الفصل 42 | من 51 فصل

رواية عشقت إمرأة خطرة الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
17
كلمة
3,063
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

فى السياره تحرك زيد وصبا نحو وجهة مجهولة قررها زيد بمفرده. لم تتفوه بحرف طوال الطريق على غير عادتها وزع نظره بين الطريق وبينها كانت رائعة الحسن دائما تختار من ملابسها ما يناسب كل ظرف ومكان لكن الأسود يليق جدا بها الآن كلما وقعت عينه عليها ازداد فتنة بها. هتف ممازحا ليخرجها من صمتها: -إيه ساكتة يعنى على غير عادتك خايفة اخطفك ولا زهقتي من طوال السكة؟

كان رأسها يحاول استيعاب ما حدث لكليهما كيف لنذير مشؤم يتقاسماه معا أدركت أن أحيانا يكون الجهل نعمة. كانت مجبرة على التعامل بحكمة حتى لا يشك بحالتها المدهوشة وتحاول استدراجة بحنكة حتى يتحد معها وتخرج من القصر بأقل خسائر. ردت مشاكسة: -أيوا خايفة بصراحة، مفاجأة وبقالنا كتير سايبين القصر ولابس بدلة وحاطط برفان يجنن ومن امبارح كلام حلو يارب ما يكون اللي في بالي. ابتسم لتفاعلها وتسائل: -وأي اللي في بالك بقي؟

أجابت وهي تمنحه نظرة جانبية محذرة وأطراف أصابعها على عنقها مشيرة بتحذير بالنحر: -تكون بتمنيني وبتخون، دا لو مستغني عن رقبتك. اتسعت ابتسامته وهو يرد عليها: -بقيتي خطر يا صبا. التفت بنصف جسدها لتتوليه كامل انتباهها وهي تستند على ذراعها بأريحية قائلة: -انت شايف إني فعلا خطر يا زيد ولا هما اللي محسسيني كدا؟

تعجب من تحولها للجدية رغم بساطة المداعبة لكنه تفهم أنها دائما في وضع الملامة فكان لازماً عليه التفاهم معها ومحاولة إقصاء تشكيكها في ذاتها قائلاً بحرفية: -هما لازم يحسوا كدا انتي عملتي حاجات كتير مستحيلة قبل ما تيجي القصر أنا كنت رافض الجواز نهائي ولما حضرتك شرفتي غيرتي نظرتي للعالم وقلبي اللي كان مقفول ورأسي الناشفة بقت في إيدك عجينة دا طبعاً قدامهم أما بالنسبة لسؤالك أنا شايفك خطر ولا لأ.

-فبصراحة آه انتي أخطر حد قابلته لدرجة إنك لو طلبتي عمري مش هتردد أدهولك ودا ما حصلش لحد قبلك. حديثه جعل فمها يبتسم رغماً عنها ومن يقاوم عذب حديثه وأعينه التي تلمع بالصدق ونبرته التي تمتلئ حب وعشق خالص هتفت برضاء: -ربنا يخليك ليا يا عمري، انت هتخليني أفرح من اللي بيقولوه. قفز إلى ذهنها قول مما يضايقها فرمته بعصبية: -إلا ساحرالي دي بتضايقني بشكل. مد طرف يده ليمسك طرف ذقنها وابتسامته تضاد استيائها. وهو يقول:

-ما انتي فعلاً سحرتني أنا أصلاً بحبك بروحي وقلبي وعقلي وجوارحي أصلاً مين يشوف الجمال دا كله وما يتسحرشي. أمسكت بيده التي تتحسس وجنتها ومالت برأسها لضمها بحب واطمئنان قبلت باطن يده بهدوء وسحبت أنفاسها براحة والإبتسامة لا تفارق ثغرها هتفت بحب: -أنا معذورة لو اتجننت من كلامك دا. أجاب وهو أيضاً يبادلها السعادة والحب: -أنا اللي معذور لو اتجننت من جمالك دا. نظر إلى طريقه ثم عاد ببصره لها وهو يزيد من سرعة السيارة وهو يقول:

-عايز أطير وما أضيعش لحظة في الليلة دي. ارتعبت من زيادة السرعة وهتفت ناهية: -لا براحة احنا كده هنطير من الدنيا على مهلك وبعدين انت لي بتكلم عن الليلة دي كأنها آخر ليلة. أجابها وهو يتنهد بتعب: -أنا هسافر كام يوم الأيام الجاية دي. انتفضت من مكانها وسألته بفزع: -إيه مسافر فين؟ أجاب بآلية: -جدو عايزني أروح أقضي كام حاجة في المزرعة وأطمن على الحصنة وأشوف إنتاج العجول الجديدة وليلة كبيرة أوي سعادتك.

تشبثت بيده وهتفت بإصرار: -أروح معاك ما تسبنيش معاهم. قضب حاجبيه وحرك رأسه مستنكراً فالمزرعة أكثر مكان لن يكون لائقاً بها وآخر مكان تتمنى أن تذهب له لذالك رد: -تروحي فين هو إنتي فاكرة إنها المزرعة السعيدة؟ ظلت مصرة وهي تهتز بقدمها متمسكة برأيها: -ماليش دعوة إن شاء الله تكون جهنم أنا رايحة معاك. ضحك من غباء رغبتها وتحدث بسخرية تامة: -يا بنتي دا جدو لما يحب يعاقب حد بيبعته المزرعة.

لم تهتم بأي شيء سوى أن تكون معه تجاهلت سخريته وما يخيفها منه وقالت: -هروح معاك مش هسيبك. نظر باتجاهها وهتف مدققاً النظر في تعبيرها ليرى أيهما سيؤثر عليها أكثر ويفزعها: -مافيش هناك نور غير نور ربنا. أومأت بثبات وردت: -طالما هبقى معاك مش هخاف من الضلمة. أعجب بثقتها لكنه قرر الاسترسال حتى لا تتذمر ويخدعها مضيفاً: -ناموس كتير هيمص دمك وهيشوه جمالك. ابتسمت نصف ابتسامة وهي تقول دون اكتراث:

-الناموس مقدور عليه أحسن من الناس اللي عايشين وسطيهم دول بياكلوا البشر. ابتسم هو الآخر وأضاف: -مافيش هناك نومة كويسة البيت من الحصير. كانت مستعدة لأكثر من ذلك المهم أن لا تفارقه أبداً ولا تعيش لحظة بدونه في قصر الواصل أجابت برومانسية كي تقنعه أنها اكتفت به عن كل شيء: -هبقى مبسوطة وأنا نايمة على صدرك وسامعة دقات قلبك أحسن ما أبات على ريش نعام من غيرك.

أثبتت أنها لن تتنازل عن مصاحبته في هذه الرحلة مهما فعل بل وجرته لعشقها أكثر حتى بات من المستحيل النجاة فهتف يتعمق وشرود: -قلبي هيبقى بيتك ورموشي هتبقى غطاكي طول حياتي يا نور حياتي. توقفت السيارة أمام أحد الأماكن قبل أن تسعها الفرحة مما يقول فهذه الليلة وهذا الطريق الطويل أخرج الكثير من المشاعر وجعل القمر يغير من عشقهم. سألته وهي تنظر لتلك البوابة الكبيرة المضيئة والتي توحي بالفخامة والأناقة: -إيه دا يا زيد؟

أجاب وهو يطفئ سيارته مستعداً للنزول: -دي المفاجأة أنا عازمك الليلة في أحلى مكان ممكن يخطر على بالك وهعيشك يوم عمرك أبداً ما هتنسيه. دخلت إلى المكان بأقدام متعجلة متلهفة لرؤية ما يخبئه لها زيد والحقيقة أنها انبهرت بروعة المكان وكل التجهيزات التي اجتهد في إبرازها تلك البالونات الملونة التي تلتصق بالسقف منقوش عليها كل حروف اسمها وقلوب صغيرة منتشرة بلونها الأحمر عينها اتسعت لتقرأ الجمل التي نقشت مع كل حرف.

صاحبتي وحبيبتي وبنتي ب: بعشقك كلمة قليلة على اللي ما بينا أبعد عنك مش ممكن زهرة قلبي ي: يا عمري إفضلي اضحكي بعشق ضحكتك د: دانتي الغالية على قلبي وانتي وحدك اللي ملكتيه ال: اللي باقي من عمري كله ملكك و: وانتي هتبقي في قلبي لآخر دقة فيه أنا بحبك وهفضل أحبك ص: صابني رمشك ودوايا النظرة في عيونك ل: لآخر عمري مش هبعد عنك

كانت تدور مع كل كلمة برأسها وتشعر أنها تحلق بين السحاب نسيت كل شيء والتفت حول نفسها ولكن أجمل ختمة لكل ما قرأته أحضانه اصطدمت به حتى دون قصد وكأنها وصلت لبر الأمان ضمته بقوة وهتفت بسعادة: -بحبك يا زيزو. مسح على رأسها بفرح لفرحتها ما كتبه وما نفذه لتلك الليلة هذا لا شيء يذكر فالقادم سيزيدها فرح وسرور. ولذالك شعر أنه على المسار الصحيح وستعجب بالتالي. قال ممازحاً: -اتقلي كدا احنا لسه في الأول. ابتعدت عنه

ونظرت في وجهه وردت بدهشة: -في إيه تاني؟ أشار لها بيده وقال: -اتقلي أنا بشوية بلالين سمعت أحلى كلمة بحبك وأخدت حضن عنب لما تتفاجأي تاني يمكن تتهوري أكتر من كدا. أحرجها فدفعته في كتفه قائلة بحرج: -احترم نفسك.

لم يرد لكن نظرات عينه المشاكسة قالت كل شيء مد ذراعه أمامه ليسمح لها بالمرور نحو صدر القاعة تحركت ولاحظت كم من الورود على كلا الجانبين بأشكال وألوان مختلفة ومبهجة الأضواء كانت هادئة لكن هناك أضواء طويلة تتحرك بعشوائية لكن حركتها كانت تنبئ بأنها تسير نحو هدف صوت موسيقى هادئة زاد الأجواء رومانسية.

يده الممسكة بيدها وأحرف كلماتها الرقيقة تعزف ألحانا توقفت الإضاءة على أحد الطاولات المكان بالكامل كان فارغاً لهم لكن إضافات كثيرة غير واضحة المعالم أو بالاحرى هو يريها ما يريد أن يريها إياه. الطاولة كانت محملة بأشهى أنواع الطعام وكل ما لذ وطاب وبعض الأطباق مغطاة سحب لها الكرسي فجلست والتف ليجلس بمقابلها. نظرت حولها وسألته: -إيه المكان مليان ورد؟ رمى نظرة جانبية للزهور وأجاب: -ليها ذكري عندي. سألته وهي

تعقد يدها أمامها بفضول: -إيه الذكرى؟ مد يده ليخطف يدها ويحوطها برفق بين كفيه الدافئتين قائلاً وعينه تفيض بالحب: -انتي سبب كل ذكرى، أنا شوفتك من قبل في وسط الورد وكنتي انتي أجمل من كل الورد اليوم دا تحديداً كان سبب أول إني أوافق على جوازنا.

ابتسمت بسعادة لحلو حديثه شردت وهي تنظر لجنون اختيارها وعندما نطقت وطلبته من جدها ضاربة بعرض الحائط كل القواعد وكأن القدر ما أجراه على لسانها وقتها كان زيد أكثر شخص تطمئن إليه الآن زيد هو كل عالمها وأجمل أقدارها.

سحب يده ليضعها في جيبه وقدم إليها علبة صغيرة ذات لون أحمر مميز نظرت تجاهها ثم نظرت له مستفهمة لكنه لم يجيب وأشار بعنقه إشارة خفيفة كي تكتشف بنفسها ما بداخلها التقطتها وفتحتها لتري قلادة ذهبية ذات حبل قصير مجدول ومعلق به جوهرة عادت تبتسم بفرح من رقتها وهتفت: -زيد دا كتير قوي عليا. نهض من جلسته ليمسك بالقلادة من يدها ويلتف خلفها مال بجذعه وهو يضعها نصب عينها مجيباً: -أنا لو أجيبلك الدنيا كلها مش هيكفي غرامي بيكي.

وقبل أن تستوعب حجم كلماته أردف وهو يحاوط بالسلسال عنقها هاتفا وهو يميل على كتفها: -اخترتها جوهرة عشان ربنا اداني جوهرة. لا تعرف بما ترد على جميل كلماته ولا بما ستوازي هذا العشق هتفت متعلثمة كالطفلة التي لا تعرف الكلام: -ا.. انت .. أحلى حاجة ربنا إدهالي. التفت لتنظر إليه وياليتها ما فعلت عيناه السوداء كالليل كانت اليوم في أجمل حالاتها صافية كالسماء لامعة وكأنها مزينة بالنجوم تحدثت وقلبها ينبض بسرعة جنونية:

-أنا مش عارفة أعمل إيه أو أقول إيه بجد انت حيرتني. انت بتعمل كل دا لي؟ هو أيضاً كان هايم في تفاصيلها الدقيقة وعينها العسلية. الساحرة يريد أن يخطفها في قلبه ويغلق عليها للأبد أجاب وهو يمسك يدها من جديد واضعاً قبلة على ظهر يدها بحنان: -عشان الحب اللي انتي أدتهولي وقوفك جنبي وأنا لوحدي وعشان فعلاً حاسس إني ظلمتك وقبل كل ده أنا بـحـبـك.

ابتعد عنها ليعود إلى مجلسه لكنه بعثر كل مشاعرها وتساءلت أهو زيد الذي قسى عليها مدة طويلة أهو الذي أقسم أن لا يريها يوماً هانئ والآن يغرق قلبها عشقا نفضت رأسها بخفة كي تتأكد أن ما تعيشه واقع وليس بحلم. بدأ يناولها الطعام وابتسامته تفتح لها باب الحياة وكل ما قالوه جعلها تتحمس لتقول كل ما عرفته وتفتح الباب على بقاع الظلام التي تعرفها ويعرفها هو لكن يجهل معرفتها.

تناولت الطعام بهدوء وهو أيضاً الحديث لم ينقطع لكن نظرات عينه كانت تشملها بفيض من الحب وابتسامة ثغره. تحكي رضاً تام عن وجودهم معاً في هذا الجو الشاعري. حتى بدأت صبا تحول كافة الموازين وتهتف برقة: -زيد ممكن أكلمك في موضوع مهم. توقف عن الطعام وأبدى اهتمام كبير وهو يحفزها بابتسامته: -طبعاً.

عضت طرف شفاها وحاولت أن تحكي دون أن تقلب مزاجه أو تخرب شيئاً من ليلتها الجميلة لكنها فرصة لا تعوض خاصة أنهم مبتعدين عن القصر الأمر كان أشبه بالمشي في حقل ألغام فلا تدري أي لغم سينفجر مع صمتها المطول قضب حاجبيه فسألها متعجباً: -إيه الموضوع كبير أوي كدا؟ ابتسمت بلطف وأسرعت بالقول حتى لا تتراجع وأقصر طريق لكل شيء هي الصراحة ودون لف أو دوران حول الحقيقة هتفت وعينها في عينه:

-أنا عرفت إن بثينة اللي عملت العمل اللي موت مريم. تحولت ملامحه للغضب ولكنه جاهد السيطرة على الأمر. أسند رأسه سريعاً إلى يده حتى يهدأ ولا يريها وجهه الغاضب سألها بنبرة تمتلئ ضيق: -عرفتي منين؟ هدأت من نفسها حتى لا تتأثر برد فعله ثم شغلت نفسها بالطعام قائلة وهي تقطم قطعة اللحم بتلذذ: -امم الأكل هنا لذيذ.

أزاح يده ليطالعها لقد كانت بارعة بجعله يشك أنها قالت مثل هذا الشيء لكن ابتسامتها اللاعوب ونظراتها عينيها اللامعة بذكاء تأكد من أنها لن تخبره بمصادرها الخاصة. تركت ما بيدها وهتفت بجدية: -زيد أنا مش عايزة أقلب في اللي فات أنا عايزة أعيش الجاي معاك في سلام وبس. سحب أنفاسه وقال متنهداً: -ودا اللي بحاول أعمله. شددت نبرتها وهي تخبره:

-حياتنا مش هتعدل غير لو استقلينا طول ما إحنا جوه القصر الملعون دا هنموت بالبطئ أنا عايزة بيت لعيلتي أنا وانت. امتعض وجهه وسألها بجدية: -عرفتي منين يا صبا؟ ابتسمت له وأجابت: -لا مش هقولك إلا لما تديني وعد إني هخرج من البيت دا. نقر على سطح الطاولة ليهدأ من نفسه بالنهاية هي علمت. فلا داعي لإفساد الليلة بالشدة سيأتي وقت وسيعرف كل شيء دون أدنى جهد. عاد لرواقه وهتف:

-لو تطلبي نجمة هجبهالك بس الموضوع مش بإيدي لوحدي جدو كمان ليه رأيه وأنا ما أقدرش أزعله أو أعمل أي حاجة ضد رغبته لكن وعد مني هحاول. وضعت الشوكة في قطعة لحم أخرى ثم ردت بثقة: -خلاص سيبوا عليا. اتسعت ابتسامته وهو يطالع شقاوتها وخفة روحها. ما إن نظرت له حتى رفع أحد حاجبيه وقال: -هسيبهولك يا خطيرة. "فى القصر" جلس "حكيم" أمام "فايز" في مقابلة أمام المكتب طال صمته وهو ينظر إلى ملفات أمامه وظن أنه يتعمد تجاهله.

حاول "حكيم" أن يشجع نفسه للحديث معه فتحدث بتردد: -حا. أنا جاى أكلمك فى موضوع. ظل فايز يحدق فى أوراقه يلوذ بالصمت، يدقق فيما بيده وكأنه لم يسمعه. استرسل محاولاً إقناعه: -يا حاج، بثينة من يوم ما كانت عندك تعبانة وما بتقومش من السرير. أخيراً أبدى ردة فعل تثبت أنه يسمعه. توقف عن ما يكتب بالقلم ثوانٍ، ثم عاد ليخط ويستكمل ما يفعل. استمر "حكيم" فى الحديث ليحسه على الصفح عنها ويرقق قلبه لها:

-بثينة بتحبك وما هي قد العقاب ده. طيب أنا عارف إنها غلطانة وغلطانة غلط كبير، بس دي بنتك يا حاج، معقول تهون عليك... انتبه له ورفع وجهه ليرمي له نظرة حادة منعته من إكمال حديثه. عاد لينظر إلى ما بيده وكأن شيئاً لم يكن. امتعض وجه حكيم من عدم حصوله على نتيجة. هتف بعد مدة قصيرة بيأس: -طيب، كنا عايزين نخطب لعامر. ترك القلم أخيراً وبدا مهتماً بما يقول. سأل باهتمام: -مبارك. مين العروسة؟

اعتدل وحدق في عينيه ليعرف إن كان سيعجب باقتراحه أم لا. أجاب بقلق: -نهى بنت شاكر. ضم حاجبيه مستنكراً، مما دعا "حكيم" ليوضح أكثر: -البنت اتظلمت وما حدش بقى بيدق بابهم، وبثينة بتحبها. والله يرحمها غالية، كانت بنت حلال، فقولنا دي مننا وعلينا. أطاح بيده بهدوء كعلامة للقبول وقال: -على بركة الله. ابتسم براحة لقبوله، فتحدث بروية: -طيب، إمتى يناسبك نروح نطلبها؟ زفر بتعب ثم رد: -أي يوم يا جميل، نبقى نشوف بعدين.

نهض من مكانه مستعداً للمغادرة، فنهض أيضاً "حكيم" الذي خاب رجاه في العفو عن زوجته. صافحه وقال: -تصبح على خير يا حاج. أسرع فايز بمصافحته وكان متعجلاً لمغادرته: -وأنت من أهل الخير. رحل "حكيم" ويداه خاليتين، لم يناقشه حتى بالأمر ولم يسمح له بالتدخل. خرج فايز بعده، ثم وقف على الدرج ونادى بصوت عالٍ: -يا ونيسة. لم تغب، هرولت سريعاً للأسفل لتلبي النداء، هاتفة: -أيوا يا حاج.

كان وجهه مكفهر وتعابيره غامضة. انتظر حتى وقفت أمامه، وهتف آمراً دون أن ينظر باتجاهها: -ابقي خدي سلفتك وروحي زوري بثينة وشوفيها مالها، جوزها بيقول تعبانة. أجابت بقلق: -ألف سلامة عليها، مالها يا حاج؟ رد محتدّاً: -اسمعي الكلام من سكات. أرادت معرفة سبب غضبه عليها، فتشجعت لتسأله بفضول: -هو أنت زعلان منها لي يا حاج؟ نظر لها بحدة ليمنعها من التطفل والتمادى بأسئلة لا تفيدها إجابتها. لم تكن صغيرة لتفهم أنه يرفض إجابتها،

فقالت بإنصياع: -طيب يا حاج، مش هسأل. تجاوزها وخطى للأعلى، فأوقفته بسؤال آخر يلح عليها: -هو زيد فين؟ أنت بعتوه في مشوار ولا إيه؟ أجاب باقتضاب: -الصبح رايح المزرعة. انتابها رعب من أن يكون سيعاقبه، فتحدثت بهلع وهي تضع يدها على صدرها: -خير يا رب، هو في حاجة جديدة حصلت وأنا ما أعرفش. اكتفى فايز من جم أسئلتها وصاح بها بنفاذ صبر: -عنده شغل، بطلي أسئلة كتير. صعد وتركها تقف تحدق في ظهره بذعر. ما بال حاله تغير؟

وماذا عن ابنها المختفي وزوجته التي اصطحبها معه؟ أين اختفى معها الليلة؟ انتهى العشاء وهب واقفا ليقول وهو يمد يده لها: -تعلقت بيده وهي تسأل بتعجب: -إيه، هنمشي على طول كدا؟ أجابها مبتسماً: -قولت لك لسه في مفاجآت كثيرة. نهضت معه والفرحة تغمرها، فما قد يكون هناك أيضاً بعدما كتب لها بعدد أحرف اسمها كلمات من الحب. وقفت بوجهه فالتقط يدها الأخرى، هتفت: -كدا كتير قوي عليا.

رفع يده الممسكة بيدها ووضعها بالقرب من فمه ليقبلهما معاً بالتبادل بحنو ولطف، ثم تحدث بحنان: -لو جبت لك نجمة من السما مش هوفيكي حقك يا صبا. النهارده أنتِ كل طلباتك مجابة وكل اللي تتمنيه هيتحقق. تعمقت بالنظر في عينيه وهي تستمع لعذب حديثه، مجيبة برضاء: -أنا مش عايزة حاجة من الدنيا غير إننا نبقى سوا. أومأ بالقبول، وهذا هو ما سيحققه وسيعمل لتحقيقه. قال:

-عايزك ترتاحي وما تشيليش هم حاجة. أنتِ أهم حاجة في حياتي وأنا هحميكي بكل ما أملك. تحرك بها فسألته: -هنروح فين؟ أجاب باقتضاب وهو يكمل السير باتجاه أحد الأبواب: -هنطلع أوضتنا. ضمت حاجبيها بتعجب ونظرت له والدهشة تملؤها: -إيه، هنبات هنا؟ أجاب وابتسامته تتسع لتملاء صدرها بالورود: -أيوه، أنا حجزت لنا جناح مخصوص عشان ما فيش حاجة تعكر مزجنا.

لا تعرف مقياس السعادة التي انتابتها بعد علمها بأنها غابت عن القصر لليلة واحدة، والفرحة التي تغمرها بهذه الليلة التي سرقتها من الزمن لتعيش في ذاكرتها للأبد.

وصلت للغرفة وصوت ضحكاتها الخافتة لا تستطيع السيطرة عليه. فتح الباب ليسمح لها بالدخول. وما إن وطأت قدمها الغرفة حتى لاحظت كم الورود والشموع في طرف الغرفة، وذلك القلب الكبير من الورود الموضوع على الفراش وبداية حروف اسمه واسمها. تقدمت بخطوات بسيطة فسقط على رأسها وابل من البالونات الملونة على شكل قلب. علت ضحكاتها بسعادة، فنادت باسمه بفرح وهي تحرك بيدها جم القلوب: -زيد. كان في انتظار ندائها، حاوط خصرها بين

يديه واقترب منها ليقول: -عيون زيد، أؤمري. رفعت يدها لتحاوط بدورها عنقه: -عايزة أقول لك كلمة بحبك، مش كفاية على الحب اللي في قلبي. اقترب بوجهه ليمسح بطرف أنفه أنفها مداعباً إياها بفرح: -مش قدي يا شمسي. ابتعدت قليلاً لتسأله بفضول: -إشمعنى شمسي؟ أجابها وهو يحدق لها بهيام: -عشان أنتِ اللي نورتي أيامي وسنيني بعد ما كانت عتمة، وعشان أنتِ الحب اللي ما كانوش هيبقى ثابت لحد ما الشمس تطلع من المغرب. ابتعدت عنه قليلاً

وأشارت له في مزاح: -بقولك إيه، أنا حامل وكتر الكلام الحلو دا غلط عليا. أعمل إيه بعد الكلام الحلو دا يعني؟ انفرج فمه بابتسامة واسعة، يعشق تحولاتها هذه ويعرف مما تخشى. أشار بعينيه إلى الفراش، فاستدارت بقلق لتقول له بحدة: -زيد، احترم نفسك. ضحك حتى ارتفع صوت ضحكاته ثم هتف: -تفكيرك قذر على فكرة. شوفتي السرير بس ما شوفتيش العلبة اللي عليه. التفت لتري بالفعل تلك العلبة الصغيرة، فسألته وهي تمسك بها باستهانة:

-طيب، لي مش كل حاجة مرة واحدة؟ اقترب منها وحاوطها من جديد ليضع ذقنه على كتفها وقال بأنفاس قريبة من وجنتها: -عشان كل حاجة ليها وقتها. هربت من التشويش الذي يفعله بها قربه منها، وفتحت العلبة لعلها تنسى أنه علق في عشقه ولن يخرج أبداً. هذه المرة الهدية كانت مختلفة، فقد كانت مزدوجة، أسورة.

إحداهما تبدو رجالي والأخرى من الذهب الخالص على شكل كواكب المجموعة الشمسية، وطرفها سلسال ذات قطعة مستديرة، والأخرى من خامة الجلد في نهايتها شمس. رغم غرابتها إلا أنها كانت رائعة الجمال. لم يسبق أن رأت شيئاً بهذه الروعة ولم تحصل بحياتها على دلال كهذا. وضعتها نصب عينيها وتأملتها بصمت، وكأنها تحاول فهمها أو فك الشفرة التي تحملها هذه القطعة الفنية. فهم هو ذلك وسألها وهو ينظر معها: -إيه، ما عجبتكيش؟ أجابته بسرعة

دون أن تخفض عينيها عنها: -لأ... هي جميلة بس مش مفهومة. تخلت يده عن خصرها ورفع يده ليلتقطها وبدأ في إلباسها إياها وهو يقول: -دي إسورة فيها كل المجموعة الشمسية. وضعها حول معصمها وقد تدلى منها سلاسل قصيرة في نهايتها كرة صغيرة. ثم ارتدى الأخرى الخاصة به والتي نهايتها مجسم معلق على شكل الشمس وأردف: -ودي الشمس. قربها من يدها لتلتقط الشمس الكرة الذهبية الصغيرة التي بنهاية سوارها. شهقت بدهشة غير متوقعة، هذا الفن!

ليقول ويده ملتصقة بيدها عن طريق السوار: -كل الكواكب حوالين إيدك بس أنتِ الشمس، والشمس معايا عشان تفضلي حاطة في بالك إنك شمسي. والطرف اللي بيلقط بينهم دا عشان كل ما تحطي إيدك في إيدي تتربطي بيا أكتر، والبعد عني يبقى مستحيل حتى في أحلامك. أجفلت بهدوء، فما عاد لديها قول لكل هذه المشاعر. أمسكت بيده وكان هو الأسرع في ضمها إليه. هتفت وكل ذرة بها تعشقه: -بحبك يا زيد، قولي أعمل إيه عشان أقول لك إني بحبك.

ضمها إليه بقوة وسحب أنفاسه التي باتت ممتلئة برائحتها. فقد وصل به الحال أنه يرفض إبعادها، أصبحت هي هوسه وإدمانه، ولا يخشى شيئاً سوى افتقادها. هتف بكلمات مغزولة برقة وعشق من أعماق قلبه: -خدي عيني، خدي قلبي وروحي، خدي عمري، وكفاية أشوفك قدامي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...