الفصل 29 | من 47 فصل

رواية عشق مهدور الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
18
كلمة
4,952
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 62%
حجم الخط: 18

توتر رحيم قائلًا: ذِلة أيه يا هويدا، هو عشان قولت عليه أنه كويس يبقى منافق؟ أنا حاسس إني مُرهق، هروح أنام. تصبحوا على خير. غادر رحيم الغرفه. بينما هويدا جزمت أن هنالك سر يخص آصف مع رحيم، لكن لا يعنيها غير مصلحتها. نظر لها أيمن قائلًا بعتاب: ليه مقولتيش إنك مسافرة القاهرة إمبارح؟ نظرت هويدا بضجر لـ عادل قائله: كنت حابه أعملها مفاجأة لـ عادل، بس واضح إنها معجبتوش. زفر عادل نفسه بغضب قائلًا:

مش زيارتك هي اللي معجبتنيش يا هويدا، موضوع شغلك عند أسعد شعيب هو اللي مش مناسب ليكي. زفرت نفسها بقوة قائلة بتسرع: أيه اللي مش مناسب ليا فيه؟ بالعكس دي فرصة كبيرة... زي فرصتك لما اشتغلت في بنك استثماري، بتقبض أضعاف مرتبك، ده نفس الشئ، فرصة وجاتلي أقولها لأ أبقى غبية، وأنا خلاص أخدت القرار، وهستلم الشغل بعد يومين. نهض عادل متعصباً يقول: أنا قولتلك قراري لو..... قاطعته هويدا باحتداد هي الأخرى قائلة بلا مبالاة:

وأنا قولتلك محبش حد يحطني في اختيار، بحسه تقليل شأن ليا و..... حاول أيمن امتصاص حدة الحديث بينهم قائلاً: اهدوا شوية، في إيه؟ الموضوع للمناقشة، مش للخناق، افتكروا إن في طفل بينكم. تنفست هويدا بقوة قائلة بتحفيز: وموافقتي عالشغل في الوظيفة دي، عشان ابني، عاوزاه يعيش في مستوى أفضل. تهكم عادل قائلاً: مستوى أفضل.... تعرفي إيه عنه أساسًا... قاطعته هويدا بغضب واستنفار تحاول الضغط عليه:

عاوزة سبب واحد لرفضك إني أشتغل في الوظيفة دي، ولا هي تحكمات فارغة وخلاص. زادت عصبية عادل قائلاً: انتِ ليه مصرة أوي كده؟ أنا سبق وقولتلك إني كلمت مدير البنك، وقالي فترة وهيدبر لك مكان في البنك معايا. تهكمت هويدا: مكان إيه وبمرتب كام، ما أهو فرصة أفضل وبمرتب أفضل يبقى ليه أنتظر كلام في الهوا مجاملة مش أكتر... ومفيش مشكلة، ممكن أستلم الشغل ده لفترة وإن صدق مدير البنك بسيطة أبقى أقدم استقالتي.

نظر لها عادل باستهجان قائلاً: بسيطة إزاي يا مدام، أكيد هيبقى في عقد عمل بينك وبين أسعد شعيب، ولازم هتتغصبي تكمليه للآخر، ممكن وقتها فرصة شغلك في البنك تضيع، أنا بقول ترفضي من دلوقتي أفضل. ردت هويدا بضيق: لأ أنا أساسًا مضيت على عقد عمل بسنة. جحظت عين عادل بغضب قائلاً باستنكار وتهديد مباشر:

يبقى بتهدمي حياتنا مع بعض، انتِ واخده قرارك قبل ما تقوليلي، بتتصرفي على مزاجك، أنا قولت اللي عندي، قبولك للوظيفة دي قصاد استمرار... قاطعته هويدا باستنفار واختصار: براحتك، خد القرار، بس أنا كمان مش هضيع فرصة زي دي قصاد تهديدك ليا. لم يُذهل عادل، لكن ذُهل أيمن وسحر اللذان حاولا تهدئة الحديث، لكن لا فائدة، كلُ منهم وصل إلى مآربه بإقصاء الآخر من حياته. بعد منتصف الليل بشقة آصف بغرفة المكتب

بعد تلك المشادة الحادة بينه وبين سهيلة، لم يستطع الخلود إلى النوم، سيطرت عليه فكرة أن سهيلة تسد كل الطرق أمامه، كذلك تصد كل محاولاته التقرب منها، كلما ظن ببوادر فرصة أضاعتها سهيلة، ظل الفكر يتلاعب بعقله يؤلم قلبه، ذهب إلى غرفة المكتب عله يشغل عقله قليلاً بالتفكير في تلك القضايا يصرف ذهنه حتى لو قليلاً. عكف على دراسة بعض القضايا، دون أن يشعر، سحبه الوقت إلى ما بعد الثانية صباحاً.

بينما شكران استيقظت بعد أخذ قسط طويل من النوم، نهضت كعادتها ليلاً تقضي صلاة قيام الليل، ذهبت نحو المرحاض وتوضأت، ذهبت نحو طاولة بجوار الفراش نظرت عليها قائلة: فين السبحة بتاعتي كانت هنا. بحثت عن تلك المسبحة لم تجدها بالغرفة، تذكرت قائلة: يمكن نسيتها في أوضة الجلوس. ذهبت نحو تلك الغرفة فعلاً وجدت مسبحتها موضوعة على منضدة بالغرفة، جذبتها مبتسمة وكادت تعود لغرفتها لكن لاحظت ضوء متسرب من غرفة مكتب آصف.

ذهبت نحوها، أكملت فتح باب الغرفة الموارب، تفاجئت بـ آصف الذي رفع وجهه ونظر نحو باب الغرفة، تبسم لها حين قالت باستخبار: آصف إيه اللي مسهرك لدلوقتي، إحنا قربنا عالفجر. أزاح تلك النظارة الطبية عن عينيه وقام بتدليك جبهته بإرهاق واضح قائلاً: قضية مهمة كنت بدرسها كويس. غص قلب شكران، تعلم أن آصف لا يود أن يعترف بالحقيقة، أنه ساهد بسبب أنين قلبه.

اقتربت من المكتب وأزاحت ذاك الحاسوب الذي كان أمامه قليلاً، كذلك أغلقت ذاك الملف الورقي الذي أمامه، تبسمت له قائلة: طب كفايه كده، ويلا قوم معايا ريح عقلك من التفكير في القضايا، افصل عقلك شويه. تبسم لها قائلاً: تمام يا ماما، أنا أساساً خلصت دراسة كل أبعاد القضية، بس إيه اللي مصحيكِ دلوقتي. تبسمت له قائلة: أنا بصحي في الوقت ده دايمًا، بصلي قيام الليل، وأدعيلك إنت وإخو...

قطعت تلك الكلمة الأخيرة تشعر بوخزات مؤلمة للغاية، هي افتقدت أحد أبنائها، رغم ذلك ما زال لسانها يذكره وقلبها يتضرع ألم الفقد، تخصه بالدعاء بالغفران، مثلما تدعو لـ آصف وآيسر أن يحصلا على كل ما يجعلهم سعداء. أكملت قولها: يلا بلاش تسهر كفاية كده، بعدين إنت وسهيلة رجعتوا إمتى من الحفلة. غص قلب آصف قائلاً: رجعنا بدري، إنتِ عارفة إن مش بتستهويني الحفلات دي، يا دوب فضلنا شوية ورجعنا. تبسمت له قائلة: طب بلا قوم كفاية.

تبسم لها ونهض واقفاً يقول: حاضر يا ماما هقفل اللابتوب وأروح أنام. وضعت رأسها بين يديه، وأخفضت رأسها وقبلت صفحة وجهه بأمومة قائلة: تصبح على خير. تبسم لها لكن هي قالت له بتحذير: ريحة هدومك سجاير فاقعة. خف شوية منها، عشان صحتك، واضح إني مش لازم بس أمنعك إنك تدخن هنا في الشقة قدامي بس، كمان حاول تقلع عنها. تبسم لها دون رد، تبسمت له قائلة: خليك زي آيسر محافظ على صحته. تبسم لها قائلاً:

ادعيلي وإنتِ بتصلي، ربنا يتوب عليا منها. تبسمت له وربتت على كتفه قائلة: هدعيلك براحة القلب وكما التوبة من السجاير. انحنى يُقبل يدها، شعر بهدوء قليل في قلبه قائلاً: ربنا يخليكِ لينا يا ماما. تبسمت له، وتركته لكن وقفت أمام باب الغرفة قائلة بتحذير: أوعي ترجع تاني تقرأ في الملفات، روح أوضتك ارتاح. أومأ لها مبتسماً بطاعة.

بعد ثوانٍ خرج من المكتب وتوجه نحو غرفته، لكن أثناء سيره لفت نظره باب غرفة سهيلة الموارب قليلاً، بالكاد نظر إلى داخل الغرفة لاحظ ضوء الغرفة الخافت، رجح عقله بالتأكيد سهيلة نائمة لن تشعر لو دلف إلى الغرفة وألقى عليها نظرة قبل أن يذهب إلى غرفته، نظرة يختزنها بقلبه إلى الصباح.

بهدوء أكمل فتح باب الغرفة ودلف مثل اللصوص إلى الغرفة، اقترب من الفراش وقف يتأمل ملامحها وهي نائمة هادئة، بشوق تحكم في قلبه انحنى وضع قبلة خاطفة على وجنتها ثم نهض سريعاً خشية أن تصحو وتفزع من وجوده بالغرفة، غادر مثلما دلف وجذب باب الغرفة أعاده مثلما كان موارباً. وقف بجوار باب الغرفة يتنفس باشتياق يتغلغل بكل ذرة في كيانه.

فاق من تلك الحالة خشية أن تراه والدته. ذهب إلى غرفته نظر إلى زواياها رغم وسعها لكن شعر كأنها فضاء شاسع وهو فيه وحيد، يشعر أنه مثل الظمآن وهي مثل الخمر محرمة.

بينما سهيلة فتحت عينيها لم تكن غافية، كانت مستيقظة وشعرت بدخوله حين سمعت صوت زمجرة الباب شبه الخافتة، شعرت برجفة في جسدها، كذلك انعكاس جسد آصف وهو يقف بجوار الفراش كان مثل مارد الحكايات القديمة، حتى تلك القبلة الذي وضعها على وجنتها، للحظة كادت تفتح عينيها، وتكشف أنها تشعر به وتعلم أنها ليست المرة الأولى الذي يفعل ذلك، ويتسلل إلى غرفتها خلسة ظناً منه أنها نائمة، حتى أثناء وجود جدتها معهم كانت تشعر به.

تنفست، تشعر كأنها بصراع غير حميم بين عقلها وقلبها، قلبها الذي عاد يخفق، أحياناً يعيدها إلى تلك البريئة التي كانت تذهب إلى البحيرة، تشتاق إلى نفسها بهذه الأيام كان قلبها صافي مثل مياه البحيرة، لكن عقلها يحذرها من الانحناء مرة أخرى وتذوق تلك المياه فملوحتها طمست عذوبة قطرات الندى. باليوم التالي ألمانيا ظهراً أحد أقسام الشرطة

دَلفت روميساء بصحبة والدها، الذي لا يظهر عليه توتر عكس روميساء التي شعرت بتوتر مصحوب بفضول لمعرفة سبب ذاك الاستدعاء الذي وصل إلى مسكنها وأخبرها بضرورة ذهابها معهم إلى أحد مخافر الشرطة من أجل استجواب، لم تتذكر ما فعلته بـ آيسر، كان عقلها يفكر مثل الحاسوب الذي يسترجع معلومة، لا تتذكر شيئاً، إلى أن دخلت إلى تلك الغرفة ورأت آيسر يجلس على مقعد مقابل ذاك الشرطي الجالس خلف مكتبه، لكن وقفت مذهولة وهي ترى آيسر رسم بعض الفزع

حين رآها، وانكمش قليلاً بتمثيل، لكن ذاك لم يفرق معها، الذهول كان بسبب ذاك الضماد الكبير الموضوع حول رأس آيسر يلفها بالكامل كأنها رأس أخرى من القطن، كذلك ضمادين حول ساعديه الاثنين، ذاك الأحمق بالَغ كثيراً هي فقط ضربته بتلك المزهرية الصغيرة فوق رأسه لا تسبب كل هذا الضرر الواضح عليه، كذلك تلك النظرة المرعبة الذي تعمد إظهارها أمام الشرطي.

شعرت بغيظ من افتراءه وشبه تيقنت أن ذاك الآفاق هو سبب ذاك الاستدعاء. بينما والدها نظر إلى آيسر بشبه تفاجؤ وذهب نحوه سائلاً: آيسر شو حصلك؟ ادعى آيسر الألم وتمسكن قائلاً: اسأل بنتك يا عم... كل ده عشان طلبت منها إننا نتجوز، كان سهل ترفض وأنا كنت هواسي قلبي المتيم بها، لكن هي افترت عليا وضربتني قدام اللي كانوا في المطعم، لو مش هما اللي تدخلوا كانت غزتني بالسكينة في قلبي، مش كفاية كسرها لقلبي.

حاول مدحت إخفاء بسمته، لكن فلتت منه بسمة طفيفة يعلم أن آيسر يبالغ كثيراً. بينما نظرت له روميساء بسخرية وغيظ ودت فعلاً لو معها سكين كانت رشقتها في حلق هذا الاحمق الكاذب. بينما وجه الشرطي لها تهمة الاعتداء بالضرب على آيسر وأخبرها أن هناك تقرير طبي من المشفى يفيد تلقيه ضربة فوق الرأس كانت من الممكن أن تقتله، كذلك طعنتين بسكين في يديه، كما أنه يوجد شريط مصور لذلك وأيضاً شاهد. ذُهلت وهي تنظر إلى آيسر

بغضب قائلة بالألمانية: ده كذب وافتراء، أنا فعلاً ضربته على راسه بس دي مزهرية صغيرة ما بتسبب كل هديك هو عم يبالغ. نظر آصف إلى ذاك الشخص الواقف قائلاً بمرح: انزل بالترجمة يا أخ أنا جايبك من السفارة المصرية عشان تترجم لي مش تقف تبتسم. أخفى ذاك الشخص بسمته وترجم له نفي روميساء ذلك، لكن اعترفت أنها بالفعل ضربته بالمزهرية. تنهد براحة قائلاً: أهو كويس الاعتراف سيد الأدلة، امسك في الاعتراف ده وزود بقى براحتك. نظرت له

روميساء وتحدثت بالعربية: شو بدك يا آيسر من هديك الاتهام. رسم آيسر الألم قائلاً: سبق وطلبت منك نتجوز. نظرت له بعيظ قائلة: بس أنا قولتلك إنك شخص... قاطعها: أنا شخص طيب وحنون، كمان طيار يعني فيا كل المميزات الزوج المثالي. تهكمت عليه روميساء سائلة: وشو هي مميزات الزوج المثالي بنظرك، تكون متل بايك المتزوج تلاته ولا أخوك اللي طلق مرته؟ تبسم بسماجة قائلاً:

لو تشوف حال أخويا وهو بيعمل المستحيل عشان يرضي مراته، كفاية إنه طردني من الشقة بتاعته، عشان مسببش حرج لمراته. تهكمت قائلة: طب وبايك زوج التلاتة. رد ببساطة: أنا مختلف تماماً، سبق وقولتلك إني طيار. تساءلت روميساء بزهق: وشو فيها الطيار مشان يكون ميزة. تبسم قائلاً: طيار يعني كل رحلة في بلد شكل وغائب طول الوقت ودي فرصة هبقى شخص متجدد مش على نمط واحد... ده غير الهدايا اللي هجيبهالك من كل بلد أروحها. نظرت له بحنق قائلة:

كل هديك ما بيفرق معي، أنا بدي زوج عاقل... وهديك مو عندك. نظر لها ببساطة قائلاً: براحتك أنا عديت عليكِ مميزاتي، وإنتِ اللي مصرة على رفض النعمة، إنت يا أخ قول للظابط اللي قاعد زي الأطرش في الزفة ده، يكمل بقية القضية التفاوض الودي فشل. نظرت له روميساء بغضب قائلة: شو قصدك يا آيسر. رد بسماجته: قصدي بقى طالما مفيش جواز يبقى في سجن، ده غير التشهير طبعاً في الشركة اللي بتشتغلي فيها. سجن! هكذا ذُهلت روميساء قائلة:

وزواجي من شخص كذاب وآفاق ومعنده أخلاق مش سجن؟ تبسم آيسر: سجن برضو بس سجن لذيذ و... كاد يكمل آيسر بوقاحة لكن نحنة مدحت جعلته يصمت للحظات وتبسم قائلاً: القرار ليك يا روميساء توافقي تتجوزيني ونكتب الكتاب دلوقتي، يا أما نكمل محضر التهجم على شخص بريء والتشهير ومش بعيد يرفدوكِ ويخافوا على زملائك في الشركة منك، آه ده غير مفيش راجل هيقرب منك يخاف لا تقصفي عمره بدري. تهكمت بحنق قائلة: وإنت ما خايف على عمرك.

رد آيسر ببرود وعاكسها: عمري كله فداكِ يا جميلتي. تنحنح مدحت قائلاً: لاحظ يا آيسر إني بايها وإني معكم بالمخفر. تبسم آيسر قائلاً: آسف يا عمي، بس جمال الرومس بينسيني الدنيا، ها يا جميلتي العنيفة، نكمل المحضر ولا نكمل الجوازة، في الحالتين أنا كسبان. زفرت روميساء نفسها وهي تنظر إلى ذاك الشرطي المتخفز، ذاك الاحمق ضيق عليها الخناق، لكن لن يكسب تلاعبت ربما تكسب وقتاً قائلة: أوكيه موافقة أتزوجك.

لكن آيسر كان أذكى منها وتبسم بظفر وتصميم قائلاً: تمام، بلاه نروح السفارة المصرية دلوقتي نكتب الكتاب. شوووو! كان ذلك رد روميساء المذهولة والذي أكده آيسر: هنكتب كتابنا دلوقتي في السفارة المصرية بألمانيا كل شيء جاهز على حضور العروسين يا جميلتي العنيفة. بعد مرور عشرون يوماً صباحاً بشقة آصف

على طاولة الفطور، كان الصمت يسود بين ثلاثتهم إلى أن نظر آصف نحو سهيلة التي تتناول الطعام بصمت تبدو كأنها شاردة، شعر بوخزات قوية في قلبه، جذب كوب الماء ارتشق القليل ثم تعمد النظر لها وهو يقول: أنا مسافر النهاردة بعد الظهر أسيوط عندي قضية هناك. رفعت سهيلة عينيها عن طبق الطعام ونظرت له، للحظة شعرت بالتوجس، شاركتها شكران نفس الشعور وقالت: أسيوط! وهتبات هناك؟ نظر لها آصف ببساطة قائلاً:

أيوه، القضية بكرة الصبح، وبعدين مالها أسيوط بتقوليها كأني رايح قارة تانية. نظرت له شكران تشعر بتوجس قائلة: مش أسيوط اللي قبل كده كانوا.... توقف الحديث بحلق شكران لا تود فرض السوء، ثم أكملت بأمومة: هترجع إمتى بالسلامة. نظر آصف لـ سهيلة الصامتة قائلاً: مش عارف... مش عارف يمكن أبات كمان بكرة هناك... هبقى أتصل أطمن عليكي.

رغم ذاك القلق الذي انتاب سهيلة لكن ظلت صامتة كأنه لا يعنيها الأمر، مما زاد غص قلبه، بينما تبسمت شكران رغم توجسها، قائلة: ترجع بالسلامة. نهض آصف من خلف طاولة الطعام قائلاً: أنا شبعت، هروح أوضتي آخد موبايلي ومفاتيح العربية. أومأت له شكران ببسمة حنونة، كان يود بسمة من سهيلة لكن ادعت الانشغال بالعبث في طبق طعامها.

نظرت لها شكران بأسف، آصف يتحمل أكثر من طاقته في التعامل معها، يتمنى منها فقط طرفة عين برضا، حقاً تعطي لها عذر لكن آصف ابنها وتود أن يحصل على السعادة التي على بعد خطوة واحدة ببسمة فقط من سهيلة. زفرت نفسها داعية أن يرق قلبها، من أجل سعادتها هي الأخرى، خبرة السنوات أعطتها جزءً من فهم من أمامها، سهيلة مثل آصف تتعذب بين قرار أسهلهما صعب.

بعد دقائق خرج آصف من غرفته أثناء سيره بالردهة كاد يصطدم بـ سهيلة التي توقفت، تبسم لها آصف الذي توقف هو الآخر، كادت تمر سهيلة من جواره بصمت لكن تعمد آصف وضع يده على جانب خصرها وقربها منه وقبل وجنتها هامساً: هتوحشيني يا سهيلة.

ارتجفت سهيلة وبرد فعل تلقائي ابتعدت عنه سريعاً، وقفت تزدرد ريقها ونظرت له تشعر بمشاعر مختلطة بين صراع نفسي داخلها يخشى تقارب آصف، وشعور آخر أصبح يتقبل اقتراب آصف، لكن حسم هذا الصراع ونظرات الأعين بينهم، شكران التي اقتربت منهم مبتسمة تقول:

كويس إنك لسه هنا يا آصف، كنت ناسيه أقولك صفوانة خلاص كملت الخمسة وستين سنة، وراحت تدور على المعاش بتاعها ومعرفتش تخلص الورق المطلوب منها، عاوزاك تبقى في يوم فاضي تروح معاها كفر الشيخ تخلص ليها الإجراءات دي. تبسم آصف قائلاً: تمام يا ماما، خليها تشوف أي يوم وأنا هفضى نفسي، يلا مش عاوز أتأخر ع المحكمة، خلي بالك من نفسك ومن سهيلة. تبسمت له قائلة: ترجع بالسلامة.

غادر آصف تنظر شكران تشعر بقلق، كذالك سهيلة التي استغربت توصيته لوالدته عليها، رغم أن كان لابد أن يقول العكس، وضعت شكران يدها على كتف سهيلة وتبسمت لها، تبسمت سهيلة هي الأخرى. أمام البنك الذي يعمل به عادل

كادت هويدا أن تترجل من سيارة الأجرة، لكن ظلت جالسة بالسيارة حين رأت عادل يسير مع إحدى النساء كانت غير واضحة الملامح بسبب تلك النظارة التي تضعها حول عينيها لكن من زيها الأنيق تيقنت إنها سيدة ذات شأن والا لما رافقها إلى خارج البنك، لكن لما يفعل ذلك، فهو غير ملزم برفقتها إلى خارج البنك. ظلت تتطلع لهما إلى أن خلعت نظارتها وظهرت رؤيتها لمن تلك المرأة وكذلك فتحة لها باب سيارتها الخاصة وتوديعه لها بحفاوة، تفوهت بتعجب:

شهيرة، مرات أسعد شعيب. ليلاً بشقة آصف

رغم شعورها بالإرهاق منذ أن عادت من المشفى، لكن لا تعلم سبب لسُهدها حاولت النوم لكن لا فائدة، كذلك هناك شعور آخر شعرت به الليلة عاشت ذاك الشعور سابقاً حين كانت بالسجن، شعور بالخوف في قلبها، لماذا هذا الشعور تشعر به مع زيادة خفقان في قلبها، رغم أنها ليست أول ليلة لها بهذه الشقة كما أن الشقة بمنطقة آمنة وبها حراسات خاصة، لكن تشعر بخوف، أخبرها عقلها ربما لأن هناك ثلاث نساء في المنزل وحدهن. ماذا!

هل وجود آصف بجوارها يعطيها أماناً؟ بالتأكيد لا، هذا فقط شعور عابر أو ربما من الذكريات المؤلمة. لكن عادت تعترف: اعترفي يا سهيلة انتِ حاسة بخوف عشان غياب آصف ولا خايفة عليه أسيوط هي البلد اللي سبق قبل كده واتصاب فيها. زفرت نفسها بدعاء قائلة: يارب، أنا نفسي أرتاح، حاسة إني زي اللي تايه وبيجري في أرض محاوطها شوك من كل اتجاه مش عارف يخرج منها يوصل لأول الطريق. حيرة، أم خوف ما يغزوا قلبها حيرة...

من مشاعرها التي ظنت أنها دفنتها خوف... من آصف أم خوف عليه عودة اقتراب آصف منها وضعها في صراع غير محسوم. أي اختيار فيهم صعب. بأحد فنادق أسيوط فتح آصف هاتفه، نظر لتلك الصورة تنهد باشتياق، لكن سرعان ما غص قلبه، هو على يقين أن سهيلة بالتأكيد نائمة لا تفكر فيه.

زفر نفسه وهو ينهض من فوق الفراش جذب السيجار وأشعله، ثم جلس على أحد مقاعد الغرفة نفث الدخان مثل سحابة رمادية أمام عينيه تغشي من الرؤية، زفر نفس آخر ازدادت تلك السحابة، وعقله يفكر فيما وصل لحاله من ذاك المتعقب وماذا يريد منه، سهيلة نفسها سألته من من أنت خائف، لا يعرف الإجابة هو ليس خائفاً على نفسه هي فقط، حتى ذاك المتعقب الذي أوقع به حين ضغط عليه أخبره أنه أخذ الأمر من "أسعد شعيب" بالتأكيد هو كاذب، كان سهلاً عليه مواجهة والده لكن على يقين أن هناك شخص آخر لديه هدف.

في أثناء انشغال عقله صدح رنين هاتفه. نهض واقفاً وجذبه من طاولة بجوار الفراش قام بسماع الآخر يخبره: آسف إني أزعجتك يا باشا في الوقت ده، بس حضرتك قولتلي أتصل عليك في أي وقت، باشا أنا جبت لحضرتك تسجيلات كاميرا المستشفى في اليومين اللي طلبتهم، بس ده غلبني أوي على ما عرفت اوصل لهم وأطلعهم من أرشيف تسجيلات كاميرات المستشفى، بصعوبة وصلت لهم، لأنهم كانوا محفوظين بسبب قضية المرحوم سامر بيه. شعر آصف بغصة، لكن قال بهدوء:

تمام كويس أنا راجع بكرة المسا القاهرة استناني في محطة القطر آخد منك الشريطين دول. أغلق آصف الهاتف، وتمدد فوق الفراش عقد يده حول رأسه يفكر، هل سيصل إلى قاتل أخيه ويبرئ سهيلة كما كانت تستحق من البداية، كذلك سيأخذ قصاص أخيه من قاتله. لديه يقين سر قاتل سامر يكمن في تلك الشريطين. بشقة سكنية بمنطقة بعيدة

نهض يُدثر جسده العاري، يشعر بالرعب والهلع وهو يرى ذاك الذي يقف بجوار الفراش ينظر له بتحفز وتسليّة، ثم نظر إلى الشخص الآخر الممدد لجواره عاري هو الآخر، نظرة تقزز واشمئزاز، ذُهل وهو يرى الفراش دامياً بسبب دماء رفيقه، نظر إليه بهلع قائلاً: آصف باشا... قاطعه صفعة قوية على وجهه قائلاً: كنت مفكر إني مش هعرف أوصلك، مفكرني غبي وصدقت كذب الحمار الغبي اللي كنت باعته يراقبني، أنا سبتك تبلع الطعم...

بس خلاص جه وقت الحساب أنا مش هسيبك تموت بالساهل هخليك تتمنى الموت في كل لحظة وانت بتشوف النار بتاكل جسمه زي الفتلة ما بتتحرق في قلب الشمعة. بالفعل جذب آصف تلك الزجاجة التي كانت فوق المنضدة، نظر لها بنفور قائلاً: لأ ماركة نضيفة ومعتقة كويس ونسبة الكحول فيها مظبوطة، واضح إن القذر اللي معاك دماغه خفيفة يمكن لسه مبتدئ وسلم بسرعة، يلا الباقي من حظك انت.

قال هذا وسكب محتوى تلك الزجاجة فوق رأسه، ثم ألقى الزجاجة بجواره على الفراش ثم أخرج من جيبه قداحته وقام بإشعالها ولم ينتظر ألقاها فوراً عليه ليشتعل الدثار، ألقى عنه الدثار لكن النار كانت استعرت بجسده وآصف ينظر له بتسلية. نهض من النوم بفزع، يتلفت حوله كأنه فعلاً كان بين تلك النيران يشعر بحرارتها في جسده. نظر إلى جواره كان الفراش خالياً. بدأت حرارة جسده تهدأ، لكن عقله لن يهدأ، قبل أن ينتهي آصف.

جذب هاتفه وقام باتصال وانتظر الرد قائلاً بشرر وأمر: آصف ما يرجعش حي من أسيوط. ظهيرة اليوم التالي. بشقة آصف تبسمت سهيلة وهي تستقبل رحيم الذي دلف إلى الشقة قائلاً: مفيش حد معاكِ في الشقة ولا إيه؟ فين الحاجة شكران وخالتي صفوانة؟ ردت ببسمة:

راحوا المطار بيستقبلوا خطيبة آيسر، أو بالاصح مراته هي وباباها جايين عشان هيعملوا فرحهم هنا في مصر، بس كويس إننا لوحدنا عشان كان عندي سؤال لك، ومكنش فيه فرصة نبقى على انفراد لوحدنا عشان أعرف إجابته منك. تبسم رحيم بفضول سائلاً: وأيه السؤال ده اللي محتاج إننا نبقى على انفراد! نظرت لملامح وجه رحيم وهي تسأله:

إيه اللي مخبيه عليا وآصف يعرفه، مفكرني مش ملاحظة إنت الوحيد غير هويدا اللي دافعت عن آصف، غير كمان كذا مرة لفت نظري إنك بتتحاشى النظر لـ آصف كأنك مكسوف منه... قولي السبب يا رحيم مش عاوزة أتصدَم فيك انت كمان. يُتبع

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...