المنزل بدأ يهدأ بعد وقت طويل من انفعال فايز كنار مشتعلة وفجأة انطفأت. اختتم فايز جلسته بمها الوحيدة التي لم ينالها أي توبيخ منه. وعلى عكس الكل، استقبلها بهدوء وتقبل منها سؤالها عن حاله، لكنه لم يطل معها. لقد أوشكت طاقته على النفاذ وبقي له "صبا"، لكنه لم يهتم كثيراً بمقابلتها. لقد تقابل معها كثيراً أثناء مرضه ولم يعد هناك شيء مهم الآن لمحادثتها.
لكن فضولها بمعرفة آخر الأخبار التي وصلته عن فكرتها في الانفصال عن بيت العائلة جعلها تتبع زيد وهو يقف على باب المكتب. نظر لها بدهشة عندما لاحظ أنها تقف خلفه مباشرة، فالتف ليسألها ويده تقبض على قابض الباب: -فيه إيه؟ إيه اللي جايبك ورايا؟ أجابته بثقة: -داخلة، ماهو مافيش غيري اللي ما دخلتش. رد هازئاً وهو لا يعير رغبتها أي أهمية: -ماهو ما طلبكيش يا ماما، لما يطلبك ابقي ادخلي. زاحمته بضيق خشية أن لا يتحقق مرادها في الدخول:
-هو أنا لسه هستنى يدخل ويخرج؟ مش عايزة أتعبك، أنا هدخل معاك. أبعدها عن الباب بيده الأخرى مذهولاً من جرأتها في اقتحام مكتب جدها، والتي من الممكن أن تعرضها لحرج كبير، مما دفعه للقول: -مافيش هنا أدخل معاك. طالما هو ما قالش يبقى ممنوع. ركلت الأرض بعند وهي تهتف بتذمر: -هو أي الممنوع؟ عايزة أشوف جدو، هتمنعني يعني؟ أومأ بإصرار وهو يجيبها: -أيوا أمنعك، جدو هيزهقك.
مطت فاها بابتسامة ساحرة وحاولت إقناعه بطريقة أخرى، متسائلة بدلال وهي تمسك بياقة قميصه: -وأهون عليك؟ تعجب من تحولها الذي يفهمه أنه نوع من أنواع التأثير عليه، لكنه لم يستطع منع نفسه من مجاراتها والتعمق في ابتسامتها التي تشبه هدوء البحر وضياء القمر. فقط تحركت شفتاه: -تؤ. فأضافت بلكنة تليق تماماً بحجمها الصغير الذي لن يعيش سوى بالدهاء: -طيب دخلني. تحدث مثلما تتحدث مستمتعاً بالقرب منها: -ما ينفعش. زمجرت بصوت طفولي:
-خليه ينفع. وقبل أن يرد عليها، فتح "فايز" الباب وسحبه للداخل، فاختل توازنه وكاد يسقط ويسقطها معه. تزامن هذا مع صوت فايز الغاضب: -فيه إيه بيحصل هنا؟ بسرعة أشارت صبا نحو زيد بهلع: -هو. اتسعت عين زيد ورد سريعاً متفاجئاً: -هو إيه؟ دي هي. لوحت بإصبعها في نفي وإصرار: -لا.. هو.. مش انت اللي ما رضتش تدخلني لجدو. اتفق معها لأنه شعر أن جده بدأ يفقد صبره وقد ظهر الامتعاض على وجهه قائلاً: -أيوا قولت لها ماينفعش، لازم هو يطلبك.
زعق "فايز" بانفعال وصوته متحشرج: -بس إنت وهي بلاش خوته. لاحظ اقترابهم لبعض وباعدهم بعصاه قائلاً: -بلاش مسخرة، على المسا عندكم أوضتكم، ابقوا الزقوا فيها براحتكم. بمنتهى الذكاء انتهزت صبا الفرصة لتفرض رأيها بجدية وكأنها تتفق معه، فهتفت بإذعان: -عندك حق يا جدو. يا سلام بقى لو الأوضة دي كبرت وبقت بيت عشان زي ما انت فاهم هتبقى ضيقة قريب بسبب البيبي. رمقها فايز بحنق وازدراء، بينما وقف زيد مذهولاً من جرأتها. حتى
قطع جده ذهوله بصوته الحاد: -مافيش الكلام ده، ما عندناش حد بيطلع برا القصر ده إلا بموته. لوت فمها كالأطفال لكنها لم تيأس بعد. استدارت عنه مهدلة الأكتاف لتترك له تأنيب الضمير. لكنه صاح بها ليسترجعها: -مين سمحلك تمشي؟ عادت من جديد لموضعها ووقفت أمامه تعقد يديها أمامها تقول بأسف: -حضرتك ما بتناقشنيش في أي شيء بطرحه، يبقى مافيش داعي للكلام ولا حتى وجودي.
نظر لها مطولاً وكأنه يقرأ ما تضمره من جموح أفكارها المجنونة وعدم تنازلها عما برأسها. ثم قال بيأس: -مش هتجيبيها لبر أبداً. بابتسامة بسيطة نظرت له صبا نظرتها كلها مفعمة بالدهاء والجنون. مالت بجسدها قليلاً وهي تخبره: -متوقف عليك يا جدو. تدخل زيد بحمحة عالية لعل ذلك يخفي قليلاً من تحديها الصريح ويرحمها من غضبه: -احححم احممم. ما تقصدتش يا جدو. أشار لها لتبعه إلى غرفة المكتب واستدار عنهم. فوكزها زيد في جانبها
وهو يهتف بصوت منخفض: -ما تهلفتيش في الكلام. ردت له الوكزة بخفة وهمهمت بعصبية بصوت منخفض أيضاً: -سيبني أقول اللي عايزاها. أجاب وهو يدفعها بانفعال: -جدو هيتعصب عليكي. ابتسمت ابتسامة باردة وهي تجيب: -أنا ههديه. صوت فايز الجهوري الغاضب: -يلاااا. لوح بيده بضيق وهو يخطو بجانبها: -اتفضلي بقى هديه.
توجه نحو مكتب فايز وهو ينظر لهم بنظرات غامضة. بدأ بداخله خوف وقلق عليهما أن تتدمر حياتهما بسبب أشرار وأحقاد من حولهم، لذا سيحاول بقدر الإمكان حمايتهم. لكن أن يبتعدوا من قصره شيء مستحيل ولن ينفذه أبداً. جلست "صبا" وفي مقابلها "زيد". عقد فايز يديه أمام المكتب وتحدث بجدية مذكراً صبا بما فعلته طوال فترة حجزه المستشفى:
-ضحيتي من مالك الخاص وفرقتي على كل أهل البلد بنفسك. نزلتِ الشغل مع زيد وعرفت إنك عرفتي تشتغلي. وغير كده طلبتي من زيد يشغل نسبتك اللي بتطلعلك في شغلنا وفي وقت قليل بقيتي حد مهم في عيلة الواصل والناس بقت تقصدك تقضي طلباتها. وجاني علم إن في ناس جاتلك هنا ورضيتها. والحاجات دي كلها مافيش ست قبلك من عيلة الواصل عملتها، لا سِتِك الله يرحمها ولا حماتك ولا حتى أمك. بإشمئزاز شديد أضاف: -ولا عمتك. هااا؟ عايزة بقى إيه تاني؟
انتبهت لحديثه الذي يستفزها من أجل معرفة ما يدور في رأسها اللعين، لكنها ليست بالسهولة لتنجرف باستفزازه. لذا هتفت بثقة وهي تعقد يديها على المكتب مثله: -عايزة أعمل مدرسة ومستوصف وجامع. تراجع للخلف وقال بإندهاش: -يا ماشاء الله. وده هتجيبلوا سيولة منين؟ أجابته بثقة لا تنم إلا على رأس ذكية ترتب لكل شيء قبل النطق به:
-وهو ده بقى اللي عايزة أفتحك فيه. حضرتك راجل ليك كلمة ومعارف كتير، لو يعنى تكلم لنا الناس المقتدرة في البلد تساهم معانا، يعني حضرتك تدفع جزء وأنا جزء وزيد كمان موافق يشارك بجزء. والأرض اللي حضرتك كتبتها ليا عايزة أزرعها فواكه وأستثمر فيها، واللي هيطلع منها هيدخل في الأعمال الخيرية اللي ناويين نعملها. حضرتك موافق؟
لم يسع "زيد" التصديق بكم النبهة والالمام بالأمور. كل ما تقوله أكبر من سنها، لكنه يثبت كم هي مختلفة عن الكل. ومن جهة فايز، ضحك فاه وهو يرمي نظره لزيد مشيراً بيده نحو صبا وكأنه يقول له هذه التي قلت لك إنها من تنفعك وليس غيرها. "صبا الواصل" ابنة "بشري" وحفيدة فايز الواصل وزوجة زيد الواصل. رأس ذكي ومهارة في التخطيط، وكأنها أخذت صفوة الجينات التي تجتمع في كل من عاشت معهم. أومأ برأسه فايز وهتف:
-طالما في الخير أنا موافق. بس انتي كده ناوية تعملي جمعية خيرية مع رجال الأعمال اللي في البلد، وده طبعاً عايز مقابلات معاهم وقعدات مطولة، وده مش هيعجب زيد، وفي نفس الوقت هو مش فاضي يديرها لأنه عنده شغل سواء في المصنع بتاع الخشب ولا في المعرض، وعنده معرض كمان بيتجهز في القاهرة. هتتصرفي إزاي في دي؟ نظرت لزيد وهتفت بروية: -ماهو هيقدملي خدمة قصاد خدمة. قضب زيد حاجبيه وحرك رأسه دون فهم. فأضافت:
-أنا همسك شغل الدعاية والتسويق وهو يعمل مقابلات رجال الأعمال وأنا عليه الباقي. تساءل زيد بحيرة: -يعني إيه تمسكي الدعاية والتسويق؟ انتي مش هتنزلِ المعرض تاني؟ دي كانت فترة مؤقتة عشان تنبهي جدو، بعد كده مكانك هيكون في القصر. تركهم فايز يتناقشون ووضع يده على طرف ذقنه ليرى كيف ستقنعه الخطيرة. تحدثت صبا:
-شغل الدعاية والتسويق مش هيحتاج نزول من البيت. أنا هفتح صفحة على النت باسم المعرض وهعرض عليها الشغل والأسعار وهرد على الاستفسارات وأحدد مواعيد الزيارات، وده هيفتح مجال أكبر وهيوسع الانتشار، وبدل ما يبقى البيع والشراء بس هنا في المدينة هيبقى من كل المدن. وده مش هيحتاج نزول كتير، هيبقى النزول للمعرض للضرورة أو لتصوير، وأحياناً مقابلة الستات اللي تحب يبقى معاها ست تنقي معاها وتشاركها في الذوق والألوان.
تبادل زيد وفايز النظرات بحيرة، بينما هي أردفت لتحثهم على الموافقة: -والوقت اللي هختصره على زيد ده في القاعدة طول اليوم في المعرض في مقابلة، هيكون وقت للجمعية الخيرية والمعاملات مع الرجالة اللي ناويين يساهموا معانا. وفي نفس الوقت لو في ستات حابة تساهم أنا هتابع معاها. تنهد فايز براحة ورد بهدوء: -والله كلامك معقول، لو زيد موافق على بركة الله. نظرت نحو زيد وظل يحدق لها بصمت. واستعطفته هي بنظراتها البريئة لتقول بطفولة:
-وافق يا زيد، أنا هقعد أعمل إيه في البيت يعني؟ اهو حاجة تشغلني بدل ما أنا محبوسة طول اليوم في الأوضة بتاعتي. استسلم زيد لرغبتها، لكنه وجب عليه السؤال ليعرف مدى ثقتها فيما تقول: -ولو فشلتي وبوظتي الدنيا؟ أجابته بسرعة وبثبات: -ولو نجحت؟ عيب يا زيد، انت جربني قبل كده.
ابتسم ونفض رأسه بيأس. لم يجرؤ أحد أن يتدخل في شئون العمل من النساء وهي تتحدث بثقة كبيرة وكأنها قضت عمرها بين رجال الأعمال أو كانت سابقاً مديرة لأحد الشركات الكبرى. وقبل أن يجيب نظر إلى جده الذي أغمض عينه مشيراً للموافقة. وعلى أثر ذلك أجاب زيد: -موافق يا صبا.
تهلل وجهها بسعادة وكادت تقفز من الأرض. النجاح في إقناعهم لم يكن متوقعاً، لكن كل ما تفعله سيهيئها للحصول على نفوذ أكبر ويمكنها من الوصول إلى ما تريد. وإن حاربها الكل ستحارب هي لتعيش. أمام ضحكتها هذه يضعف زيد وكأنها نوع فاخر من البشر لا يستحق الحزن ولا يليق بها. بارك فايز برضاء تام: -على بركة الله، ربنا يوفقكم. نظرت لجدها وقالت: -فيه طلب يلزمه موافقتك يا جدو. سألها: -إيه هو؟ أجابته وهو تنظر لزيد:
-ودلوقتي أنا بقى لو جبت شغل كويس مش المفروض يبقى ليا نسبة من الشغل اللي هجيبه؟ لم يندهش فايز من دهائها. إنها تريد الحصول على ثروة حتى تستطيع الفرار من تحت سلطة العائلة، لذا رفض بابتسامة: -انتي احمدي ربنا إننا وفقنا أصلاً. وبعدين انتي مش قولتِ خدمة قصاد خدمة؟ ما تطمعيش لأحسن الطمع يقل ما جمع. لم تيأس وهتفت بإلحاح:
-لأ، هو هيعمل ثواب وخدمة لمراته، إنما أنا بساهم في شغل العيلة وحضرتك لسه حالا موافق. واللي أعرفه إن فايز الواصل ما بيرجعش في كلامه. أشار بطرف بنانه محذراً إياها: -بتلعبي بالنار يا صبا. أجابت بابتسامة فرحة: -النار ما بتحرقش نفسها يا جدو، ما تقلقش. أطاح برأسه بيأس وهو يقول: -نبقى نشوف. لو فلحتِ هنديكي نسبة كام، مع إنك بتفرضي علينا شغل سمسرة عمرنا ما عملناه. إحنا طول عمرنا شغلنا مش عايز إعلان، اسمنا لوحده كفاية.
رفعت كتفيها بمرح وهي تقول واثقة: -بس ده هيبقى شغل فاخر من الآخر. في غرفة مها تواصلت عبر هاتفها مع بثينة ولم تصدق ما حدث لها. -معقول كل ده يحصل؟ وباكي هان عليه يرميكي بالشكل ده؟ اومال أنا هيعمل معايا إيه؟ أجابت بثينة بصوت محتقن:
-اطمني، أنا ما جبتش سيرتك في حاجة. بس عايزاكي تفتحي عينك كويس وتتصرفي بقى وتخلصينا من البت دي. شوفي أخوكي يتصرف معانا أو وصلي لزيد كلامه معاها، أو خلي أخوكي ياخدها ويغورها من البيت، يا ما تزني على ودنها وتوقعي بينها وبين زيد. مهما كان انتي مربياه وعارفة نقطة ضعفها فين. أنا معتمدة عليكي.
لوت مها فمها بيأس. الاقتراب حالياً من صبا سيكون خطر. هي لم تعد الطفلة الضعيفة الخانعة من وقت زواجها من زيد، وهي توحشت وأصبحت مخيفة حتى وهي لا تفعل شيئاً. لكن الإصرار على النيل منها وكثرة الضغط على مها من جانب بثينة ورشدي يجعلها تنساق بلا وعي للانتقام. لذا هدرت باقتناع: -ما تقلقيش، أنا محضرة لها خطة ما تخرش المايه، المرة دي مش هتعرف تخلص منها.
أغلقت الخط بينها وبين بثينة وتحدثت مباشرة مع أخيها رشدي، الذي فور ما فتح الخط بينه وبينها هدر لائماً: -أما فيه مرة اتصلتي تبشريني بحاجة؟ كلوا اصبر اصبر، والبت مسقعالي خالص وما بتفتحش الرسايل اللي ببعتها. ردت مها بخبث: -المرة دي هتبقى بصحيح. بس انت اتلحلح ونفذ معايا الخطة. سألها دون حماس: -وأي بقى الخطة الجديدة؟ أجابته: -تخلي زيد يشك فيها. صاح بها بانفعال: -يخرب بيت دماغك. هو انتي غبية؟
زيد لو شك فيها هيقتلها، وأنا هستفيد إيه من موتها؟ امتعض وجهها من عدم إعطائها فرصة كافية للتعبير ورددت بعصبية:
-اسمع الأول وبعدين اتكلم. هي تموت تتحرق، تخفى من على وش الدنيا، مش قصتي. انت بقى اللي عايزها مش أنا. بعتلك صورها من تليفونها، وده اللي عليا. اللي عليك بقى تخطفها، ساعتها هيبقى دليل خيانتها مع زيد، وهي بنفسها اللي هتبقى بعدت وهربت. والهرب مش جديد عليها. وقتها هتبقى صبا مالهاش حد غيرك. عايز تاخدها وتسافر ماشي، عايز تاخد غرضك وترميها في الشارع ماشي. وفي النهاية مش هتقدر ترجع هنا تاني. المهم الخطة تنفذ صح، وعندي ليك مساعد هيعجبك.
ساد صمت من جانب "رشدي" وفكر قليلاً ثم هتف: -المهم إنك تعرفي تنفذي انتي صح. مين المساعد؟ في غرفتهم جلست أعلى الفراش تعدل من الغطاء بحيرة. أشياء كثيرة فعلتها، لكن الحاجز العالي بينها وبين زيد لم يزح. تابعته بطرف عينها وهو يدخل في شرفة الغرفة بشراهة لمدة طويلة زادتها ملل. أخيراً التف ودلف للغرفة. نظر لها، فتحاشت هي النظر له. هتفت بعصبية: -هتنام هنا ولا زي عادتك هتخرج من الأوضة؟
توجه نحوها وجلس بمقابلها ليستحوذ على اهتمامها. تطلعت إليه وجال هو بحرية في وجهها وكأنه يوشم صورتها في عقله بروية. تنهد قبل أن يقول: -في يوم من الأيام قولتِ لي هتندمي على إنك ظلمتني. كان ثقيلاً عليه أن يخبرها بخيبته وبظلمه لها، فما كان يصح أن يكن ظالمها بعدما كان حاميها وظهرها. أردف بثقل: -انهارده أنا ندمان.
تحققت من ابتسامته التي اختتم بها الجملة وابتسمت هي. لقد دارت الدنيا لتسترد كل حقوقها. لا أحد يعرف كيف تدور رأسها ولا ماذا توسوس لشياطينها. باستخفاف شديد هتفت: -بجد؟ عموما أنا من حقي أعرف سبب الندم إيه. لوّح بيده ليمنعها من المحاولة وقال: -أحب أحتفظ بالأسباب لنفسي. سحبت الغطاء بعصبية وأفلتت الكلمات من بين أسنانها بصعوبة هاتفة: -احتفظ كمان بندمك.
تمددت على الفراش وأولته ظهرها تحت نظراته المدهوشة من جبروتها في قبول ندمه. سحب الغطاء من عليها ليهدر بتعصب: -في إيه يا مجنونة؟ انتي بقولك ندمان. عادت تجلس أمامه وترد مغتاظة: -ألف مبروك يا سي زيد. الجارية اللي كانت مستنية العفو مش هنا. لما ترجع، هبقى أخليها تفرح معانا. ضيّق عينيه غير مستوعب تحولها. أين صبا التي كانت تفرح بإشارة وتملأ الغرفة ضحكًا على أقل شيء؟ سألها وهو يرفع يده إلى رأسه:
-نفسي أفتح مخك دا وأشوفك بتفكري إزاي. أشهرت هي الأخرى إصبعها بوجهه وتحدثت بعصيبة: -أنا سبق وفهمتك إني حبيتك عشان كنت بتثق فيا. لكن أنت اتهمتني وما ادتنيش فرصة أدافع عن نفسي. ورجعت ندمان ومش راضي تقول لي سبب ندمك. اهتز رأسه وهو يقول متصنعًا الحدة: -انتي بتشوحلي؟ بتشوح لرئيسك في العمل؟ لم تنساق وراء مزاحه وقالت بجدية: -بلاش الحركات دي. لازم تقول لي أي سبب ندمك وإيه اللي عرفته. خالك ندمان؟
وخلي حكاية الرياسة دي في أوقات العمل الرسمية. كيف يهرب من إجابة سؤال أتمناه عليه جده ومن شبكة خطيرة تصر على معرفته؟ لجأ لاستمرارية المزاح لعلها تنسي أو تغفل: -لا، أنا رئيس بحب الاحترام يكون موجود في أوقات العمل الرسمية والغير رسمية. أنهى جملته الأخيرة باقترابه الوشيك منها. لم تتأثر، فغايتها كبرى ورأسها عنيد. ابتعدت قليلاً وهتفت وهي ترمي له نظرة ساخطة: -طيب حافظ على الاحترام دا يا سيادة الرئيس. تجاهلها تمامًا واقترب
من عنقها وهو يردد بشوق: -ما هو الرئيس يعمل اللي هو عايزه. دفعته بخفة وبرود. دفعه ممانعة وزادت من شوقه وهي تقول: -لما يبقى واضح وصريح. عاد سريعا بالقرب منها يتلاعب بخصلاتها ويتحسس عنقها برفق وهمس بأنفاس حارة أمام أذنها: -انتي وطني وكل اللي بطلبه بوضوح وصراحة إني أبقى حر في وطني.
كلماته ورقة مشاعره هزمتها وكأنه انفجر ينبوعًا من الماء على حفرة من النار فأطفأتها دفعة واحدة. حاولت الرفض لكن لم يبقَ لها قوة للمقاومة، فنجح في امتلاك وطن بالنسبة له كالحياة. في الصباح. سبقت "صبا" "زيد" لحديقة القصر في رأسها ألف لعب يدور بلا توقف. تريد أن تعرف سبب ندم زيد على شكه بها في قتل مريم وما الذي يدور خلف ظهرها الآن. تعرف أشياء كثيرة لكن ما دار في غرفة المكتب لا تعرفه. ما السبب الذي دفع جدها لتوصية زيد عليها؟
وماذا حدث لتخرج بثينة غاضبة وتلعنها؟ ولما خرج عماد ولم يعد؟ كلها أسرار رماها جدها في بئر "زيد" الغائر. كانت تمسك بالجهاز اللوحي الكبير بين يديها لكنها تشرد بنظرها لبعيد. اقتربت منها "نجلاء" لتضع أمامها كوبًا من الحليب وبعض اللقيمات السريعة بابتسامة سعيدة قائلة بتودد: -اتفضلي يا ست الكل. انتبهت لها صبا والتفت برأسها تجاهها. لتهتف نجلاء بفرح: -أهل البلد بيدعوا لك. دعوا ربنا يكرمك وينصرك على مين يعديكي.
ابتسمت لها صبا وظلت تنظر لها ساهمة. فأردفت نجلاء باستحياء: -بس كان في ست كدا عليها دين لو تقضيه يبقى كتر خيرك. انتبهت "صبا" لحديثها وتجاوبت معها متسائلة: -قد إيه يعني؟ أجابت نجلاء: -ألفين جنيه. ظلت تنظر لها صبا بصمت فتعجلت نجلاء بسرد القصة كاملة: -دي ست أرملة جوزت بناتها. ودا باقي من دين شوارها. وياما دقت باب سي عماد، لكن عشان ست كبيرة وما فيهاش الرمق طنشها خالص. ودلوقتي ما بقاش قدامها غير ربنا وانتي.
كانت تريد أي مجال لتكتشف به عمها الذي يستفز زيد كثيرًا ويرى نفسه يستحق مكانته. لذا سألتها قاضبة حاجبيها دون فهم: -يعني ما فيهاش الرمق؟ أجابت نجلاء بتوتر: -يعني... ما فيش منها منفعة. دققت صبا النظر لها لتستشف ما بين السطور، وباتت تعرف كيف تحصل على المعلومة. أسهل طريق هو الاستغباء. صاحت بـ: -هو اللي بيساعد حد لازم يكون له عنده منفعة؟ تهربت نجلاء من الإجابة وقالت بتعجل وهي تنوي الرحيل: -ما أعرفش بقى. أنا قلت اللي أعرفه.
منعتها "صبا" من المغادرة وهتفت بقوة جعلتها تتراجع: -استني عندك. أنا مش هقعد أحلق ألغاز. اخلصي وقولي اللي عندك. سبق وجربتيني وطلعت قد الكلام. واللي قولتيه ما حدش سمع بيه. اقعدي كدا وقولي اللي تعرفيه. جلست نجلاء مستسلمة. صبا لم تشكل لها خطرًا، لكن الخطر والخوف من الجد فايز. لكن بعد ما حدث أمس وكل الأمور التي جرت في مصلحة صبا، أصبحت المركب الوحيد الناجي والكارت الذهبي والمضمون في هذا القصر. بعدما تحيرت قليلاً،
لوت فمها مرغمة على القول: -سي عماد يا ست صبا كان بيساعد الغارمات مقابل... استغفر الله العظيم يارب والستات كانت بتقصدوا غصب عنها الحاجة مرة. لم يسع عقل صبا الاندهاش، رغم أنها تشك دوماً به، لكن شغل بالها شيء آخر طرحته للمناقشة مع نجلاء: -جدو يعرف. أجابتها نجلاء بحيرة: -والله ما حد عارف، بس بيتهيقلي كده عارف. وامبارح طرده من القصر ومنع عنه الفلوس ومش هيرجع غير بعد سنة لما يتغير. سألت صبا وهي تضيق عيناها:
-طيب عرفتي منين؟ إذا كان زيد نفسه ما قالش. ابتسمت نجلاء وهتفت: -مش بيقولوا الحيطان ليها ودان يا ست صبا؟ أهي الودان دي الخدمين، وأنا ما فيش حاجة بتخفى عني. تشبثت صبا بكلماتها وسألتها بدهاء: -طالما كده يبقى تعرفي إذا كان ليه يد في حادثة زيد ومراته. انتفضت كالملسوعة من ذكر هذا الحدث القديم، وتلجلج لسانها خشية من نطق كلمة واحدة قد تكون سببًا في قطع عنقها. نهضت من مكانها وهي تهتف بفزع: -أنا ما أعرفش حاجة، بالإذن.
-طيب ما أنا عارفة. عادت تجلس بصدمة وعلامات القلق ترتسم على وجهها. زمت فمها بحسرة وهي ترد: -وهي دي كانت أول مرة يحاول يقتل فيها زيد. هنا تفاقم الغضب بداخل صبا، وحاولت ألا تبدي سوى الجمود لكي تعرف المزيد. تحدثت نجلاء وهي تلتفت يمينًا ويسارًا: -ما فيش حد متأكد إذا كان ليه يد ولا لأ.
بس ليلة ما سيدي زيد رجع القصر ملفوف نصه في شاش، ستي ونيسة كانت هتتجنن لأنه كان رايح المزرعة مع سيدي عماد، وبالليل لاقيناه راجع لوحده من غير زيد. وبعدها بكام ساعة عرفنا أن زيد غرقان في دمه وفي المستشفى. راجل عجوز كان في نواحي المكان قال إنه لاقاها سايح في دمه. سيدي عماد بيقول إنه سابه ورجع يجيب حاجة. وجدك قال بلطجية طلعوا عليه وهما اللي عملوا فيه كدا. بس المشاكل اللي زادت بين زيد وعمه كانت بتقول حاجة غير كدا. وليلة
الحادثة بتاعة الست غالية، كلو كان واقف بيدعي إنهم يخرجوا سلام، إلا سيدي عماد كان مستني خبره. وبعدها الحاج فايز بعد عماد عن البيت شوية. وفي المرتين كان مكشوف للكل إنه السبب، لكن المسؤول عن براءة كان سيدي زيد والحاج فايز. الاتنين ما قالوش إنه السبب، بس الكل شاكك وساكت.
ترجعت صبا للخلف وقد أدركت كل شيء. زيد ضحية مثلها، ومرفوض من الكل مثلها. لكن تلك العائلة لن تشفى أبدًا، لذا توجب عليها المغادرة والابتعاد عن هذا القصر والاستقلال التام من سلطتهم. صوت ونيسة المندفع بينهم أخرجها من شرودها وهي تقول بعصبية: -انتي يا بت يا اللي تقطم رقبتك، سايبة شغلك وقاعدة هنا ليه؟ انتفضت نجلاء وهتفت متعذرة: -معلش يا ستي، ست صبا كانت بتسأل على حاجة. وضعت يدها على خصرها وسألت وهي تبدل النظر بينهم:
-حاجة إيه؟ نظرت باتجاه صبا بقلق، والتي جاوبت مكانها بثبات: -بسأل على القطة بتاعتي. في حاجة يا طنط؟ ولا انتي هتمنعي الخدم تتكلم معايا؟ صرت على أسنانها وحدقت فيما يقابلها، ثم عادت تنهر نجلاء لتختلي بصبا: -انجري شوفي شغلك يا بت. غادرت نجلاء مسرعة، وجلست ونيسة تسألها: -وانتي بقى هتفضلي حاطة وشك في البتاع ده؟ مش هتقومي تساعديني في شغل الدار؟ مالت صبا بجذعها وابتسمت وهي ترد على سؤالها:
-ما بلاش أنا. آخر مرة دخلت معاكي المطبخ قلبته فوقه تحته. أضافت وهي تنظر لهاتفها بفخر: -وبالنسبة للي في إيدي ده، ده شغل جدي. وافق أشتغل مع زيد وهنعمل جمعية خيرية. لم تصدق ونيسة ما سمعت، ولم يمر على عليها أبدًا أن أحدًا من نساء الواصل تدخل في شئون العمل أو اختص لنفسه مال أو عمل. انصبغ وجهها بالحمرة وهتفت بعصبية: -إيه الكلام الفارغ ده؟ إحنا ما عندناش الحاجات دي. هتفت صبا وابتسامتها تشق وجهها بسعادة:
-اهو بقى فيه يا طنط، وطالما أنا موجودة كل القديم هيتغير. ثقي في كلامي. لم تعجبها نبرة التهديد والانتصار التي تتحدث بها، فسألت بضيق: -وناوية تغيري إيه تاني يا بت بشري؟ لم تعد تكترث بمناداتها بوالدتها، وردت وعيناها تمتلئ بالحماس: -هسيبهالك يا طنط. غضبت ونيسة من حديثها ومحاولة فصل ابنها عن المنزل، فهتفت بحنق: -سبيها لوحدك. ابني مش هتاخديه مني. سألتها وهي ترفع كتفها بهدوء: -مش يمكن لما نبعد نحب بعض؟
نهضت ونيسة وتمتمت متعصبة: -حبك بورص إن شاء الله. ظلت تحدق في شاشة جهازها اللوحي الكبير تنظم لعملها الجديد، لكن ما برأسها لازال برأسها. هذا العمل وسيلة لشيء أكبر ستنفذه. ستخرج من هذا القصر هي وزيد، ولن يولد طفلها على أرض هذا القصر المملوءة بالحقد والغل والجريمة. وعلى غفلة شعرت بثقل حط على كتفها، وأنفاس قريبة من وجنتها انتهت بقبلة حارة جعلتها تنتفض. لم يفعل أحد هذا أبدًا. استدارت برأسها لتزفر براحة عندما رأت وجه "زيد"
المبتسم يهتف بمزاح: -الرئيس راضي عنك. كبحت مشاعرها تجاهه، حركته الجميلة التي لم تجربها من قبل، وردت متصنعة الجمود: -المهم الموظفين يبقوا راضين عن رئيسهم. تحرك من جانبها وجلس بمقابلها ليجيب غامزًا بطرف عينه: -ما تقلقيش، أنا محضر مفاجأة لموظفتي المهمة. ظنته يمزح، فعادت بالنظر لجهازها اللوحي دون اهتمام. فعاد يشاكسها: -يا عم المهم، طيب مش عايزة تعرفي المفاجأة؟ أجابته دون أن ترفع عيناها عن جهازها: -مش مصدقاك.
هتف وهو ينقر الطاولة التي بينهم ليجذب اهتمامها: -أنا عمري كذبت عليكِ. رفعت وجهها وردت بشكل قاطع: -بس خبيت. رفع أحد حاجبيه وبارزها بنظرات ثاقبة، فاسترسلت بجدية: -إنت شكيت فيا وعاملتني معاملة ما استحقهاش منك. وبعدين فجأة كده وبدون أي أسباب صلحتني وما بقتش بتتهمني بأي شيء. سألها ببرود: -يعني انتي عايزة إيه دلوقتي؟ قالت بجدية وهي تحدق به:
-عايزة الثقة والأمان. مش أبقى عايشة مع واحد في أي وقت ممكن يقلب عليا ويرميني في أوضة برا القصر. غص قلبه من ظلمه لها، وأجفل بتعب. إن كان جده يحمله أسراره، وهي تلح بشكل قوي لمعرفتها، بل وتريد أن تقايضه برضاها مقابل معرفة الحقيقة. سحب نفسًا عميقًا ليهدئ من نفسه. "صبا" هي صبا دائمًا تخرج رابحة من أي معركة بكل سهولة ويسر. والآن انتصرت عليه لتجعله يقر، واعدًا إياها بـ:
-ليكي الثقة والأمان. وأظن إني قبل كده جربتيني وعرفتي إني قد كلمتي. عاينته بدقة كي تصدق ما منحها إياه. تعرفه جيدًا، لكن لا تأمن تقلباته. أغمضت طرف عينها وسألته بخبث: -يبقى هتقولي إيه سبب العفو عني؟ أشاح بوجهه بعيدًا عنها، وارتسم على ثغره نصف ابتسامة يأسه وقال: -يوووه عليكِ. طيب وعد عندي ليكي مفاجأة حلوة بالليل، اعتبريها صفحة جديدة. نظرت له بعمق وهتفت بإصرار: -يا ريت الصفحة الجديدة دي يكون عنوانها الصراحة.
استمر بالنظر لها دون أن يجيب. قلبه كان يتأرجح بين عشقها وأمانته لجده. قاطعته متسائلة: -بتبص لي كده ليه؟ مد يده ليسحب يدها ويضمها بين كفيه بحنان، وبهيام شديد أجاب: -بعشقك يا صبا. وكل ما ببصلك بغرق في تفاصيلك ومش بعرف أطلع منها ولا أتكلم. انتي أجمل حاجة حصلتلي وهتحصلي. انتي اللي عايز أكمل معاها باقي سنيني. لو طلبتي عمري كله مش هتأخر، أديهولك.
شعرت بصدق كلماته تعزف على أوتارها. لم تجد هذا الحب والتمسك إلا منه، ولم تجرب إحساس الحب إلا منه. دائمًا عانت من الرفض والنبذ وعاشت أسوأ أيام حياتها، لكنه كان قادرًا على محوها في لحظة بهذه الكلمات والمشاعر الصادقة الرقيقة. انتشرت السعادة على صفحة وجهها، ولمعت أكثر أعينها التي ضاقت بدموع الفرح، وتمسكت بيده ليزرع صحرائها ورودًا، ويضيء عتمتها بكل النجوم والأقمار، وينشر السعادة التي حرمت منها من زمان.
رحل زيد وتركها متلهفة لما قد يفاجئها به في نهاية اليوم. تعمل وبالها مشغول بما يخبئه لها بعد وصلة الحب التي أعطاها إياها قبل أن يغادر لعمله. صدح هاتفها ليقاطعها عما تفعل، فرفعتُه لأذنها بعدما قرأت اسم المتصل. حدثها "جميل" بصوت مستاء بشدة مما حدث لزوجته، لكن لم يكن لديه القوة الكافية لمراجعة فايز في قراره اتخذه أبدًا، لذا تواصل مع صبا وألام عليها: -معقول دي جزاتي يا صبا؟ ولا هما زي ما بيقولوا، تيجي تزرعه يقلعك.
زاغ بصرها وهي تحاول فهم سبب لومه، وعندما فشلت سألته: -تقصد إيه يا عمو جميل؟ أجاب: -مش فاهمة برضه؟ ولا بتهربي مني؟ مش انتي السبب في اللي عمله جدك مع عمتك بثينة. اتسعت عينها دون فهم وردت نافية: -أنا ما أعرفش حاجة عن الموضوع ده. فهمني قصدك إيه، وإيه اللي عمله جدي معاها. رد وقد حاول أن يسيطر على انفعاله: -جدك منع بثينة تخرج من البيت. زي ما بيقولوا كده حدد إقامتها ومنع أي قرش يوصلها.
رغم فرحها بعدم القدوم إليها مجددًا، إلا أنها حاولت التذاكي لتعرف السبب الذي جعل جدها يغضب على ابنته، وما الذنب الذي اقترفته ليلوم عليها جميل به. تحمحمت لتبدي نبرة باردة وهي تقول: -والله يا عمو، جدو مش بيعمل حاجة من غير سبب. وعمتوا غلطت غلط كبير عشان كده كان لازم يعاقبها. أكيد هو مش هيطول في العقاب، بس سيبه لما الأمور تهدأ. نفخ جميل بعصبية ورد عليها: -أووف، لحد إمتى هيفضل العقاب ده؟
أنا ابني على وش جواز وكنا محتاجين فلوس. يمنع عنها؟ هو في وقت زي ده؟ لا تزال تحاول فهم السبب ولا تريد سرد النتائج، فجذبته في الحديث مرة أخرى قائلة: -لو على الفلوس سهلة، بس رجوع عمتوا القصر هنا هيبقى صعب شوية. جدو متنرفز أوي. انت بس قولي لو في حاجة أقدر أعملها عشان خاطرك يا عمو جميل، هعملها. حاول إقناعها بشيء تجهله حيث قال: -سامحي يا صبا، سامحي في حقك عشان المياه ترجع لمجاريها.
لم تفهم بعد سبب دخولها بالمرة وما الذي يستدعي مسامحتها، فسألته بتعصب: -أسامح إيه؟ انت بتقول إيه وأنا مالي؟ كان أغبى شخص عندما اعترف لها قائلاً: -قولي لجدك إنك مسامحاها إنها عملت السحر اللي قتل مريم وكان معمول لكِ انتي. فجأة ارتجف جسدها وكممت فمها بسرعة كي تخفي صدمتها. كل شيء كان أسود كالظلام الذي تراه في أحلامها.
تزاحمت أنفاسها ولم تستطع التقاط أيًا منها. أغلقت الهاتف وحدقت بذهول. لم تقتنع يومًا بشيء كهذا ولم تعرفه من قبل. والأهم أن تلك القلوب السوداء لم تمر عليها من قبل. لكن كان مشهد وفاة مريم الغريب لا يحتاج سوى قدرة خارجية رأتها هي بأم عينيها. أما سوى ذلك لم تكن تصدق أبدًا. كان أمر إلهي بحت موت مريم، لكن السحر ما كان سوى سبب. عشقت امرأة خطرة _سنيوريتا ياسمينا أحمد" الكاتبة "
زيد وتركها متلهفة لما قد يفأجأها به في نهاية اليوم. تعمل وبالها مشغول بما يخبئه لها بعد وصلة الحب التي أعطها إياها قبل أن يغادر لعمله. صدح هاتفها ليقاطعها عما تفعل، فرفعتُه لأذنها بعدما قرأت اسم المتصل. حدثها "جميل" بصوت مستاء بشدة مما حدث لزوجته، لكن لم يكن لديه القوة الكافية لمراجعة فايز في قراره اتخذه أبدًا، لذا تواصل مع صبا وألام عليها: -معقول دي جزاتي يا صبا؟ ولا هما زي ما بيقولوا، تيجي تزرعه يقلعك.
زاغ بصرها وهي تحاول فهم سبب لومه، وعندما فشلت سألته: -تقصد إيه يا عمو جميل؟ أجاب: -مش فاهمة برضه؟ ولا بتهربي مني؟ مش انتي السبب في اللي عمله جدك مع عمتك بثينة. اتسعت عينها دون فهم وردت نافية: -أنا ما أعرفش حاجة عن الموضوع ده. فهمني قصدك إيه، وإيه اللي عمله جدي معاها. رد وقد حاول أن يسيطر على انفعاله: -جدك منع بثينة تخرج من البيت. زي ما بيقولوا كده حدد إقامتها ومنع أي قرش يوصلها.
رغم فرحها بعدم القدوم إليها مجددًا، إلا أنها حاولت التذاكي لتعرف السبب الذي جعل جدها يغضب على ابنته، وما الذنب الذي اقترفته ليلوم عليها جميل به. تحمحمت لتبدي نبرة باردة وهي تقول: -والله يا عمو، جدو مش بيعمل حاجة من غير سبب. وعمتوا غلطت غلط كبير عشان كده كان لازم يعاقبها. أكيد هو مش هيطول في العقاب، بس سيبه لما الأمور تهدأ. نفخ جميل بعصبية ورد عليها: -أووف، لحد إمتى هيفضل العقاب ده؟
أنا ابني على وش جواز وكنا محتاجين فلوس. يمنع عنها؟ هو في وقت زي ده؟ لا تزال تحاول فهم السبب ولا تريد سرد النتائج، فجذبته في الحديث مرة أخرى قائلة: -لو على الفلوس سهلة، بس رجوع عمتوا القصر هنا هيبقى صعب شوية. جدو متنرفز أوي. انت بس قولي لو في حاجة أقدر أعملها عشان خاطرك يا عمو جميل، هعملها. حاول إقناعها بشيء تجهله حيث قال: -سامحي يا صبا، سامحي في حقك عشان المياه ترجع لمجاريها.
لم تفهم بعد سبب دخولها بالمرة وما الذي يستدعي مسامحتها، فسألته بتعصب: -أسامح إيه؟ انت بتقول إيه وأنا مالي؟ كان أغبى شخص عندما اعترف لها قائلاً: -قولي لجدك إنك مسامحاها إنها عملت السحر اللي قتل مريم وكان معمول لكِ انتي. فجأة ارتجف جسدها وكممت فمها بسرعة كي تخفي صدمتها. كل شيء كان أسود كالظلام الذي تراه في أحلامها.
تزاحمت أنفاسها ولم تستطع التقاط أيًا منها. أغلقت الهاتف وحدقت بذهول. لم تقتنع يومًا بشيء كهذا ولم تعرفه من قبل. والأهم أن تلك القلوب السوداء لم تمر عليها من قبل. لكن كان مشهد وفاة مريم الغريب لا يحتاج سوى قدرة خارجية رأتها هي بأم عينيها. أما سوى ذلك لم تكن تصدق أبدًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!