"العشرين" ما يفعله شخص في لحظة غباء لا يمكن محوه على مر الزمان. رياض. لو عاش عمره كله لم يكن يحلم بأن يحقق هذه اللحظة. قبض بقوة على المقود كي يتحقق من أنه مستيقظ تمام اليقظة. بشرى تركض باتجاهه وتهرب إليه. أخيراً كان هو وجهتها واختيارها، حتى وإن كانت شبيهتها. انتصار هذا يستحق الاحتفال.
ركضت صبا باتجاه سيارة رياض التي انتظرتها بالقرب من القصر. استطاعت أخيراً أن تقتنص فرصة انشغال الجميع والهرب. نجح رياض في اللعب بعقلها الصغير ليدفعها للهرب وتجميل أبشع ما قد يحدث. تركت ساقيها للرياح حتى تسبق الحارس الذي التقطتها وهي تركض للخارج، وركض خلفها لكنه لم يلحق بها. دخلت سيارته تلهث وهي تقول: "اطلع بسرعة." بالفعل انطلق رياض بأقصى سرعة عازماً الهرب بفريسته.
طوال الطريق كان يأخذه الفكر إلى زمن قديم عندما كان يعشق بشري. كانت جميلة وساحرة تسحر العيون وتسرق القلوب. أحبها وأحبته، لكن عادته السيئة التي حذرتها منه لم يقلع عنها، حتى قررت تركه والقبول بالزواج من حسين الواصل ابن عمه. أحرقته وهو يراها معه وتعيش برغد. انتقمت منه شر انتقام عندما أرتْه كم هي بارعة بنسيانه وكأنه لم يكن، وعرفت كيف تندمه جيداً على انتظارها إياه لسنوات، وحاسبته حساباً عسيراً على خيانته المتتابعة لها.
لم ينسَ ذلك الحوار الذي دار بينهم في آخر لقاء عندما أبدت استعدادها التام لتركه بعدما جرح كرامتها. وطعنها في قلبها مباشرة. لا يزال يسمع صوتها الغاضب يصيح في أذنه: "تانى يا رياض تانى؟ خونتنى تانى؟ رغم قوة شخصيته، إلا أنه أمامها كان أضعف من أي شيء. فتقطعت إجابته وهو يرد مدافعاً: "هشرحلك." أوقفته بقوة مانعة إياه من التبرير: "ولا أشرحلك ولا تشرح لي. لو بتحس سيبني، أنا استكفيت منك ومن قرفك." اقترب منها محاولاً
الإمساك بيدها: "ارجوكي ما تسبينيش، أوعدك آخر مرة. أنا وانتي اتخلقنا لبعض." كانت تدرك جيداً أنها لم تخلق لهذا القذارة، فزمجرت وهي تقول بحده: "لأ، أنا ما اتخلقتش لكل القرف ده. اللي بينا انتهى، وإياك أشوفك في طريقي مرة تانية." همت بالمغادرة فشعر بقوة تهديدها وقدرتها على التنفيذ. وقف بوجهها مقاوماً قرارها بهتاف يأس: "لأ يا بشري، لأ! أنا ما أقدرش أعيش من غيرك."
رمقته بحدة لتمنعه من مواصلة اعتراضه. هي لن تتراجع ولو ركع أسفل قدمها. لقد أنهته، لكن طباعه السيئة لم تتغير: "انت أناني يا رياض، عايزني وعايز تعيش حر. وسبق وقلت الاثنين لأ. إياك تحاول تقرب مني تاني. من النهارده أنت موت بالنسبالي."
أُه طويلة خرجت مع أنفاسه. لقد نفذت ما قالته، أحرقته مع قلبها ولم ترد على رسالة واحدة مما أرسل. بدت وكأنها لم تكن تعرفه تماماً، حتى سمع في ليلة لم يخرج لها قمر أنها ستتزوج من قريب له اسمه حسين. اشتعل غضبه وما عاد يتحمل أن تكون مع غيره. كانت الطرف الأقدر في النسيان، أما هو فما نساها أبداً، وحتى اللحظة لازال عقله وقلبه وأفكاره ملكاً لامرأة واحدة، ملكاً لـ "بشري". أخرجته "صبا" من ذكراه على سؤال هام: "هنعمل ايه دلوقتي؟
أوقف سيارته والتف بنصف جسده لينظر إليها بابتسامة سعيدة، وتأمل فستانها الفضي الذي يشبه فستان الزفاف، وزيها الصارخ، وكذلك شعرها المفرود على كلتا الجانبين. كانت كالعروس تشبه بدرجة كبيرة بشري، حبيبته السابقة والتي من بعدها اعتزل النساء. أخيراً رد عليها بتلذذ: "هنحتفل بمناسبة هروب العصفور من القفص." التف ليعود مكانه وانطلق نحو مكان بعيد، بعيداً عن كل النسور التي قد تبحث عنهم. في القصر.
اشتعلت النيران فور معرفة الخبر المشؤوم من الحارس. وحدثت بلبلة كبيرة بين الجميع. وضع فايز يده على قلبه وجلس مكانه وكأن حجراً ثقيلاً سقط على قلبه. ألم كبيرة اعتصرته بشدة. سقوطه جعل بثينة تولول بصوت عال: "ابويا! إلحقني يا عماد بشوية مايه. منك لله يا فاجرة، هتموتي أبويا زي ما أمك قتلت أمي." انطلق "عماد" ليأتي بماء. بينما تجمد حسين من فرط الصدمة. سأل نفسه مستنكراً بصوت مسموع: "معقول؟ دي بنتي؟
معقول يهون عليها تعمل فينا كدا؟ كاد "زيد" أن يخلع شعر رأسه من ما حدث اليوم. الأول على ذمته وفعلت هذا، ماذا عن القادم؟ قالتها ونفذت. ستعلن الحرب وتحرق القصر بمن فيه. يشهد لها بأنها كانت قادرة على التنفيذ، لكن ليس بهذا الشكل الذي قد يجلب عاراً لعائلة بأكملها. صاحت "ونيسة" وهي تضع يدها على صدرها: "أنا كان قلبي حاسس، قلتلكم ما حدش صدقني. قلتلكم البنت دي هتقيد الدار نار. ااااه يا ناري! نعمل إيه؟ نروح فين ونيجي منين؟
إحنا ضربنا نار وأشهرنا الجواز، بعد كده نعمل إيه؟ نقول العروسة طفشت؟ نقول إيه؟ وقالت مها بتأثر: "لم تكن تعرف أن صبا لديها من التهور ما يكفي للقدوم على هذا الفعل المشين. معقول صبا عملت كدا؟ يمكن اتخطفت؟ رد عليها بلال، والذي لم يقل دهشته وتأثر بالأحداث: "الحارس شافها طالعة بتجري من القصر." تدخل رشدي ليضم أخته عليه قائلاً: "تعالي يا مها ارتاحي. إنتي تعبتي أوي مع البنت دي. أصول يعملوا لك تمثال. دي عايزة معاملة خاصة."
هدر يحيى متعصباً: "لازم تتقتل الفاجرة دي على عملتها." تقدم عماد ليعطي لأخته الماء حتى تستسقي والدها، ورمى كلمات غاضبة بوجه زيد: "انت إزاي واقف بالبرود ده بعد ما عروستك هربت منك ليلة كتب الكتاب؟ إنت بارد يالا." أجاب زيد ليسكت كل الأفواه بعصبية وحزم، وتجاهل تماماً كلماته المسمومة التي من غرضها التقليل منه: "صبا هترجع. مش عايز كلام كتير. مش هيطلع الصبح غير وهي في أوضتها فوق." تحرك من بينهم فتبعه حسين وعماد، مشيراً
نحو ابنيه: "خليكم مع جدكم يا ولاد." انطلق زيد نحو غرفة الكاميرات ليرجعها. عاد بالزمن للخلف وبدأ يتابع الأحداث على الشريط السريع. رآها تخرج وحدها بكامل إرادتها وتركض باتجاه الخارج بفستان عقد قرانها. واختفت عندها. بدل إلى كاميرا أخرى بالخارج ليرى سيارة تقف بانتظارها. ورآها تدخل من تلقاء نفسها بالسيارة. استمع إلى سخرية عماد وهو يشير إلى الكاميرا: "اتفضل يا سيدي، أهي حرمك المصون ما استحملتكش يوم على ذمتها ورايحة تهرب."
"عماد" كان يضغط بشكل قوي على استمرار رفض الجميع له، وأنه ليس الوحيد الذي رفضه، بل هناك الكثير، وأولهم زوجته المصونة. عينه كانت جامدة وقلبه ينزف بشدة. لقد كسرته صبا وجعلت الكل يشمت به. البركان الثائر بداخله كان دخانه يخنقه. تساءل حسين بأعين متسعة بعدما قرب الشاشة على وجه السائق: "رياض؟ معقول؟ الاسم جعل زيد يخرج من حالته. واختفت كل مشاعره، وبقي القلق على "صبا" هو ما يشغله. صر على أسنانه وهتف غاضباً: "غبية."
اندفع من بينهم فتبعوه. الكل يعرف رياض ويعرف جيداً ماضيه. رحيل صبا معه يعني كارثة كبرى وفضيحة مخجلة. استقل كلا منهم سيارته وانطلقوا معاً. قاد زيد بأقصى سرعة له، لعله ينقذ ما يمكن إنقاذه. وصل "رياض" بعد مسافة طويلة قطعها إلى شقة عالية بأحد العمارات السكنية التي في طرف المدينة. فتح الباب ودعاها لتدخل: "واقفه كده ليه؟ ادخلي."
تحركت للدخل وكأنها فاقت من كابوس مرعب. استنكرت بشدة فعلتها ولم ترضِ كل الرضا عن دخولها منزل رجل غريب، مهما كان قريباً من أسرة أبيها. لاحظت أنه أغلق الباب من خلفهم بالمفتاح ووضعه بجيبه وربت عليه ليطمئن من وجوده. وانفتح باب آخر من الداخل خرجت منه امرأة ثمينة طويلة القامة ذات بشرة سمراء. توسعت ابتسامتها عندما رأت رياض، وابتسم هو الآخر لها. وزعت "صبا" نظراتها بينها وبينه، وأعينهم لازالت تحكي لبعضها البعض شيئاً غير واضح ومفهوم بالنسبة لها.
"أخيراً! قالتها المرأة بدهشة وفرح في آن واحد وهي تنظر باتجاه "صبا". تعجبت مما قالت، لكن عجبها ازداد عندما هتف "رياض": "عايزين نلحق نحتفل." التفتت له صبا وسألته متعجبة وقلقة: "نحتفل بايه؟ ابتسم ابتسامته المخيفة وهو يجيبها: "بمناسبة حضورك." على فجأة أمسك براسغها ليجذبها نحوه، وبيده الثانية حاوط خصرها وبدأ يلتف بها كأنه يرقص: "سنين وأنا مستني اللحظة دي، مستني اليوم اللي ترجعلي فيه يا "بشري"."
ضمت حاجبيها دون فهم أو استيعاب، فسألته بخوف: "أنا مش فاهمة قصدك إيه." استمر بما يفعل متجاهلاً محاولتها في تخليص نفسها منه، وهتف مردداً بسعادة غامرة: "أمك يا صبا كانت حب حياتي، عشقي اللي بيجري في دمي." تمعن في تفاصيل وجهها وكأنه يرى من خلالها شيئاً غير موجود بالملامح، قائلاً بصوت مخيف: "إنتي شبهها أوي، بس هي كانت أجمل. كانت بتحبني وأنا كنت بحبها."
وعندما مال إليها ليرمي بثقل رأسه على كتفها، انتفضت فزعاً ودفعته عنها في التو. أدركت فداحة فعلتها وأنها انساقَت بغباء شديد خلف مريض، وياليت هو كذالك فقط. لم يبدِ ردة فعل تجاه دفعتها، ولا حتى أمام محاولاتها بالخروج من الباب الموصد، ولا من صوتها الصارخ: "أنا عايزة أمشي من هنا." اكتفى بالتحديق إليها ببرود، وهي تزعق وتهدد: "أنت لو ما خرجتنيش من هنا، أنا هصوت وهلم عليك الناس. خرجني." لم يتأثر بتهديدها، وبابتسامته
لئيمة أخبرها بسعادة: "أيّاً كان اللي هتعمليه، مش هسيبك. انتي خلاص بقيتي ملكي." كيف لم تقرأ هذا اللؤم من البداية؟ ومن ذا الذي سينقذها من هذه الورطة، بعدما تخلت بكامل إرادتها عن عائلتها وأسرتها بالكامل؟
مهما كان ما لاقته منهم من عذاب، لن يكون بقدر ما تخشاه من نظراته المطلة من عيناه التي لا تبشر بالخير. أشار بعنقه للمرأة التي كانت خلفها، فقبضت عليها على الفور. حينها توقعت الأسوأ. لقد سلمت نفسها للخطر بمنتهى الغباء. لجأت لتخويفه لعله يردع عن ما ينوي فعله، صارخة بوجهه: "جدي مش هيسكت. جدي لو مس شعرة مني هيقتلك."
اقترب منها، ولأول مرة تسأم من ابتسامته وتبغضها وتتمنى أن تتحول لحزن وبكاء دائم لما يفعله بها. وصل لها ووضع يده على وجنتها برفق قائلاً ببرود متناهٍ: "سبق وقلتلك إن اللي بيفتح القفص ويطير بيبقى حر." "مش مطرود، وأنا يا صبا حر. ماحدش ليه عندي حاجة، زيك انتي بالظبط. انتي خرجتي بإرادتك وبمزاجك." "إذاً انتي حرة، مش دا اللي كنتي عايزاه؟ رجعتي تاني تحامي في جدك ليه؟ ولما هو بيحبك أوي كده، هربتي منه ليه؟!
عاد ليتلاعب بعقلها، لكنها اكتشفت مؤخراً أنه مخادع كبير. كما أدركت أنه سيلقنها درساً لن تنساه مدى الحياة. لم تحاول البحث عن إجابات لتعطيه له على هذه الأسئلة. بل حاولت التملص من قبضة السيدة على جسدها، والابتعاد عن يده التي على وجنتيها. مط شفاه وهتف موضحاً رغبته كي تهدأ: "إهدي. إنتي كنتي عايزة حرية، وأنا هديهالك وهعرفك إزاي تعيشي لوحدك وتبعدي تماماً عن سلطتهم. بس الأول...
"لازم أحتفل بعودة بنت حبيبتي. مش من حقي برضه أكون الأول في حياتك الجديدة." تملكها الفزع وهمت بالصراخ بصوت عالٍ، لكن ما نالت سوى لطمة قوية أخرستها من يده التي هوت على وجهها. سبته دون اعتبار لشيء. لقد كان يستحق هذا، بل وأكثر. لكن ما فعلته لم يخفِ ابتسامته. استدار عنها وأخرج من الطاولة القريبة زجاجة وكأس وجلس بهدوء ليفتح الزجاجة وبدأ يتناول بتلذذ ما سكبه لنفسه. هتف أمراً: "جهزيها بسرعة."
ما كان من المرأة إلا أن انصاعت وجذبتها معها للخلف. "بتعملي إيه؟ سيبيني! انتي كمان." هذه المرة كانت صبا مستعدة تمام الاستعداد لإنهاء حياتها دون تردد. مهما حدث، لن يكسرها هذا العجوز المتصابي. لقد رفضته والدتها، وهي لن تكون أقل منها.
لكن العقبة الكبيرة كانت تلك المرأة التي بضعف حجمها حاولت وحاولت، لكن كان مستحيلاً التغلب عليها. جذبتها للداخل معها وبدأت بتبديل ملابسها. كان الوغد يخطط لكل شيء. الغرفة مجهزة لاستقبالها. نظرت حولها بريبة وتفقدت المكان لتجد ملابس مثيرة أعلى الفراش المزين وبعض الحلوى بالجانب وصور كثيرة لوالدتها. أشياء يصعب استيعابها. لقد كانت ضحية لرجل مريض بعشق قديم ولى على زمنه عقود. سمعت المرأة تقول وهي تحاول نزع ما ترتدي بقوة:
"انهارده يعتبر يوم فرحه بعد ما اترهبن بعد جواز بشري." يا لوجعها الكبير! ألم تكتفِ منها الحياة؟ لقد بات تتعلم دروساً أكثر من أن تتنفس براحة. متى ينتهي عذابها هذا؟ متى تقذفها الأمواج العاتية على شط وتستظل أسفل شجرة؟
قاومت برغم عدم قدرتها على المقاومة. حاولت حتى عدم التجاوب معها، لكن المرأة كانت لا تهتم، فهي أقوى منها بكثير. الخوف كان كلمة قليلة عما تشعر به. أصبح ما هربت منه من ساعات تتمنى العودة إليه. آمنت بكلام جدها وأن الخروج من أسفل عباءته وإعلان العصيان ثمنه غالي، وليست الحرية كما تلاعب بها رياض ليحصل عليها.
انتهت المرأة دون أن تعرف كيف فعلتها، رغم كل مقاومتها. دفعتها بقوة للفراش وحاولت تقييدها، لكن صبا هذه المرة تمكنت منها وغرست أسنانها بيدها وأبت تركها. صاحت المرأة باستغاثة: "آآآآه! سيبى إيدي يا مسروعة." تحدثت صبا من بين أسنانها بصوت غير واضح: "سيبيني وأنا أسيبك." انصاعت السيدة لأوامرها وتركت يدها المتعلقة بجسدها.
عندما شعرت أن لا فائدة من استمرار التمسك بها وأن يدها سوف تقطع من قوة فكها المطبق على جانب يدها، أفلتها. وظهر "رياض" بوجه الجامد. وقف بوجهها فتراجعت خوفاً. أمسك فكها ليعيدها مكانها. كانت كالطير الضعيف بين يده التي اعتصرت فكها. دموعها انهمرت رغماً عنها، وقلبها يرتجف مما ينتظرها وهي بهذا الضعف والشكل الذي لا يسمح لها بأي مقاومة أو فرار. هتف دون انفعال، رغم أن يده الخشنة على فكها كانت تحكي غضب سحيق:
"قلتلك هتبقي حرة. تمن الحرية مش غالي، تمن بسيط." "قصاد إنك هتبقي ملك نفسك وما حدش من عيلة الواصل ليه كلمة عليكي." ندمت أشد الندم وراحت تحاول شرح ندمها هذا ليعدها من مكان ما أخذها: "مش عايزة، أنا عايزة أرجع تاني لجدو ولبابا ولزيد. أنا غلطت." مسح على رأسها بلطف وكأنه يراضيها وقال بحنو: "ترجعي لمين؟
إنتي مش عارفة مصلحتك. هما عايزين يجوزوكي بالعافية. أنا مش بغصبك على حاجة، أنا مجرد بس بأخدك عليا، لأننا هنعيش باقي العمر سوا. مطرودين منهن، حرين، طايرين من القفص. سنين وأنا بستنى عصفور يهاجر منهم. ومن حظي كنتي إنتي بنت بشري، بنت حبيبتي. ما تخافيش يا صبا، كل شيئ في أوله متعب، بعد كده هتبسطي بالحرية." كانت جملة أخيرة قبل أن يدفعها للفراش ويختفي معها.
أسقطها الوغد ونجح باللعب بعقلها الصغير. وعرف كيف يستغل ضعفها ومشاكلاتها مع عائلتها كالشيطان. ارتدى ثوب النصح كالشيطان وأخرجها من جنتها. لازالت تقاوم وتتمنى أن تجد مهرباً منه ومن مما اكتشفته على يده. ليته كان كابوساً ومر. وما ضر، لكنه كان جاثوماً حقيقياً يجثو فوق روحها. ليته يظهر من يحميها منه، من تختبأ بأحضانه ويخفف هذا العبء الذي سقط على روحها. شعور الندم وحده لم ينفع ولا يدفع. صوت الطرقات العالية هو من جعله يتنحى عنها. ولأول مرة يظهر على وجهه ملامح جديدة كالغضب. نهض واستدار ليخرج تماماً من الغرفة.
اعتدلت سريعاً والبكاء ينهمر على وجنتها. تحاول لملمت أعصابها المشتتة لتقاوم من جديد. سمعت صوت "زيد" يصدح بالأرجاء. أخيراً جاء لينقذها من موتها المحقق. وصدمها الواقع بأن رأت والدها على باب الغرفة. عيناه ومين مع واحد بتاع دعارة. فضحتينا.
انهال عليها بضربات متوالية وكلماته تدفعه للغضب أكثر. وسكت الكلام ليفرغ ما به من غضب. كانت كالدمية يحركها كيف يشاء. لم تستطع وقف لكماته ولا الدفاع عن نفسها. بقي صوت صرخاتها يستغيث. تنظر رصاصة رحمة تخلصها من هذا العذاب.
مر "زيد" بجوار غرفتها فاستمع إلى صوت أنينها بوضوح. واستشعر كل ضربة وكأنها تسقط على قلبه كالسياط. امتعض وجهه. أراد الإسراع في الوصول إلى جده حتى يساعده في تخليصها وإنهاء كل هذا. غرفة جده كانت قريبة من غرفتها التي تعذب بها وصوتها الواضح يصل إلى مسامعه. لكنه كان يحدق بالأعلى دون أبداء أي ردة فعل. دخل "زيد" عليه واندفع نحوه. رؤيته بهذا الثبات أنسته كل شيء. "جدي." جلس أسفل قدمه المرتخية عن كرسيه يسأله بقلق بالغ:
"مالك يا حاج؟ حاسس بإيه؟ هتف بصوت ضعيف يبدو متهشماً: "قلبي يا زيد قلبي وجعني. بنت الإيه دي عرفت فين بيوجع وضربت بقوة." لم يجد "زيد" ما يدافع به عنها سوى كلمة واحدة قالها بحرج: "طايشة." التف "فايز" باتجاهه ببطء وعينه تمتلئ بالدموع. ثم هتف بألم: "تهرب مع رياض الخسيس اللي البلد كلها عارفة سمعته. اللي اتبرينا منه ومن عمايله. حفيدة عيلة الواصل البنت الوحيدة تبقى كدا ااااه."
أه طويلة أطلقها تشاركها معه "زيد" بقلب يعتصر. لقد جرحتهم "صبا" بقوة في موضع حساس وأصابت وجوههم. صوت صراخها لازال يعلو. ورغم فعلتها لم يقو "زيد" على التحمل. فأمسك بيد جده يتوسله: "جدي عشان خاطري وفر الكلام ده لبعدين. خلينا نخلصها من إيد أبوها الأول. أبوها هيقتلها." اتسعت عين "جده" بشر وقال بنبرة غضب ساحقة: "ما هي لازم تتقتل."
لم يصدق "زيد" ما سمعه. قلبه وجف فجأة برهبة. اعتدل جده وكأن ما كان فيه من تعب زال وتحول إلى قوة عاصفة ستعصف بكل من يقف بوجهه. عندما صاح بانفعال: "انت مفكر إيه؟ هطبطب عليها؟ انت مش مدرك هي عملت إيه؟ دي هربت يوم كتب كتابها ومع مين؟ مع واحد فاجر! وجايبنها من هناك وش الفجر! وكمان أجوزها اللي هيبقى الكبير من بعدي في كبير مراته عندها وصمة عار زي دي! انت جرالك إيه؟!
ازدرد ريقه وظل ثابتاً في مكانه. نعم موجوع من فعلتها لكن قلبه يرفض إنهاء حياتها بهذه البساطة. نعم يوجد شك ولوم كبير. لكن شيء بداخله يخبره أنها كانت مجبرة. وقف على قدمه وامسك بيد جده القابضة على العصا وتشبث بها بقوة. ثم هدر متوسلاً: "عشان خاطري شوف حل غير ده. انت تقدر تحل المشكلة دي مهما كان. دي حفيدتك و... ومراتي." كان صعباً عليه قول هذه الكلمة. لكنه كان مجبراً على ذكرها حتى يحرك ولو بالقدر البسيط من مشاعره.
نظرات جده كانت مستنكرة هذا التوسل. وظهر الانزعاج على وجهه. ليسأله بحنق واشمئزاز: "معقول انت هتقبل بيها كدا؟ هتقبل واحدة خاطية؟ وكأن حلقه جف فجأة من حديثه. كبيرة على نفسه تقبل الكلمة. وكبيرة على روحه تحمل هذا السخط من جده. عاد "جده" لعصبيته عندما أصر "زيد" على الصمت الذي يعطي مؤشراً بالقبول. وصاح به وهو يدفعه: "انت اتجننت؟ جرالك إيه في مخك؟ انت مش عارف رياض دا مين؟ ولا انت اللي بقيت ما عندكش دم؟
أمسك بتلابيبه ليعنفه قائلاً: "وإن أنا سكت عارف كل اللي برا هيعملوا إيه؟ هيفلتوا من إيدي واحد ورا التاني والحرب هتبدأ ضدي." وضع "زيد" يده فوق يده وترجله وأعينه تلمع بالبكاء. يعرف عواقب كل شيء. لكن موتها لا يعرف عواقبه. كان يقبل بأي شيء إلا قتلها: "عشان خاطري يا جدي. أول مرة أقولها. أول مرة أطلب منك طلب. أول مرة أقولك عشان خاطري. سيبها وأنا هغيرها. هخليها واحدة تانية. هنسي الكل اللي عملته."
ظل يحدق بعينيه دون إجابة. حتى فتح باب غرفته عليهم وهم بنفس الوضع. أفلته جده عندما سمع صوت "عماد" يهتف بقلق: "بابا انت كويس؟ تركه وظل واقفاً إلى جواره دون أن ينبس فمه بكلمة واحدة. لا رد على "عماد" ولا رد على "زيد". اقترب "عماد" منه ليطمئن على حالته. وصوت صراخ صبا يعلو من خلفهم. كرر سؤاله لوالده: "انت كويس يا حاج نجيب؟ دكت... "أنا كويس." قاطعه "فايز" دون أن يلتف نحوه. عاد "عماد" للتحدث بعدما بدأ باقي العائلة بالتسلل
إلى الغرفة للاطمئنان عليه: "هنعمل إيه في المصيبة دي يا حاج؟ لم يجبه ووقف شامخاً يرمق الكل بنظرات فاحصة. وكأنه يعطيهم فرصة ليخرجوا ما بداخلهم ويلقوه أمامه. لم تبخل "ونيسة" في إخباره قائلاً باعتراض: "هنع مل إيه بعد اللي عملته؟ مش هتبقى مرات ابني. كل واحد يروح لحاله. ياخدها أبوها ويرجعها مكان ما جات. ودار ما دخلك شر." قالت "بثينة" باعتراض: "نعم؟ وتنفذ بعملتها دي؟ حطت راسنا كلنا في الطين." وأيدها "بلال" بعصبية:
"لازم نسيح دمها. دي فضحتنا." أضاف "يحيى" باشمئزاز: "ياريت جات على الهروب. دي راجعة بفضيحتها. ياريتها ما رجعت." وأضافت "مها" بأسف: "حسين هيموت بحسرته منها. على آخر الزمن يوصل بيها الفجور لكدا. لازم يقتلها ويغسل عاره بدمها." أجاب "عماد" قائلاً بتأثر: "الله يكون في عون أبوها على المنظر اللي شافه. استغفر الله العظيم. البنت انتقمت مننا كلنا مش منه بس."
لم يحنوا عليها أحد من الموجودين. الكل عين نفسه إله. لو تركهم عليها لقتلوها وتوضؤوا بدمها مدعين الشرف منزهين عن الأخطاء. ابتسم "فايز" ساخراً. لقد كان "زيد" أرفهم بها. ساد صمت طويل كان قادراً على إسكات حتى أنفاسهم وليس فقط أصواتهم. انتظروا بترقب حتى قطع هذا بصوته العميق: "يحيي روح انده عمك حسين."
استجاب "يحيي" لأمر جده وذهب حيث أمره. كانت مهمة شاقة إخراج الوحش الغاضب من الغرفة التي يخرج منها أصوات بالغة الألم. وقف الجميع في انتظار والدها والذي لم يتأخر كثيراً في تلبية طلب والده. دخل إليهم وقبضة يده تمتلئ بالدماء. العرق المتصبب منه يوحي بأنه كان في معركة شاقة. نظر "زيد" بأسى إلى يده الملطخة بدمائها وأجفل متألماً. "حسين" اخفض بصره يخشي أن يجرحه أحد وأصبح كالذليل بينهم من تصرف ابنته.
ربتت على كتفه زوجته مها وأخوها رشدي من الطرف الآخر. نظر الجد "فايز" إليه وهتف بصوت قاطع: "مبدئياً كدا القاعدة دي مش عايز فيها حد غريب." نظر إلى "رشدي" تحديدا والذي انسلخ من بينهم بهدوء وحرج فقد فهم من يقصد. عاد الصمت من جديد والكل منتظر حكم الجد الرادع ليشفى صدورهم. "زيد" وحده من انتظر رأفته وشفقته واحتساب قدره لديه والأخذ بالاعتبار أنه شريكه بالحكم وليس هو وحده. كان يقف بجانب جده والجميع أمامهم.
أخيراً نطق الجد من جديد بصوت منخفض ليس بالشديد كالمعتاد في كلمة الحق التي تجري على لسانه دون اعتبار لأحد: "صبا غلطت ودا كلنا متفقين عليه." طأطأ "زيد" رأسه بخوف من أن تجري المقادير عكس رغبته. حتى أردف متسائلاً: "لكن حجم الغلط قد إيه؟ دا اللي لازم نعرفه." رد "عماد" مستنكراً: "إحنا جايبنها بمنظر ما يعلم به إلا ربنا. أبوها نفسه جايبها من أوضته." رفع "فايز" يده ليوقفه بحزم:
"عندك يا عماد إثبات الحالة بيحتاج أربع شهود وخيط يعدي بينهم." كلماته أثارت الشك في نفوسهم وجعلتهم ينظرون لبعضهم بقلق. لم يوقف هذه الهمهمات المترمية إلا صوت "بثينة" الغاضب: "انت لسه هتعيد الزمن يا بابا؟ هتعدي وتغفر غلطات لا تغتفر لصبا زي ما كنت بتغفر لأمها؟ هربت والكل شاهد على هروبها ورجعت لامؤاخذة يعني من غير هدومها. وانت لسه بتقول شهود؟ أحب أقولك إنك كدا هتبقى غلطان في حقنا كلنا." دق عصاه بالأرض متزامناً مع صوته
الحاد الذي زعق فيها بقوة: "مش انتي اللي هتعلميني الصح من الغلط. قولت إنها غلطت." تدخلت "ونيسة" باندفاع: "حلو غلطت.. أنا بقى مش عايزها مرات ابني. مش زينة شباب البلد في الآخر يتجوز واحدة كانت هربانة مع رياض عشيق أمها." انزعج "فايز" بشدة من حديثهم والتف ليوجه كلامه للكل مزمجراً: "اسكتوا كلكم. خلاص كلكم بقيتوا محكمين. عقوبة الزنا الرجم حتى الموت. اقتلها أنا من غير بينة وأشيل ذنبها وتشيلوه أنتم معايا."
سأل "فايز" حسين الذي كان يقف بصمت الدموع تملأ عيناه والخزي يتغلغل ملامحه: "انت واثق إن بنتك عملت كدا؟ السؤال ألقى ثقلاً على قلبه وركبتيه فسقط جالساً على كرسي قريب وساندته زوجته "مها" حتى لا يقع. لملم شتات نفسه وأجاب: "مش عارف. مش عارف." أشار نحوه وهتف موضحاً للجميع: "أهو اللي بتقولوا شافه مش عارف. أنتم ياللي ما شفتوش عرفتوا إزاي؟! أشاحت "بثينة" بوجهها عندما نظر باتجاهها وقالت بإمتعاض: "برضوا الشكل واضح." هتفت "ونيسة"
هي الأخرى: "أنا ماليش دعوة عملت ما عملتش. المهم بعد الفضيحة دي الجوازة دي ما تتمش." سألها "فايز" بهدوء خطر: "وبعدين معاكي!! هو انتي اللي بتجوزي وتطلقي دلوقتي يا ونيسة؟ إحنا كتبنا الكتاب وضربنا نار في بيت الواصل. ولا عايزة الفضيحة تكبر أكتر من كدا حتى لو البنت سليمة." هتفت "مها" ولأول مرة تتدخل بينهم: "طيب نجيب دكتور ونقطع الشك باليقين."
خفق قلب "زيد" لقد زاد تألمه مما يفعلونه بها وكأنهم يمزقون جسدها أرباً ويوزعونه بينهم. لكن وجد "جده" يعود لإنفعاله ويصيح بشراسة: "عايزة الفضيحة تكبر ولا إيه؟! واللي ما علمش نعرفوه. شعرت "مها" بأنه يريد إفلاتها أو ينوي على شيء آخر، بما أن كل الحلول التي يعرضها الجميع لا تعجبه. فسألته مضيقة عيناها: -أومال نتأكد إزاي بقى؟
سكت قليلاً، وأبعد نظره عنها وعاد إلى صمته، واقفاً بينهم بشموخ ويسند يده إلى عصاه الذهبية. تحمحم قائلاً بغتة: -زيد. فوراً رفع عينه ونظر باتجاهه بصدمة ما إن نطق بأحرف اسمه. والجميع معه لم يحتاجوا توضيح، فاختيار زيد بعد جملة "مها" واضح بما يكفي للكل. استرسل بهدوء وهو يلتفت تجاهه: -الوحيد اللي ما اتكلمش، والوحيد اللي يحق له يتكلم ويحكم عليها، مش إحنا، لأنها في ذمته وأي غلط تغلطه هو يشيله. ما حدش ينسى أنه الكبير من بعدي.
أخيراً وقف بوجهه ونظر إليه وكأنه يحمله عبئاً ثقيلاً يكاد من ثقله يميل. خلع "فايز" عنه وشاحه الأبيض الذي فوق عباءته ووضعه بعنقه، وأومأ له كإشارة للتنفيذ. اتسعت عين "زيد" وقلبه يرتجف من هول ما سقط عليه. توسله ليبقيها حية، لكن أن يضع أمر حياتها وموتها بيده هو كان أصعب. تركه وحده يحكم عليها بالإعدام أو الحياة. تركه ليكتشفه أمام نفسه في أول اختبار. ظل يحدق إليه بأعين متسعة وحول عنقه وشاح أبيض كالكفن. أما أن يقطع الشك باليقين، أما أن يرضى بسوء ظنهم تجاهها ويتقبلها مخطئة. ثقلت أنفاسه وهو يستدير عنه. الطعنة كانت نافذة من جده ومن صبا. أضاف "جده" قائلاً:
-سبق وقولته إن كلكم بتصدقوا زيد وعارفين أنه مش بيكذب. الحكم دلوقتي في رقبته، يا يبرأها يا يدينها. ولو أدامها يبقى كل واحد يرميها بحجر. صاحت "ونيسة" وقد شعرت أن "زيد" سيقضي عليها إن لم تتدان، سيثبت براءتها ويثبت قدمها وتظل زوجته رغم فعلتها: -لأ يا زيد، ما ترضاش. أوعاك، ورحمة أبوك، البنت دي وصمة عار عليك حتى لو سليمة. كل اللي هيسمع القصة مش هيصدق إنها رجعت زي ماراحت، كفايا اسمها أنها هربت مع رياض.
لم يرد عليها، ونظر بعيداً. فلتركه يهيئ نفسه لمقابلتها من جديد. فلتركه يفكر كيف سيتقبلها مخطئة خشية من فقدانها للأبد. المشاعر التي يكنها لم تخلق مرة واحدة، بل على مر أيام ومواقف. الكل يراها سيئة، بينما يرى هو أخطاءها كأخطاء "مريم" ابنته، يشفق عليها عندما يسىء الظن بها، وهي أطهر وأنقى من الظنون.
خرج من غرفة "جده" بخطى ثقيلة والكل يحط بصره عليه. جلس "فايز" وحاول أن لا يبدي أي تأثر. لم ينفذ لزيد غايته، لكنه تركه فريسة بين صدقه وقلبه. جلس الجميع في صمت إلا من نحيب "حسين". لا شيء أقسى من الانتظار، يا الحياة يا الموت. وهذه ليست حياة أي امرأة، إنها حياة امرأة خطرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!