عاهدوني أن لا تأخروا صلاتكم لأجل قراءة الحلقة، عاهدوني أن لا تلهيكم عن ذكر الله. عاهدوني إن وجدوا مني ما ينفر أو يحرك مشاعرك نحو شيء فج أن تخبروني. عاهدوني أن كما اجتمعنا بالدنيا نجتمع كلنا في الجنة.
جلست أمام شرفتها الزجاجية الكبيرة تتأمل حركة الزهور المتمايلة مع نسيم الهواء، بيدها كوب دافئ تحتسي منه وذهنها بالكامل شارد، حتى أنها غفلت تمامًا عن عين زيد التي رصدتها منذ مدة دون ملل أو حتى محو ابتسامته المعجبة، وكأنه ينظر إلى كنز ثمين يتباهى به بينه وبين نفسه فقط، ينتظر بتمهل اللحظة التي تلتف له ليقول كلمة واحدة لا يعرف غيرها: -بحبك.
كلمة عادية قيلت لآلاف المرات بالصدق والكذب، وبالاحتيال والخبث والمكر، لكن منه هو كانت تقال بطعم مختلف وبطريقة مميزة، ربما هذا عائد لأن كل جوارحه تنطقها معه وتندفع بحرارة مشاعر لم يسبق ولم تكن. -بـــحـــبــك.. أخيراً التفت وسمعتها بتلك اللهفة لسمعها وقولها، وبعدها ابتسمت وخطفته في عالم آخر.
عزف عالٍ عزفته قلوبهم معًا، حتى في صمتهم عشق، ونظراتهم كلها تودد، وحكايات ما كانت القلوب تتصل بقوة إلا بعد محن وصعاب مرت بهم، وظلت على العهد، وأمتن الحبل بالثقة، وطوق بالتضحية، وعقد على صبر وتحمل، فبكل هذا تفتح القلوب وتتآلف النفوس بالمواقف لا بالأقوال، تزداد قوة ومتانة، عندها تتفتت كل الحواجز ويصبح الفردين واحدًا، حيث لا خذلان ولا خوف ولا ندم ولا شك، وإن غاب عن العين ففي القلب دائمًا أمان.
وضع قبلة على ظهر يدها بحب، وامسكت هي أيضًا تمسكت بقبضته لتبادله نفس ذات القبلة، مستندة فيما بعد إلى كتفه ومسترخية براحة. سمعت نبرة صوته الحذرة تستكشف شيئًا ما في أعماقها: -إيه رأيك تطلعي معايا رحلة؟ كانت بوزن ريشة عندما انتهى من جملته، التفتت له في التو لتنظر لعينها وتسأله غير مصدقة: -بجد! قال متبسمًا: -بجد، أومال أنا بهزر يعني؟ حركت رأسها بسرعة بالموافقة، ثم تشتت فجأة وسألت: -والولاد؟ هنعمل فيهم إيه؟ أجابها مستخفًا:
-ولاد مين؟ انتي تعرفي عنهم حاجة؟ هنسيبهم هنا طبعًا. تردد قليلاً وهتفت: -نور ماشي، إنما أويس صعب، دا لسه بيبي. جذبها أسفل إبطه وقال ممازحًا: -انتي هتعمليلي فيها أم يا بت انتي ولا إيه؟ سألته وهي تجابه لتتخلص من ترنحها أسفل يده: -مش عاجباك ولا إيه؟ أنا شاطرة أهو. ظل يحركها أسفل إبطه ويعبث بخصلاتها المبعثرة وهو يقول: -فين اللي شاطرة دي؟ انتي هتفضلي عيلة في عيني مهما تكبري، حتى لو بقيتي عندك 100 سنة، انتي بنتي العيلة.
فجأة تملصت من قبضته وامسكت بتلابيبه وعانفته بمزاح: -عيلة بس شقية، هفضل لازقاك وعاملاك مشاكل. ضحك وظهرت أسنانه اللامعة، وحاول سحبها إليه حتى يتمكن منها، وبقوته التي لا تضاهيها صبا، وجدت نفسها بسرعة فوق ركبتيه، كما أنه كبل ذراعيها للخلف لينظر لها بتسلية قائلًا: -شوفتي إنك عيلة.
نظرت إلى عينيه بما أنها ما عادت تملك أي قوة تؤهلها للسيطرة عليه، ولأنها تعرف أنه سيضعف بالتأكيد مهما حاول جاهداً تمالك نفسه، لكن أي نفس سيملكها وهي بالأصل بيد "صبا"، عانقت عيناه عينها البندقية التي تجعله يسجد طائعًا، إضافة إلى خصلاتها المتمرّدة التي تغطي جانبي وجهها بفوضوية جعلت منها لوحة مرسومة. أفلت يدها فورًا دون أدنى مجهود، لا يملك أمامها سوى الخضوع، لن يقوى على أكثر من هذا.
صهلت ضحكاتها عاليًا، وظل هو يستمتع بالنظر لها دون فعل شيء آخر. بعد مرور كل هذه السنوات، لم تتغير نظرته لها، وكأنها أول مرة يقع بها في العشق، أو بسبب السقوط المتكرر يفقد الذاكرة ويعود يعشقها مرارًا وتكرارًا. قالت بصوتها الرقيق: -أي مكان معاك حلو يا زيزو، حتى القاعدة على الرصيف. ضمها إلى قلبه بحنان وهتف: -بتحلى الدنيا في عيني وانتي جنبي. تمسكت بوجنتيه لتركز على عينيه وهي تخبره بصدق: -انت هدية ربنا ليا.
ابتسم، فما عاد يعرف من أي باب يصد هذا الهجوم القوي على قلبه الذي اهتز عشقًا لتلك الخطيرة التي ستكون سبب هلاكه الحتمي في هواها. أجفل محاولًا التعلم مما سبق، فنهاية هذا سيجرده تمامًا من كل سبب لوجوده بالحياة إلاها، لكن هو قدره وليس باختياره، هتف ليغير مسار كل شيء: -قولي هتيجي معايا ولا هتفضلي خانقاني كده كتير. أجابته وكأنها فهمت حيلته، آه من كل الشرقيين يخافون الحب أكثر من العيش فيه، وإن كانت هي أكثر الطامعين:
-هنروح فين بقى؟ أغمض طرف عينه وقال: -خمني. فكرت قليلاً ثم حذرت سريعًا: -المزرعة. تحولت نظرته للاستخفاف التام، ثم نفض رأسه هازئًا وهو يقول: -أما انتي عندك محدودية فكر وغباء طفلة. صاحت به مزمجرة: -أنا مش غبية. رمقها ببرود ثم هتف ساخرًا: -يعني بقولك رحلة وهنسيب العيال، وانتي تقوليلي المزرعة؟ طيب اطمعي شوية عشان ترسي في الآخر على المزرعة. تشبثت بعنقه وصاحت بضيق: -وأنا أعرف منين؟ ما انت على طول مش فاضي.
حاول الفكاك من قبضتها مباعدًا يدها وهو يقول: -وأنا اللي كنت هاخد رأيك، انتي معدل ذكائك نفس معدل ذكاء الأرنب. لم تجد بدًا من فهم قصده، فحاولت التركيز لمجاراته، صمتت قليلاً ثم حدقت به مليًا لتسأله بتدقيق: -انت واخد إجازة؟ أومأ بالموافقة مع ابتسامة باهتة، نظرت له مخمنة ومتسائلة في ذات الوقت: -انت طالع الرحلة دي ليه بقى؟ تطالع إليه بخبث وابتسامة ماكرة طفت على شفتيه، رفع يده لخصلاتها المتدلية بالقرب من وجهه وهتف مبتسمًا:
-عشان نجهز نفسها نجيب شمس بنت شبهك يا شمسي. قفزت من فوقه وتزامن هذا مع صراخه معترضًا: -إيـــه؟ اعتدل سريعًا محاولًا إعادتها لنفس الوضع، ولكنها لاذت بالفرار وهي تصيح بانفعال: -أنا بعيط من الاتنين، تقول لي أجيب تاني. وثب من مقعده وهتف متعجبًا: -يا بنتي أنا بشوف معاكي عيال، ما طول اليوم مع أمي. وضعت يدها في جنبيها وردت بضيق: -ما ده كمان مضايقني. سألته بحدة وهي تشير نحوه: -مش كنت بتقول قطعت الخلف خلاص.
نظر لها دون اكتراث وحرك كتفه بخفة مجيبًا: -عادي، نفسي اتفتحت. تحولت نبرته لأخرى هادئة لطيفة تمتلئ بالرجاء: -بنت يا صبا، نفسي في بنت منك. لاحظ تأثرها فاستغل هذا واقترب أكثر ليمحو المسافة بينه وبينها، أمسك من جديد بخصلاتها وأضاف برقة:
-نفس لون عيونك اللي من الجنة، وضحكتها زي ضحكتك اللي زي الأغنية، شعرها مجنون زيها، كل خصلة مش شبه التانية، بنت أشم فيها ريحتك، بنت أبص لها أشوفك، ويكون عندي من صبا نسختين، وألاقي زيك فين غير بنت منك. بيقولوا الأب يظل عقيمًا حتى ينجب أنثى. أغرقها في سحر كلماته وتشبيهه لها، ورغبته الملحة التي تفضح كم هو مغرم بها، لم تحتاج تأكيدًا، لكن هو أثبت بأكثر من طريقة أنها استوطنت قلبه وعقله. ذكرها متسائلاً:
-مش كنتي بتقول لي هجيب لك ولاد كتير؟ مش وعداني؟ هتفت بيأس وكأنها تحت تأثيره: -أيوا، ما أنا جبت. هتف وهو يلامس بشرتها بأطرافه بلطف: -مش حاسسهم العيال دي، أنا عايز بنت تدلعني. رمقته بحدة، فأضاف موضحًا: -بنتنا يا صبا، بنتنا. شردت قليلاً وتحمست للفكرة وهي تسترجع ذكرى مريم قائلة: -وأسرح لها شعرها، وألبسها فساتين شبه فساتيني، وتحط روج معايا، وتلبس إكسسواراتي، وتلعب معايا.
كانت كالشارد وكأنها أصيبت بسهم سحري، وعندها ابتسم زيد بسعادة لسهولة إقناعها، وردد وهو يمسح على رأسها بلطف: -مش بقول لك عيلة؟ والله عيلة. نظرت له محتدة وكأنها تحذره، فهتف متراجعًا: -ولو جبت ألف بنت يا صبا، هتفضلي إنتي بنتي الصغيرة. في مكان بعيد.
أسفل الشمس المتوهجة، وأمام امتداد هائل من مياه البحر الصافية، كانت يده تحتضن خصرها، وخصلاتها المتعرجة تتطاير على وجنته وهو يضمها بقوة. قلبها كان يدق بسرعة مفرطة من فرط السعادة، لم تكن تعرف أنه سيسافر بها لأحد الجزر الصيفية البعيدة ذات المنظر الخلاب والمنازل المصممة فوق المياه، والأمواج الهادئة تحاوطهم وهم يقفان بالشرفة الخشبية المأهولة لغرفتهم الأنيقة. صحيح أن منزلها هناك بالمدينة تعشقه، لكن أحبت هذا أيضًا، ولم تصدق وجهتها التي اتخذها بنفسه وصمم أن تكون مفاجأة، والحقيقة أنه يختار مفاجآت استثنائية.
-كل دا عشاني يا زيد؟ سألته وهي تميل إلى كتفه لتنظر إلى وجهه الذي خلفها. نظر لها مطولًا وسألها هو: -تفتكري لو ما كنتيش موجودة في كل الأزمات اللي فاتت، كنت هبقى عامل إزاي؟ سؤاله أحيا لديها الكثير من الفضول لنبش وراء ما يظنه عنها، والتفتت بكامل جسدها لتكون بين يديه وتسأله دون صبر: -إنت شايف إن أنا كنت سبب في إنك تعدي كل الأزمات؟ تبادل السؤال بابتسامة وقال: -وانتي مش شايفة أنا كنت فين وبقيت فين؟
ابتسمت بدوره وهتفت مراوغة: -طبعًا شايفة، كنت الأول قمر ودلوقتي قمرين. ضيق طرف عينه ليعيدها لذكري لم تكن تغيب عن باله: -ولا جلف زي ما قولتي. ضمت شفتيها في محاولة فاشلة لعدم الضحك، لكن تخللت ضحكاتها وهو معها، ضحك كثيرًا على هذا، لقد جبرتهم الحياة على مواصلة الحياة معًا، وكان إجبار القدر أجمل ما في الأمر، لولاها لبقي عالقًا بين الحياة والموت، ولولاه لبقيت زوجة لأي رجل لمجرد التخلص منها. تحدثت بعدما
استطاعت إيقاف ضحكاتها: -أنا ما كنتش بطيقك وقتها، بس كنت مستجدعاك عشان تمسكك مريم. حاول نفض الحزن عن قلبه بفقدان ابنته في حادث أليم، مستعينًا بالرضا بما قسمه الله، وبعوضه في والديه، ورد بشرود في ذكرى أبعد: -كنت بتجنب أشوفك أصلًا، كل مرة كانت تقع عيني عليكي بحس إن قلبي بيعشقك، وعقلي بقى يديني بالجزمة ويتريق عليا إني بحب عيلة. ظلت تعاينه منتظرة مزيدًا من الإفصاح عن ما يكنه لها وأخفاه، هو لم يحرمها واسترسل:
-لما جدو قال إنك هتجوزي في الفترة دي، كنت مختلف معاه حاجة، وقتها قالت لي إنك ليا أنا وبس، حتى لو بعدتك بلساني، وقولت موافق، وفعلاً جدو رفض، بلال رفض قاطع. وانتي بسم الله ما شاء الله عليكِ، ما خيبتيش، ضربتيني عيارين في الهدف، وقولتي مش هتجوز غير زيد. أمسكت بكتفيه وتبتسم على تلك الفكرة الجهنمية التي انزلقت على لسانها، لتجعلها الشريرة بأعين الكل، والتي رتبت لهدف وأرادته، بينما هي أضعف من تعرف عاقبة الأمر حتى،
وردت مبرئة نفسها: -والله ما كنت متوقعة إنك توافق، أنا قولت بس كدا عشان أحط العقده في المنشار. وضع كفيه على خصرها وقال بجدية وهو يضحك: -مش قولت لك جيتيني في ملعبي. تساءلت وقلبها ينبض في الدقيقة ألف نبضة: -أنا مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه؟ أجاب وهو يقربها إليه قائلاً: -أنا اللي مش عارف من غيرك كنت هعمل إيه؟
ومن غير الحب اللي ادتهولي ووقوفك جانبي وأنا بطولي، وتحملك كل شيء عشاني وعشان نحافظ على بيتنا ويبقى في حياتنا أجمل أولاد. أطاح بوجهه لينظر للاتساع الخلاب من حولهم وأردف: -كل دا مش كتير عليكي، دا لسه فيه كمان ليكي، وكل اللي جاي ليكي. تعرفه وتعرف نبرة الصدق هذه، يبدو أن تلك المفاجأة لم تكن الأخيرة، سألته بشك: -إنت ناوي على إيه؟ مال بجبهته إلى جبينها وأجاب وهو ينظر كالمحموم لشفاهها:
-ناوي أمسح من قلبك أي حاجة زعلتوا، ناوي ما يكونش فيه غير فرح وسعادة وبس. أضافت هي متأثرة بعذب كلماته ومشاعره الدافئة: -إنت أول كل حاجة وآخرها. انتهى الكلام عند هذه النقطة وأطبق عليها، يريد أن تنفذ إلى قلبه وتسكن في أعماقه، وأن يقضي ما تبقى من عمره بداخله حتى يطمئن أنها ستكون بخير. طالت الرحلة واستمتعا سويًا بالأجواء الجمالية والساحرة.
لم يغفل زيد عن ترسيخ هذه الذكريات بكلمات معسولة لا تُنسى، خاصة وأن اليوم بالكامل كان يقضي بين البحر والغرفة والعبث بالمياه. استغل هو هذا الصفاء ليطبع جملًا موشومة في عقلها ويرسخ حبه لها في تلك الرحلة التي اعتبرها فاصلًا زمنيًا من كل الأحداث والحوادث التي مرت عليهم من يوم زواجهم دون هدنة، وبالطبع لم يكتفِ بكل هذا، فالمشوار أمامه طويل والأيام لن تنتهي بعد.
فتحت هاتفها لتتحدث مع "ونيسة" عبر شاشة الفيديو لتطمئن على ابنيها اللذين تركتهما لديها لقضاء هذه العطلة. لم تكن ونيسة تتخلى عن دور الحماة المعروف، لكن وجود الأطفال إلى جوارها يجعلها تتقبل تلك الرحلة لـ "زيد" و "صبا" قليلاً. ردت مستفزة إياها بعدما ألحت لرؤيتهم عبر الكاميرا الأمامية: -انتي ما لكيش عندي ولاد، مش أخدتي ابني؟ مش انتي قلتي كدا؟ هديكي ابني وتاخدي ابني، اديكي اتورطتي وأنا أخدت اتنين. حاولت "صبا"
تحملها وهتفت متحدية إياها: -يا ونيسة بقى تبدلي زيد الغالي باتنين بس؟ وأنا اللي كنت ناوية أجيب لك التالت، والله أخد زيد وما تشوفي وشي تاني، وخلّي الاتنين اللي عندك ينفعوكي. "ونيسة" هزت قدمها وبدت غير متأثرة بما تقول وأجابت: -براحتك، هو كدا كدا بقى ما بيسألش عن أمه، ما بقاش يعرف غيرك. هتفت صبا وهي تتفرس ملامح الضيق التي تعريها وتحاول ضخها عبر المزاح: -لأ، إزاي؟ دا طول الرحلة يقولي أنا عايز ماما، وديني ماما.
رمقتها ونيسة بحدة ثم حذرتها بنفس الطريقة: -بت انتي ما تقوليش على ابني كدا، زيد سيد البلد كلها. سألتها متعجبة: -الله؟ طيب ليه محسساني إني خاطفاه؟ لوحت بيدها في إشارة للصبر: -اصبري، اصبري، انتي أمه، مش هيتبرى منك عشان طلعتي يومين شهر عسل. ردت ونيسة ساخطة: -عـــــسل؟ عسل إيه دا وانتي في رقبتك عيلين. قلبت صبا عينيها بملل، لن تنتهي من سماع هذا، فهي تعلم جيدًا أنها غير موافقة على هذه الرحلة البعيدة.
-على ما فضينا بقى يا ماما، انتي عارفة من يوم ما اتجوزنا والمصايب نازلة ترف، زي ما يكون حد بص لنا في الجوازة دي. قالت ونيسة وهي تنظر لصورتها المتحركة: -أنا ما عنديش مانع، بس كان لازمتها إيه الشحطة من بلد لبلد؟ ما كنتوا خليتكم قريبين. تحدثت صبا بتهكم: -والله العظيم لو خدني للترعة اللي في أول البلد ما هيعجبكم برضه، بس يلا خليها في قلبي. لوحت ونيسة محذرة: -بت، ما ترجعيش تدي بلسانك. مطت شفتيها وقالت مبتسمة: -حاضر.
عادت تطالب منها بأدب: -ممكن أشوف العيال بقى؟ نقلت ونيسة ونظرت بعيدًا، ثم أدارت شاشة الهاتف ثوانٍ معدودة وأعادتها من جديد على وجهها سريعًا، لم يتسع لصبا حتى التدقيق في ملامحهم، فهتفت ترجوها: -أنا ما لحقتش، سيبى التليفون عليهم شوية. أعادت الكاميرا نحوهم، وأيضًا أبعدتها من جديد، كادت صبا أن تنفجر من تصرفاتها وتعمدها مضايقتها، لولا أنها تملكت أعصابها وأدركت أن ونيسة تريد نزع مواجهتها ومضايقتها، فسألتها ببرود عكس كل
النيران المتأججة بداخلها: -إنتي بتذليني يعني؟ ردت ونيسة متصنعة البراءة: -يوه، ما قصدتش يا بنتي، البتاع دا بيعلق. عندما وصلت لهذا قالت صبا بيأس: -ااه، بيعلق، طيب عن إذنك بقى. منعتها ونيسة بضيق: -هو إيه اللي عن إذنك؟ استني، اقعدي معايا شوية. تحدثت صبا باستسلام: -طيب، ما تجيبي الولاد على رجلك ونقعد كلنا سوا. تصنعت التعب وهتفت: -رجلي وجعاني. ردت صبا بتهكم: -ألف سلامة. تحدثت ونيسة متسائلة، تحاول إثارة جدل لصبا:
-هااا، هتجيبي لي إيه وانتي راجعة؟ نظرت لها صبا لثوانٍ بدهشة، ثم ردت بازدراء: -أجيب لك إيه؟ مش فاهمة، هو أنا في عمرة؟ أنا في جزيرة، ما شوفتش حاجة غير المياه والسماء، أملاك قزتين مايه وملح من عندي. وكأن ونيسة باتت تستمتع برودها وتفرح بمشاكستها التي تحل لها مشكلة الفراغ الداخلي وتختلق معها أحاديث فقط لتخرج لسانها الطويل عن صندوقه، فهتفت متعجبة: -ياااختي، هو أخده يقتلك ولا إيه؟ هي دي تبقى فسحة برضه؟
ابتسمت صبا، والتي فهمتها سريعًا: -آه، شفتي ابنك؟ ابقي خلي بالك على العيال بقى، لاحسن امبارح لقيتوه جايب سكينة وبيقطع أناناس بطريقة مريبة. لم ترضَ ونيسة عن تهم ابنها بأي شيء تقريبًا، الاثنان يفهمان بعضهما جيدًا ويعرف كلا منهم أين يضرب دون أن يترك أثر. -ما تقوليش كدا على زيد، زيد مش قاتل قتلة، ربنا يستر منك انتي. زفرت صبا بتعب وردت: -ااه منك يا حماتي، مش حاسة بيا خالص. سألتها وقد بدا في نبرتها القلق: -لي عندك إيه؟
أجابت وهي تتفرس بإعجاب نبرة القلق البادرة منها: -عندي زيد، هو زيد شوية برضه. أنهت الجملة بإيحاء لم يفوت ونيسة، فسارعت بالقول: -يا عيني عليك يا ابني، لو تسمع كلامي أجوزك مرة كمان. هنا أدركت صبا أنها لن تنهي المكالمة إلا وهي على باب القصر، فقالت بـ: -لااا، احنا كدا مطولين في الكلام، بقولك إيه يا ماما، لما نرجع نتكلم، لاحسن شكلك كدا أعجبتي بلساني الطويل ومش عايزة تساعديني، ربنا يتوب عليا.
لم ترد ونيسة، تركها فتحدثت دون اهتمام برغبتها في إنهاء المكالمة: -ما نطول إيه يعني؟ في وراكي إيه؟ هيفوتك الطواف؟ ما انتي لسه قايلة إنك مش في الكعبة. قالت صبا بخبث: -لا، هلم هدومي وأجيلك جري نشوف خناقة غير دي نستمتع بيها ونطلع ترند، لاحسن خيالك بدأ يشطح لوحده. سألت ونيسة مدعية عدم الفهم: -خناقة ليه؟ وفيها إيه لما يتجوز؟ مش الشرع محله أربعة؟
تعجبت صبا من تبلدها، والذي تعرف أنها تريد منها الانزلاق بالحديث وتعكير مزاجها حتى تسعد هي، لكنها حاولت التريث والاعتماد الكامل على المراوغة والرد بأدب: -والنبى يا ماما ابقى صلوا على النبي الأول، ما تخلينيش نقلب بقى في صحيفة الإيمان بتاعتكم في تاريخ العيلة. دخل "زيد" في هذه اللحظة وقد بدا عليه آثار الانزعاج، رقبت ونيسة كيف تحولت نظرتها لركن الغرفة، وعندما سألت: -كنت فين كل دا يا زيد؟ تعالى صوت "ونيسة" بلهفة:
-هاتي الكاميرا على ابني. استجابت صبا، ولكن لم تعد ثانية إلا وقلب الهاتف باتجاهها مرة أخرى، عندها هتفت ونيسة وهي تبتسم: -يا بنت الإبليس. هزت رأسها وقالت بفخر: -أي خدمة يا ماما، من عاشر القوم. أضافت قبل أن تجرفها في أحاديث تملأ فراغها وتشغل صبا المتعجلة لفهم ملامح الانزعاج على وجه زيد: -سلام بقى، لاحسن التليفون بيعلق. أغلقت الهاتف ووضعته بإهمال جوارها، ثم زفرت لتستعيد أنفاسها، ثم قفزت من مكانها لتقول بتلهف: -مضايق ليه؟
أجاب وهو يتحرك للفراش بتعب: -أبوكي بقاله ساعة بيتكلم معايا وحسسني إني خاطفك مش جوزك خالص. ردت مبتسمة: -والله أمك نفس الحكاية، معلش الفراغ. نظرت له لوهلة وضيقت عينها، يعرفها أكثر من نفسه، تلك النظرة اللعوب، ورأى فكرة جهنمية. طرحتها ببساطة: -ما تيجي نجوز أبويا أمك. وثب من مكانه غير مصدق ما قالته ولا حتى يتقبله: -يخرب بيت دماغك. تبعته وهي تحلل ما برأسها بلسانها:
-والله فكرة حلوة، أمك لوحدها في البيت وأبويا لوحده، إحنا نجمع الشمل ونطمن عليهم سوا. التف لها وعيناه جاحظة، لم يتقبل حرفًا مما قالت وصاح بها: -صبا، ما تقوليش الكلام دا تاني، حتى لو هزار. نفضت كتفها بخفة وقالت: -ومين قال إني بهزر؟ كاد يجن من حديثها وتصديقها الفكرة ودعمها، كيف لها أن لا تراعي مشاعره ولا غيرته الفطرية على والدته، فلوح محذرًا بالقول: -ما تزودييش في الكلام دا ولا حرف. سألت دون فهم وضوح مشاعره:
-وفيها إيه يعني؟ طنط لسه صغيرة. قاطعها زيد بضيق: -دي جدة، انتي إيه؟ هربانة منك ولا إيه؟ حاولت الحديث لكنه مانعها بزنقة: -مش عايز ولا كلمة في الموضوع دا تاني. أسكتت الحديث بناءً على طلبه، لكن رغبتها الملحة بتنفيذ هذه الغاية لم تسكت أبدًا، كانت تضحك بداخلها قائلة: -حماتي هتبقى مرات أبويا؟ دي تبقى ليلة يا ولاد.
ألوان الورد الزاهية وشكله الذي يبعث البهجة، فتحت عينها على باقة رائعة من الزهور، فاعتدلت وعلى فمها ابتسامة فرحة بهذه البهجة التي أيقظها عليها "زيد"، احتضنته بين يديها كطفل صغير وداعبته بأطراف أصابعها لتقرأ الكارت الموضوع في طرفه مكتوبًا بخط يده الذي لا تخطئه: (إلى شبيه الزهور ومنبع النور لحياتي، لشمسي، للمرأة الأكثر خطورة على قلبي، لصبا التي حركت الحجر الثقيل عن قلبي وأصبحت هي الأولى والأخيرة، والخطيرة)
زادت ابتسامتها اتساعًا ورقص قلبها بجنون على هذا الكلام المعسول الذي ينفذ للقلب كسهم. شردت قليلاً به وقرأت النص عدة مرات وكأنها تحاول نقشه على عقلها. هذا الحب الذي يحبه لها وتلك الطريقة المميزة التي ينقلها بها من عالم لعالم، عقدت لسانه عن الرد وتشتت عقلها بما ترد، وقد قالت عينها كل شيء.
أخيرًا رفعت بصرها لتفقده في الغرفة، لكنها لم تجده. نهضت من الفراش تجد أسفل قدمها مفروشًا بالورود، وهناك طريقًا مرسومًا باتجاه الزاوية، أخذها الحماس للسير على الطريق المرصوف بالورود، هذه كانت فكرة رائعة منه لتحفيزها ومفاجأتها بهذا الشكل الجميل والاستثنائي.
خطت بسعادة فوق أوراق الزهور الحمراء الناعمة باتجاه الزاوية، كانت تخطو كالفراشة في بستان، وخطواتها تمتلئ بالحماس، ومالت لترى المفاجأة التالية، لمعت عينها عندما رأت صندوقًا خشبيًا صغيرًا وأسفله نسخة أكبر، ضحكت بصوت عالٍ أمامها مفاجآت لا تحصى من زيد، وليست أي مفاجآت، إنها من صنع زيد الذي لم يفشل أبدًا في إبهارها.
وجعل قلبها يزداد نبضًا، فتحت الأول وسرعان ما لمعت عينها، لو كان يراها الآن نظرتها المدهشة لأدرك أنه أحرز أكثر من توقعاته بكثير، بل هذه كانت تكفي لخلق جنون وسعادة تقذفها عنان السماء.
الصندوق كان يضيء وبداخله مستطيل زجاجي بداخله فتى وفتاة ممسكين ببعض، والمياه المخلوطة بالمادة لامعة تخطف الأنفاس، وكأنهم في نافذة طويلة. شهقت بعدم تصديق، تعرف ما الذي يعيد بها طفلة ذات خمس أعوام، تعرف كيف يعيد بها الزمن مهما تقدم بها العمر ويجعلها تقفز بجنون تمامًا كالآن. ليته هنا ليرى كم فرحتها بهذه الهدية تحديدًا، أو ربما هو يعرف كل ما سيحدث عندما تراها، فاكتفى بإسعادها وتركها تعيش الشعور بالكامل دون حرج. ظلت تتأملها وتلعب بها وتجدد بها شعور الطفولة الذي لم تعشه كما يجب. أخيرًا وتركته من يدها لتضعه جانبًا وهي تزفر أنفاسها مع آخر عقدة اقتلعها زيد من جذورها من أعماق نفسها لتستقبل الحياة وكأنها لم تعش حزنًا من قبل.
فتحت بأناملها الصندوق التالي والذي سبقته ورقة مطوية بعناية، فتحتها سريعًا، إنه لن ينتهي بها إلا في مصحة عقلية من فرط السعادة التي تشتت عقلها وتغرسها بقوة تفوق تحملها في أعماقها، وكأنه ينظف القديم ويضع أسسًا جديدة سوية. قرأت بعينيها خطة الذي يبتهجها رؤيته: (البسي الفستان واخرجي على نفس طريق الورد الذي عملته لك)
لم يضف أي شيء جديد، وكأنه تعمد الغموض ليحفز خيالها. نظرت إلى ما بداخل الصندوق ولاحظت فستانًا أحمر من خامة الستان اللامع، ما وسعها قوله عندما نصبته بين يديها سوى قول: -واااااو. لم ينسَ أي تفصيلة تخص هذه الإطلالة، من أول الحجاب الذي اختاره من نفس اللون والخامة، إلى الإكسسوارات التي لن تصدق أبدًا أنها غير أصلية، بل كانت قطعًا مميزة من الفضة والألماس، وأيضًا الحذاء ذو الكعب الأحمر.
اتجهت صوب الحمام لتأخذ حمامًا سريعًا وترتدي هذه التحفة التي خطفت عقلها. بعد مدة لا بأس بها، وقفت أمام المرآة تنظر لنفسها بإعجاب، وكأنها لم تر نفسها من قبل، بل لأول مرة ترتدي من ذوقه وما اختاره لها. وضعت العطر الذي تركه مع الصندوق، وقد اختار نوعًا فاخرًا شبيهًا بها "Good Girl".
ونظرت للأرض لترى أي اتجاه تتخذه، ولم ينسَ أي شيء من تلك الخطة المحكمة، فالطريق مؤدٍ للخارج، وفور ما خرجت تغير كل شيء، وتبدلت الورود بالبالونات التي امتدت كسياج في ممر مصمم لها خصيصًا. خطت وابتسامتها تزين وجهها الذي لم يكن يحتاج لحمرة إضافية بعد كل هذه الحمرة التي طفت على وجنتيها. لاحظت الأوراق الصغيرة المكتوبة في الجانبين بخط يده، والتي تعثر على واحدة بين كل بضع خطوات. الأولى كانت: -ست الستات. والثانية كانت:
-شمس حياتي. والثالثة كانت: -بنتي وحبيبتي. والرابعة كانت: -أم أولادي ورفيقة مشواري. الخامسة: -ساكنة قلبي وروحي. كل هذا كان يجعلها لا تريد محادثته، بل تريد أن تدفع كل مشاعرها باحتضانه. كل كلام العالم لن يكفي لرد هذا الشعور الذي تملكها من إثبات حبه قولًا وفعلًا. أخيرًا انتهت الكلمات عند كلمة أخيرة: (بـــحـــبـــك يـا خـــطــيـره)
وشم اسمها بالخطورة، وتعرف أنها قبلة لم تكن خطيرة، كانت ساذجة وتافهة للحد الذي قد يجعلها تنهي حياتها لأقل مشكلة، أما عندما عرفته فهي تحولت تمامًا لأنها متأكدة أن خلفها ظهر قوي وسند لا يميل، فإن كانت خطيرة فهو مصدر قوتها ومنبع خطورتها، هو الذي لابد أن يعي ذلك.
وقف بانتظارها تمامًا كما انتظرها أول مرة على بوابة القصر. إنها اللعنة التي كانت تخشاها والدته، حولت خريفه إلى ربيع وظلامه إلى نور، وبخطورتها الناعمة حولت زيد من الكآبة للفرح. هي من زرعت وردًا وأضاءتها من مشرقها لمغربها، والخطورة لم تكن لسانًا سليطًا أو خرافة والدته، بل خطورتها تكمن على قلب زيد الذي عشقها بلا حدود وأعطته أكثر مما أعطتها بكثير. واليوم هو يعوضها عن كل ما عانته وهي بعيدة عنه وما عانته معه، فبانتظارها عشاء رومانسي ويوم حافل قبل العودة للمدينة.
توقفت لتري أسهم مرسومة باتجاه اليسار، فتحركت معها حتى انقطعت، وقبل أن تفقد الأمل رفعت عينها لترى أجمل رجل يمكن أن تقابله في حياتها "زيـد الـواصل".
علقت عينها ببدلته السوداء ذات الياقة الستان والتي تزينها وردة حمراء مغمضة، وكأنها امرأة ناعسة على قلبه، والقميص الأبيض الناصع الذي أسفلها وتلك رابطة العنق المزينة بدبوس فضي وشعره المصفف بعناية. عيناها كانت تلمع بالأحمر لانعكاسها هي، كان تحفة رائعة لا تصدق من الهيبة والجمال، كما عاهدته أنيق، رائحة عطره تسبقه ووسامته تخطف الأنظار وتأسر القلوب. أقسمت بداخلها إنها وإن كانت لا تحبه ورأته بهذا الشكل ستعشقه حتمًا بلا تردد من تلك المخبولة التي لا تعشق زيد، وخاصة حنيته ورقته.
بينما هو كان يراقب خطواتها تجاهه وقلبه يهتز وكأنما ضربه زلزال بقوة مليون ريختر. لم تهزمه امرأة كما فعلت، ولم يتحرك قلبه طيلة سنواته الماضية لأحد، كـتلك الخطيرة التي تمشي على مهل وتقف على بعد خطوات قليلة منه.
وتتلاعب به كالدمية بين أصابعها. رأى الكثير من الفتيات الأجمل ومن النساء الأكثر إغراء، لكنها هي فقط من تسحب لبه وتسرق قلبه وتفقده كامل تعقله وثباته، وهذا الشيء ما عاد يزعجه بقدر ما أصبح يعيشه بترحاب وسعادة، وكأنه عندما كتب اسمها بجوار اسمه في عقد الزواج وملك أكثر امرأة خطيرة على قلبه وعقله، بات يملك الأرض وما عليها. "صـــبا".
لم تتمهل كقلبها الذي ركض نحوه، كانت تختزل شوق وحب مهدّه لها طوال الطريق، فاندفعت صوب تحاوطه بين يديها وهمست في أذنه بحرارة: -بحبك يا زيزو، بحبك، ولو عندي ألف عمر فوق عمري هحبك بيهم. رحب بحضنها هذا وبادلها إياه ورد على جملتها القصيرة المشبعة بالمشاعر والأحاسيس الصادقة بأخرى على نفس النهج: -هو أنا لسه هقول بحبك يا صبا؟ أنا حبيتك وعشقتك وحاليًا غرقان فيكي. زفر وادعى التعب: -طلعيني بقى يا صبا. ضحكت على مزاحه
وأجابت بالقرب من أذنه: -مش هطلعك أبدًا أبدًا. رد وقد أتقن دور الغريق وقال باستسلام: -يبقى انكتب عليا أغرق في بحر الخطيرة. هتفت براحة واطمئنان: -الخطيرة عمرها ما كانت خطيرة غير بوجودك في ضهرها يا زيد. ابتعد عنها قليلًا وقد اشتاق لرؤية وجهها ولم يمتلئ نظره من إطلالتها التي تحتاج ساعات للتأمل والشبع منها، وهي تشبه الزهرة في موسم الربيع. شملها سريعًا بأعين متوهجة بالعشق، ثم قال:
-طول ما أنا جنبك، اعملي اللي يروق لك يا شمسي، طول ما أنا عايش عمر ما هسمح لحد يزعلك أو يضايقك، اقلبي الدنيا وأنا أعدلها وراكي، كوني خطيرة، كوني زي ما انتي خطيرة على قلبي وعقلي. بات البعيد قريبًا وتحول كل ما كان بالأمس رواية إلى واقع، ومن ذا الذي وقع؟ إنه الرجل الذي أغلق قلبه وقذف مفتاحه في ظلمات البحار. لتظهر له امرأة لم تكن بالحسبان.
وتخلع الباب بأكمله وتثبت أن الحب ليس مجرد كلمات، الحب أفعال، كما تحملت لأجله، تحمل لأجلها، كما وثقت به، وثق بها، كما أخفضت له جناحها، أخضع لها قلبه وسلطته وماله وكل ما يملك، فقط لأنه رأى بأم عينه حبًا عظيمًا يستحق أن ينال التقدير. حب ليس لأنها فائقة الجمال أو على درجة عالية من الأنوثة، بل أحبها قلبًا نقيًا، بريئًا لا يشبه الدرب الذي سلكته. لقد تشابهت طفولته مع طفولتها، ومع ذلك أصبحت تمتلك قدرًا غير مسبوق من العطف
واللين والرقة. أحبها لأنها لم تحاول يومًا أن تتغير أو تفقد كل هذه الرحابة بصدرها. لم يكن الزواج بها أمرًا مستحيلًا، فهي ابنة عمه وقريبة ما يكفي ليده، لكن تغير حياته من الظلام للنور كان هو المعجزة بعينها، لتفتح للحب بوابة أخرى مخفية، رغم صغر سنها وقلة تجاربها وعدم امتلاكها مقومات فائقة الجمال، فتحتها بقلب لا يعرف حدودًا للعطاء.
وعقلًا لا يكف عن التكيف من أجل استمرار الحياة التي كانت شبه مستحيلة، وأثبت بجدارتها أن كلًا منا يمكنه تغيير الدفة ما دام يملك القرار، وأن الحب للصادقين المضحين وليس للترفع والكبرياء وقانون الأخذ دون العطاء، وأن بداخل كل امرأة امرأة خطيرة، امرأة تستطيع تغيير الحياة لتمشي على هواها، وليس حياة تسوقها في درب التعاسة والاستسلام للأمر الواقع، وأن للحب أبوابًا لا تفتحها إلا امرأة واحدة فقط لا تخشى التوابع، الــمــرأة الــخــطــره.
بعد كل ما جرى، تحدث الرجل مشيرًا نحو بلال بغضب عارم: -حفيدك يا حاج عايز يتجوز على بنتي. رد بلال دون اكتراث: -مش حقي ولا إيه؟ انزعج الرجل من بروده في الدعس على مشاعر ابنته دون اكتراث وقال: -ولو كانت الآية مقلوبة، كنا إحنا هنعمل زيك. ضم زيد حاجبيه وسأل متعجبًا: -وليه كدا يا بلال؟ التفت إلى أخيه وتحدث مشيرًا إلى صدره:
-عشان عايز يبقى عندي ابن. أنا عرضت عليها اتجوز، طالما مفيش أمل إنها تخلف وتفضل هي هنا معززة مكرمة، وأعدل بينهم. قمت الدنيا وما قعدتهاش. تحدث أبوها بحرارة: -دي بنت خالك، يهون عليك الدم اللي بينكم؟ رد بلال بانفعال: -وهي عشان بنت خالي تحكموا عليا ما أخلفش؟ كالعادة فايز يجلس ويستمع للنهاية. تدخل زيد من جديد: -مهدئًا أخيه: الكلام ما يبقاش كدا يا بلال، الطب اتطور وأكيد فيه أمل. قطع بلال بحنق: -ما فيش أمل، أرض بور. رمقه
بحده كي يخرس لسانه وحذره: -بلال، احفظ لسانك. وجه حديثه لضحى: -وأنتِ يا ضحى، ما كانش في داعي تبعتي لولدك قبل ما ترجعي لنا. اندفعت دون تفكير وصاحت بوجهه: -أنت هتطلعني غلطانة؟ حتى بعد اللي قالوا أخوك، أنت عشان مراتك مسخناك، جاي تغلطني وتنقم لها؟ لم يفهم زيد علاقة صبا بالأمر، لكنه غضب من اتهامه بالظلم والاندفاع، فأشار متسائلًا بانزعاج: -وصبا إيه دخلها بالموضوع؟ ردت وهي تعقد ساعديها أمام صدرها بحدة: -جاية تسخن حماتي عليا.
تدخلت ونيسة، وهي تعرف تتابع ما تدعيه من ظلم وافتراء: -ما حصلش، صبا كانت جاية تاخد شمس. ردت ضحى بعناد: -إنتِ بتحمليها عشان معاها عيال وأنا لأ. ودعمها والدها مضيفًا: -دي آخرتها يا ونيسة، تعملي رباطية على بنتي مع الغريبة! نهض زيد من مكانه وهتف قاطعًا هذا: -يا خال، الغريبة دي تبقى بنت عمي ومراتي، وأقسم بالله لو أعرف إنها غلطت في حد هنا، ما حد هيحاسبها غيري. لكني واثق إن صبا عمرها ما غلطت، ولحد هنا والكل يقطع الكلام.
وتهاوت كالقذيفة تقول بجنون دون اعتبار لأي شيء: -الكلام ده أضحك بيه على حد تاني. كلنا عارفين إن صبا بتأثر عليك. أردفت بسخرية: -هاا، أنت كبير صبا وبس. كاد أن يفقد صوابه ويصفعها، لكن تعلقت يده بالهواء عندما ناداه جده بـ: -زيد. لكم الأرض بعصاه ونهض زاعقًا: -بقي أنتِ داخلة علينا تردي على عمتك كلمة بكلمة وتناطحي جوزك وتلمي عليه الدار، وآخر المتمة تغلطي في أخو جوزك الكبير وتجيبي سيرة سلفتك بالعاطل؟
ولما إحنا كلنا أعدائك، ما تفارقينا من سكات؟ إيه مصبرك على كل ده؟ أخرسها تمامًا وانكمشت من شرسته في الحديث، ولم تجد ردًا سوى بكلمة واحدة متعلثمة: -بلال. ضحك فايز ساخرًا على تعلقها به، التف نحو زيد وقال أمرًا: -هات مراتك يا زيد. عاد ينظر إلى ضحى مضيفًا: -إنتِ اشتكيتِ فيها وهي ما اشتكتش، هنجيبها تقول اللي حصل، بس لو طلعتِ إنتِ الغلطانة. أشار بعصاه تجاهها وأضاف:
-إنتِ اللي هتزعلي. ما هو أصل إنتِ شتمتي وابن ابني وكبير العيلة من بعدي، إنه كبير مراته وبس. لو طلع زي ما بتقولي نحاسبه، لو طلع العكس هنعرف نرد قيمته واعتباره كويس. رفع زيد هاتفه بين يديه وأرسل رسالة قصيرة لصبا أمرًا بها أن تأتي. وبالفعل مر دقائق وتقدمت من البوابة الرئيسية بحذر، ما كانت تود العودة خاصًا في وجود بلال. عاينت أعينهم المصوبة تجاهها، وذهبت لتلتصق بزوجها وهي تهتف: -نادتني. تحدث جدها بجمود:
-أنا اللي بعتلك يا صبا، إيه حصل بينك وبين ضحى الصبح؟ زاغ بصرها بينها وبين ونيسة، هي اعتادت قول الصدق، لكن هذه المرة تحديدًا لا تعرف إن كان الصدق سيؤذي أحدًا أم لا. لاحظت وجه زيد المحتقن وعدم نظره تجاهها، فقررت المصارحة على أي حال. تحدثت بصدق بالغ وبترتيب: -أنا جيت ورا شمس. ابتلعت ريقها لتمرر الموقف الذي عاشته، واسترسلت:
-لاقيت ماما بتعيط. لما سألتها قالت لي إنها زعلانة على ضحى وبلال. وقبل ما أتكلم نزلت ضحى وهاجمتنا من غير سبب واتهمتني إني جاية آخد اللقطة وإني حية. وأنا رديت إني ما يلزمنيش كل ده وإني عندي بيتي وولادي. فزقت شمس وأنا مشيت عشان الموضوع ما يكبرش. لم يحتج فايز تبريرًا من ضحى، التي تصبت عرقًا من فرط الحرج. بقي زيد مذهولًا من جرأة ضحى في التجري على صبا ودفع ولده. لذا زمجر بحده: -يا بجاحتك!
بتزقي ابني وتغلطي في مراتي وفيا ومستنية حقك؟ كسر حقك على رقبتك... أسكته فايز قائلًا: -بس يا زيد. نظر إلى والدها وسأله: -إيه رأيك في رباية بنتك يا أبو ضحى؟ شعر الرجل بالحرج كما شعرت ونيسة مؤازرة إياه، فترجعت للخلف متنهدة من الموقف الصعب الذي وضعته بها ابنة أخيها. تحدثت ضحى معطية سببًا لكل هذه المهزلة بـ: -أنا أعصابي تعبانة وما حدش حاسس بيا، بيتي بيتخرب. وبلال عايزني أقبل بزوجة تانية، ما حدش مديني عذر، ما حدش حاسس بيا.
خبت وجهها بكفيها وانهارت في البكاء، وعندها هرعت إليها ونيسة لتواسيها. وانطلق زيد تاركًا الساحة تمامًا، وتبعه صبا دون أي تعليق. صاح فايز دون أي تأثر موجهًا الحديث لأبيها: -خد بنتك معاك تريح أعصابها التعبانة يومين. استكمل زيد: -وبعد إذنك يا حاج، لما تريح أعصابها تبقي ترجع تتأسف لصبا. نظرت إليه صبا بدهشة، لكن كلماته كانت حادة، فقط أشعرها بهذه اللحظة أنه سند قوي لها، والنقيض تمامًا لضحى التي ازدادت في البكاء.
فقالت ونيسة: -كلامك صح يا زيد، صبا ما غلطتش. لو كانت غلطانة كان هيبقى نفس الكلام عليها. نهض فايز وأيده: -صح. الكلام بيت فايز الواصل ما فيهوش ظلم. ترك المجلس متجها لغرفة مكتبه، مناديًا في التو على بلال: -بلال، تعال ورايا. ابتعدت صبا هي وزيد عنهما لتقول له بجدية: -ليه كدا؟ أنا كفاية عليا صدقتني. أجاب وقد احتدمت نبرته وكأنه يدافع في وسط حرب:
-لا مش كفاية. أنا مش هقبل اسمك يتجاب ويتغاط فيه قدامي، وزي ما عملت كدا قدام الكل، تتأسف قدام الكل. ابتسمت له لتهدأ من عصبيته: -ربنا ما يحرمنيش منك يا سندي يا قوتي يا كل دنيتي. أطفأت هذه العصبية بحلاوة حديثها، وقال متعمقًا في النظر لعينها: -عشان يبقوا يقولوا إني مش كبير حد إلا صبا، كويس. هتفت مندهشة من الكلمة وتأكدت أنه سمعها من أحد الحضور، قالت هازئة: -مجنون مين اللي يقول كدا؟ أنت أصلًا كلك لصبا.
ابتسم لها ورد برومانسية: -وصبا ليا. صاح صوت جده يقول: -زيد، تعال. تحرك صوبهُ دون تفكير، وعادت صبا إلى بيتها، وخلى المكان إلا من ونيسة وأخيها وضحى التي لازالت تبكي. توسل لها أخوها قائلًا: -هتيهون عليكِ بنتي يا ونيسة تطلقيها من ابنك؟ ردت ونيسة التي يعتصر قلبها حسرة كبيرة: -ربنا يعلم إنها مش هاينة عليا. أمسك بيدها محاولًا استعطافها: -خليها عندك يا أختي، حتى لما أموت أطمن عليها معاكِ. مين هياخدها مطلقة وما بتخلفش؟
خلي ابنك يرضى بقسمته ونصيبه، ولو عايز يتبنى عيل. نظرت له بصمت ولم تعرب عن ما بداخلها.
ظلت صبا بالحديقة الخارجية تنتظر زيد أمامها من الفاكهة ما لذا وطاب، لكنها لا تشتهي شيئًا سوى حضوره. الليل جنا عليها وهي تطالع الباب وتنتظر قدومه، لكن لاحظت خروج سيارته مع جده، يبدو أنه اصطحبه لمشوار مفاجئ، وعلى ما يبدو سيأخر. حدقت في شاشة هاتفها بيأس لترى جمهورها يطالبها بالظهور من جديد. ابتسمت ابتسامة لم تصل لقلبها ولا عقلها، ليس في مراساه، تريد أن يحاوطها بأحضانه لتهدأ وتنفي كل ما سمعته في الصباح من بلال.
تفاجأت بشخص يجلس قبالها، واتسعت عيناها عندما رأت بلال أمامها. تمالكت أعصابها لتبدو أكثر صلابة من الداخل الذي يكاد يسقط. صاحت بقوة: -إيه اللي جابك؟ أمسك بيدها، فنظرت له بحدة إلى ما فعل، وحاولت الفكاك من قبضته بكل طاقتها، لكن قبضته كانت قوية كفم التمساح عندما يغلق على فريسته، إضافة للاشمئزازها الذي جعل معدتها تتقلب من فرط الغثيان. صاحت به عندما فشلت في إقصائه: -لو ما سبتنيش إيدي حالا، هصرخ وألم عليك البيت كله.
رد بلال دون اكتراث: -ما فيش حد هناك، ماما عند أخوها وجدها وبابا، وزيد برا. ما كان أمامها حل سوى الجنون أمام هذا الإجبار. صاحت به: -سيب إيدي. سأل بخبث: -ونتكلم؟ أومأت وهي ترفع أحد حاجبيها، لقد اكتسبت خبرة من هذا الموقف لتثبت حقها، ما كانت الدروس التي أخذتها سابقًا تضيع هباءً. لم يترك يدها، ولولا تردد سحبت السكين من أمام طبق الفاكهة وغرستها في يده، فتراجع بألم، يحرك يده التي تصبت منها الدماء وصاح لاعنًا:
-يا بنت المجنونة! أجابت بلا اهتمام وهي ترى جرحه النازف: -أومال القتل سلو، عيلة الواصل ولا نسيت أبوك؟ لم تهرب إلى الداخل، هناك شيء لابد أن ينتهي قبل أن يبدأ. لوحت بالسكين بشراسة مهددة إياه: -أقسم بالله لو قربت مني تاني، ما حد هيقتلك غيري. ظل يطالعها بمبالاة وكأنه يضمنها، ثم قال: -إنتِ أذكى من إنك تقتلينى، إنتِ عندك عيال تخافي عليهم. رمقته بازدراء: -وجدي برضه هيسيبني أتحبس؟
برضه أكيد هيغطي عليا زي ما عمل مع أبوك عماد، وأنا ممكن أقوله عادي وأختصر كل ده. غدت أشرس مما تخيلها، وراح يهدر: -وليه ما فكرتيش تقولي لزيد؟ ولا خايفة عليه؟ هتفت بثباتها الذي حافظت عليه بصعوبة: -لأ، زيد سايباه للكبيرة، إنما أنا سايبا عليا الحاجات التافهة دي. ببساطة وكأنه مخطط لكل شيء: -طيب وريني هتعملي إيه؟
تابعت إقباله من جديد نحوها، وقبل أن يقترب منها جرحته جرحًا آخر في كف يده الأخرى، وهذه المرة حقًا أذهلته. حاول إيقاف الدماء النازفة من يده، وبنفس الوقت حقرًا منها، قائلاً بإنفعال: -إنتِ هتعملي عليا شريفة؟ أومال لو ما كنتيش هربتي مع رياض وبتي في أوضة أخويا العازب قبل الجواز، وغير رشدي اللي... قطعت كلامه بحدة جعلته يقطع الكلام رغمًا عنه، فما عادت تريد أن تسمع شيئًا عن ماضي ولي. -اخــرس. هدأ من نفسه
وعاد يتحدث بنبرة حالمة: -وأنا بقول إيه؟ كذب ما كله حقيقة. عمومًا إنتِ ست الستات وشريفة أوي خلاص. نرجع لمرجعنا، هو صعب عليكي يعني تسمعي كلامي؟ ولا أنا ماليش نصيب في التورتة اللي الكل داقها؟ زعقت من جديد وبحدة أكبر، ملوحة بالنصل في وجهه كالذئب الصغير: -ما تدينيش دوافع أكبر من كدا أقوم أقطع لسانك قبل جدو ما يقطع رقبتك. نفض رأسه ورد بعناد: -مش هيصدقك. نظرت إلى جراحه وقالت بيأس: -أومال أنا جرحتك ليه؟
نظر إلى جرحه واندهش من تصرفها وبرودها، وعوضًا من أن يبتزها، ابتزته هي. كان بيدها هاتف، رفعته بيده الأخرى وقالت مهددة: -أنا عندي استعداد أفتح لايف حالا وأخلي فضيحتك بجلاجل، ومعرض اللي بتشتغل فيه أخليك ما تعرف تخطيه، وإنت عارف حبايبي كتير وفي ثانية مش هتلاقي حتة تروحها. أوعي تنسى أنا مين. صعق من قوتها. لطالما علم أنها خطيرة وعنيدة، لكن بلوغها لهذا الحد لم يكن يتخيله. الآن شعر بالمأزق الذي وضع نفسه به.
تبخر العقل واستثقل سؤالها: -وجوزك مش خايفة عليه لما يعرف؟ أجابت ببرود وجبروت في آن واحد: -أنا أعرف كويس أخليه يهدأ، خاصًا إنك مجرد كلب وأدبته. ازدرد ريقه من إهانتها ومسح وجهه، بدى في وسط حفرة لا يعرف استكمالها ولا يعرف كيف يخرج منها. هتفت لتقايضه: -عشان كدا أنت هتبقى زي الشطور، هتروح تجيب مراتك من عند خالك، وبعدين تطلع على القاهرة تكمل شغلك وما تجيش هنا تاني إلا لما تبقى بني آدم، أحسن لك.
ووعد اللي حصل هنا هيدفن هنا وما فيش مخلوق هيعرف بيه. تجمدت عيناه كما جمدت وهي تلوح بيدها بالهاتف وكذلك بالسكين. خرجت أصعب مما تخيل، وهدت كل شيء بلحظة. بالأصل لا يعرف كيف جاء به إلى هنا. لعن شيطانه الذي دفعه إلى هذه الجنونية وتراجع منسحبًا في هدوء، لكن لحفظ ماء وجهه، وهتف متوعدًا المفلس: -ماشي يا صبا، أنا وإنتِ والزمن طووويل.
تابعت خروجه بأعين جامدة، وما إن أغلق القصر من ورائه حتى سقطت أرضًا، راحت تسمح لفيض دموعها بالتوالي. كبالون من الهواء فرغ فجأة، هكذا كانت جالسة في مكانها دون حراك. تصرفت بجرأة وشجاعة لم تكن تحسبها بها، لكن لأجل زيد واستمرار سعادتها هي وهو وأسرتها، كان عليها أن تكون كذلك حتى تفقده أي أمل بالاقتراب منها وتبعده بعيدًا حتى يتوقف عن التصرف كمراهق صغير. نظرت للدماء التي أمامها وكممت صرختها بإنكار، لا تصدق أنها بهذه الشراسة وهذا الإجرام، لكنها اكتشفت شيئًا مهمًا
للغاية: إن المرأة إن أرادت، ستفعل، وإن قويت، ستكون جبروت. اسرعت بالاتصال بزيد وهي تنظف الطاولة من آثار دمائه والسكين. كانت تلهج وهي تسأله بسرعة عندما فتح الخط بينه وبينها: -زيد، أنت كويس؟ فين أنت؟ لم يخفِ عليها أنفاسها المتهججة. جائتها إجابته بصوت قلق: -مالك يا صبا؟ صوتك عامل كدا ليه؟ ردت بتمالك: -مضايقة عشان اتأخرت. كمان شمس كب عصير الفراولة وبنضفه. ابتعد عن جده وعمه وقال مهدئًا إياها:
-طيب ارتاحي بس، وأنا هبعتلك حد ينضف كل حاجة. أجابت بتعصب: -أنا مش عايزة حد، أنا مضايقة عشان اتأخرت وبسلي نفسي في أي حاجة. هتف ليهدئها: -معلش يا حبيبتي، جدو كان عنده مشوار وخدني معاه. المشوار قرب يخلص وعلى طول هنرجع. سألت صبا بتوجس: -بابا معاك؟ أجاب: -أيوا. قالت: -خليه يكلمني. أجاب باقتضاب: -حاضر. بس ما تضايقيش، وأنا أول ما هرجع هاجي على بيتنا، مش هدخل عند جدو. هتفت من جديد: -خلي بالك على نفسك. تحدثت عبر الهاتف
مع والدها لتقول له بتوتر: -بلال فين يا بابا؟ لاول مرة تسأل عن بلال، كما أن سؤالها يوحي ببعد آخر لا يفهمه. أجابها بقلق: -خير يا صبا؟ بتسألي ليه؟ لم تخبره، لكنها باتت تثق به. سألته بجدية: -بتثق فيا؟ أجاب قطعًا: -طبعًا. عادت الحديث بإطمئنان: -طيب من فضلك تابع الجديد معاه وخلي بالك على زيد. رغم شكوكه حول أمر سيء، إلا أنه بات واثقًا في ابنته ولا يضيق عليها. قال فقط للاطمئنان:
-حاضر يا صبا، اللي إنتي عايزاه. بس طمنيني بس، حصل حاجة؟ أجابت وهي تحافظ على هدوئها: -ما فيش، لكن أوعدك لو بلال ما مشيش على القاهرة مع مراته، هقولك على كل حاجة. أغلقت الهاتف وجلست تنتظر مكالمة هامة. والدها هذه المكالمة ستغير مجرى الأحداث، إما يخرج بالسلم أو بالخراب والدم، وفي هاتين الحالتين هو الخاسر، فلن ترضى أبدًا أن تكون خاسرة. لقد مضى عليها زمن علمها كيف تكون قوية وخطيرة.
انتهى الوقت سريعًا، وحادثها والدها من جديد قائلًا: -قبل ما أكلمه، كان كلم جدك وقال إنه هياخد مراته ويرجع القاهرة بكرة. تنفست الصعداء عندما انتهى الأمر دون مشاكل، ونفذ ما طلبته بالحرف. -أقنعتيه إزاي؟ دا جدو ما عرفش يقنعه. ابتسمت بسخرية وهي تجيبه: -معلش، كل واحد له دخله. صاح والدها دون اطمئنان: -حاسس إنك مخبية حاجة، بس أنا واثق فيكي إنك هتعملي الصح. ابتسمت لهذا الدعم وقالت برضاء: -شكرًا ليك يا بابا.
أغلقت الهاتف وصعدت منزلها، تكرر معها الاشمئزاز والرغبة في القيء. فركضت نحو الحمام لتلقي ما في معدتها. زفرت بتعب بعدما تقيأت. نظرت بيأس إلى جهاز كشف الحمل السريع. لابد أن حان الوقت لتكتشف ما إن كانت حاملًا أم لا. لقد أتى به زيد ولا تزال تتجاهل الفحص حتى لا تتفاجأ. لكن لا، حالتها تسوء ولا تعرف أي دواء تأخذه حتى ترتاح. وبعد دقائق.
حدث ما لم تكن ترغب به بالفعل. هي حامل. ابتسمت رغم هذا عندما تخيلت فرحة زيد بهذا الإنجاز الذي خطط له. عادت للفراش ولم يغب طويلًا. أتى على الفور للمنزل ولحبيبته يريد أن يتحدث معها بما حدث اليوم، لكي يشيد بما فعلت وأنها أصبحت تستحق كل الحب والدعم الذي قدمه لها، لأنها عندما تواجهت مع ضحى لم تخطئ شيئًا، مستغلة هذا الدعم بشكل خاطئ. لكن أحبط كل شيء عندما وجدها مستلقية على الفراش، يبدو عليها الوهن. هرول
باتجاهها وهو ينادي بقلق: -مالك يا صبا؟ تعبانة؟ فيكي حاجة؟ كانت إجابتها برفع يدها أمامه بشريط الفحص. اتسعت عيناها وقهقه عاليًا والفرحة لا تكاد تسعه. ضمها إليه وهو يقول: -إن شاء الله بنت المرة تربي عيالك الصيع دول. كانت في حاجة شديدة لهذه الضمة وردت رغم ضعفها: -هتنسيك صبا؟ أجاب بصدق وهو يستند على كتفها: -عمري، إنتِ بنتي الأولى. حافظت على حضنه وأرادت الاختباء به. هكذا تكون قوية، وهكذا ستكون دومًا بقربه.
-زيد، ممكن تخليني في حضنك؟ حاسة بالحماية والأمان. هتف بمنتهى الرضا: -حاضر يا حبيبتي، أنا هفضل كدا إن شاء الله للصبح، مش هتحرك. قالها ونفذ وعده، لم يتحرك من مكانه حتى غفت براحة واطمئنان كطفلة صغيرة في حضن أبيها. "في الصباح" كانت تقف وتعد الطعام بإنهاك وتعب. حاوط خصرها يد قوية. استشعرت رغبتها العامة في دفئها. ابتسمت قائلة: -زيد، وحشتني. قال زيد بصوته المغرم وهو يدفن رأسه في عنقها: -ريحتك تجنن. ابتسمت على تعليقه وهتفت:
-أنا بطبخ يا زيد، ريحتي بصل وتوم وصلصة. أجاب دون مبالاة وهو يسند رأسه إلى كتفها: -تؤ، ريحتك حب وحنان ودفا ومرسى البَحّار لبحار بقاله شهر في عرض البحر. أغمضت عينيها مما يلقيه عليها. لقد تخيلت كل شيء ورحلتهم الجميلة معًا. استطاع أن يخطفها من عالم لآخر بنبرة صوته العميقة ودافي أحضانه. التفت لتواجهه وترسو بيده فوق كتفيه: -عارف إنت هتخسرني إزاي؟ ضم حاجبيه وسأل بتعجب: -إزاي؟ قالت بمرح وهي تمسح أنفها بأنفه: -هتجنني.
لاح في وجهه ابتسامة تعشقها هي، هذا الإنجاز الذي أنجزته بتحويل وجهه العبوس لابتسامة. سألها بتودد: -وأنا مش هيجنني غيرك. وقبل أن يضمها أكثر إليه صاح والده شمس: -بابا بابا. سب بيأس وهو يقول: -عايز إيه يا لا؟ نطق شمس وهو يتعلق بقدمه: -مش هتلعب معايا؟ ولا بتلعب مع ماما بس؟ ضحكت صبا، فنظر إليها زيد وقال منزعجًا: -شفتي الولد طالع لسانه، متبري منه زيك بالظبط. نظرت له بحدة وهي تقول:
-أنا لساني متبري مني، أومال اللي إنت بتقوله إيه؟ مال ليختطف ابنه بين أحضانه وقال: -هو أنا لسه قلتلك حاجة؟ دا إنتِ هتسمعي كلام انتِ وابنك دلوقتي. نظر لابنه وسأله بشدة: -ما روحتش عند تيته ليه؟ قال شمس متأتئًا: -ماما قالت لأ. عقد حاجبيه وتساءل: -لأ ليه يا صبا؟ استدارت عنه لتخفي تعبيراتها وأثرت المرح وهي تقول: -عشان أؤمن نفسي من اللي بيطبوا فجأة من ورايا. استند إلى الرخامة بجذعه ليقول:
-ما تهزريش، أوعي يكون موضوع امبارح ماثر فيكي. حركت كتفها وهتفت دون اهتمام: -لا ابدا، أنا كل شوية أجري من هنا لهنا تعبت، قولت آخر اليوم أبعته ويرجع معاك. نظر لشمس وقال أمرًا: -إنت روح لتيته والعب معاها. سأل الولد ببراءة: -أنت هتلعب مع ماما؟ صاح زيد بيأس: -يا عم اتكل على الله بدل ما أطلع لسانك دا وأربطك بيه. أنزله من كتفه وهو يقول: -ولد مشكلة.
ضحكت صبا عليهم واهتمت بما تفعل. لاحظت أنه سكن مكانه وكأنه يتأملها، وعندما واجهته قال ممتنًا: -أول مرة تطلعي عاقلة. حاسس فعلاً إن ماحدش كان هينفعني غيرك. ابتسمت له ثم حركت كتفها بزهو وهي تقول بغرور: -يا ابني أنا عندي مواهب كتير، بس إنت مش ملاحظ النعمة اللي في إيدك. شهق مبهورًا ورد في سرعة: -أنا؟ أنا عمري ما شفت نعمة غيرك، إنتِ سكني ومسكنى ودواي، إنتِ الحاجة اللي حببتني في الحياة، والحياة من غيرك ما تسواش.
ابتسمت له، لطالما كان هو كل هذه الأشياء وأولها. لقد عرفت معه الحب واكتشفت معه كم هي امرأة خطرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!