بـ منزل أيمن نظر أيمن إلى ساعة الحائط قائلًا بلوم لسحر التي تشعر هي الأخرى بقلق: "مكنش لازم تسيبها تخرج تروح لآصف... أنا مش عارف إزاي سمحتِ لها تخرج من البيت أساسًا كان لازم تمنعيها." سأمت ملامح سحر قائلة: "حاولت أمنعها وقولت لها نتصل عليك ونشوف المحامي هيقول إيه بس هي مسمعتش كلامي." جلس أيمن على الأريكة يزفر أنفاسه بأسف قائلًا: "مش عارف آصف لسه عاوز منها إيه بعد ما كان دمرها، ليه رجع تاني يفرض نفسه عليها...
ومتقوليش زي ما هويدا قالت، إنه بيحبها، اللي بيحب مش بيأذي يا سحر بالعكس بيخاف على اللي بيحبه من الهوا الطاير ومش بيظلمه." جلست سحر لجوارة، وضعت يدها فوق يده قائلة بتوافق: "ده اللي بقوله دايمًا، آصف افتكر قبل كده وخدعنا وخدع سهيله وصدقت كدبه، خايفة ترجع تقع تاني وتصدق كلامه الناعم، ويتلاعب بعواطفها." تنهد أيمن بألم قائلًا: "مش هسمح لها مرة تانية، معنديش استعداد أعيش نفس الألم مرة تالتة، وأشوفها مش قادرة تتحرك."
وضعت سحر رأسها فوق كتف أيمن وتنهدت بأسى: "قلبي حاسس...
هويدا هي اللي كبرتها في دماغها، إنها لازم تواجهه، وتعرف حقيقة إزاي هي لسه مراته، سهيله ما كانتش مقتنعة بس الصبح بعد ما استلمت إنذار بيت الطاعة، اتعصبت جامد من آصف، أنا كمان خايفة. أنا مش هقدر أتحمل أي أذى ليها، كفاية أوقات بحس إن ربنا بيعاقبني في بنتي الوحيدة، حظها قليل حتى صحتها كمان. والله زمان مفكرتش لما إبتهال ادتني هويدا أرضعها، رغم إن قلبي وقتها كان محروق على ابني اللي مات بعد ساعات من ولادته، قولت ربنا حط في
قلبي الصبر وبعتلي هويدا، خدت هي رزق سابه ابني في صدري، ربيتها على إنها بنتي ويعلم ربنا عمري ما فرقت بينها وبين سهيله، رغم حقدها دايمًا كان واضح على سهيله. حاولت كتير أقربها من بقية ولادي، وأقولها انتي الكبيرة، يعني مكاني، بس هي مش بتقوي غير عـ الشر، وده اللي حصل مع سهيله، حرضتها بطريقتها، استفزته...
بس تعرف يا أيمن، سهيله فعلًا لازم تواجه آصف، كفاية مش لازم تبقى ضعيفة، هو لازم يدفع تمن اللي عمله فيها، مش لازم تخاف وترتجف منه، انت مشوفتش منظرها يوم ما جه هنا، ملامح وشها كانت قد إيه خايفة، رغم إننا كنا حواليها... كمان إنتم روحتوا لشيخ الجامع وسألتوه وهو فسرلك الوضع، سهيله لازم تتحرر من خوفها من مواجهة آصف، قبل نهاية جوازها منه."
تنهد أيمن وأومأ رأسه موافقًا، وتذكر اليوم التالي لمجئ آصف وتلك المفاجأة التي قالها أن سهيله مازالت زوجته، بعقد رسمي، بعد أن تأكدوا من وجود توكيل سابق بينها وبين إبراهيم، لكن تم فسخه من جانب إبراهيم بعد يوم واحد من عقد قرانها على آصف. عقب صلاة العشاء، طلب أيمن من إمام الجامع الجلوس معه ليسأله عن فتوى خاصة. بالفعل انتهت سهيله من الصلاة بمُصلى النساء، ثم ذهبت مع والدها إلى تلك الغرفة الخاصة بـ إمام الجامع.
تنحنح أيمن قائلًا: "شوف يا حضرة الشيخ في أمر خاص، ومحتاج منك فتوى فيه." حثهم إمام الجامع قائلًا: "خير يا عم أيمن." نظر أيمن لـ سهيله ثم للإمام وسرد له ما حدث، أن آصف سبق وأخبرهم عن طلاقها. وجه الإمام حديثه لـ سهيله سائلًا: "هو كان رمى عليكِ يمين الطلاق؟ "لأ"، قالتها سهيله باختصار. سأل إمام الجامع: "وهل دخل بيكِ كزوج؟ لوهلة تذكرت سهيله تلك الليلة الشنيعة وشعرت برجفة في جسدها، بتلقائية قبضت على يديها بقوة
وأومأت بحياء قائلة بخفوت: "أيوه." أومأ الإمام قائلًا بتوضيح: "يعني مازال زوجك، وله عليكِ كل الحقوق الشرعية." رفعت سهيله وجهها بتفاجؤ، وكذلك أيمن الذي قال: "طب إزاي وهو طلقها عند المأذون، كمان التوكيل اللي ردها بيه يعتبر تدليس." رد أيمن بتوضيح: "طالما دخل بها كزوج، والطلاق كان راجعي، حتى لو طلقها عند المأذون، يحق له يرجعها لعصمته طول فترة العدة، كمان من غير عقد أو مهر جديد، زي ما ربنا قال في كتابه الكريم
(وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا) . كمان زي ما ذكر عم أيمن إنك انتي اللي أصرتي عالطلاق وهو مكنش موافق، بس اتغصب عشان يرضيكِ وقتها ويسيب لك فرصة تهدي أعصابك، ويبقى سهل الرجوع مرة تانية، وده اللي حصل زي ما عم أيمن قال إنه ردك في آخر أيام العدة، يعني ساب وقت يمكن فكر وقتها إنك ممكن تكوني هديتي، وهتتقبلي رجوعكم من تاني." شعرت سهيله بالاستغراب قائلة:
"هو فعلًا عمل كده، بس أنا حتى وقتنا هذا مش قابلة أني ارجعله، كمان خبى الموضوع ده خمس سنين، افرض إني كنت اتجوزت من شخص تاني، كان هيحصل إيه وقتها." رد الإمام: "هو فعلًا غلط، غلط فادح لما أخفى إنه ردك من تاني لعصمته، معرفش السبب عنده إيه، مقدرش أديله عذر، بس كمان، معتقدش إنه كان هينتظر لو عرف إنك هتتجوزي من شخص تاني."
فكرت سهيله بقول الإمام، حقًا لا تعلم من الذي أخبر آصف وجعله يأتي تلك الليلة، كذلك شتت عقلها بتلك القبلة الذي وضعها على وجنتها ليلتها، جعلتها تصمت ولا تقوم بالرد المناسب وتصفعه أمام الجميع، لكن هو كان مراوغًا، فلقد غادر المنزل مباشرةً بعد أن أشعل في نفسها تلك القنبلة وتركها وحدها بين الذهول والحيرة والغضب. عاود أيمن يزفر نفسه سائلًا: "نفسي أعرف مين اللي وصل لـ آصف، إن سهيله هيتقدم لها عريس، خلاه رجع تاني لحياتها...
تفتكري هويدا هي اللي ممكن تكون وصلت له الخبر." رفعت سحر رأسها قليلًا عن كتف أيمن ونظرت له بنفي قائلة: "لأ معتقدش هويدا، لأنها معرفتش غير قبلها بوقت قليل، كنا بعد الضهر وهي راجعة من شُغلها، وجت على هنا مباشر، وبعدين هويدا مصلحتها إيه." تنهد أيمن بحيرة قائلًا: "مش عارف، آه نسيت أقولك رحيم اتصل عليا وقالي مش هينزل أجازته الأسبوع ده." تبسمت سحر رغم وجع وحيرة قلبها قائلة: "أكيد متعاقب زي العادة."
أومأ أيمن رأسه ببسمة، ثم أخرج هاتفه من جيبه وقام باتصال، استغرب بلهفة وهو ينظر إلى سحر قائلًا: "بتصل على سهيله موبايلها بيرن ومش بترد." رغم لهفة قلبها هي الأخرى لكن قالت بتهدئة: "يمكن في الطريق راجعة وإنت عارف دوشة المواصلات مش هتعرف ترد، اطمن، قلبي حاسس إنها بخير." تنهد أيمن بأمنية أن يصدق إحساس سحر. بـ سرايا شعيب بـ غرفة النوم
أنهى أسعد مهاتفته تليفونيًا لـ شهيرة، بعد شجار دار بينهم، لأول مرة شهيرة تتحدث بهذه الطريقة الجافة التي لم تعجبه، لكن لن يتغاضى عن ذلك لاحقًا، فقط فكره وووقته مشغولان هذه الفترة بالدعاية من أجل الفوز في الانتخابات البرلمانية، لكن مجرد أن ينتهي منها سيكون هناك جزاء لما اقترفته رغم تحذيره السابق لها.
وضع الهاتف جواره على الفراش يزفر أنفاسه يشعر بضجر وسأم، تمعن بسقف الغرفة، هنا تزوج بـ شكران وكان معها زوجة أخرى مريضة انتهت صلاحيتها كزوجة طريحة الفراش بسبب خطأ طبي، أو ربما أراد القدر بزوجة أخرى مثل شكران، لا ينكر أنه عاش معها في هدوء أنجبت له ثلاث صبية، بعد أن كان يظن الجميع أن خلفه كل سيكون إناثًا، أتى آصف كان له فرحة خاصة بقلبه، أول ولد كذلك مازال له مكانة خاصة في قلبه رغم سنوات الجفاء بينهم، لكن لا ينكر أنه سعيد
بنجاحه المدوي، لكن أحيانًا يشعر بضيق بسبب شكران التي لم تفكر للحظة واتخذت جانب آصف، ربما استقوى آصف بهذا عليه، لو كانت شكران اختارته هو كان آصف رق مع الوقت من أجلها، لكن شكران خيبت أمله وتوقعه، ربما لسبب برأسها غير أمومتها، أن ترد له صاع زواجه عليها بأخرى رغم تقبلها ذلك طواعية منها، هي لم يكن ينقصها شيء وقتها، لكن هذا بنظرها هي، هو كان يحتاج لامرأة ذات واجهة اجتماعية، شكران لم تكن تصلح واجهة اجتماعية، طبيعتها الريفية
طغت عليها دائمًا، امرأة كل ما تهتم به أنها زوجة وأم فقط، ينقصها، أنها ليس لديها ذكاء اجتماعي مثلما أراد أن تكون زوجته، هذا ما جعله يبحث عن أخرى، تعوض ذلك النقص...
ووجدها حين تقابل مع شهيرة التي تظهر التمرد الآن. في أثناء تفكيره صدح رنين هاتفه، نظر نحوه وجذبه رمق الشاشة كي يعلم هوية المتصل، قبل أن يقرر الرد أو التجاهل، لكن سرعان ما ابتسم وجلس على الفراش وقام بالرد مازحًا بإيحاء: "كنتِ لسه على بالي وبفكر في عدم ردك على عرض الشغل، قولت ممكن يكون جوزك رفض العرض، بصراحة معاه حق، يخاف عليكِ."
تهكمت هويدا، هل حقًا عادل يخشى عليه، بالتأكيد لا، هما زوجان بالاسم فقط، كل ما يجمعهما فراش واحد، وطفل آتٍ بالخطأ، أحلامهم وطموحاتهم متباعدة، حتى مشاعرهم باردة مثل صقيع الشتاء، لكن أظهرت عكس ذلك قائلة: "بصراحة عرضك أي شخص مكاني مستحيل يرفضه لأنه فرصة كويسة، فكرت في العرض وقررت أقبلهُ." انشرح قلب أسعد بشدة، لكن أظهر الدهاء قائلًا:
"أنا مبسوط جدًا لأنك مكسب هايل جدًا لأي مكان تشتغلي فيه، رغم بصراحة لما اتأخرتِ في الرد كنت هوصي مدير البنك يحاول يقنعك." تبسمت بزهو قائلة: "فعلًا، أنا كنت هرفض والسبب ابني محتاج لي زي ما قولتلك قبل كده، بس ماما لما حكيت ليها على عرضك قالت لي فرصة كبيرة وأكيد لمصلحة ابنك يعيش في مستوى راقي، بلاش تضيعيها، وأنا اقتنعت برأيها." للحظة شعر أسعد بوغوشة سائلًا باستفسار: "وقولتِ لمامتك إنك هتشتغلي عندي؟ ردت هويدا سريعًا:
"لأ، بس قولتلها إنه في مكان مرموق وهي رحبت، وأنا اقتنعت." انشرح قلب أسعد قائلًا: "تمام، من أول الشهر تقدري تستلمي شغلك في المجموعة، هوصي مدير الحسابات عليكِ بلاش يتعبك في الشغل." ردت بذكاء: "لأ أنا مش بحب الوسايط، بحب أدي لشغلي حقه حتى عشان ربنا يحلل لي المرتب اللي هاخده." تبسم بإعجاب قائلًا: "تمام براحتك، على أول الشهر هتكون الانتخابات انتهت وهيكون لينا لقاء مباشر، نكمل فيه الاتفاق." تبسمت قائلة:
"ربنا يوفقك ومتأكدة إنك هتفوز في الانتخابات باكتساح، إنت شعبيتك عالية هنا كمان الناس بتحبك وبتعترف بجمايلك عليهم." تبسم قائلًا: "مش جمايل مني دول أهلي ولهم فضل عليا." تبسمت قائلة بمدح له: "بالعكس إنت اللي فضلك عليهم كبير، أتمنالك التوفيق، تصبح على خير."
لم يكن يريد إنهاء المكالمة مع هويدا، كذلك هي الأخرى تود زيادة الحديث بينهم، علها تستطيع بدهائها الوصول إلى عقله والسيطرة عليه، لكن لا مانع من بعض الدلال وإظهار الأخلاق... بينما أسعد لم يكن يريد إنهاء المكالمة من أجل اللعب بعقلها أكثر، كي يعلم ما تلك المشاعر الذي يشعر بها حين يراها أو يسمع صوتها، نفس رنين صوت "تهاني" مازال برأسه رغم مرور السنوات...
نهض من فوق الفراش وذهب إلى غرفة المكتب، فتح تلك الخزنة وفتحها وأخرج ذلك الملف، فتحه مرة أخرى، نحى وثيقة الزواج العرفي، كذلك اعتراف البنوة، جذب صورة فوتوغرافية، نظر خلفها إلى التاريخ الموجود عليها كان قبل وفاة ابن عمه بأقل من شهر، كانت هذه الصورة ضمن متعلقاته الشخصية التي أرسلت بعد وفاته بأحد كمائن الشرطة، كان هو يترأسها، لكن بالخطأ دعسته سيارة أثناء تأدية عمله، الصورة لـ إبتهال تحمل طفلة صغيرة، ابنة بضع أيام.
وضع الصورة ثم جذب ذلك الاعتراف، قرأ اسم "إبتهال علي شعيب". أمام مسكن آصف
ترجل سريعًا من خلف مقود السيارة وفتح بابها الخلفي، كانت مازالت سهيله غافية، ظل ينظر لها لدقائق يستمتع بالنظر إلى ملامحها البريئة التي سلبت قلبه، وما زالت تأثره، أخطأ بحقها حين سلم عقله لانتقام، بدلًا من أن يساندها وقتها ويسعى لإظهار براءتها، سيطر على عقله الغضب وأعماه، بليلة سحق ليس قلبها، بل سحق قلبه، كان بغفوة وحين استفاق منها ندم باستحقاق، لكن ما زال لديه أملًا لن يفقده وسيسعى لنيل الغفران.
تنهد يعلم أن الطريق ما زال في البداية، بل قبل البداية، اقترب من شفاها وقبلها بانتشاء كأنه يعود له الشعور بالحياة. تنهدت سهيله بلا وعي، ظن أنها قد عادت للوعي، ابتعد عن شفاها ونظر لها، ما زالت غافية، برفق حملها بين يديه من السيارة وذهب إلى تلك البناية، دلف إلى المصعد الخاص، ومنه توقف أمام الشقة التي يقطن بها، توقف ثم قام بقرع جرس الشقة... سريعًا فتحت صفوانة له الباب، باستغراب، لكن قالت بذهول واستخبار: "مالها سهيله...
دي كانت لسه مكلماني قبل أقل من ساعة ونص وطلبت مني عنوان مكتبك، وعطيته ليها." قبل أن يرد آصف كانت خلفها شكران التي نظرت لـ آصف بأسف قائلة بإندفاع: "عملت فيها إيه تاني يا آصف، والله لو كنت أذيتها مرة تانية مش هسامحك وهسيب لك الشقة و.... شعر آصف بغصة من حديث شكران وقاطعها: "سهيله بخير يا ماما، كل الحكاية مغمي عليها، وسعوا خليني أدخل بيها."
تجنبن على جنب حتى دلف آصف بها إلى غرفة النوم الخاصة به، وضعها فوق الفراش، قبل أن يستدير بوجهه كانت شكران تدلف إلى الغرفة كذلك صفوانة التي جذبت إحدى زجاجات العطر الخاصة بـ آصف، واقتربت هي وشكران من الفراش. تحدثت شكران بتعسف: "قولي إيه اللي حصل وإزاي أغمي عليها، من شوية كلمت صفوانة وأنا قولتلها على عنوان مكتبك، وإزاي تجيبها لهنا... إيه اللي حصل ومخبيه عليا يا ابن أسعد." شعر آصف بخزي من استهجان شكران عليه وقال:
"سهيله لسه مراتي شرعًا وقانونًا، وبلاش تسأليني إزاي." ذُهلت كل من صفوانة وشكران، لكن تغاضت شكران عن الاستفسار الآن وجلست جوار سهيله على الفراش وقالت لـ صفوانة: "هاتي البرفان ده خلينا نفوقها وبعدين نبقى نعرف أسرار ابن أسعد."
أعطت صفوانة العطر لـ شكران، وضعت منه القليل على يديها وقربته من أنف سهيله وبدأت تربت على وجنتيها بخفة، إلى أن بدأت سهيله تعود للوعي، رأت بغشاوة صورة آصف كأنه أمامه، همست باسمه، لكن ليس حبًا، بل رهبة. وضحت أكثر حين حاولت دفع يد شكران عن وجهها، ظنًا أنها آصف، لكن ربتت شكران على وجهها بحنان قائلة: "فوقي يا سهيله." فتحت عينيها، أكثر للحظة شعرت برهبة، بالفعل آصف قريب منها، كادت تنهض جالسة، كأنها لم تنتبه لـ شكران إلا حين
ضمت رأسها لصدرها قائلة: "اهدي يا سهيله ومتخافيش." اهتدى عقل سهيله لـ شكران ورفعت رأسها، نظرت لها، شعرت بهدوء نسبي، لكن قالت باستغراب: "أنا فين." رد آصف: "إنتِ هنا في شقتي." حاولت النهوض قائلة: "مستحيل أفضل هنا، أنا لازم أمشي دلوقتي." نظرت لها شكران بعتاب قائلة: "كده يا سهيله، بدل ما تقولي لي إزيك يا طنط، أنا كده هزعل منك." كذلك قالت صفوانة بعتاب:
"كده، بقى أنا اللي أول ما بنزل البلد بروح عند سحر وأسأل عليكِ إنتِ والحجة آسية." شعرت سهيله بتوتر وقالت: "متأسفة، بس أنا لازم أمشي من هنا، حاسة إني هتخنق." نظرت لها شكران بعتاب: "تتخني وأنتِ في حضني، كنت مفكرة إني غالية عندك، زي ما أنتِ غالية عندي، إنتِ متربية على إيدي و.... قاطعتها سهيله بأسف: "مش قصدي يا طنط، بس ماما وبابا زمانهم قلقوا عليا، ولازم أرجع كفر الشيخ." استغربت صفوانة ذلك قائلة:
"إنتِ عارفة الساعة كام، إحنا بعد العشاء وعلى ما ترجعي كفر الشيخ هنبقى نص الليل، خليكِ يا بنتي هنا، وإن كان على سحر أنا هتصل أطمنها عليكِ." حاولت شكران وصفوانة إقناع سهيله بالبقاء الليلة، ظل آصف صامتًا لا يود الضغط عليها وأنه لن يسمح لها بالابتعاد عنه أكثر من ذلك، لكن اتخذ هدنة فقط يكسب بها وقتًا، بلا إجبار. وافقت سهيله بعد عذاب لـ شكران وصفوانة، لكن نظرت إلى آصف، واتكأت برأسها على صدر شكران كأنها تحتمي بها قائلة:
"خليكِ هنا معايا في الأوضة يا طنط." تبسمت شكران وضمتها قائلة: "عيوني يا حبيبتي، يلا يا صفوانة روحي حضري عشا خفيف لـ سهيله وهاتيه ليها هنا عالسرير، كمان هاتي ليها عباية من بتوعي تنام فيها." ردت سهيله بعالية: "لأ أنا مش جعانة، كفاية العبايه." تبسمت صفوانة قائلة: "الأكل الأول وشك أصفر، وكمان هجيب لك كوباية لبن تهدّي أعصابك وتنامي رايقة." تبسمت سهيله بحياء، هي حقًا جائعة منذ فطورها بالمنزل لم تتناول أي طعام.
بينما غص قلب آصف للحظة بسبب رهبتها منه، لكن تبسم بعد انقياد سهيله لهن، كان ذكاء منه أن أتى بها لهنا، لكن نظرت له شكران بتعسف قائلة: "واقف كده ليه يلا روح نام في الأوضة التانية وأنا هفضل مع سهيله هنا." وافق آصف على مضض وخرج من الغرفة، بينما ضمت شكران سهيله قائلة بحنان: "وحشتيني أوي يا حبيبتي، كنت ببعت لك السلام مع صفوانة لما كانت بتنزل البلد."
تبسمت سهيله لها تشعر بمحبة وألفة معها، هي الوحيدة التي صدقت ببراءتها، وعاملتها بطيبة ورافقتها حين كانت بالمشفى، وربما هي السبب في إنقاذها تلك الليلة....... القاهرة بـ شقة متوسطة بحي متوسط، تمدد عادل بجسده فوق الفراش وجذب تلك الجريدة الخاصة بالموضة، رغم أنه لا يهتم بذلك النوع من الجرائد، بل أحيانًا ينظر لها على أنها نوع من الرفاهية، بل التفاهات، لكن لفت نظره غلاف تلك الجريدة التي يتصدرها صورة "شهيرة".
نظر لها بإعجاب، فَر بين الصفحات حتى وصل إلى تلك الصفحة والحوار الخاص بها وبدأ بقرائته، كلمات كاذبة منها، لكن ظنها حقيقية، وهي تجاوب على سؤال: "لماذا تركت العمل كعارضة وهي بأوج شهرتها؟ وردها البديهي: "أردت أن أكون لي أسرة خاصة بي وأعطاني الله زوج وابنتين أعيش معهم بسعادة." شعر بحنق: أي سعادة تتحدث عنها وهي زوجة ثانية لزوج لديه زوجة أخرى تشاركه فيه، وسؤال آخر: "هل تزوجتي عن حب؟
وجوابها دبلوماسي: "أجل وما زلت أكن له نفس الحب." وسؤال أخير: "هل زوجك كان معترضًا على عملك كعارضة؟ وجواب واضح أنه نفاق: "أيوه، بس أنا اللي كان عندي الأهم، كنت حابة أبعد عشان راحة أسرتي بناتي، وزوجي شخص حضاري ومتفهم جدًا."
تهكم عادل بحسرة، على امرأة كهذه تمدح بزوجها كثيرًا، عكس زوجته دائمًا تتذمر على أتفه الأسباب، يشعر بالبرد وهي في حضنه، بينما هذه الجميلة تمدح بزوج أكبر منها في العمر، كذلك هي إحدى نسائه، الفرق كبير حتى في التعامل، كفة شهيرة الرقيقة تكسب. قبل الفجر بوقت قليل بـ شقة آصف
لم يستطع النوم، ساهدًا فوق فراش غرفة آيسر، يشعر بالشوق لـ سهيله، كل ما يفصل بينه وبينها باب هذه الغرفة وباب الغرفة الموازية لها مسافة خطوات، شوق ينبعث بقلبه، يسوقه بلا تفكير. نهض من فوق الفراش وفتح باب الغرفة، لكن للغرابة، باب الغرفة الأخرى كان شبه مواربًا، ربما من حسن حظه، دفع الباب بهدوء ونظر لداخلها، تبسم حين رأى سهيله تنام على إحدى يدي والدته. أمنية سارت بقلبه، تمنى لو كان هو مكان والدته ويضم سهيله بين يديه، يتنفس من أنفاسها، يشعر بنبضات قلبها، كذلك تشعر هي الأخرى بقلبه المشتاق والملوع.
تذكر إحدى لقاءاتهم الخاصة فوق البحيرة... بالعودة لأكثر من ست سنوات على شاطئ تلك البحيرة انحنت سهيله تلتقط تلك الزهرة التي جرفتها الأمواج نحو الشاطئ، نفضت تلك المياه العالقة بأوراقها وقربتها من أنفها تستنشق ذلك العبق الذي ما زال عالق بها، حتى سمعت من خلفها من يقول باستهجان: "اتأخرتي ليه." استدارت تلوح له بالزهرة بمغزى وهي تنظر له ببسمة هادئة تقول بنبرة ذم:
"كويس إن الموج حذف وردة عالشط من البوكيه اللي كنت جايبه، وطبعًا لما اتأخرت زي عادتك بتتعصب وتضايق بسرعة وترمي أي شيء في إيديك حتى من غير ما تفكر في غلاوة قيمته." شعر بأسف من ذم سهيله الواضح بين كلماتها، هدأت عصبيته، وقال بتورية: "أنا هنا بقالي أكتر من ساعتين عالشط، والجو برد وقولتلك متتأخريش." علمت أنه يحاول المراوغة من أجل أن تتغاضى عن عصبيته، تبسمت بهدوء قائلة:
"أنا جيت بعد ما خلصت ورديتي في المستشفى، ولا عايزهم ياخدوا عني فكرة إني مش ملتزمة من أولها، أنا لسه يادوب منقولة هنا جديد بعد ما خلصت سنة التكليف، أنا لسه بقول يا هادي." نظر لتسلط أشعة شمس الغروب على وجهها تعطي لعيونها السوداء بريقًا يشبه اللؤلؤة السوداء النادرة، وتحدث بغرور: "وماله ياخدوا فكرة إنك مش ملتزمة، أو يرفدوكِ حتى، ما يهمنيش." تهكمت سهيله بتبسم:
"خلينا نقعد تحت أي شجرة قريبة من الشط، أنا هلكانة من شغل المستشفى طول اليوم." أشار لها بيده أن تتقدم بالسير، سار جوارها يقول: "طالما الشغل في المستشفى الحكومي متعب كده، بسيطة... قدمي استقالتك وأنا سهل أفتح لك مستشفى خاصة." جلست سهيله أرضًا تحت ظلال إحدى الأشجار، خلعت حذائها وقامت بمد ساقيها أمامها، رفعت رأسها تنظر بعلو لـ آصف الواقف أمامها بشموخ، قائلة:
"طبعًا سيادة المستشار، كل شيء عنده سهل، وجود حل تاني، ناسي إن من ضمن أساسيات مهنته كـ قاضي 'الرأفة' بحال الناس المحتاجة... قالت هذا وتوقفت للحظة تحدثه بتهكم: "إيه هتفضل واقف كده قدامي سادد نور ربنا اللي قرب يغيب، طبعًا خايف تقعد عالأرض لا هدومك الماركات الغالية تتلوث من التراب اللي تحت الشجرة." تغاضى عن نبرة تهكمها وانحنى يجلس جوارها ورفع يده وكاد يلتصق بها.... لكن هي ابتعدت قليلًا عنه.
شعر للحظة بضيق لكن تبسم قائلًا: "تعرفي لو حد تاني بيتكلم معايا بنفس طريقتك دي كان هيبقى ليا تصرف تاني معاه، لكن إنتِ ليكِ مكانة تانية خاصة عندي." رمقته سهيله بنظرة متهمة قائلة بتورية: "أكيد ليا مكانة تانية ويمكن يبقى في تالتة، بس يا ترى مين صاحبة المكانة الأولى." فهم آصف فحوى حديثها، رغم تلك النظرة التي تمتزج بالعشق والشوق والتمني، والذي يخصهم لها وحدها، لكن تبسم بغرور وتعالي بعض الشيء قائلًا:
"وماله الشرع محلل للراجل أربعة طالما قادر ماليًا وجسمانيًا." تهكمت عليه بضحكة سخرية قائلة: "أربعة! ، طبعًا مامتك مطمنة، هي أم الصبيان، وطبعًا مكانتها خاصة جدًا... بس سيادة القاضي أنا مش من نوعية الستات اللي تقبل بست تانية تشاركها بشريك حياتها، وتنتظر إنه يتفضل ويتكرم ويعطف عليها بليلة." تبسم بنظرة عشق قائلًا بتأكيد: "بس أنا في ست واحدة مستوطنة قلبي كله، قلبي مافيش فيه مكان ولا مكانة لست تانية غيركِ.... توقف للحظات
ينظر لها ثم أكمل بصدق: "مافيش أغلى منك، إنتِ أغلى الغاليين يا سهيلة." تصبغ وجهها باللون الأحمر القاني وأخفضت وجهها بحياء وظلت صامتة تشعر بانصهار قلبها. فُتن آصف بملامح وجهها الخجولة وبشوق منه مد يده ورفع وجهها وانحنى برأسه يتمنى أن يتذوق قبلة من شفاها، لكن ابتعدت عنه ونهضت واقفة تتهرب تنظر ناحية البحيرة، تنفض آثار الرمال عن ثيابها تحاول تهدئة خفقان قلبها قائلة:
"الشمس خلاص غابت والدنيا بدأت تضلم، بعد كده مش هنلاقي مركب ترجعنا للبر التاني." نهض واقفًا هو الآخر بمضض يعلم أنها تتهرب منه، شعر بوخز في قلبه رغم أنه اعترف لها مرات سابقة أنه يعشقها لكن لم يحصل منها ولو لمرة واحدة على كلمة واحدة تؤكد أنها تبادله نفس المشاعر، لكن نظر لها بثقة ويغلفها الغرور قائلًا:
"في يوم هدمر كل الحصون اللي بتحطيها بينا، وقتها هجيبك هنا ومش هتقدري تهربي مني بحجة الوقت، وهبوسك ومش هتقدري تمنعيني، لأنك هتبقي حلالي واليوم ده قريب جدًا." انتهت الذكرى بدمعة ندم، لم يكن يظن أن يأتي يومًا، ويتخلى عن كل هذا العشق لها.... بلحظة انتقام يفتك به بنصل حاد يُسفك قلبيهما الاثنين. بينه وبينها لا أكثر من خطوتين، ملكه شرعًا، لكن لا يستطيع الاقتراب منها. غادر الغرفة مثلما دخل إليها يشعر بتهتك في قلبه.
فتحت شكران عينيها وتنهدت بأسف على وجع قلب آصف الذي تسبب به لنفسه، هي كانت مستيقظة وشعرت بدخوله للغرفة واقترابه من الفراش، كذلك خروجه يتسحب مثل اللصوص خشية أن تسيقظ سهيله، ويرى ذلك الخوف منه بعينيها، من كانت تلمع عينيها وتبتسم حين تراه، ترتعش شفاها وتنظر له برهبة رغم أنها مغلفة بتحدي زائف. بينما عاود آصف لغرفة النوم الخاصة بـ آيسر، ارتمى بجسده على الفراش، يحاول النوم لكن لم يستطع. في الصباح الباكر
استيقظت سهيله، نظرت إلى جوارها، رأت شكران نائمة، تسحبت من جوارها بهدوء، ونهضت من فوق الفراش، جذبت ملابسها الموضوعة على إحدى المقاعد وأخذتها وتوجهت نحو حمام الغرفة بهدوء، أبدلت تلك العبايه الخاصة بـ شكران وارتدت ثيابها مرة أخرى، وخرجت بهدوء من الحمام، نظرت نحو شكران تنهدت براحة حين وجدتها ما زالت نائمة، تسحبت بهدوء نحو باب الغرفة وخرجت منها. فتحت شكران عينيها وتبسمت، لديها يقين أن آصف لن يتركها بسهولة.
بينما سهيله شعرت براحة حين وصلت إلى باب الشقة، دون أن تتقابل مع صفوانة أيضًا، رفعت يدها وضعتها على مقبض باب الشقة، وضغطت عليه، لكن لم يفتح الباب، شعرت بخضة حين سمعت: "رايحة فين يا سهيله." استدارت تنظر له وقالت بغضب: "ماشية، أوعى تفكر إنك هترهبني بحكاية بيت الطاعة، سهل أرفض تنفيذه وكمان أوصل للطلاق يا دوب مسألة وقت مش أكتر." تبسم آصف وهو يقترب منها بخطوات بطيئة قائلًا بصدق ونبرة عشق:
"قولتلك قبل كده مش هنتنازل عن حقي فيكِ يا سهيله، ومش هيحصل بينا انفصال غير بموتي... خدي الورقة دي اقريها." جذبت سهيله تلك الورقة منه بغضب قائلة: "حياتك أو موتك آخر شيء يهمني، إنت متفرقش معايا، بس تأكد انفصالنا مجرد وقت وهتأكد المرة دي إنه ميكونش فيه تلاعب منك... وورقة إيه دي كمان."
تبسم آصف ببرود عكسي، لو بخاطره لجذبها من يدها ودخل إلى أحد الغرف مثلما كان يفعل بالماضي، لكن وقتها كانت تتهرب منه قبل أن يحصل منها على قبلة، لكن الآن لن تستطيع الهرب، لكن يخشى رد فعلها... ما زالت أمنية لديه أن يحصل على قبلة برضاها، لكن تبسم على ملامح وجهها التي تبدلت بعد قرائتها لتلك الورقة، حين رفعت نظرها ونظرت إليه بغضب قائلة:
"شاطر أوي في اللعب بالورق، إزاي وصلت بيك الجباحة للدرجة دي، مستحيل اللي في الورقة دي يحصل، وأنا همشي دلوقتي ومش هتقدر تمنعني، افتح الباب." ببرود عكسي ذهب آصف نحو باب الشقة وقام بفتح الزر الإلكتروني الخاص به، لكن نظر لـ سهيله بثقة قائلًا: "متأكد هترجعي لهنا تاني وبرضاكِ."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!