قاطع حديثهم صوت رنين هاتفها. أخذت ملك هاتفها لتجيب عليه تحت نظرات تفحص من محمد، اعتقادًا منه أنها أدم. نظرت إلى هاتفها فوجدتها أختها، لتردف بهدوء: "ازيك يا مريوم." "ازيك يا حبيبتي. طمنيني عليكي." "الحمد لله بخير." "أكيد يا ملك؟ "أكيد يا مريم." "عندي خبر حلو." "خير." "أنا حامل! "حامل؟ إزاي؟ "هو إيه اللي إزاي؟ "مش قصدي... بس انتي فعلًا حامل؟ يعني في بيبي صغنون وكده؟ "ههههه... أيوه يا ستي هيبقى فيه بيبي."
"وكمان هيقولي يا خالتو وكده؟ "وإنتي هيقولك يا ماما." "هتبقى أحلى خالتو في الدنيا." "طيب تابعتي مع حد؟ عرفتي إمتى؟ وإزاي؟ حاسة بإيه؟ في تعب في بطنك؟ وكل الحاجات دي؟ "شششش... اهدي كده. عرفت الصبح يا ستي. قمت تعبانة أوي واستفرغت أكتر من مرة. ولما كنت بعمل الفطار الصبح مكنتش طايقة الأكل. ماما كلمتني فقلت لها. قالتلي هاتي اختبار. وفعلاً طلعت حامل." "مريم انتي حاسة بحركة في بطنك؟ انفجرت مريم في الضحك
لتردف بصعوبة في الحديث: "إنتي هبلة يا ملك! لسه يا حبيبتي. إنتي طلعتي دكتورة إزاي؟ "مبروك يا ميرو. بجد مش مصدقة." "الله يبارك فيكي يا عمري." صمتت لتردف بتساؤل: "إنتي كويسة مع محمد؟ "أيوه." "ربنا يهنيكي يا حبيبتي. خلي بالك من نفسك يا ملك." "ماشي يا حبيبتي." أغلقت معها الهاتف ولم تجده في الغرفة. بحثت عنه في الشقة ولم تجده، فزفرت بضيق: "أنا في عمري مشفتش حد متسلط زيك كدا بجد. يا رب...
أنا مش هقدر على الوضع دا كتير يا رب. لازم يكون فيه حل." اتجهت إلى الحمام توضأت لكي تصلي وتدعو الله. أما هو، فكان في سيارته يقودها بغضب كبير. جاءه اتصال من السكرتيرة الخاصة بمكتبه لتردف: "ملف الصفقة مع حضرتك يا محمد بيه." "تمام." أغلق الهاتف، ليردف بغضب: "بسببك نسيت ملف الصفقة." اتجه مرة أخرى إلى هذا المنزل لكي يأخذ مبتغاه. أما ملك، فكانت قد خرجت من الحمام. بحثت عن شيء لتصلي به، لم تجد شيئًا. "أصلي أنا بإيه دلوقتي؟
منك لله يا أخي. استغفر الله العظيم يا رب." وقعت عيناها على غطاء السرير، اتجهت إليه وسحبته سريعا وأخفت نفسها به، بداية من رأسها حتى قدمها. بحثت عن سجادة للصلاة ولكنها لم تجد. "هو الراجل دا يهودي وأنا معرفش؟ لا هدوم محترمة ولا هدوم للصلاة ولا حتى حاجة أصلي عليها." اتجهت إلى الملابس وأخرجت إحداها وخرجت بها إلى الخارج ووضعتها على الأرض. وبدأت في الصلاة لرب العباد، فهي على يقين برحمته بها. أدت صلاتها بخشوع وإيمان.
انتهت من صلاتها وجلست تبكي. "يا رب... أنا متأكدة إن كل حاجة بتحصلنا خير. بس أنا تعبانة. بجد اللي أنا فيه دا كتير أوي. أنا طول عمري راضية بكل حاجة. بس أنا حياتي بقت شبه مدمرة. حياتي مهددة بخطر لسر غامض أنا معرفوش. اتجوزت واحد فكرت للحظة إني بحبه. بس اتأكدت إنه مش حب نهائيًا. أنا دلوقتي أضعف حد. استنزفت كل قوتي خلاص. يا رب، خلصني من المشاكل دي. واحفظني بعيد عن الشخص دا. وعدي السنة دي معايا على خير."
كانت تردف كل كلمة ودموعها تعرف مجراها من عينيها. قامت من مكانها والتفتت، ولكنها صدمت عندما رأته خلفها. ليردف بزهول: "إنتي جيتي تاني؟ "نسيت ملف وجاي أخده." "تمام." اتجه محمد إلى غرفة المكتب، سحب منها الملف المطلوب، ومن ثم اتجه ليغادر لعمله. ولكنه قبل أن يغادر، أردف بجدية:
"في هدوم هتوصلك دلوقتي. اقعدي ذاكري علشان امتحاناتك. وأي محاولة منك للهرب صدقيني هتندمي. مجرد التفكير بس هتشوفي مني شخص تاني. مش عايزين المواضيع دي تأثر على امتحاناتك. الأوضة فيها أوضة تانية فيها مكتب. ذاكري علشان متعديش السنة دي كمان." "على فكرة أنا مش في ابتدائي علشان تقولي كدا." "ههه ماهو واضح. ادخلي يا ملك. وغيري هدومك دي." "مش عايزة منك حاجة." "خلاص خليكي بهدومي حتى. إنتي جامدة بيهم." "اتفضل امشي بقا من هنا."
"أنا نبهتك يا ملك. لو عملتي حاجة كدا ولا كدا هتندمي." "خلاص يا عم أنت معاك طفلة." خرج من تلك الشقة ومن ثم أغلق الباب خلفه ووضع المفتاح في جيبه. "افتحي. إنتي مش هتسجنني." "هسجنك. لأن عارف دماغك عاملة إزاي. اهدي كدا واعقلي علشان متحاوليش عليكي." "افتحي يا محمد." لكنه كان قد تركها وذهب. جلست هي بالداخل بغيظ شديد. *** مرت ساعات ليست بطويلة. عند منزل مليكة. "اخلصي بقا يا بنتي زهقتيني."
"بقولك إيه سبيني آكل يا شيماء أنا جعانة." "إنتي لسه ملبستيش يا مليكة." "يا بنتي الراجل زمانه على وصول." استمرت مليكة في الأكل لتردف: "جعانة يا جماعة والله مش هلبس غير لما آكل." "يا حبيبتي كفاية هتتأخري." "بقولكم إيه كل واحد يسبني. أنا راجعة جعانة وعندي مذاكرة وهبل وشغل كتير. فلو سمحتوا سيبوني علشان لازم أتغدى كويس. وكمان أنا وأصحابي هنتجمع سوا نذاكر." دق الباب في هذه الأثناء لتردف مليكة:
"ودا الديليفري. البيتزا وصلت. استنوا بقاا." أخذت بعض الطعام في فمها واتجهت إلى الباب تحت نظرات صدمة الجميع. "البيتزا أهم من سليم." صمتت برعب حينما رأته يقف أمامها بطلته الطاغية. "بقا البيتزا أحسن من سليم؟ جرت مليكة مسرعًا للداخل. اتجه إليه سيف ليردف بسخرية: "أختك بتفضل البيتزا عني." "نعمل إيه بقاا. ربنا يكون في عونك." "اتفضل." دلف سليم إلى الداخل وجلس بوجود سيف وأمه. "إزيك يا أمي." "إزيك يا ابني."
"بخير الحمد لله. أخبار صحة حضرتك إيه؟ "بخير الحمد لله." "طبعاً إنت أكيد عرفت إن الهانم كانت بتاكل ومجهزة." "عارف. نوم وأكل." "طبعاً موقف الصبح دا ميتحسبش." "لا يا أبو نسب. إنت براحتك خالص في أي وقت." ضحكوا جميعًا بسعادة كبيرة. دلفت شيماء إلى تلك الغرفة ووضعت أمامهم الضيافة. التفتت إلى سليم لتردف بابتسامة هادئة: "نورت يا سليم." "نورك يا مدام." اكتفت هي بابتسامة بسيطة وغادرت سريعا للذهاب إلى مليكة. أما سليم،
فأردف بهدوء: "طبعاً إنت عارف سبب الزيارة دي." "عارف." "إنت أكيد عارف إن كدا بقا كتير عليا أوي. اليوم اللي بعد امتحانتها على طول." "إيه رأيك يا ماما." "على خيره الله يا ابني." "يبقى خلاص بعد امتحاناتها على طول."
"أنا مش هوافق على كل دا بالساهل كدا بالساهل يا سليم. لولا إني فعلاً شايف حبك صادق ليها مكنتش هوافق على كل دا. مليكة يعتبر عاشت عمرها كله من والدتها بس. يعني من غير لا أب ولا أخ ولا سند. يعني هي كانت بنت بمليون راجل. وحقيقي هي جدعة وتسد في أي ظرف. مندمتش على حاجة في عمري غير على السنين اللي كنت بعيد عنها فيها. ودلوقتي أنا معنديش أي استعداد إنها تزعل حتى مجرد الزعل أو تتأذي. لأنها بنتي قبل ما تبقى أختي. يعني هي زي زين بالظبط. يعني مليكة تمنها غالي أوي عندي يا سليم. عارف إنك هتحافظ عليها. بس صدقني في اليوم اللي هتشتكي فيه منك دا هيبقى آخر يوم ليك هتشوف فيه مليكة."
"أنا فاهمك كويس أوي. بس صدقني والله دي كل حاجة بالنسبة ليا. يعني دي دلوقتي بقت كل حياتي. حياتي كلها عبارة عن مليكة وبس. أنا عشت عمري كله في وسط بنات أعجز عن عدّهم. مفيش واحدة فيهم لفتت انتباهي بذرة. مليكة من يوم ما شفتها وهي خاطفة عقلي. بقا كل دماغي عبارة عنها. واتأكدت من حبي ليها دا لما ندمت إني دخلتها عالم الموضة." "إزاي."
"أنا كنت أناني أوي وأنا بقولها على الشغل دا. أنا فكرت في اسمي وشهرتي وبس. بس والله محصلش. أنا يمكن خدت دي حجة علشان أتقرب منها مش أكتر. ودا كان أكبر غلط أنا عملته في حياتي. مليكة تخصني أنا وبس يعني ميحقش لحد تاني إنه يشوفها حتى. علشان كدا مليكة مش هتشغل في الموضة تاني. مليكة ملفتة جداً بعيداً طبعاً عن الجمال الخارجي إلا إنها ملفتة داخلياً أكتر من خارجياً. أنا شفت فيها روح ماكنتش في الأحلام حتى. مليكة خدت لقب أفضل وجه
في شركات الموضة العالمية. يعني مليكة دلوقتي شركات الموضة تدفع لها نص ممتلكاتها علشان تشتغل مع شركتهم. نجاحها فرحني جداً. بس إن حد تاني غيري يشوفها ويتعامل معاها بسبب جمالها فدا اللي خلال نار جوايا تقيد. علشان كدا هي لسه لحد الآن متعرفش."
"ربنا يحميك يا ابني ويوفقك." "وأنا مأمنك على بنتي يا باشا. ومطمئن إنها في إيد مصونة." "بنتك في العين وعلى الراس يا أبو نسب." أما بغرفة مليكة. "خلاص يا مليكة بقيتي قمر." "بقولك إيه قولي إن مليكة نامت. بس مش عايزة أطلع." "يلا يا كوكو يا حبيبتي. الغدا جاهز يا مليكة زهقتيني." "أكليه يا شيمو إنتي الله يخليكي أنا مش قادرة أطلع تاني بعد الهبل دا." "فضلنا نقولك ساعتين وإنتي مفيش فايدة فيكي." "عيل وغلط. إيه هنموت؟ "أنا زهقت."
"تمام خلاااص أنا كدا تمام." خرجت مليكة وكانت ترتدي فستاناً من اللون الأسود الذي جعل منها أسطورة من الجمال. حاولت شيماء لفت انتباه سيف أن يراها لتخبره بأن الغداء أصبح جاهزاً. فهم سيف ما تود قوله، فأردف بابتسامة لسليم: "يلا يا باشا الغداء جاهز." "مرة تانية يا بشمهندس." "عيب يا سليم. خلاص كلها كام يوم وهتبقى جوز أختي يعني هتبقى واحد من العيلة خلاص. ولا نرجع في كلامنا." "إيه يا عم إنت بتتلكك. خلاص ماشي."
اتجهوا إلى المائدة، جلسوا جميعاً، وكانت شيماء تحضر الطعام بالخارج. اتجهت لتحضر باقي الأطعمة، ولكن توقفت على صوت صراخ ابنها. لتردف بهمس لسيف: "خلي مليكة تطلع باقي الأكل." وبالفعل اتجهت هي إلى ابنها. أما الأم فقد اتجهت إلى المطبخ لكي تساعد مليكة في إخراج الطعام.
دلفت الأم ووضعت الأطباق على السفرة، وبعدها خرجت مليكة وبيدها آخر طبق. كان ينظر يتحدث مع سيف، ولكن التفتت صدفة ليجد تلك الحور ماثلة أمامه. تطلع إليها بحب كبير، فهي كل يوم تزداد جمالاً في عينيه. حاولت هي أن لا تطلع إليه، ولكن كيف وهو معشوق القلب؟ فقلبها ينبض باسمه هو فقط. وضعت ما بيدها، سرعان واتجهت إلى المطبخ مرة أخرى. وضعت يدها على قلبها، محاولة منها لتوقف خفقان هذا القلب، ولكن كيف؟ دلت شيماء إليها فوجدتها هكذا.
فأردفت بسرعة: "مالك يا مليكة في إيه؟ احتضنها مليكة وشددت من احتضانها. فأردفت شيماء باستغراب: "مالك يا حبيبتي." "مش مصدقة نفسي لحد الآن." مررت يدها على خصلات شعرها لتردف بابتسامة: "صدقي يا مليكة. سليم حبه صادق ليكي. إنتي تستاهلي كل دا يا حبيبتي. إنتي لو سمعتي كلامه عليكي مش هتصدقيني من الفرحة." "إنتي حبك لسيف مقلش بعد الجواز؟ "دا وقته يا مجنونة." "خلاص يا ستي طالعة أهو."
وبالفعل اتجهت إلى الخارج مرة أخرى. تناول الجميع طعامهم بسعادة كبيرة، وطبعاً لم يخلو الجو من نظراته لها وإحراجها الشديد. أنهى سليم زيارته لهم ونزل بالأسفل بصحبة مليكة. "ناوية تاكلي بيتزا لوحدك كدا كتير." "كنت جعانة أعمل إيه يعني. من الجامعة والشغل اللي حضرتك قلتلي أعمله أونلاين. دا غير... "شششش. حجتك دايما الشغل وخلاص. مش هيبقى في شغل تاني." "إزاي." "يعني مش هتشتغلي في المجال دا تاني." "ليه بقاا؟
"لأنك تخصيني لوحدي. محدش تاني ليه إنه يشوفك." "ي سلام. كان فين من البداية. إنت نفسك اللي اخترتني للشغل دا. فإيه عايز بعد ما أنا عملت كل دا تقولي مفيش شغل." "أولاً صوتك ميعلاش. إحنا في الشارع. ثانياً... أنا بعرفك اللي هيحصل علشان يبقى في علمك مش أكتر." "يعني إيه يا سليم؟ هتمشي كلمتك عليا يعني." "كلمتي هتمشي عليكي يا مليكة." "لا يا سليم مش هسيب الشغل. أنا عملت كتي... "صوتك يا مليكة. عايزة تعرفي إنتي عملتي إيه تاني؟
إنتي بقيتي من أفضل الوجوه اللي ممكن تشتغل في الموضة." "طالما كدا يا سليم ليه عايز تمحي كل دا." "لأن مش عايز حد يبص لمراتي. مش عايز الناس كلها تشوفك. إنتي تخصيني أنا وبس. فمفيش حد ليه إنه يشوفك غيري." "إنت اللي دخلتني في المجال دا. وبعد ما حبيت الشغل جاي تقولي لا. بعد ما ظبطت بين شغلي ومذاكرتي." "أنا قلت اللي عندي يا مليكة. اطلعي بيتك." "بس أنا هشتغل. هكمل." "يعني هو عناد." "اعتبره أي حاجة. بس أنا هكمل."
استند بجسده العريض على سيارته. صمت قليلاً ليردف بهدوء: "أدامك اختيارين مفيش غيرهم. ياما نكمل سوا. أو تكملي شغلك." "نعم." "قلت اللي عندي يا مليكة. دا مش أسلوب نقاش. مش أول موضوع بينا وفيه نقاش وإنتي تعملي كدا. اختاري. وعايز اختيارك دلوقتي." "ماشي يا سليم براحتك. اللي تحبه. بس مش بعد كل اللي وصلتله دا في المدة دي هضيع كل دا." "أفهم من كدا إنك اخترتي نبعد." "أنا مخترتش حاجة. لا دا ولا دا. سلام يا... سليم باشا."
شعر وكأن هناك خنادق تغزو قلبه عند سماعه لنبرة صوتها هذه. تركته وصعدت مرة أخرى إلى منزلها، ومن ثم دلفت غرفتها وأغلقت بابها جيداً وجلست تبكي. فهي الآن يجب أن تختار ما بين كيانها أو بين حبها. أما عن سليم، فجلس في سيارته بغضب كبير ليردف بعصبية: "كان في طريقة تانية غير اللي أنا عملته دا. أعمل إيه دلوقتي." ولم تفت ثواني حتى انطلق بسيارته. "ممكن دا فعلاً يكون خير ليا. بس ميخيرنيش بالطريقة دي كدا. يا رب."
قامت من مكانها تشكو لخالقها، عسى أن ترتاح قليلاً. اتجهت إلى الحمام توضأت لكي تصلي. أدت صلاتها وجلست ودعت الله. طال بها الوقت، وفي النهاية قررت أن تصلي استخارة في أمر تكملة عملها. انتهت من صلاتها فتفاجئت بسيف خلفها. "إيه يا سيف عامل كدا ليه." "إيه اللي حصل." "في إيه." "مع سليم." "محصلش حاجة." "مترديش عليه ليه." "تليفوني فاصل أو ممكن يكون صامت مش عارفة."
"اسمعيني يا مليكة. سيف هيبقى جوزك. يعني مصلحتك تهمه. وأي حاجة تخصك هو عارف مصلحتك فيها كويس." صمت هو عندما رأى هاتفه يصدح باسم سليم. "بيرن يطمن عليكي علشان تليفونك مقفول وقالي أطمنه." أجاب على الهاتف ليردف: "كويسة يا سليم. عايزة تكلمك." "في إيه يا سيف." أعطاها سيف الهاتف وخرج من الغرفة لكي تحدثه. أمسكت الهاتف ووضعته على أذنها بدون أن تتكلم.
أما عن سليم، فخفق قلبه بشدة عندما أخبره سيف بأنها تود مكالمته. لم يستمع لأي شيء، ولكنه كان يستمع إلى صوت أنفاسها. تنهد بقوة من شدة غضبه، ولكنه حزن عندما استمع إلى صوت شهقاتها وهي تكتم صوت بكائها. "خلاص يا مليكة متزعليش." لم ترد عليه أبداً، ولكن دموعها كانت تعرف مجراها جيداً من عينيها. "ممكن متعيطيش علشان نعرف نتفاهم." تنهد بقوة ليردف أخيراً: "إنتي مكتفية باللي إنتي بتعملي دا يعني؟ كدا مبسوطة بعياطك دا."
نفذ صبره عندما لم يجد منها أي رد، ليردف بهدوء: "عايزة إيه يا مليكة." جففت دموعها بقسوة لتردف بهدوء زائف عكس العاصفة التي بداخلها: "مش عايزة حاجة." "يعني بعد كل السكوت دا. ماشي يا مليكة. متزعليش على اللي حصل. سلام يا مدام الشافعي." أغلق الهاتف سريعاً قبل أن يفقد أعصابه عليها. اعتقد أنها ستخبره عن عدم استمراره في هذا العمل. أما هي، فجلست تبكي في مكانها حتى غفت. مرت عدة ساعات.
أنهى فيه مالك عمله بتعب كبير واتجه إلى منزله، فهي علاجه الوحيد. دلف إلى المنزل فلم يجد سوى الهدوء. بحث عنها في البيت ولم يجدها. اتجه إلى غرفتهم فلم يجد. دب الرعب في قلبه. بحث عنها كالمجنون، هدأت ثورته تلك عندما استمع صوت ماء من داخل الحمام. تنهد بقوة وألقى بجسده على السرير. مرت عدة دقائق وخرجت. كانت ترتدي دريس من اللون الأبيض وحجابها. تفاجئت به وهو نائم على سريره. فأردفت: "إيه دا؟ إنت جيت إمتى؟
لم تجد أي رد عليها. فاتجهت إليه لتحدثه، ولكنه رأته نائماً. لاحظت الإرهاق الشديد البادي على وجهه، فقلقة كثيراً. جلست بجانبه وحاولت إفاقته لتردف بهمس: "مالك." قام من مكانه مسرعاً عندما رأها تستعد للخروج. "رايحة فين كدا." "مالك كدا في إيه." "مفيش تعبان شوية بس. إنتي رايحة فين كدا." "مالك ي مالك في إيه." "يا حبيبتي متقلقيش. إرهاق من الشغل بس مش أكتر." "طب استني جايلك أهو."
تركته مريم واتجهت للخروج، ولكنها توقفت عندما شعرت بدوار يصيب رأسها. أسندت على الباب وكادت بالسقوط، ولكن يده الفولاذية هي من منعتها من السقوط. "مالك يا بنتي في إيه." "مفيش ي مالك. أكيد من الحمل بس." "طيب اقع... إيه إنتي قلتي إيه." "إيه في إيه." "إنتي حامل؟ وضعت يدها على بطنها ورسمت ابتسامة على وجهها لتردف بابتسامة رائعة: "حامل." "إنتي مش بتهزري صح." "إيه يا مالك مش بهزر. أكيد في موضوع زي ده."
كانت فرحته تكفي عالم بأكمله. احتضنها بسعادة ودار بها في الغرفة ليردف بفرحة: "مش مصدق نفسي بجد. ألف مبروك يا روح قلبي." "الله يبارك فيك يا حبيبي. كنت مستنياك ترجع علشان نروح لأحمد دلوقتي." "٥ ثواني بالظبط وهتلاقيني عندك. أغير هدومي بس." "استنى بس. مش ضروري النهاردة. لما تبقى ترتاح ونروح يوم تاني." "وغلاوتك عندي النهاردة والوقتي كمان. ثواني بس وهجيلك." "ههههه... ماشي خلاااص. هتلبس إيه."
"النهاردة طلعي اللي إنتي عايزاه. هدخل آخد شاور وإنتي طلعي الهدوم." "ماشي." دلف مالك إلى الحمام سريعاً بعدما طبع قبلة على جبينها. واتجهت هي وأحضرت له ملابسه. وبعد عدة دقائق خرج مسرعاً ويرتدي ملابسه، فكان يرتدي بنطلون رمادي اللون وقميص أبيض. صفف شعره بحرفية وخرج للطبيب مع حبه الأول والأخير.
على الناحية الأخرى: انتهت روان من عملها ونوت الذهاب له في عيادته. ركبت سيارتها واتجهت إليه. وصلت إلى المكان وصعدت إلى هناك. اتجهت إلى السكرتيرة لكي تسجل اسمها. تعرفت عليها السكرتيرة سريعاً فأردفت: "حضرتك عايزة الدكتور أحمد؟ "عايزة أعمل كشف." استغربت السكرتيرة سريعاً ولكنها لبت ما أرادته. "روان مراد." "تمام اتفضلي. قدامك ٧ حالات." "تمام شكراً."
جلست روان والوقت يمر عليها والرعب يدب في قلبها خوفاً من ردة فعله ومن هذا الفحص التي ستؤديه. أمسكت هاتفها وظلت تقرأ في شفيع القلوب. لم تنتهي إلا عندما أتاها صوت السكرتيرة لتردف بابتسامة: "اتفضلي يا مدام." وضعت روان هاتفها في حقيبتها ودلفت بخطوات بطيئة للغاية. دقت الباب ودلفت بعدما أتاها صوته الرجولي التي عشقته من الداخل. صدمة حلت عليه عندما رآها. "إنتي كويسة؟ أي اللي جابك." "إيه يا دكتور. جاية أعمل فحص." "فحص؟
فحص إيه؟ مش قلنا مفيش داعي. روحي يا روان." "هو حضرتك بترجع المرضى بردو ي دكتور. دلوقتي أنا حالة من ضمن الحالات اللي حضرتك مسئول عنها." "مرضى إيه يا بنتي إنتي اتجننتي. إنتي عارفه إنتي بتقولي إيه. إيه التخلف دا. قلت ربنا لسه مأمرش إننا نخلف. إحنا متجوزين بقالنا شهرين بس. في ناس بتفضل بالسنين يا روان." "خلاص يا أحمد ريحني. أنا طول اليوم مبطلتش تفكير من خوفي إنك تسبني لو فعلاً مبخلفش."
زفر أحمد بغضب من نفسه من حديثه القاسي معها. "علشان خاطري ريحني. طمنيني وخلاص." قام أحمد من مكانه واتجه إليها فجلس مقابل لها. تقابلت عيناه الزرقاء مع عينيها الخضراء الممتلئة بالدموع. أمسك بيدها ليردف بحب صادق: "صدقيني لسه ربنا مؤمرش. بس علشان أريحك هنعمل الفحص." "بجد؟ "بجد." "بحبك أوي." "وأنا كمان بحبك." "يلا تعالي."
وبالفعل اتجهت معه لغرفة للفحص. انتهى من الفحص والصدمة والحزن تحتل وجهه. لا يعلم ماذا سيقول لها الآن. هل سيخبرها أنها حرمت من حلم الأمومة التي تتمناه أي فتاة، وهو كذلك الذي لم يكن له طفل يحمل اسمه. انتهى من الفحص وأردف بابتسامة كاذبة: "خلاص يا حبيبتي." خرج أحمد من تلك الحجرة وعقله يشغله. لا يعلم ماذا سيقول لها. وهو يرى رعبها من الفكرة فقط. لم ينتبه إلا على صوتها حيث أردفت: "طمني."
"الحمد لله يا حبيبتي. أنا قلتلك إن ربنا لسه مأمرش بس. لسه بدري يا روان. وعلشان اتأكدت أكتر كمان هنعمل تحليل دلوقتي حالا." "يعني أنا ممكن أخلف عادي؟ شعر بنار تشتعل بداخله عندما رأى تلك الفرحة المرسومة على وجهها. كيف يخبرها كل هذا. تنهد ليردف بهدوء: "بإذن الله يا حبيبتي. ادعي بس ربنا يرزقنا." "أنا بحبك أوي بجد." "وأنا كمان يا حبيبتي." "مرتاحة كدا." "جداً. أنا هروح." "ماشي. خلي بالك من نفسك."
أومأت له روان وخرجت وبداخلها تشعر بسعادة كبيرة. أما هو، فجلس على مكتبه بداخله حزن يكفي عالم بأكمله. لم يفق إلا على صوت طرق الباب. أذن له بالدخول. "نخرج ولا إيه." "مريم. تخرجي إيه مستنيكي من بدري. منور يا دكتور." "نورك يا دوك." "مالك؟ "مالي يا ستي. إنتي عايزاني يبقى فيا حاجة وخلاص. يلا يا ستي ادخلي هنا." علمت مريم أنه يكذب عليها، فهو أخوها وتعلم متى يكون حزين. انتهى أحمد من فحصها ليردف بابتسامة:
"ألف مبروك يا روح قلبي." "أنا مش مصدق لحد الآن." "ولا أنا بجد. عمري متخيلت اللحظة دي أبداً." "ربنا يقومك بالسلامة يا رب. طبعاً مش هوصيكي باللي هيحصل." "طبعاً." "مش هوصيك عليها يا مالك." "أكيد." "طبعاً مش هتصدقيني لو قلت لك إن دا أحلى خبر سمعته النهاردة." "وأنا يا أحمد." طال الحوار بينهم كثيراً وخرج مالك ومريم متجهين إلى منزلهم بفرحة عامرة. أما هو، فجلس وداخله حزن كبير. لا يعلم ماذا يفعل الآن.
في منزل مليكة: بعدما استيقظت من نومها، وجدت هاتفها بجانبها. فتحته فوجدت كم هائل من الاتصالات منه. زفرت بحزن ومن ثم وضعته بجانبها بحزن كبير. "يمكن في خير ليا لو سبت الشغل دا فعلاً. بس بردو إنه يخيرني بينه وبين إني أكمل فدا أكبر غلط." دق بابا غرفتها فوجدتها والدتها. "إيه يا ماما في إيه." اتجهت الأم وجلست بجانبها. ظلت صامتة عدة دقائق. لم يقطع هذا الصمت إلا عندما أردفت بتساؤل: "وبعدين يعني... هتفضلي معاندة كدا كتير."
"معاندة إيه يا ماما." "إيه سبب إنك تعملي كدا فيه."
"يا ماما أنا معملتش حاجة. أول ما اتقابلنا عرض عليا الشغل. وأنا وافقت بعد إلحاح كبير. اشتغلت في وقت كنت مضغوطة فيه لدرجة إني مكنتش بشوف قدامي. مع إن مكنش في حاجة تستدعي الشغل دا. كنت بروح الجامعة الصبح. برجع على الشركة. بجي بالليل وأفضل صاحية طول الليل أذاكر. كل دا إيه علشان أحقق حلمي وطموحي سوا. وفعلاً نجحت في دا. حققت نجاح كبير الحمد لله والوقتي بقيت وجهة من أفضل الوجوه في عالم الموضة. ليه بقاا ألغي كل دا يا ماما."
"سليم خايف عليكي يا مليكة. مش عايز حد يشوفك. يعني خلاص إنتي بقيتي مراته الوقتي و كلها كام يوم وهتبقى في بيته. كل دا من خوفه عليكي مش أكتر. هو كدا مش بيلغي كيانك. هو كدا راجل. بيحافظ عليكي. صدقيني يا مليكة لو كل مشكلة هتحصل بينكم هتتاخد خناق وعياط وكل دا فمش هتكملوا مع بعض. بالرغم من إنك معصباه منك إلا إنه كان بيتصل عليا كل شوية علشان يطمن عليكي. وإذا كنتي بتعيطي ولا لا. مردش يقول السبب وقال إنه مزعلك. أنا مكنتش أعرف حاجة غير أما عرفت منك الوقتي مش أكتر. افتحي تليفونك واعقلي يا مليكة ومتخربيش حياتك بنفسك."
غادرت وتركتها تفكر في كل كلمة قالتها. فهي تعلم أنها محقة ولكنها تعاند. وبعد عدة محاولات أمسكت هاتفها لكي تحادثه. "مش هكلمه. هبعت رسالة." وبالفعل أمسكت هاتفها لكي ترسل له رسالة. أما على الجهة الأخرى، فكان يشعر بحزن كبير يسيطر عليه وغضب أكبر من هذا الذي فعله وعصبيته عليها. أراد محادثتها ولكنه يعلم أنها لن تجيبه. لذلك قرر أن يرسل لها رسالة. "موافق تشتغلي وتكملي." وفي نفس الوقت كانت قد أرسلت له رسالتها لتردف:
"مش هكمل في الموضوع دا تاني." صدمة وفرحة حلت على كلاهما. فكلاهما لم يرد أن يحزن الآخر. نظر سليم إلى الرسالة بفرحة كبيرة. ولم تفت ثواني حتى قد هاتفها. أجابت عليه سريعاً لتردف بهدوء: "مش عايزة أكمل خلاص." "بحبك." "إنت خيرتني بينك وبين شغلي يا سليم. مسبتليش أي فرصة إني أتفاهم معاك في الموضوع." "وأنا موافق تكملي لو حابة. بس بالله عليكي معيطيش تاني لو سمحت." "وأنا خلاص مش عايزة أكمل."
صمت حل عليهم قليلاً. قطع هذا الصمت عندما أردفا معاً: "أسف." "أسفة." "طالما أنا عايش مش عايز أشوف دموعك أو أسمع اعتذارك دا أبداً. أنا اللي آسف إني خليتك تعيطي. بس والله من غيرتي عليكي مش أكتر." "أنا مش زعلانة منك بس إنت حطتني في موقف صعب أوي." "بس في الآخر اخترتيني أنا. ودا المهم بالنسبة ليا. مردتش أزعلك وقلت خلاص زي ما إنتي عايزة تقدري تكملي."
"وأنا مردتش أزعلك وخلاص مش هكمل تاني لو إنت مش حابب دا. مكنش قصدي إني أتعصب عليك وصوتي يعلى." "عارفة. الوقتي إنتي لو حابة تكملي ممكن تكملي وأنا بكامل موافقتي على إنك تكملي. إنك اخترتيني إنت دا لوحده كفاية. مع إن مكنتش عارف إزاي أنا خيرتك بس اللي حصل حصل." "إنت دايماً هتكون اختياري لو خيرتني. بين أي حاجة. بس إنت مدتنيش أي فرصة نتكلم. كان ممكن نتكلم وتفهمني وجهة نظرك وأقبلها والله."
"خلاص بقا يا كوكي اللي حصل حصل. وبعدين إنتي طول اليوم مذاكرتيش." "ماهو بسببك يعني بمزاج." "خلاص يا ستي متأسفين. قومي ذاكري. أكلتي ولا لسه." "مش عايزة آكل." "إنتي مأكلتيش أصلاً على الغدا. والساعة بقت ١٢ وإنتي لسه من غير أكل." "كويس إنك متابع أصلاً." "النفس نفسه يا مليكة. عارفة. كل حاجة تخصك أنا عارفها. ودلوقتي بقا قومي تاكلي وابدأي تذاكري." "تمام." "بحبك." "تمام."
"مش عايزك تزعلي أبداً. ولو إنتي حابة تكملي فأنا موافق والله." "مش زعلانة يا سليم. وأنا كدا هبقى تمام." "ربنا يخليكي ليا يا رب." "ويخليك." أغلق معها الهاتف وكلاهما سعيداً للغاية.
أما عند مريم، فكانت نامت بهدوء ولكنها استيقظت وقلبها ينبض بشدة. لا تعلم ما السبب. قامت من مكانها بهدوء حتى لا توقظ مالك. قامت أدت صلاتها عسى أن تهدأ من خوفها. تذكرت أحمد أخيها في لحظة، وتذكرت ملامح وجهه الشاحبة أيضاً. فقررت الاتصال به. ترددت قليلاً لتأخر الوقت، ولكنها في النهاية حادثته.
على الناحية الأخرى: كان يتطلع إليها وهي نائمة بحزن كبير. لا يعلم كيف يخبرها هذا الأمر. عندما رأى خوفه من هذا الكابوس. طال به الوقت وهويتأملها بعدة مشاعر مختلطة: حب، خوف، اعتذار، قلق. الكثير والكثير. غفت عيناه من كثر التفكير ولكنه استيقظ سريعاً عندما رن هاتفه باسم أخته. استغرب كثيراً. وقام مسرعاً خوفاً من أن يكون أصابها مكروه. أجاب سريعاً ليردف بلهفة: "خير يا حبيبتي إنتي كويسة." "شكلي صحيتك. نام يا حبيبي وهكلمك بكرة."
"لا لا كنت صاحي." "صاحي الوقتي. في إيه." "عادي يا حبيبتي إرهاق مش أكتر." "لا يا أحمد مش إرهاق. من ساعة ما كنت عندك في العيادة وإنت مش مظبوط. في إيه روان كانت خارجة من عندك. بينكم مشاكل." "لا يا حبيبتي مفيش مشاكل ولا حاجة." "علشان خاطري يا أحمد. صوتك مخنوق. اتكلم. طول عمرك أنا كنت الدوا بتاعك. تعبان كدا ليه."
"عايزاني أقولك إيه. عايزة تعرفي إيه وجعني. أقولك إن اللي وجعني إن مراتي مش هتخلف. أقولك إنها بس لمجرد إنها حلمت إنها مش هتخلف كانت هتدخل في نوبة فزع. كانت بتبكي وجسمها متلج من الخوف لمجرد إن حلمت إني سبتها علشان مش هتخلف. هتتحرم إنها تكون أم. مش عارفة أقولها كل دا إزاي. مفيش عندي الجرأة علشان أقولها يا مريم. أنا مش هتفرق معايا. كل اللي يهمني هي وبس. أما موضوع الخلفه ودا مش هياثر معايا أنا. هي اللي هتبقى حاطاه في دماغها."
"كله بأمر الله يا أحمد ولا تعلم. إنت دكتور وعارف. يرزق من يشاء يا حبيبي. ياما كان في حالات زي دي وربنا كرمها وخلفت في الآخر. متيأسش من رحمة ربك يا أحمد. ادعي من قلبك وربنا هيرزقك." "عارف ولله وبدعي ربنا. وإن قلت أي حاجة فدا من خوفي إنها تعرف مش أكتر. واثق إن لما ربنا يريد دا هيحصل." ثم تابع بحزن:
"صدقيني أنا مش فارق معايا تخلف ولا متخلفش. بس بعد ما شفت رعبها من فكرة الموضوع بس مع إنه وقتها كان مجرد كابوس مش أكتر. كانت بتتنفض من الخوف. كانت ماسكة فيا كأنها طفل خايف من فقدان أبوه. عمري ما تمنيت أشوفها كدا. مش عايز أخسرها بسبب موضوع زي دا." حزنت عليه للغاية لتردف بتأثر: "صدقني خير ليكم. ربنا شايلكم الأفضل والله. وأنا آسفة أوي أو يعني...
"متعتذريش. بالعكس روان فرحتلك جداً. مكنتش متوقع الفرحة دي كلها منها. بس كانت فعلاً فرحانة. كانت هتكلمك الصبح. مش عارف إنتي شفتيها ولا لا وهي خارجة من العيادة." "شفتها وسلمت عليها وباركتلي وشفت فرحة حقيقية في عينها. بس والله العظيم مكنش قصدي إني أضايقكم أبداً."
"إنتي غبية. تضايقي إيه. أنا لو طلبت أجيب لك الدنيا كلها علشان خبر زي دا. فرحتك تفرحني. ودا هيكون أول طفل ليكي. وأول فرحة لينا كلنا. ربنا يعدي حملك على خير يا رب ويقومك بالسلامة." طال الحديث بينهم في عدة أمور. أنهو الاتصال واتجه كلاهما ليكمل نومه مجدداً.
الساعة قد تعدت الثانية مساءً. عاد محمد إلى تلك الشقة التابعة له ضمن العديد من منشآته. صعد إلى الشقة فوجد السكون يخيم عليها. دق قلبه بعنف عندما رأى الغرفة فارغة. بحث عنها كثيراً ولم يجدها. أصبح كالمجنون كمن يبحث عن شخص أصبح لا يوجد له أثر. دلف إلى الغرفة بحث عنها في الحمام ولم يجده، وكذلك في غرفة الملابس. لم يأت في مخيلته سوى أنها هربت منه. ولكن كيف؟
هو من أغلق الباب بيده وهو فقط من يستطيع فتحه. تنفس براحة عندما تسلل إليه نور غرفة المكتب التي أخبرها بها. اتجه إليها فوجدها قد غفت في نومها أثناء مذاكرتها. اتجه إليه ووقف أمامها في هدوء تام. تأملها بنظرات مليئة بالحب الصادق. انتبه إلى أنها مازالت ترتدي ملابسه وتستخدم اللابتوب الخاص به. "مكنتش أتوقع إن ممكن حد يعمل كدا والله."
اتجه إليها بهدوء شديد حتى لا يوقظها. حملها بين يديه لكي يضعها على سريرها. كان ينوي أن لا يبيت في تلك الغرفة حتى لا يزعجها. ولكنها قد صرخت بفزع عندما رأت نفسها في الأعلى، أو بالأحرى على قمة جبل عالٍ. "عااااا اا. نزلني أي دا. إنت جيت إمتى." "كنتي نايمة على المكتب فقلت أحطك على السرير مش أكتر. وأنا جيت إمتى؟ جيت من شوية يا قمر." "متنزلني ي عم. كنت تقدر تحكي القصة دي وأنا تحت. لازم نطلع السما السابعة كدا يعني."
"إيه هو حد قالك إن إحنا في السما السابعة." "أومال إيه. إنت طويل أوي. نزلني بقاا الله يخربيتك." أنزلها محمد سريعاً لتردف هي بضيق: "لازم يعني تخليني أشتغل بالعنف." "عنف إيه يا بنتي اللي بتتكلمي عليه."
شردت هي في ضحكته هذه، فرسمت ابتسامة بلهاء على وجهها. كف هو عن الضحك عندما رآها هكذا. وللحظة أتى على باله أنها احتمال تحبه. ولكنه أبعد هذا التفكير سريعاً، فكيف لها أن تحب شخص كالـشيطان وهو من رسم هذه الصورة لها. طالت النظرات بينهم وكلاهما يأبى ترك الآخر. أشاحت بنظرها سريعاً بتوتر كبير وخوف أكبر. لاحظ هو توترها هذا فابتسم بخفوت. "للدرجة دي هدومي عجباكي علشان تفضلي لبساها لحد الآن. ولا إنتي عايزة أي حاجة مني وخلاص."
"لا إنت فهمت غلط يا باشا. مفيش هنا هدوم ألبسها." "مانا قلت لك الهدوم جت لك الصبح." "أولاً حضرتك حبسني هنا من الصبح. ثانياً أنا مش هلبس حاجة إنت جايبها ودافع فلوسك فيها." "حضرتك ناوية بقاا تصرفي منين." "لا اتكلم من غير تريقة كدا. مش محتاجاك تصرف عليا والله. أنا متكفلة بذاتي." "ماشي يا اللي متكفلة بذاتك. إنتي بقا بتشتغلي علشان تتكفلي بذاتك؟ "ملكش دعوة إنت. المهم متحطش في اعتبارك إنك ممكن تصرف عليا." "بلاش عناد وتحدي."
"ومفيش غير كدا ي دكتور أو بشمهندس. اللي تحبه." "ي بنتي بلاش تتحديني هتزعلي مني والله." جلست هي أمامه بهدوء واضعة قدم فوق الأخرى لتردف بكل برود: "أنا قدامك أهو. ملك الدمنهوري بتقول إنها تحدت النمر بكامل قوتها." اتجه إليها بخطوات بطيئة للغاية ليكون على مقربة منها. ارتعدت هي من الخوف، ولكنها حاولت أن تدعي القوة لتردف:
"إنت مفكر إني هخاف منك زي الصبح. مستحيل. انسى. انسى يا محمد باشا إن دا يحصل. إنت بتقرب كدا ليه. متبعد شوية." لم تكمل كلماتها لأنها صرخت بشدة عندما حملها مرة أخرى بين يديه كالطفل الصغير. "يا عم نزلني ولا إنت غاوي تعب وخلاص." "خليكي عارفة إن لسانك دا هيوديكي في داهية. فانتي تسكتي بقا علشان تنامي." "إنت بتكلم بنت أختك. نزلني ي محماااا." "أولاً صوتك. ثانياً حاسس إني بكلم بنتي مش بنت أختي كمان. ثالثاً
بقا ودا الأهم: أنا نبهتك من صوتك. وعقابك إن صوت علا هيحصل دلوقتي." لم تستطع فهم ما يريد قوله إلا عندما خرج من هذه الغرفة ووضعها بقوة على السرير. ابتعد عنها قليلاً واستدار يزيل قميصه كالمعتاد بالنسبة له كل يوم عندما يعود. ارتعدت هي من الخوف عندما رأته لتردف بخوف: "بالله عليك بلاش كدا."
لم يكن يعلم ما يدور في عقلها، ولكنه لم يبالي كثيراً. أكمل ما كان يفعله تحت نظرات الصدمة والخوف منها. قامت من مكانها مسرعة حتى تخرج من الغرفة، ولكن يده الأسرع ليردف بهدوء مميت زاد رعبها: "متحاوليش متسمعيش كلامي تاني لأنك هتندمي." دفعها مرة أخرى على السرير فاردفت بدموع: "الله يخليك ابعد عني. مش هعلي صوتي عليك تاني أبداً. ومش هتكلم معاك أصلاً. بس بلاش كدا الله يخليك." استغرب محمد كثيراً من دموعها هذه. فاقترب منها والقلق
ينتابه ليردف باستغراب: "إنتي بتعيطي لي." دفعته ملك بعيداً عنها لتردف بخوف: "متقربش. ابعد." عرف الآن سبب ذعرها. فسحب قميصه وارتداه سريعاً. اتجه إليها مرة أخرى وجلس أمامها ليردف بهدوء: "متخفيش. مكنتش هعملك حاجة والله." "ابعد. ابعد لو سمحت." "صدقيني والله مكنتش هعملك حاجة. كنت هغصب عليكي تنامي هنا بس مش أكتر. وإنتي عارفة إني بنام كدا. مفكرتش أبداً إني أعمل فيكي حاجة."
نظرت له بعينيها المحملة بالدموع لتلتمس الصدق من حديثه. فأردف هو بهدوء: "صدقيني أنا مستحيل أعمل فيكي كدا. خوفك مني ورعبك وصلك إنك تفكري في كدا. أولاً إنتي مراتي. ثانياً خلي دايماً في بالك إني أمانك وحمايتك."
سحبها إلى أحضانه. كانت تقاومه بكل طاقتها، ولكن ما هي قوتها بجانب هذا الجسد. سكنت بين أحضانه وكأنها تستمد منه الأمان. نزلت دموعها، ولكن هذه المرة ليست خوفاً منه. هي تحبه. وزواجها منه من وجهة نظرها لحمايتها فقط. يعني لا يكن لها أي حب مطلقاً. شعر بدموعها هذه وسمع شهقاتها المكتومة. مرر يده إلى شعرها بحنان ليردف بحب:
"آسف خوفتك. بس عادتي إني بدخل آخد شاور قبل ما أنام. وجبتك علشان أجبرك تنامي هنا. ودا كان هيبقى عقابك. مستحيل أفكر أسبب لك أذى أبداً." لم تجبه مطلقاً وظلت ساكنة دقائق. شعر بارتخاء جسدها بين يديه فعلم أنها قد غفت. رفع وجهها تأملها بحب كبير. طبع قبلة صغيرة على جبينها ومن ثم غفا هو الآخر وهي بين أحضانه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!