الواحدة والعشرون قُضي عليها أن تكون حياتها بهذا الشكل المأساوي. ابنة يتيمة، شابة منبوذة من الجميع، زوجة بالإجبار. دخل إليها "زيد" بهيئته الغريبة، على عنقه وشاح أبيض لم تراه إلا على صدر جدها من قبل. انكمشت أكثر على نفسها.
وهي في زاوية الغرفة، خصلاتها مبعثرة، تنزف من أنفها وجانب فمها، وما يظهر من جسدها كله كدمات. رؤيتها بهذا الشكل مزقت قلب "زيد" تمزيقاً. ما يطلبه منها وهي في هذه الحالة أمر انتحاري. زاد رعبها أكثر عندما أغلق الباب من خلفه، فلم تجد مأوى للهرب أكثر من الحائط. تعالت نبضتها أكثر حتى أصبح صوته يصل إلى مسامعها. دموعها تجري كسيل على وجنتيها. هتفت وهي تحتضن نفسها بهلع: -عايز إيه؟ جاي ليه؟ هتموتني؟
نزل على ركبتيه أمامها، ودون أي إجابة، جذبها إلى أحضانه. الألم الذي نهش صدره عندما رآها بهذه الحالة وهذا الضعف قسم قلبه نصفين. ضمها بقوة، وتشبثت هي به بقوة. وانهالت في بكاء مرير مع شهقات متوالية تقطع نياط القلب، وصراخات للأسف خرجت بصوت مبحوح. أجفل من حالتها التي أثرت بشكل قوي فيه وجعلته رغماً عنه يدمع.
دقائق طويلة قضتها في هذا الانهيار حتى هدأت الدفء الذي حصلت عليه بين أحضانه. لم تشعر به حتى بين أحضان والدها. الأمان الذي منحه إياها وجعلها تسكن وتطمئن بهذا الشكل لم تجربه من قبل. كالمعجزة أتى لها "زيد". لطف الله لها في الأرض كان هو. زفرت بارتياح، مطمئنة أن كل شيء سيكون بخير معه. أما بالنسبة له، كان يستشعر كل هذه الثقة التي وضعته فيه.
وما بين قلبه وعقله انشطر قلبه. كل نصف بهم بحالة مختلفة وشعور نقيض. نصف لا يقوى على ألمها، ونصف آخر يرفض وجودها. تشتت بينهم، لكنه كان يعلم أنه هالك لا محالة. وبرغم أنه كان متيقناً من خسارته في الحالتين، استمر.
ابتعد عنها قليلاً بالقدر الذي يسمح له برؤية وجهها المكدوم. رتب خصلاتها بعناية ومنحها ابتسامة خفيفة ليطمئنها. ثم نهض من جوارها ليبحث بين أغراضها الموضوعة على طاولة المرآة عن قطن أو مناديل ليضمد جروحها مؤقتاً. التقط أيضاً قنينة عطر وعاد من جديد يتربع بجوارها بالأرض. أمسك بيدها أولاً ليمسح على نوابضها بالعطر حتى تستعيد نشاطها. ثم انتقل إلى وجهها. وضع المنديل فتأوهت وتراجعت للخلف. أومأ لها وعاد يطمئنها أنه لن يقسو عليها. وبرفق شديد بدأ بتضميد جروحها محاولاً إيقاف النزيف. مر كثيراً من الوقت وهو يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه وترميم ما أفسده والدها.
الوقت لم يكن بصالحه، فهم بالخارج في الانتظار. لذا توقف ليبدأ من أول وجديد. سحب أنفاسه ليستعد، من بعدها قائلاً: -انتِ عارفة أنا هنا ليه؟ نفضت رأسها وعيناها معلقتان بعينه. فزفر ليهتف بصوت منخفض: -عشان جوزنا هيتم دلوقتي. ارتعبت من جملته، ولأول مرة من وقت حضوره تشعر بأنها شبه عارية. الضغط الذي عاشته من أمس لليوم كان فوق طاقتها وأكبر من تحملها. اترجف صوتها وهي تسأله بمرارة: -عشان كده أنت بتحاول تهديني؟
أشاح بوجهه عنها دون أن يرد عليها. لم يصرح لها أنه بالفعل أشفق عليها وليس لغرض معين فعل هذا. الوقت ليس مناسب لقول ذلك. بل الأهم الخروج من هذا. لذا عاد يهتف متسائلاً بضيق: -إيه اللي خلاكي هربتي؟ أجابته بسؤال آخر وعيناها بعينه تبحث عن شيئاً ما: -لو قولتلك هتصدقني؟ هتف متعصباً بعض الشيء: -لو قولتي الحقيقة هصدقها أيّاً كانت. رفع سبابته ولوح مؤكداً: -إوعي تكذبي. لو كذبتي هعرف وساعتها كل شيء هيتغير للأبد.
اعتدلت في جلستها وثنت ركبتيها أسفلها حتى تستطيع إخفاء ما يظهر من ساقيها أمامه. استعدت لقول الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة. مادام هناك فرصة للاحتمال تصديقها ستستغلها. لعلها تجد من يصدق صدقها. هتفت مجيبة سؤاله الأول: -هربت عشان خوفت منكم. كلكم كنتوا مخوفني، مامتك وعمتك ومرات أبويا وحتى جدو نفسه قال لي زيد هيأدبك. وانت كمان ضيقتني لما ما صدقتنيش إني ما أذتش مريم. أنصت لها مصدقاً إياها ومتعاطف معها تماماً. ازدراء
ريقه وسأل بحنق واضح: -اشمعنى رياض اللي روحتيله؟ أجابت بتردد بعدما رأت وجهه الآخر: -لأنه هو الوحيد اللي عرض عليا المساعدة والوحيد اللي كان بيعاملني كويس. هنا ظهر تفاعل على وجهه. هذا السؤال الذي يريد طرحه صعب عليه نطقه، لذا بدله بغيره مزمجراً: -حصل إيه هناك؟ ارتعشت من غضبه وهرب الكلام من لسانها. ظلت تحدق به في صمت. صمت استفزه، فصاح بها من بين أسنانه بحدة: -انجزي بسرعة عشان اللي بره ما يقلقوش من الغيبة دي.
حصل إيه هناك جاوبي! ازدرقت ريقها وأمسكت بأطراف يدها ما ترتدي وهي تجيبه بخجل: -عرفت غلطتي والله، والله عرفت غلطتي. هو كان معشمني بالحرية ولما لقيته مجنون و... و... تقطعت كلماتها رغماً عنها وانخرطت في البكاء، فأمسك بكتفيها ليسألها برعب جلي وضيق وكأن روحه متعلقة بهذا. عيناه متسعتان ومثبتتان عليها بقلق: -قولي بسرعة عملك إيه؟ قولي اللي الكل خايف منه حصل ولا ما حصلش؟ أجابته مفزوعة من فكرة عدم تصديقها:
-ما حصلش، قاومت والله العظيم قاومته، قاومته لحد ما أنت جيت. تركها ليلتقط أنفاسه المحبوسة. أمسكت بمنكبيه وضاعفت من حديثها متسائلة بقلق: -أنت مصدقني؟ مصدق اللي قولته؟ هو خلى الست اللي معاه تلبسني كدا؟ هو اللي قالها؟ أنا ما عملتش حاجة بمزاجي، أنا كنت مجبورة وعرفت غلطي، والله عرفت غلطي. أنا ما عملتش حاجة، أنت مصدقني؟
كان بحاجة لتصديقها للحفاظ على حياتها، لا سبيل سوى تصديقها، خاصًا أنه لا يمكن أن يكتشف الأمر وهي بهذه الحالة المزرية ولا بحالته النفسية هذه. أمسك بقنينة العطر وكسرها، فصرخت رغما عنها بصوت عالٍ وصل إلى مسامع الجميع. انتفض الجد من داخله لكنه حاول الثبات وانتظر بجلد عودة زيد. أمسك "زيد" قطعة زجاج من المتناثرة وشمر عن ساعده ليجرح نفسه في المنتصف. ظهر على وجهه علامات الألم، وكذلك صبا، والتي سألته وهي
تضع يدها على فمها بفزع: -بتعمل كدا ليه؟ أمسك بالشال الذي وضعه "جده" على عنقه، ضغط على جرحه ليجفف دمائه به بقدر معقول. عندما انتهى، طهر جرحه بالعطر وأجابها متأثرًا: -عشانك إنتي. هكذب أول كذبة في حياتي. فهمت "صبا" على الفور مقصده. أخجلها بشدة تعاطفه معها ومحاولته الوقوف بجوارها، بينما هي لم تقدم له سوى الألم. سحب الجاكت الخاص من عليها وارتداه كي لا يظهر ساعده المجروح أسفل قميصه الأبيض. أمرها قائلًا:
-قومي أساعدك تغيري هدومك دي وتاخدي دوش دافئ.
أمسك بيدها فلم تقو على الوقوف، فمال بجذعه ليضع يده أسفل ركبتيها ورفعها بين يديه. شهقت بصدمة من فعلته. لأول مرة تشعر به وتحفظ ملامحه الجامدة والمتأثرة دون النظر نحوها. تعلقت بعنقه وتحرك بها حتى وضعها بلطف على الفراش. تمددت باسترخاء ودثرها بالأغطية. وقبل أن تترك يده الغطاء، تشبثت بيده ومنعته من الابتعاد. انتفض قلبه من أثر قبضتها المباغتة. حدق لها بصمت يأساً من قلبه الذي يضعف أمامها، فأخبرته متوسلة بضعف: -ما تسبنيش.
حرك رأسه بإيماء قصير وقال: -هرجعلك. أنا هبات هنا النهارده. اتسعت عيناه غير مصدقة، تسارع نبضها بسرعة غير عادية وظلت تنظر باتجاهه حيث غادر بقلق من الآتي. وإن تخلصت من الجميع، كيف ستتخلص من زيد؟ دخل "زيد" إليهم كالعاصفة غاضبًا وتعبيره متهجمًا. تعمد "جده" دونًا عن الموجودين وقدم إليه الوشاح، فنظر إليه ثوانٍ ثم أشاح بوجهه عنه ليدفعه باتجاه والدها الذي شعر بالتحسن قليلاً. دفعت "ونيسة" والديها بلال ويحيى وصاحت بغضب:
-اطلعوا برا انتوا الاتنين. انهمرت في البكاء وكررت جملتها بعصبية عندما استمر وقوفهما: -مش قولت اطلعوا يلا. خرج الولدان وأمسكت "ونيسة" بتلابيب زيد تلومه غاضبًا وحزنًا: -إنت إزاي تعمل كدا؟ حلفتك برحمة أبوك. إعمل ما تعمل يا زيد، مش هخليها على ذمتك. التفت إلى جده وأردفت: -خلاص عملتوا اللي إنتوا عايزينه. أنا عايزة ابني رجعلى ابني. ابني مش هيتجوز الفاجرة دي اللي هربت وشحطتنا من أول يوم.
ظل "فايز" ثابتًا أمام انهيار ونيسة. حتى تدخلت "بثينة" مستنكرة صمته: -إنت ساكت ليه؟ هو إنت لسه ناوي تسيبها وسطنا بعد ما هربت؟ أجاب "فايز" بهدوء: -والله عندك جوزها أهو، إسأليه. عايزها تمشي ولا تقعد؟ هي غلطت في حقه، أظني هو أكتر واحد حقه يحكم. هتفت "ونيسة" غاضبة والبكاء ينحر قلبها: -طلقها يا زيد، ارمي عليها اليمين، ما تعيش مع واحدة فاجرة. بدى "زيد" وكأنه اكتفى، فرفع يده ليوقفها هاتفا بحزم شديد:
-ما حدش يغلط في مراتي. صبا بقت مراتي شرعًا وقانونًا. أي إهانة هتتوجه ليها كأنها اتوجهت ليا أنا، وأي حد هيأذيها هيبقى أذاني أنا. وانتوا عارفين عقاب اللي بيهين الكبير، واللي عنده اعتراض يخليه لنفسه. صبا تخصني أنا، ما تخصش أي حد تاني. أنهى جملته والتف إلى جده ليستأذنه: -عن إذنك يا جدي.
ظل "فايز" ينظر له يتفحصه حتى تعمد "زيد" إخفاء وجهه عنه بالنظر في اتجاه آخر. لم يجرؤ على رفع عينه بعينه. من المؤسف أن الاثنين يفهمان بعض. ضيق الجد عينه بغضب وهتف بصوت عالٍ: -خلصنا، كل واحد على أوضته. سبوني مع زيد لوحدينا. انصاعوا جميعهم وخروا معًا ليتركوا الذئب الهرم مع شبيه الصبي. وما إن أغلق الباب من خلفهم حتى وثب "فايز" ليقف بوجهه صارخًا به: -إنت جاي تضحك عليا يا زيد؟ من إمتى وأنت بتكدب؟
حاول "زيد" الثبات على كذبه حتى لا يزيد من انزعاجه وخشية على حياة "صبا". هتف بهدوء: -أنا عمري ما كدبت عليك. استأنف جده مكانه: -تقصد قبل النهارده، صح؟ أمسك بيده ورفعها أمام عينه ليريه قطرات الدماء التي سالت من يده على أطراف أحد أكمامه التي فضحتها، وحتى دون ذلك كان "جده" سيكتشف، فهو من رباه. استأنف "فايز" ساخرًا: -عيب يا زيد، دا اللي رباه خير من اللي اشترى. أحرج بشدة وتحاشى النظر بعينه ليخبره بخجل:
-رياض لعب بعقلها، وأنت عارفه. هي تروح فين قصاده... انقطع حديثه عندما شك في أن تبريره لن يرضي جده، وبتر جملته ليقول أخرى: -أنا صدقتها. غضب "فايز" كان واضحًا لا يحتاج لتعبيرا منه. هتف بحدة محاولًا خفض صوته: -إنت حطيت الثقة اللي إديتهالك في حتة عيلة زي دي؟ ما أكيد هتكذب. نفى "زيد" مؤكدًا: -مش بتكذب، أنا متأكد. سأله بضيق وهو يشكك في ذكائه: -مين قالك؟ أي حد هتخيره بين الموت والكذب هيكذب. أسرع بالرد موضحًا:
-إلا هي، لأنها أصلًا كانت عايزة تنتحر. أنا شوفتها وهي بتحاول تنط من سور البلكونة لما غصبتوها على عامر. وبعدين واحدة بكل اللي عاشته واللي عايشاه دا، هتمسك بالحياة على إيه؟ ولا حضرتك شايف إيه؟ ضيق جده عينه وهتف بحنق: -أنا شايف إن إنت ابتديت تبقى عاطفي شوية. أنا أمرتك بمهمة، ليه ما اتنفذتش؟ أجابه بتوتر وحرج: -حالتها صعبة جدًا. وأنا مش حابب الطريقة القديمة دي، وأنا هبدأ حياة جديدة، فحبيت تكون بداية طبيعية.
استاء فايز من عاطفته التي جعلته ينسى الحق والعقل، واستدار عنه ليهتف: -كنت تنفذ كلامي بما إنك حابب تبدأ جديدة. ما تسيبش حاجة للشك. لو ما اتأكدتش بسرعة، عمرك ما هترتاح. الجمل الأقصر هي الأصدق دائمًا، لا حياة هانئة دون ثقة. وجده يعرف جيدًا أنه عاجلًا أم آجلًا سيشك بها إن لم يتأكد، وأن الشك هو بداية الانهيار. أضاف دون أن يلتفت له وجلس على كرسيه متمسكًا بعصاه:
-أنا هسيب كل حاجة في إيدك الفترة الجاية وهراقبك من بعيد لبعيد. عايز أطمن على مستقبل عيلة الواصل، على حياة عيني. أثقل كاهله بحمل جديد، وفي أشد الأوقات صعوبة. عاد إلى غرفتها وكأنها المهرب الوحيد من ضجيج رأسه والمسكن القوي لكل آلامه نتيجة اختياره وهدية القدر إليه.
كانت تتتدثر أسفل الأغطية وتنام بعمق ممغمة العينين، لكن دموعها سائلة وتشهق كطفل صغير نام بعد مدة من البكاء، ترتجف مثل العصفور وتهتز وكأنها تحت عاصفة من الرياح عنيفة تحركها دون هوادة. دخل إلى فراشها وضمها إليه مواسيًا، ومعتذرًا عن كل ما تركها تعانيه دون وجوده. كان يشعر بها كأنها "مريم" صغيرته، ليس في طيشها وعصبيتها ولسانها السليط، لكن في طفولتها وحزنها.
بدأ يمسح دموعها المتساقطة، ولكنها لم تكف، استمرت بالبكاء حتى وهي نائمة. حركها بلطف مناديًا: -صبا.. صبا، إنت كويسة؟ لم تبدُ على ما يرام. ابتعد عنها قليلًا ليسمح برؤيتها بشكل جيد، لكنها كانت في حالة تورم رهيبة من وجهها، شعرها المبلل الملتصق على وجنتيها حجب عنه الرؤية. بأطراف أصابعه أزاحه عنها وهو يناديها: -يا صبا.. قومي، إنت صاحية ولا نايمة؟
لم يجد منها استجابة، فأزاح الغطاء عنها وازداد فزعًا عندما لاحظ علامات واضحة فوق يدها. وقرر كشف ساعدها لرؤية حجم الكدمات. جلس على ركبتيه أمامها، كلما شمر عن ساعدها ازدادت صدمة وانزعاجًا. هم بفك وثاق أزرار منامتها، لكنه كان مترددًا، وفي حالتها المرعبة كان مجبرًا. ثوانٍ واكتشف الطامة الكبرى. والدها لم يترك بجسدها شبرًا إلا وترك به علامة خطوط طولية تبدو أثر حزام جلدي.
اتسعت عيناه وهو يرى كل هذه الكدمات والعلامات الزرقاء البارزة والتي يتخللها بعض الاحمرار. منظر يدمي القلب ويحبس الأنفاس. رمى الغطاء من على جسدها وأمسك هاتفه ليحادث الحارس الخارجي عبر الهاتف. طلب منه بعض المراهم والمسكنات، وكذلك مضاد حيوي، وشدد من سرعة التنفيذ. دخل إلى الحمام الملحق، وملأ حوض الاستحمام بالماء الدافئ وعاد من جديد لها ليحملها بين يديه ويضعها بالحوض. كان يجب اتخاذ هذه الخطوة مهما كانت صعبة على نفسها أو نفسه. هي كالخارجة من معركة، والأسرع نتيجة في تسكين هذه الآلام الماء الدافئ. لم يخلع عنها كامل ملابسها، واستيقظت هي شاهقة من كل هذا. نظرت باتجاهه وانفجرت في البكاء، فمسح
على رأسها بلطف وهو يقول: -إهدى. ماتخافيش. كانت محرجة من وضعها أمامه، لكن رغم ذلك حاولت الهدوء وإعطائه الثقة التي لم تعطيها لأحد قبله. تغيب عن الوعي رغما عنها بسبب تلك الضربة العنيفة التي سببها لها والدها عندما لكم رأسها بالحائط.
انتهى من ذلك وحملها ليعود بها للفراش ويجفف جسدها. كل تفكير "زيد" كان في سلامتها ومساعدتها للنجاة، أهم من أي رغبة. لم ينسَ أنه عاش وقتًا كهذا سابقًا ولم يجد من يقف بجواره. تذكر إن كان تركها الليلة وحدها ماذا قد يحدث لها. تبدو إصابة رأسها بالغة وقد تسبب لها مضاعفات. بعد مدة قليلة. نزل ليتناول الأدوية من الحارس وصعد عائدًا لغرفتها. وأثناء عودته أوقفه "جده" الذي شعر بحركة غريبة في غرفة صبا، وكذالك فتح الباب وغلقه.
أقلقه سأل زيد وهو يتفحصه: -في إيه؟ داخل وخارج من أوضة صبا ليه؟ أجابه زيد مشيرًا لما بيده من أدوية: -تعبانة وجايب لها علاج. سكت جده قليلًا وأبدى استياءه. فأردف زيد بقلق: -شكلها صعب ومورمة وجسمها كله علامات، ويظهر محتاجة دكتور. اسمح لي أبعت أجـ.. قاطعته محتداً: -لأ، دخول دكتور هنا هيوسع الموضوع، ولو زي ما إنت بتقول كدا هتكتر الكلام وهتنفضح. زفر بيأس من إقناعه وتحرك ليتجاوزه. أمسك جده بساعده قائلًا:
-المفروض إنت ما تدخلش. قولنا الفرح بعد أسبوع، خليك وهبعت لمرات أبوها تشوفها. قضب حاجبيه وهتف مستنكرًا: -مرات أبوها؟ إنت مش واخد بالك إن صبا ما تهمش حد هنا في قلب البيت غيري؟ فرحي الأسبوع الجاي، السنة الجاية الست دي تخصني، وحرام عليا أسيبها بالحالة دي. وكفاية أوي لحد كدا اللي اتعمل معاها.
لم ينتظر منه إجابة، يعرف أنه كان منفعلًا أثناء حديثه وجده لا يحب هذا خاصًا منه. فقط أشار له بالمرور. فتركه ليعود إلى صبا التي لا تزال في حالة سيئة. عندما يتعرض الإنسان إلى القهر والظلم، يكون أمام عملية تحويل جديدة. إما أن يصبح ضعيف جدًا، يتلاشى الناس. إما أن يصبح قوي جدًا، لدرجة مخيفة. لكنه لا يعود أبدًا كما كان.
استمرت حالتها السيئة وقضت أغلب أيامها طريحة الفراش، تستيقظ قليلًا لتبكي ثم تنام من جديد. لم يتركها زيد وظل حبيس الغرفة معها، يعتني بها ويقدم لها الطعام، مجبرًا إياها على التناول، لكنها كانت لا تأخذ سوى قدر قليل جدًا. لم تشعر بالخوف من وجودها معه، ولم ترفض بقاءه معها بنفس الغرفة، بل كانت تشعر بالأمان والاطمئنان في حضوره. كلما فتحت عينيها لدقائق، وجدته يقف أمامها وأعينه مترقبة، وكأنه ملاك حارس يلازمها.
خرج من الغرفة لينادي أخيه "بلال" الذي أتى فور ندائه. وقف أمامه وهو يشعر بالخزي مما فعله. لم يتوقع أن زيد سيحادثه من جديد بعدما اتهمه في لحظة غضب بالخيانة. تحدث زيد برسمية شديدة وتحفظ: -روح المعرض وباشر العمال والشغل. أظهر بس عشان ما حدش يكسل. عندنا معرض تاني والشغل هنا لازم يمشي مظبوط. مش عايز أرجع ألاقي كل حاجة متكركبة.
ظل "بلال" واقفًا أمامه دون أن يتحرك. انتظر أن يوجه له زيد عتاب أخوي على ما فعل، لكنه لم يفعل، بل أنهى حديثه والتف عنه عائدًا لغرفة "صبا". فناداه بخوف: -زيد. توقف في مكانه وانتظر ما سيقوله دون التفات. هذا كان مريحًا بعض الشيء لبلال الذي يخشي مواجهته. فقال بندم: -أنا آسف يا زيد إني اتسببتلك في مشكلة وكنت سبب في إن جدو يجوزك صبا.
عند ذكر اسمها التف "زيد". بدا عاديًا وهو يقبل نحوه من جديد. لم يتغير حزنه، لازال واضحًا على سائر ملامح وجهه وعيناه يغشاها الإرهاق. هتف دون اهتمام: -ما تعتذرش يا بلال، إنت أخويا الصغير ومهما صدر منك هفضل أحبك. مش أي غلط هتغلطوه هعلقلك المشنقة عليه، أومال إحنا أخوات إزاي؟
أحضنه بلال على الفور. لم يتوقع منه هذا الكرم. لقد اعتاد من زيد العقل واللين والتسامح، لكنه انبهر فعلًا بمعاملته مع أخطائه تجاهه. لأول مرة يعاديه بهذه الصراحة وندم على ذلك بعدما رأى كم ظلمه بافتراه عليه. ربّت زيد على كتفه بمحبة. فبلال لا يعرف أنه بإجباره على الزواج من صبا أنقذ صبا من أشياء كثيرة وأحيا قلبه من جديد. تنحى عنه "بلال" ليقضي ما أمره. وقبل أن يلتف عائدًا لغرفة "صبا" نادته أمه: -زيد.
قضى ثوانٍ معدودة حتى يستعد لمواجهتها. التفت وتفاجأ بتورم عينيها وذبولها التام، وكأنها انطفأت وكبرت ألف عام. وقفت بوجهه وصاحت بغضب: -عملتوا اللي إنتوا عايزينه وأنا فين؟ أنا هفضل طول عمري مجبورة على كل شيء. أجفل من غضبها وحديثها المزعج الذي يشعره بالعجز وهتف مهدئًا إياها: -أمي، الله يكرمك، بلاش صوت عشان إحنا جنب جدو، مش ناقصين مشاكل. ردت دون اهتمام: -لأ يسمع. أنا هخاف من إيه تاني؟
ابني اللي جبروتى اتجوز عشان خاطر، جوزه غصب عنه بنت عدوتي. هيعملوا فيا إيه أكتر من كدا؟ حاول ضمها إليه حتى تهدأ: -أمي، بالله عليك، خلاص. لكنها صاحت بانزعاج أكبر: -خلاص يعني إيه؟ خلاص إنتوا بتجبروني على الوضع دا؟ يعني عايزين ابني اللي كنت بحلم أجوزه من سنين وافرح بيه، يجوزه واحدة زي دي، واحدة *****. هتف وهو يحاول ضبط نفسه: -يا أمي، إنتِ كدا بتظلميني. أنا ما تحطنيش في الخانة دي وتورطني أكتر بين أمي ومراتي.
ضمت حاجبيها باستنكار حزنها على رفض طلباتها وإجبارها على التعايش مع أي وضع حتى ولم يناسبها. لم يترك لها المساحة بالتفكير في زيد، هي أرادت أن يكون لها ملجأ وظهر وحماية. سألته بحزن عميق: -أمك ولا مراتك يا زيد؟ المعركة الأزلية والمعضلة الصعبة التي لم يستطع أحد حلها، وقع بها الآن ومن بدايتها. ألا يكفي ما يعانيه؟ ثقل جفنيه وزفر بهدوء ثم هتف برضاء تام:
-إنتِ مكانتك عندي يستحيل تتقارن بأي شخص في الدنيا يا أمي. ارجوكِ بلاش تحطي نفسك في الكفة دي عشان إنتِ مش محتاجة ميزان.
كلماته ربتت على قلبها المكسور. هي من عانت مع هذه العائلة وأجبرت على كل شيء. الزواج، الخلفه، معايشة بشري التي أذاقتها الأمرين وحرمتها من طفلها الأول وكانت سببًا رئيسيًا في إجهاضها. نارها تشتعل أكثر عندما تتذكر أنهم أجبروها على تقبل صبا ابنة عدوتها للزواج بابنها البكر، زينة الشباب وكبير العائلة المستقبلي. هتفت بانزعاج: -إوعى تخلف منها، أنا بقولك أهو. لو بقت مراتك رسمي، أقسم بالله لا أنا أمك ولا أنا أعرفك.
أنهت جملتها واستدارت عنه مبتعدة. وقبل أن يفكر فيما تقول، نادته "مريم": -بابا، حبيبي. ابتسامتها ولطافتها التي ازدادت عندما غدت ذهابًا وإيابًا بالقطة، أنسته كل شيء. ابتسم لها ومد يده ليصافحه مرحبًا: -روح بابا، تعالي. حركها معه وهو يقول: -تعالي نطمن على صبا. دخلا معًا إلى غرفته وجلست مريم على الفراش تعتني بقطتها وتمسد على شعرها الأبيض الناعم وتغني لها بصوت خفيض: -هنا مقص، هنا مقص، هنا عرايس بتترص.
فاقت "صبا" على ترتيلها الهادئة. وفور رؤيتها ابتسمت فرحًا بحضورها. أسندت يدها للفراش ونهضت وهي تهتف بسعادة: -مريم.. حبيبتي. انتبه زيد لاستيقاظها بعدما كان مشغولًا في هاتفه. التف إليها وعاينها بدقة. لقد بدت أفضل من السابق. ابتسامتها ووجهها الرائق الذي اختفت منه قوة الكدمات للنصف ليعود لجماله الآخاذ. هذا لم يمنعه من السؤال حتى يطمئن بتلهف: -إنتِ بقيتِ كويسة؟ نظرت له بعمق وهي ممتنة لكل ما فعله معها. أجابته: -الفضل ليك.
أطاح برأسه للأمام دون اهتمام وقال: -ما فيش فضل بينا. سكت قليلًا قبل أن يضيف: -خلاص الفرح الأسبوع الجاي. ضمت "صبا" مريم إلى أحضانها وقد شعرت بتأنيب الضمير تجاه "زيد ومريم" التي لا ذنب لها في أن تفرض عليها كزوجة أب، خاصًا بعد ما سمعته منها في آخر مرة. هتفت متأثرة: -أنا آسفة يا زيد إني ورطتك في الجوازة دي وخليتهم يجبروك إنك تتجوزني.
ساد صمت طويل من جانبه حتى أنها توقعت أنه لن يرد، لكنه خيب ظنها وهتف بغموض وقوة لم تره من قبل وعيناه معلقتان بعينيها مشددًا على كل حرف يقوله: -أنا ما حدش يقدر يجبرني على حاجة. أنا زيد الواصل، الكبير من بعد جدي. إن أنا مش عايز، ما حدش يقدر يفرض عليا حاجة.
حديثه بهذا الشكل هز كيانها بالكامل. ما يعنيه أنه أرادها وأنها مرغوبة من جانبه، ليست أبدًا حكمًا عليه. مضى وقت وعيناها متسعتان تحاول الاستيعاب، لكن عقلها الثمين يأبى تصديق إرادته في امتلاكها. ظل على نفس حالته وهو يكمل بجدية: -اللي فات كله إنسيه. لازم تخرجي من هنا واحدة تانية غير اللي دخلتها أول مرة. أنا متأكد إنك تقدري تعمليها.
كانت متشتتة، لكن شيء بداخلها منصاع تمامًا له ومستعد لتنفيذ كل ما يقول، وكأنها دقت ساعة الصفر. حركت رأسها بإيماء قصير ينم عن القبول والقدرة. لم تخيب ظنه إيمانه بقدرتها على التحول والتخطي. بدأ يزداد ثقة بها. "صبا" ليست امرأة عادية. صبا امرأة خطيرة، تغير جلدها أنا تشاء. أضاف بنصف ابتسامة راضية: -لو قادرة تمشي، اجهزي عشان نروح نجيب الشبكة ونجهز للفرح. انتظر إجابتها وحسها عليها بحاجبيه المرفوعين. فأجابت وهي تستعد للنهوض:
-حاضر، هقوم. كانت مسالمة للغاية وهي تبتسم داخليًا. لأول مرة ترضى عن قرار تمام الرضى. وكيف لا ترضى وهي ستتزوج "زيد". أحن شخص وأنبل رجل عرفته من يوم ما طلعت عليها الشمس.
اجتماع طارئ عقده "زيد" لأفراد أسرته دون جده الذي اتفق معه أن يبدأ بشق رحلته تحت رعايته وعينه عليه في كل خطوة بما أنه سيملك مقاليد الأمور من بعده وسيرث ثروة العائلة بالكامل. جمع كلا من "أعمامه حسين وعماد، والدته مها، يحيي، بلال". الكل جلس متأهبًا لما سيقوله زيد والفضول يتمالكهم لمعرفة سبب هذا الاجتماع. نظر إليهم جميعًا بتمعن قبل أن يلقي ما في جعبته، ثم جلس على رأس الطاولة بظهر مشدود وكتفين مبسوطتين، لافتًا أنظار الكل. إن عهد "زيد" السابق ولى وأتى مكانه زيد آخر أكثر ثقة بنفسه وأكثر قوة وصلابة من ذي قبل.
أخيرًا تحدث "زيد" دون مراوغة: -الأسبوع الجاي هيكون فرحي على صبا. تجاهل شهقة أمه المتألمة واسترسل مانعًا إياها من الاعتراض: -صبا خلاص بقت مراتي ولازم الكل يحترمها سواء حبتوها أو لأ. إنتوا مجبرين على احترامها. ممنوع حد يقلل منها أو يضايقها بأي شكل من الأشكال. أنا جمعتكم عشان أكد إن أي تقليل منها هعتبره موجه ليا أنا شخصيًا، وأي حد هيفكر يفتح مواضيع سابقة هيلاقيني في وشه وساعتها ما يلومش إلا نفسه.
اكتفى بهذا ودحج الجميع بنظرات صارمة حتى لا يسمح لهم بالتفكير في مخالفته. رفعت "مها" أحد حاجبيها مستنكرة جدية زيد في الدفاع عنها وحصول "صبا" على ظهر قوي في هذا المنزل وامتيازات أكبر. وسمحت لنفسها بالاعتراض أمام صمت زوجها "حسين" الذي يبدو من مظهره الرضاء عما يحدث: -يعني صبا هتبقى مراتك وإحنا كلنا هنتلغى من حياتها خلاص؟ بقى ابقى سد لوحدك على المشاكل اللي هتجيلك من وراها.
لم ينسَ "زيد" الصفعة التي أعطتها لصبا في يوم من الأيام، وقد حان الآن وقت ردها بقوة. والقوة دائمًا ليست باللطم أو باللسان، لكن بالعقل والعمل. نظر لها بشراسة معاديا إياها: -قلت تخصني، مشاكلها ما تخصكيش. ما حدش ليه يحاسبها أو يرفع إيده عليها. وبما إنك معترضة، فوقت الحساب جه. سبق ومديت إيدك عليها ومطلوب منك تعتذري لها. التفتت حولها باعتراض على ما يقوله وسألت مستنكرة: -اعتذر من مين؟
نظرت باتجاه زوجها "حسين" وسألته بضيق لتحثه على التدخل لوقف هذه المهزلة: -إيه يا حسين؟ مين دا عشان يجبرني أعتذر. كان "حسين" مندهشاً مما طرحه "زيد" ويريد إجابة واضحة منها، فسألها بصدمة: -إنتي ضربتي صبا؟ شعرت وكأنه سقط على رأسها حجر ثقيل، تبدل لون وجهها وهتفت مكذبة: -ما حصلش، عمري ما مديت إيدي عليها. قاطعها "زيد" بحدة: -حصل، ولما أقول حصل يبقى حصل. نهضت من مكانها وقد شعرت أن الدائرة تضيق عليها:
-أنا شكلي غلط لما جيت هنا. وقبل أن تغادر الطاولة هتف "زيد" ببرود يبث مدى قدرته على التحكم والتنفيذ: -ما سمحتلكيش تمشي. تدخل "حسين" عندما احتدمت الأجواء خشية من غضب "مها" الحتمي: -زيد براحة شوية، مها ما تعرفش عاداتنا. لم يهتم "زيد" برجاء عمه وأجاب بهدوء خطر: -يبقى تسمع الكلام من سكات، وتعتذر لصبا. سألته "مها" بتحدي: -وإلا؟ لم يبخل "زيد" بالإجابة القاطعة والناهية: -وإلا هتخرجي من هنا لوحدك، لا ابنك ولا حتى جوزك.
الشيء الوحيد اللي هتاخديه هو ورقة طلاقك، لأن رفع اليد على مرات الكبير مالهاش غير الاعتذار أو الطرد. ضمت حاجبيها وهي لا تصدق ما تسمع، كيف لأحد التحكم بمصيرها وزوجها يجلس بصمت مخزي؟ سألته بعجرفة شديدة: -إنت مين عشان تحكم حكم زي ده؟ كان "عماد" يجلس على حافة الغضب، مختنقاً مما يفعله "زيد" وغاضباً بشدة من تغيره المفاجئ، فتبعها بالقول: -أيوا، قول صفتك إيه عشان تتحكم فينا؟
اكتفى برفع عينيه للأعلى ليعطي إشارة واضحة للكل أن جده "فايز" يستمع للجلسة، وهو الآن يشاهدهم من فوق الدرج. التفتت الأعين نحو نظراته، فتعالت همساتهم: "فايز" ترك الأمر بيد "زيد". ونظراته الشرسه والمتأهبة لأي خطأ يصدر من أي شخص أخافتهم. الخضوع لـ "زيد" كان شيئاً لا بد منه. من منهم يستطيع الانقلاب على حكم "فايز" وقرار أقره، سواء قيل بلسانه أو على لسان "زيد"؟ زعق "الجد" بصوته الحاد العميق منذراً:
-اللي مش ناوي يحترم القوانين، البوابة مفتوحة على آخرها. انخفضت الرؤوس، كما قيل في السلف: "الفلوس تغير النفوس". لاشيء أقدر من المال على نفس إنسان عاشقة للتمرد. و"فايز" من عقود انتهج هذا النهج، لم يترك لأي شخص ذرة من أملاكه حتى لا يخرج عن عائلته ويظل الحاكم شخص واحد. فكما هو معروف، العائلة المتماسكة هي من تملك الحكم. الجميع يملك عملاً، لكن للعائلة العائد، وللحاكم حق التصرف كيف يشاء. نظر "زيد" باتجاه "مها" وهتف: -ها؟
هتيجي تنقي معانا الشبكة ولا هتمشي قبل ما نبدأ؟ صرت على أسنانها بغيظ من هذا الفخ الذي أوقعها به "زيد"، لقد كان أشبه بالصقر الذي تتبع فريسته وانتظر وقتاً مثالياً للانقضاض عليها. تحدث إلى والدته مضيفاً: -وإنتي كمان يا أمي، اجهزي عشان نروح نجيب الشبكة. الاعتراض كان واضحاً في عين "ونيسة"، لكن "زيد" منعها منه بنظرة محذرة، فتراجعت عنه لتقول بخضوع: -حاضر.
نهض من كرسيه ليغلق أزرار بدلته، لقد كان أداءً رائعاً استحق عليه لقب كبير العائلة. الأعين لم تسقط عنه والنظرات تمتلئ بالإنبهار. تغير "زيد" وأصبح أكثر قوة وأكثر شعوراً بقيمته، لا بد أن دعم "فايز" كان له دور كبير في هذه الصلابة وقصة حب جديدة وراء عودته للحياة.
تجهزت "صبا" وجهزت معها "مريم"، نوت أن لا تتركها وأن تشاركها كل شيء في القادم الذي تحلم أن يكون بداية جديدة. ستمنح بزواجها من "زيد" القوة والحماية التي تتمناها طوال حياتها. استعدت للمواجهة عائلة الواصل من جديد، رمت خلف ظهرها الماضي وكل ما حدث. ستعيش وفق ما قدر لها. لن تترك أذنها لزوجة أبيها لتسمم حياتها بحديثها السام، ولن تستسلم لرغبة الآخرين بالتفريق بينها وبين "زيد". ووضعت أيامها السوداء كالكحل بعينيها لتتزين بها. ستعود بقوة، قوة لن يقدرها أحد. ستستغل مكانتها بينهم، وبقدر ما تتمتع بسلطة، لن تسمح بعودتها الطفلة الباكية الخائفة، ستصبح هي المخيفة الخطرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!