ إنك لسه على ذمتهُ. فوقي كفاية هتفضلي ضعيفة لحد إمتى، المفروض الجوازة دي تنتهي وكمان تخرجي من دايرة آصف."

تنهدت ورفعت يديها قامت بفرد خصلات شعرها الأسود تركته ثائر خلف ظهرها، وتوجهت نحو دولاب الملابس أخرجت لها منامة، للحظة عاود منظر رقص آصف مع تلك المرأة لخيالها. لامت نفسها وذهبت نحو الفراش، وضعت المنامة عليه، حتى تقوم بخلع باقي ملابسها، لكن نظرت نحو باب الغرفة الذي انفتح دون استئذان. سريعًا جذبت جزء من تلك المنامة وارتدته، قبل أن تتهجم بالحديث:

"مش في باب تخبط عليه قبل ما تدخل، ولا هو طبع فيك إنك تتهجم على خصوصية الآخرين." أغمض آصف عينيه للحظة بعد أن وقع بصره عليها وهي نصف عارية، يشعر بشوق يفتك به يتمنى الآن أن يجذبها إليه يضمها بين أحضانه يستقي منها الشوق الذي يهدر بكيانه. عاود فتح عينيه يختفظ بتلك الصورة في خياله، وتغاضى عن تهجمها في الحديث معه سائلًا: "ليه مشيتِ من الحفلة وكمان من غير حراسة." زفرت نفسها بغضب قائلة:

"قولتلك ألف مرة مش محتاجة للحراسة ماليش عدوات مع حد أخاف من أذيته، وكمان مشيت عشان تبقى براحتك، يمكن وجودي كان مضيق عليك، وترقص براحتك مع العاهرة اللي كان ناقص... توقفت سهيلة فجأة عن التفوه أكثر عن تلك المرأة حتى لا تثير زهو آصف ويظن أنها تغار عليه، وحاولت إظهار اللامبالاة وفسرت الأمر ببساطة:

"أنا أساسًا مكنتش عاوزة أحضر الحفلة دي، أو أقولك الحقيقة النوعية دي من الحفلات ماليش فيها ولا أحب أحضرها، محبش أحضر في مكان وأشوف فيه مناظر ملهاش معنى غير إنها مجملات أوبالأصح مناظر حرام أساسًا. وكمان ناسي إني فلاحة ومليش بالحفلات الراقية اللي من النوع الدنيء ده."

للحظة ظهرت البسمة على محيا آصف، ونسي سبب ذلك الغضب الذي كان يشعر به بسبب مغادرتها الحفل دون إخباره قبلها كذالك دون اصطحاب حراسة معها. شعر بانشراح من مغزى حديثها هي شبه أخطأت وربما ضغطت مشاعر الغيرة لديها، أنها لم تستطع رؤيته يحتضن تلك السخيفة التي أحرجته وطلبت منه أن يرقص معها. وافق على عرضها ليس مضطرًا أو مرغمًا بل وافق عن قصد إثارة مشاعر سهيلة، وقد نجح في ذلك. لكن

السؤال الذي يخشى إجابته: هل حقًا سهيلة تحمل له مشاعر خاصة تجعلها تشعر بالغيرة عليه؟ والإجابة موجعة. بالتأكيد لا. والسبب... هو بتسرعه في تنفيذ حكم خاطئ أهدر عشقه بقلب امرأة يملأ عشقها قلبه يتغلغل بكل ذرة في جسده مع جريان الشريان في أوردته. شعرت سهيلة أنها تسرعت بالرد ربما ظن أنها تغار عليه أو مازالت تكن له مشاعر. بدلت قائلة بأسف:

"خسارة يا آصف، لما كنت قاضي عادل الخوف مكنش في قلبك كنت شجاع، لكن لما بقيت ظالم بقيت تمشي وراك وقدامك حراسة. إحساس إنك ظالم زرع في قلبك الخوف."

ابتلع آصف تلك الغصة وهو يقترب منها بخطوات بطيئة يود البقاء معها وقتًا أطول، لكن نظرة عينيها التي حاولت أن تتمسك ببرودتها وضعته في حيرة. هل مازالت سهيلة تكن له مشاعر مطموسة، أم أن تلك النظرة النافرة حقيقية. لكن هي بكل خطوة يقترب تشعر برجفة في جسدها، وللغرابة ليست خوفًا من اقترابه. بداخل عقلها لن يستطيع إيذائها كما فعل بالماضي. فإن كانت جدتها ليست بجوارها معهما بنفس الشقة، والدته كذالك صفوانة. لكن أغمضت عينيها. ألم تكن هاتان موجودتان بنفس المكان تلك الليلة؟

وعاصفة من الظنون بدأت تطوف بعقلها، لكن أخرجها من تلك الظنون، شعورها بقبضة يد آصف على عضدها وجذبها عليه كانت بلحظة تقبع بين يديه ضمها قويًا وبلا انتظار قبلها. لكن هذه المرة ليست كليلة أمس، استكانت الليلة. دفعته عنها بقوة وابتعدت عنه تلهث قائلة بغضب:

"اخرج برة أوضتي يا آصف وابعد عني متفكرش إن أفعالك الهادية دي هتأثر عليا وأنسى إنك أسوء إنسان مر بحياتي، وجودي هنا مسألة وقت، زي انفصالنا هو كمان مسألة وقت والمرة دي هتأكد قبل ما أمضي على ورقة طلاقنا." تعصب آصف قائلًا بغضب: "انفصالنا أمر مستحيل يحصل، مستحيل تتحرري من عشقي غير في حالة موتي يا سهيلة." ترك آصف الغرفة وصفق خلفه باب الغرفة بقوة. زفرت سهيلة نفسها بغضب هي الأخرى تذم نفسها قائلة:

"فوقي يا سهيلة وكفاية بلاش يخدعك نعومة آصف." بينما ذهب آصف إلى غرفته الخاصة، يزفر نفسه يشعر كأن قلبه ينزف. كلما ظن أنه اقترب خطوة، تفاجأ بأنه في أول الطريق. شعر بإنهاك عقله هو الآخر بعد معرفته أن ذاك الذي يتعقبه هو "والده"، رغم أن لديه شك في هذا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...