عاهدوني أن لا تأخروا صلاتكم لأجل قراءة الحلقة. عاهدوني أن لا تلهيكم عن ذكر الله. عاهدوني أن وجدوا مني ما ينفر أو يحرك مشاعركم نحو شيء فج أن تخبروني. عاهدوني أن كما اجتمعنا بالدنيا نجتمع كلنا في الجنة. "الخمسون" خبر كهذا كان كالصاعقة على رأس ونيسة، والتي صاحت بصوت عالٍ في وسط القصر في الصباح بوجه "زيد" دون مقدمات: -يا لهوي! يا خراب بيتي! هتاخدك بنت بشري مني. هتقلب نظام بقاله ألف سنة يا مصيبتي.
تحدث زيد مشدداً في لهجته ليخفض من الضوضاء التي افتعلتها دون داعٍ: -حيلك حيلك. أنا هنقل في بيت ورا منك، يعني لو هتفتحي شباك هتلاقيني في وشك. هو أنا ههاجر؟ وبعدين يا أمي الشوشرة دي ملهاش داعي. كانت مغتاظة من هذا التصرف. بـعد فلذة كبدها عنها يجعل عقلها يطير من مكانه. ردت باهتياج: -إيه اللي مالوش داعي؟ هو ربي؟ يا خايبة للغايبة! انت ابني، حتة مني. على آخر الزمن تبعد عن عيني وتختار مراتك.
زفر بضيق عندما لاحظ نزول صبا وعمه من على الدرج على صوت الشجار. هتف مستدعياً هدوءه: -يا أمي، أنا ما اخترتش حد. أنا موجود معاكي، وإنتي عارفة مكانتك عندي، وماحدش هينافسك في المكانة دي. كل اللي حصل إن البيت مش هيكفينا، خصوصاً بعد ما بلال يتجوز وكل واحد ياخد حريته. لاحظت حضور صبا. التفت لها وزجرتها بغضب: -عملتي اللي في دماغك يا بنت بشري. أمسكت بذراعها، فأسرع والدها بإبعاد يدها عنها قائلاً بحده:
-ونيسة، اتكلمي بلسانك، مش بإيدك. نظرت له بحدة عندما باعد يده عنها وهتفت بسخرية: -ياسلام! كلكم عاملين ربطية عليا عشان تاخدوا الولد مني. قضب "حسين" حاجبيه ورد بسخرية: -ولد إيه اللي ناخده منك؟ هو إحنا بنلعب كوتشينة؟ ولا تكوني فاكرة إنك واخدة بنتي من الشارع.
قال حسين هذا مدافعًا عن ابنته وعدم رضاه على معاملتها السيئة لابنته. لأول مرة صبا تشعر بالحماية من جانب والدها، والتي أشعرتها أنها تستند على ظهر قوي. كما أن تدخله أعفى زيد من الصدام مع والدته المحتوم. رغم عدم درايته بالأمر، لكنه لم يتقبل التحدث لابنته بهذا الشكل مهما كان السبب. أهاجت ونيسة ووضعت يدها فوق رأسها وقالت بنواح: -شارع؟
دا أنا اللي من الشارع. لما اتجوز عماد غصب عني عشان ابني، وبعد ما ابني يكبر تاخد مراته ويمشي. برغم نواحها ومهاجمتها، إلا أنها نالت تعاطف صبا. فتدخلت قائلة: -أنا ما أخدتش حد يا طنط، وحرام عليكي تشيليني أخطاء الماضي. أوعي تفتكري إنه عاجبني إن جدو يخيرك بين ابنك والجواز. فما تدفعينيش أنا تمن حاجة ماليش ذنب فيها. زيد ابنك وهيفضل ابنك حتى لو راح المريخ.
وأنا سبق وقولتلك، يمكن لما نبعد نحب بعض، وساعتها أنا اللي أجلك برجليا بدل ما إحنا مغصوبين على بعض بحكم العيشة. يمكن دا خير لينا كلنا. نظرت لها ونيسة. كان صعب عليها فهم هذا في الوقت الحالي. كل ما تعتقده أن خروج زيد من منزلها يعني انهيارها وقطع عقد تحتم فرطه فيما بعد. نهرتها بحدة: -وإنتي يجي من وراكي خير؟ من يوم ما شوفناكي ما شوفناش خير. صاح زيد بنفاذ صبر: -أمــــي.
خرج فايز أخيرًا من غرفة مكتبه. وفور ما فتح الباب سكت الجميع. كان يسمع كل شيء من بدايته، لكنه آثر السكوت حتى يرى ما نهاية هذا الشجار. لكن من الواضح أنه لن ينتهي، خاصًا بعد حديث صبا. اتكى على عصاه وتوجه نحوهم، يدق الأرض بضيق وهو ينتقل خطوة بخطوة. هدر بغضب: -وبعدين؟ آخرتها إيه؟ بادرت ونيسة بسؤاله: -عندك خبر باللي حصل؟ احتدت نظرته وهو يتطلع إليها وصاح بانفعال: -ومين يقدر يعمل كدا من غير إذني؟
زيد اشترى بيت جارك يا ونيسة، عايزة تروحي تزوريه؟ ما تخافيش، رجلك مش هتعفر تراب الباب في الباب. إنما شغل خدتي ابني وخدتي ضنايا، مش أول واحدة ابنها يتجوز. وبعدين روحي شوفي مشوار بلال، اشغلي نفسك بواحدة جديدة. صبا عندها شغل العيلة وأعمال خيرية، ولا عايزة كل ما تعزم حد تقعدي معاهم وترمي كلام زي السم؟ وبعد كدا تشتكي من إن العيشة معاهم مستحيلة. وضع يده في جيبه وأخرج ورقة مطبقة. أشار بعصاه محتداً وهو يمد يده بالورقة عليها:
-أوعك تقلب في الماضي. زي ما جوزتك عماد، طلقتك منه. أدي ورقة طلاقك. عايزة تتجوزي براحتك، عايزة تجوزي عيالك براحتك. كلمة زيادة مش عايز. صلحنا الغلط وانتهينا.
شخص بصرها وهي ترى ورقة خلاصها بيده. لم تكن تصدق أنها تحررت من كابوسها. نسيت الخلاف وتقدمت نحوه لتلتقط الورقة وتتطلع بها كالمجنونة. وعندما انتقلت عينها بين السطور فاضت أحزنها وانهمرت في البكاء. سارع كلاهما من صبا وزيد بالوقوف جوارها ومحاولة مواساتها بالربت على كتفها. ضمتها صبا إلى صدرها متأثرة، واستسلمت ونيسة إلى ضمتها التي شعرت بها بالمواساة، وحاوطهم زيد معًا بيديه.
نظر كلاهما من فايز وحسين للموقف. ونفض فايز رأسه بيأس. تلك التي كانت تعادي صبا، مستسلمة ليدها المواسية بل وتقبل باحتضانها. في المعرض. كان يجلس "بلال" على مكتبه يحدق في شاشة هاتفه. غير ملاحظ تلك الفتاة التي تعمده خصيصًا ومتوجه نحوه. نادته بصوت مائع رقيق: -ممكن مساعدة يا أستاذ. رفع عينه ليرى فتاة أجمل من استيعاب عينه. تضع من المواد التجميلية ما يفيض ويبرز جمالها، ورائحة عطرها تفوح بقوة، وملبسها متحرر بعض الشيء.
سألها بدهشة: -أؤمرينى. نظرت حولها وقالت: -عندي شقة جديدة وعايزة عفش كامل ليها. وبصراحة مش عارفة أختار إيه ومحتارة وأنا ست وحدانية. نهض بلال من كرسيه وقال قبل أن يشير بيده لمتسع المكان: -طبعًا. اتفضلى المكان كله تحت أمرك. رمقته بنظرة عميقة ثم سألت بميوعة: -المكان بس. دقق النظر بها غير مستوعب جرأة مقصدها، لكنه حاول الثبات والتعامل بحداثة مجيبًا: -صاحب المكان تحت أمر الشغل يا أفندم، ومادام حضرتك طالبة شغل فأنا تحت أمرك.
سبقته بخطوات وتعمدت الالتفات، كانت تبحث عن الانبهار في عينه، لكنها وجدته شابًا أخضر مخلصًا لعمله. أخذت جولتها ساعة كاملة، فأثناء هذه الساعة تعمدت أشياء كثيرة للفت نظره، ولكنه لم يستجب أبدًا وظل يحافظ على ثباته واتزانه. انتهت أخيرًا ورفعت يدها بكارت باسمها قائلة: -رقمي لو في وقت احتجتني اتصل على طول.
نظر إلى يدها الممتدة والتفت دون أن يأخذ منها شيئًا، تجاهلها تمامًا، فضحكت ساخرة ودارت على أعقابها وخرجت تمامًا من المعرض. ابتعدت وهي تخرج هاتفها من حقيبتها وضغطت زر الاتصال، ابتسمت ابتسامة متهللة وهي تقول: -حصل يا باشا اللي طلبته. صدني خالص. جاءها الرد باقتضاب: -تمام. ردت وهي تتحرك في الشارع: -تحب أحاول تاني؟ نفى قائلاً: -لا خلاص. حسابك هيوصلك ما تقلقيش. هتفت مرحبة:
-أنا في الخدمة. أنا مش بعمل كده عشان الفلوس وأنت عارف. تحدث قاطعًا: -خلاص أنا مشغول دلوقتي هبعتلك حسابك. أغلق الهاتف دون انتظار رد، وزفرت وهي تتشدق بحنق: -آآآووف هو أنا حظي بارك كدا ليه؟ في السجن.
ذاق "عماد" ويلات السجن وقدر جيدًا نعمة المنزل والدفء العائلي، لكن فات الأوان على الاعتذار والعودة إلى الديار. لقد أصبح مجرمًا وعلى الأغلب سيُعدم. عمته نفسه غلبه شيطانه ويئس من روح الله وعز عليه انقلاب حاله من العزة للمذلة. وضاقت به السبل بعدما أجبره والده على طلاق ونيسة وتخلى عنه تمامًا، وراح يرطم رأسه بالحائط ندما وحسرة على عدم إدراك النعم من حوله. تسلطت عليه نفسه فأهلكته وعماه الكبرياء عن طاعة والده. لذا قرر إنهاء
حياته كنهاية عادلة بعد كل ما عاناه نفسيًا بين جدران السجن. لم ينتظر حتى حكم المحكمة ولم يرد أن يسمعه. نفسه أبت أن تقف خلف القضبان وأن تكون نهاية جسده التأرجح على حبل المشنقة. قطع شريانه بقطعة من الزجاج وتخلص من حياته المليئة بالأخطاء والجرائم ليضع في صحيفته نقطة بالدم كما أنهى حياة الآخرين بالدم، بداية من نادر وغالية وآخرهم كان زيد.
وانتهى أمره وصعدت روحه الخبيثة إلى الجحيم ليعذب في الموت كما عذب غيره في الحياة. في المنزل الجديد. وقفت صبا على أعتاب بوابته تحدق به غير مصدقة أن هذا الصرح سيصبح مكانها. قلبها كان يقفز كالصبى في الوديان بسعادة غامرة. جالت بكل تفاصيله وعشقته قبل أن تطأ قدمها بداخله. ظلت مذهولة ومشدودة حتى حط يد "زيد" فوق كتفها. هتف مازحًا: -مش عايزة تدخلي؟ نرجع القصر تاني. التفت إليه وهي تقول بتذمر: -بوظت المشاعر. أرجع فين؟
دا أنا هبات هنا. ابتسم لها وقال مداعبًا إياها: -سيبي المشاعر دي عليا، أنا مستعد أصلحها. ابتسمت هي الأخرى وقالت بتحدي: -لأ مش هسيب لك مشاعري أبدًا. رفع حاجبيه متعجبًا من تحديها إياه وسأل مبتسمًا: -يعني مش هتسيبلي حتة مشاعريايه صغننة حتى؟ قالت ضاحكة: -ولا حتة صغننة. بنبرة حماسية أردفت: -مش هتوريني البيت بقى؟ تجاوزها نحو البوابة وهو يمسك بالمفتاح قائلاً باستسلام: -تعالي يا ستي.
فتح البوابة وشرعت بالدخول، لكنه أوقفها سريعًا قائلاً: -استنى. ادخلي برجلك اليمين. السعادة التي كانت تملأ وجهها أبهجت قلب زيد. كم تكون أجمل ومشعة عندما يغمرها الفرح. مظهرها في هذا الوقت يجعل حزنها جرماً يعاقب عليه. الحديقة كانت واسعة لكنها ليست بنفس سعة حديقة قصر جدها ومهجورة بالكامل. واضح أنه بيت مغلق من سنوات طويلة. أشارت إلى الجوانب وهي تقول: -هنزرع ورد هنا. رد وهو يتأملها: -أنتِ تؤمري يا ورد.
ابتسمت من جديد، وكلما ابتسمت تعثر قلبه بها أكثر. قال بتأوه: -قلبي مش حمل كده يا صبا، كل ما بتفرحي بتحلوي أكتر. نظرت له بحرج ثم قالت آسفة: -فرحانة أوي يا زيد، أخيرًا بقى لينا بيت. هتف مشيرًا لقلبه: -قلبي طول عمره بيتك. افرحي يا شمسي، افرحي ونوري كمان وكمان، انتقمي من أيام عشتها في الضلمة من قبلك. وضعت يدها على صدره بحنان وقالت وهي تنغمس بين كلماته الرقيقة التي لم تسمع مثلها من قبل:
-أنا بعشقك يا زيد، بعشق عيلتك وبلدك وأي حاجة تخصك. حاوط كتفها بيده وابتسم برضاء قاطعًا حديثهما بقول: -يلا بينا نكمل، لاحسن أنا مش قادر أستنى أكتر من كده. دلف إلى الداخل وأشار هو على إحدى الزوايا: -هنا قدام البلكونة القزاز الكبيرة دي هنعمل كرسيين ونشرب سوا القهوة بعد العصر. لمعت عيناها وهي تتخيل كيف سيكون مظهرها بعد أن تعمر الحديقة بالورود. لطمت كفيها ببعض وهي تقول بحماس: -الله! وتكون بطول على الجنينة اللي فيها الورد.
أمسك طرف أنفها بين أصابعه وقال بابتسامة: -وأنا يهمني الورد في إيه وأنا قاعد جنب الوردة نفسها. انتقلت إلى جانب آخر وأشارت هي قائلة: -أنا هحط هنا أنتريه عشان أستقبل فيه الناس وعمري ما هقفل بيتي في وش أي حد. قال بسعادة: -إن شاء الله منزل مبارك. علق يده بيدها وأردف: -تعالي نطلع فوق. صعد للأعلى عبر السلم الذي يشق منتصف المنزل لتروا الغرف المصطفة على كلا الجانبين. هتفت بفرح: -على قد الأوض هجيب ولاد مش هسيب أوضة فاضية.
قهقه زيد ومازحها قائلاً: -مش قولتلك موضوع العيال ده أنا مش مالي إيدي منه. مسحت على صدره وهتف بدلال: -إن شاء الله هنجيب لحد ما هتزهق. عاينها بعشق خالص وتحدث بجدية: -أنا عمري ما هزهق منك يا قلبي. اتخذوا جولتهم بين الغرف وجذب صبا سؤالاً طرحته على استحياء: -هو جدو وافق إزاي؟ كانت تعرف أن زيد لن يخبرها أي تفاصيل حدثت بين جده وبينه، لكنها كانت تريد أن يكمل ثقته بها حد النهاية حيث لا قيود بعدها. ضيق عينيها وهتف:
-آه من لؤمك! عايزة تعرفي كل حاجة. لعب بمشاعرها حتى ظنت أنه لن يخبرها كعادته. لوت شفتيها السفلية بأسف حتى هتف من جديد: -عمومًا هو مش سر. أنا قولتلُه إني عايز أخرج من البيت.
طبعًا رفض كتير في البداية. لحد ما اتعرض عليه البيت دا بصِفة الجار، فقبل واشتراه. وبعد ما حصل اللي حصل فتحته تاني في الموضوع وإني موت ألف مرة في العيلة دي ولو عايزني عايش لازم أطلع برا وأحس إني عايش. الحقيقة هو ما اترددتش إنه يديني المفتاح، بس أنا اللي اترددت آخد المفتاح لأن رضا جدوا عندي غالي، والصراحة بعد الصدمات اللي أخدها بقيت خايف عليه. تأثرت صبا بمشاعره وشعرت بالذنب، فراحت تسأله مخمنة: -هو أنا السبب؟ أمسك بطرف
ذقنها وتطلع لها بابتسامة: -أنتِ تستاهلي أكتر من كده. بس فعلاً أنا كنت محتاج آخد حريتي وأحس إني عايش في عالم مش بس في غرفتي. أطاحت بشبح الحزن عن عينيها وعادت تبتسم وهي تسأل عن المطبخ قائلة: -هو المطبخ فين؟ أشار بعينيه لأسفل وقال: -تحت في مطبخ وحمام، وهنا برضه في حمام. نزلت عبر الدرج من جديد وهي تسأله بحماس: -هنعيش هنا إمتى؟ أجاب وهو يتبعها: -البيت عايز ترميمات تخلص وعلى طول هنفرش ونستقر. وصلت
لأسفل والتفت تحدثه بصرامة: -أوعك يكون بعد ما أولد أنا عايزة أولد هنا. ضمها إليه وأسند جبهته إلى جبهتها وقال: -إن شاء الله بنتنا هتيجي هنا. أوعدك كل ركن في البيت هنملأه سعادة وحب. أضافت وهي تعبث بياقة قميصه: -وأولاد.. عايزة منك نسخ كتير تملي علينا البيت. طبع قبلة عميقة على جبهتها ورد بحنان: -أنتِ مالية روحي وعيني وقلبي، معقول مش هتملي البيت؟ كفاية ابتسامتك يا شمسي.
حاوطت عنقه وزفرت بارتياح. أخيرًا ضحكت لها الدنيا وجاءها العوض. وصل الخبر لفايز وأبي أن يستلم جثته. كان بداخله وجع كبير منه أكبر من أن يرق قلبه لتوديعه. ترك أولاده يحيى وبلال ينوبان عنه ويدفنانه بعيدًا عن موطنه وعن مدافن العائلة في المكان الذي كان يهرب فيه في أحلك الظروف ويترك الهم لعنق زيد ليضاعف عليه المسئوليات. لم يذهب أيضًا "حسين" لقد أحرق بتصرفه آخر ذرة حب بينهم عندما قرر قتل ابنته. بعد مدة.
جلس زيد مع جده ليخفف عنه وطأة ما حدث ويواسيه في همه الذي نسج خيوطه على وجهه وكساه تعبيره وجعله يبدو وكأنه تخطى المائة عام. -وحد الله يا جدو، أنت مؤمن وموحد بالله. رد فايز متشنجًا: -لا إله إلا الله. هو أنت مالك؟ شايفني بقطع في هدومي ولا بشد في شعري؟ ما أنا قاعد ساكت أهو. نظر إليه زيد ثم ابتسم له وأخبره بهدوء: -آهو سكوتك ده اللي قلقني. أشاح برأسه دون اهتمام وقال بتأثر طفيف:
-أنا ساكت عشان مافيش حاجة أقولها. أنا كمان غلطت زيه. غلطت لما شكيت إنه السبب في موت نادر وفضلت إني ما أصدقش إحساسي، وغلطت لما عرفت بتدبير الحادثة بتاعتك وغمضت عيني، وأجرمت زيه لما غطيت على حادثة غالية وسيبته يكمل وسطنا وكأنه بريء. أنا ساكت عشان أنا ماليش حق أزعل عليه ومستنكر إزاي قلب الأب مات بالنسبالي وبقيت مش فارق معايا. لم يجد زيد ما يمكن قوله لتخفيف عنه وبدى وكأنه سيفتح جراحًا نازفة إن أطال الحديث، فقرر
تغيير الحديث برمته ليقول: -ربنا يديك الصحة وطول العمر يا حاج. على فكرة أنا عملت لبلال اختبار صغير ونجح. نجح زيد في الاستحواذ على اهتمام فايز حيث سأله وهو يعتدل في جلسته بسرعة: -إيه الأخبار؟ طمني. طمأنه زيد وأشار بإبهامه قائلاً: -تمام أوي. ما اندرجش مع البنت إنها حاولت معاه، وده يثبت إنه عقل ويعتمد عليه. ضيق عينه يسأله بتدقيق: -يمكن ما عجبتهوش. نفض زيد رأسه بخفة ورد بابتسامة: -لا ما تقلقش. نقوتي.
هنا انفرج فم فايز بابتسامة وسخر قائلاً: -صبا لو سمعت الكلمة دي مش هتعديهالك. ابتسم هو الآخر ولوح بإصبعه ناهيًا: -لا لو قلت هتقول إني أنا السبب. فتح يديه فايز وهتف معترضًا: -وأنا شفت حاجة؟ ضحك زيد وضحك فايز معه في هدوء وسكينة بعدما مروا بمواقف صعبة كان يستحيل فيها الضحك، وأخيرًا تبدلت حياتهم من الحزن إلى الفرح. جلست بأرضية الغرفة تبدو مندهشة وهي تضع أنواع طلاء الأظافر التي قدمها لها زيد ومعهم قطع الشيكولاتة.
دخل زيد إليها وتأملها قليلاً وهي تضع طلاء الأظافر على أطرافها، فلم يمنع نفسه من القول: -آآه ده باين ليلتنا طويلة. رفعت وجهها له وفهم ما يرمي إليه وابتسمت وهي ترد: -لا يا حبيبي، احنا عندنا معاد مع الدكتور النهارده هنعرف نوع البيبي. انضم إليها وجلس أرضًا بجوارها ثم هتف: -بالله بلاش. خلينا نتفاجئ، أنا أصلًا راضي بأي حاجة منك.
قبضت حاجبيها ولويت فمها بحزن طفولي لم تدرك تأثيره عليه. نظر لها وابتسامة تتسع والتقط يدها، وأحد زجاجات المناكير ليكمل ما لم تكمله من يدها الأخرى وقال وهو يمشي بريشة الطلاء بنعومة: -ماشي يا شمسي، نروح عشان خاطرك. سرعان ما ابتسمت ثم قررت أن تغير رأيها لحبها الفكرة: -أقولك خلاص، أنا فعلًا راضية بأي حاجة منك وهتبقى حاجة حلوة لو اتفاجأنا. رفع وجهه إليها ثم رمقها بمكر وهدر: -كده ليلتنا طويلة فعلًا.
ضحكت وضحك معها. بات بينهم من الحب والتفاهم والثقة ما يجعلهم منسجمين متقبلين كل شيء كما يأتي. المهم أنهم معًا، ليس المهم أن يتعدى أحد على الآخر، ولكن مراعاتهم لحقوق بعض هي ما تجعل بينهم توافق، مرة له ومرة عليه، وهي أيضًا أحيانًا تتنازل كي ترضيه كما يفعل هو المستحيل ليرضيها. في المساء.
انضم فايز وزيد وونيسه وصبا إلى طاولة الطعام، وكانت ونيسة قد هدأت قليلاً من جانب صبا أو بدأت تتقبل أنها لم تُخلق للمطبخ أصلًا. تناولوا الطعام بصمت حتى قاطعته ونيسة مناوشة صبا: -لو جبت بنت يا زيد تسميها ونيسة. وقفت اللقمة في حلق صبا وسعلت بشدة عندما سمعت تلك الفكرة. فهم "زيد" سبب سعالها، لكنه لم يقوى على جرح مشاعر والدته واكتفى بالقول وهو يناولها الماء: -إن شاء الله بيبقى ولد. ارتشفت صبا بعضًا من الماء
وردت وهي تعقد يدها قائلة: -والله يا طنط أنا ناوية لو جبت بنت أخلص فيها كل الكبت اللي عشته ومترقّاة وأنا بخلص الكبت ده أشتم وكده يعني. ضحك فايز بصوت عالٍ وزيد خبأ ضحكته أمام غضب والدته، والذي كبحته بالقول: -لا يبقى ولد إن شاء الله. عادت تحذرها: -بس لو ما جبتيش الواد أنا هجوزه. ردت بامتعاض من تلك الجملة التي لم تكف عن تهديدها بها طوال الوقت:
-نفسي ترتاحي يا طنط وتشوفي ولادك التانيين. أنتِ اطمنتي على زيد اطمني بقى على التانيين. ربنا يقدرك. نظرت لها ونيسة وقالت بفخر: -أنا هجيب بنت أختي، أنا هتريحيني. ترك زيد المجال لصبا فهي في الأخذ والعطاء لا تخطئ ولا تسمح لأحد بالخطأ في حقها. وأجابت: -وأنا أكره راحتك يا طنط، أنا عشان راحتك مشيت وهسيبلك البيت اهو. أشهرت ونيسة إصبعها وتحدثت بنبرة قاطعة: -مش هتطلعي إلا لما بلال يتجوز، مش هقعد لوحدي أنا تاني.
ابتسمت لها صبا حتى وإن تفكر في منعها من الانتقال. فالاعتراف المبّطن بأنها ركن هام في البيت يسعدها. -يعني طلعتي بتحبيني أهو. سكتت ونيسة ولم تجب. ضحك كلا من زيد وفايز وهما يتبادلان النظرات. تحدثت ونيسة أخيرًا: -لو ولد سموه فايز. أوقفها فايز ورفع يده قائلاً: -لأ ما حدش ليه دعوة بفايز. نهض وأردف قبل أن يغادر الجلسة: -ابعدوا عن اسمي. سألتها صبا بتركيز: -أنتِ ليه مصرة تسميه؟ هو أنتِ اللي حامل فيه؟ أنتِ اللي هتولديه؟
ردت مقاطعة: -بس أنا اللي هربيه. مالت صبا لتحدث بمشاغبة وهي تضع يده على كتف زيد: -هسيبهولك تربيه وأخد أنا زيد. كادت تفتك بها وظهر هذا على وجهها، وقبل أن تنفجر نهض وأمسك بيد صبا ليحثها على النهوض وهو قائلاً: -أنا بقول انتي شبعتي كده قومي. نهضت معه ولكنها أبت ترك الموضوع لتضيف وهي مبتسمة: -شوفتي أنا قد إيه حقانية؟ هديكي ابني وآخد ابنك. دفعها زيد بخفة مانعًا إياها من التزايد الذي يرى انعكاسه على وجه والدته وقال ناهيًا:
-أنا مش هدي ابني لحد. أنهى جملته بابتسامة حتى يلطف الجو بينهم، ولكن ونيسة لم تعد كالسابق. بدأت تقبل بـ صبا وتحب ردودها المسلية. تبعًا تجر الأيام بعضها لبعض تبعًا. بدأ "زيد" في تجهيز المنزل الجديد الذي سيستقران به هو وصبا أخيرًا، وترك لصبا الحرية الكاملة في تنظيمه كما تشاء، وبدأ في تصميم أثاث خاص يليق على كل زاوية اختارتها، وأيضًا تصميم أثاث غرفة خاصة لبلال لقرب موعد زفافه.
البيت بالكامل مستقر وصبا لازالت الوجهة الأولى لأهل البلدة لتحقيق مطالبهم وتحاول قدر استطاعتها توفير ما يلزم لهم من احتياجاتهم، رغم أن بدأ ثقل الحمل يوهن جسدها إلا أنها كانت مثل شعلة من النشاط تنتقل بخفة من القصر إلى بيتها لترى آخر التحديثات والتطورات التي تتم كما أرادت بدقة وكما يحلو لها.
نجاح صبا في تجاوز كل ما فات كان أسطوريًا، والمكانة التي حصلت عليها في قلب زيد لم تكن مبنية على مجرد قاعدة جمالية فانية أو بعضًا من كلمات الحب الفائضة المعاني، بل من قوة تحمل وتضحيات عديدة. فالحب أبدًا أركانه لم تكن قائمة على كم تحبني فقط، بل إلى أي حد تستطيع تحمل الصعب لأجلي، وبكم القدر الذي تضحي به من أجلي. فلا يتعين على زوجة مطالبة زوجها بعشق خالص وبحياتهم العديد من المشكلات التي لا تساهم هي في حلها سواء عائلية أو عينيه. كل شيء يهون إذا في النهاية أغلقتِ بابك على شخص واحد يقدرك ويحترمك ويقدر ما بذلتيه لأجله ولأجل عيش حياة تختفي منها النزاع والبغضاء والشكوى واختراع القصص والتحفز للعراك على أقل شيء بدعوى إنشاء كيان أمام زوجك.
لكن الأصل في العشق هو معاونة الطرف الآخر على الحياة وجعل الحياة أسهل وليس عبئًا وجعل بيتك هو عنوان الراحة وليس فرضًا حكميًا من الأقوى من الأفضل من صاحب الكلمة.
تطور النضوج لدى صبا هو ما جعلها تحتل قلب زيد وتحصل على ثقة وصلاحيات غير منتهية الحدود. ولكي أكون منصفة ف "زيد" أيضًا كان له دور في تعزيز هذا النضوج ومساعدتها الدائمة لها ومساندته في تحقيق كل ما تريد سواء من أعمال خيرية أو مشاركته بالعمل، وبات خير عون لها وخير سند. أخيرًا أصبح للعصفوران عش. وأخيرًا بات ينتظرهما مستقبل مشرق بعيدًا عن كل العوامل المسببة للانزعاج والمحفزة للمشاكل.
وقفت أمام التحف الفنية التي صممها زيد ونفذها ووضعها في ساحة المنزل وصاحت بإنبهار: -وااااو! إيه الجمال ده كله؟ أنت فنان يا ابني والله فنان. ابتسم زيد ورد متصنعًا الغرور: -أومال طبعًا، أنا موهوب أوي. نظرت له بنصف عين وسألته بمكر: -ينفع أفتح لايف أوري صحابي قد إيه جوزي شاطر وموهوب؟ سرعان ما اختفت الابتسامة وحل مكانها التأفف وأجاب متشنجًا:
-يوووه لسه هنعيدوا يا صبا. قولتلك انتي مش محتاجة تعملي كده، وإن عملتي زمان فأنا دلوقتي موجود. أمسكت بظهرها وتأوهت بصوت خافت ومالت قليلاً، فقطع حديثه ليمسك بساعدها مناديًا إياها بقلق بالغ: -صبا مالك؟ أجابت وهي تحاول الجلوس على أقرب كرسي: -مش عارفة ألاقيها منين ولا منين، اللي جوه تاعبني واللي برا كمان. زفر بأسف ثم عاد يسأل متاجهلاً ما ترمي إليه: -أرجعك البيت ترتاحي؟ نفضت رأسها وأخبرته:
-لأ. لو ارتحت مش هرتاح وأنت بتعارضني في حاجة بحبها. نظر لها نظرة ثاقبة متحيرة من فرط إلحاحها على هذا الأمر والذي بات يشكل له إزعاجًا. فهو لا يريد هذه الشهرة ولا يريد لها الانتشار. قال متعصبًا: -أنتِ ناقصك حاجة دلوقتي ولا أصلًا عندك وقت؟ إحنا خلاص داخلين ولادة كمان يومين وبننقل في بيتنا حاليًا. أوضحت وهي تشير بيدها بلطف: -أنا مش بتكلم عن دلوقتي وبعدين، أنا بتكلم عن المبدأ اللي أنت رافضه.
يا زيد الناس دي بعتبرها عشرة عمري أصحابي وأخواتي وهما كمان بيعتبروني فرد من عيلتهم. أكيد فيهم ناس بتوحشني واكيد أنا كمان بوحشهم. وبعدين الجروب كله ستات، إيه بقى مشكلتك أنت؟ أولها ظهره وأصر على الرفض، فهو كأي رجل شرقي صميم لا يقبل بأن تكون زوجته محط أنظار. أجاب بنفي قاطع: -لأ يا صبا مش همشي معاكي في الشارع، وده ياخدك على جانب يتصور معاكي، وده يشدك من إيدك يحضنك. أنا مش عايز يكون في حياتك حد غير أنا وولادنا.
نهضت من مكانها لتوجهه بسؤال وهي تقضب حاجبيها: -طب ما ده بيحصل هنا في البلد والستات بيوقفونا ويسلموا علينا. أجاب بملل: -دول أهلنا وقرايبنا ما فيش منهم خطر. إنما برا كلهم ما نعرفهمش معرفة شخصية. هما عارفينك وإحنا وما نعرفش جواهم إيه ولا هما مين. زفرت بتعب، وبعدما بات مصرًا على رأيه وقالت: -آآآخ يا ني أنا مش عارفة ربنا خلق للرجالة ودان ليه؟ لا بيلبسوا حلق ولا بيسمعوا الكلام. أمسك بطرف أذنها بين أصابعه وسألها بغلظة:
-هوانتي مش هتبطلي طولت لسان؟ أجابت وهي تحاول التخلص من يده: -كان على عيني. ده مش طبع، ده عيب خلقي. أفلت من يده فأسرع بالامساك بها. اتخذت خطوات متعرجة لتفلت منه وضحكاتها الرنانة تصدح في أرجاء المنزل بأكمله.
شعور السعادة الذي غمر قلبه لم يجعله يشعر بقدميه وزاد شعوره بأنه يطير، لا يركض خلفها. كم الله لطيف ليخلق من كل معاناته قلبًا مستعدًا من جديد للحياة، وكم له من جبر لينسيه قسوة ما عاناه لتعود ابتسامته على وجهه بهذا القوة والعمق. أخيرًا أمسك بخصرها من الخلف وضمها إلى صدره هاتفا كمن يتحدث لطفلة صغيرة: -مسكتك.
تعالت ضحكاتها حتى استكانت مستسلمة لقوة ضمة ساعديه على قلبها ومحاوطت جسدها بالكامل. سقطت الشمس على كليهما كالتمثال بارع التصميم والقوة، مفعم بالجمال والروعة لشخصين في شخص واحد، والدفء يحاوطهما. قالت وهي تطل بعينيها للنافذة الزجاجية الكبيرة وخلفها الكثير من الأخضر والزهور المختلفة الألوان وخلابة المظهر: -شوفت الجمال يا زيد زي ما أنا عايزة بالظبط. أجاب وهو يدفن رأسه بعنقها: -أنا ما شفتش عمري أجمل منك.
ابتسم ثغرها لهذه المغازلة وانتظرت حتى ينظر معها حيث ترى. وعندما صمتت عن الكلام نظر باتجاه نظرتها وتطلع بعينيه للخضرة التي ملأ بها الحديقة الصغيرة من كل الألوان والأشكال بناءً على رغبتها وشعر بالفخر والإنجاز لحصولها على ما تتمنى وإعجابها بما صنعه لأجلها. لقد نقل أكثر من خمسين أصيص من أنواع مختلفة من الزهور وغيرها من النباتات الخضرية الدائمة وكذلك النجيلة الخضراء فقط لأجل إرضائها. فمن السهل أن تحصل على الزهور ولكن صعب أن تجد من يستحق أن تهديه له.
فالزهور عشاق لا يعرف قيمتها سواهم. قال وهو ينظر نحو ذات المكان: -أنا صممت هنا كرسيين كبار ليا ولكي وشزلونج كمان مع مكتبة صغيرة. التفت بوجهها له لتقول بفرح: -هنشرب الشاي هنا بعد الغداء وبعد الفطار. أضافت بحماس شديد وكأنها تتلهف للحصول على ذلك: -وفي الشتاء هنقعد هنا وفي إيدينا في إيدين بعض والايد التانية حاجة سخنة ونبص على المطر وهو بينزل. ابتسم لها وغمرته سعادة قوية بتلك الأحلام التي يصارع وقته لإنجازها. تذكر شيئًا
فاخبرها بسرعة: -وفي الصيف نقعد برا. أنا جبتلك مرجيحة تاخدك انتي والبيبي. كادت تقفز من فرط الفرح لكنها تحسست بطنها المنتفخ وقالت: -هنبقى أحلى عيلة، عيلة زيد وصبا. وضع يده على سطح بطنها متلمسًا ابنه الذي لم يحدد نوعه حتى الآن وقال محذرًا: -أنا بقولك أهو أنا مش عايز غلاسة. أنتِ عندك أوضة تنامي فيها قد عشر سنين كده على ما أشبع من أمك. شهقت صبا بفزع وسألته وعيناها مفتوحة: -أنت عملت له أوضة؟ أجاب متكئًا على كتفها بلطف:
-أيوا مش قولتلَك أنتِ عليكي البيت وأنا عليا العفش. عادت تسأله وهي تحذر: -وصحيح عايزة ينام بعيد عننا. أجاب بإصرار وهو يحرر يده عنها ويديلها لوجه: -أومال ونشوفه داد كمان؟ الصراحة بقى أنا حاسس إني أضحك عليا في الجوازة دي ما أخدتش راحتي، فإنك تولدي بالسلامة ونعيش حياتنا بقى. مطت شفتيها بعجب وردت عليه ساخرة: -إحنا نبعته لأمك هي كده كده متفقة عليه من قبلك. رفع كتفيه دون اهتمام وقال: -ابعتيه لأمي وتبقى ترجعولنا على المدرسة.
قهقهت عاليًا على مزحته هذه وزادت ضحكاتها أكثر وأكثر حتى قفز برأسها سؤال بل ذكريات ماضيه عندما كان لا يترك مريم لتنام عند شخص حتى والدته. فسكت عن الضحك وعاينته بعينين فضوليتين. لاحظ هو ذلك وسألها: -بتفكري في إيه؟ عينيكي فيها سؤال؟ طرحت سؤالها بتردد وهي تضع طرف إصبعها في شفتها: -يعني... أنت... لم تعرف كيف تطرح سؤالها تحت نظراته المستشفة. لكنها كانت تريد الإجابة لذا قررت الإسراع في السؤال حتى لا يتعرقل لسانها من جديد:
-أنت ما كنتش بتقبل تسيب مريم لحد، إشمعنى ده؟ رغم أنها وضعت يدها على أكثر منطقة مؤلمة في حياته ورغم مرارة شعوره بفقدان مريم التي شعر بها في حلقه من جديد، إلا أنه قرر إجابتها وعينه ثابتة: -أنا كنت ماسك في مريم لأنها كانت بالنسبالي كل الحياة. هي دي اللي طلعت بيها من الدنيا واللي كنت مقرر أكرث حياتي ليها وناوي ماحدش يدخل حياتي غيرها. حاوطت يدها بيدها عندما شعرت بفداحة خطأها في النبش وراء جرح نازف. هتفت آسفة
والدموع متحجرة في مقلتيها: -أنا آسفة. أضاف متطلعًا إليها وكأنها نعمة تتوجب الشكر: -ربنا وهبني حياة جديدة ونفس جديدة، الحمد لله على اللي فات واللي جاي، الحمد لله إنه عوضني بيكي عن كل مر عيشته، الحمد لله إن حاليًا الابتسامة ما بتشالش عن وشي، الحمد لله إني حسيت بالحياة، والحمد لله على نعمة وجودك. لم تجد ما ترد به على قوله فضمته سريعًا إلى أحضانها ورددت بسعادة تخالطها الدموع: -الحمد لله إنك نصيبي.
ضمه بقوة بين ذراعيه وهتف مجيبًا على سؤالها الذي فتح مجرى كل هذه المشاعر: -عشان كده عايزك أنتِ دلوقتي وبعدين نشوف البيبي، بس أشبع منك. في أحد الحضانات.
بدأت نهى بالعمل هناك كمحفظة القرآن الكريم. لقد من الله عليها بأن وهبها هي الأخرى حياة جديدة بالقرب منه. فالله الواهب دائمًا يهبنا ما يصلح لنا وليس ما تراه أعيننا الضيقة يلائمنا. أرادت أن يكون لها أطفال من زيد وأراد الله أن يجعل الله لها أولادًا لا تعد من تلك الروضة. فكانت تسعد بحضور الأطفال وأحضانهم التي لا تعرف البراءة وهي تركض نحوها فاتحة ذراعيها على مصرعيهما ليضموها بود ومحبة بقلوب لا تعرف الكره ولا تعرف معنى
للغدر أو النسيان. وقد من الله عليها بقراءة كتابه وتعليمه. فالقرآن هو الذي لا يغلق بابه أبدًا طالما كان الصديق والملجأ والطبيب، لكن نفس معلولة والصديق لكل وحدة وغربة. أصبحت "نهى" إنسانة جديدة قد من الله عليها بشيء أعظم نعمة من الزواج والأولاد ومنحها الرضا، وبالرضا تطيب النفس ويبهج القلب، فتغيرت تمامًا للأفضل وأضاء وجهها الحسن بنور قلبها الذي أنار واتسع بالقرآن والرضا. في المستشفى.
جلست على سرير الغرفة التي ستنتقل منها إلى غرفة العمليات. أصابعها ترتجف والآلامها تشتد. تنظر بعين أغرقها الدموع تبحث دون جدوى عن أم حنونة تطمئنها أن القادم سيكون أجمل. وكأن "زيد" التقط ما بعينيها وسارع يمسك بكفيها المرتجفتين ويهتف مؤكدًا: -أنا جانبك، ما تخافيش. نظرت له وحاولت الابتسام لكن ابت الابتسامة الظهور من فرط تأثرها. جلس أسفل قدميها وطالعها بعينيه الناعسة بثقب ليقول بحنان: -هتقومي بالسلامة، ما تخافيش.
أجابته باستسلام وهي تنظر لعينه بنهم: -أنا مش خايفة من الموت، أنا أمي مستنياني هناك. ارتعش قلبه من جملتها وقبض بقوة على يدها وعينه التي كانت تفيض بالحنان من ثوانٍ تحولت للجحيم وتحدث بلهجة قوية: -وأنا مستنيكي هنا، اعرفي ده كويس يا صبا. أنا هنا ومستنيكي طول عمرك. عنادية عادي، الموت. واعرفي إن حياتك لسه هتبدأ، أنا واللي جاي. ارتعشت بتوتر والألم يشدد حتى كادت تفلت صرخات دون أن تشعر:
-أنا عايزة أكون معاك، أنا خايفة بعد ده كله ما أكملش معاك. زاد تمسكه بها وصاح بها كمن يعنفها: -هتعيشي وهنجيب عشرين عيل وهتفضلي أنتِ بنتي الأولى والأخيرة. وفوقي بقى من الهبل ده، بطلي تقلقيني عليكي. هتفت بقلة حيلة: -الألم فظيع يا زيد، ألم مش قادرة أتحمله. سألها مندهشًا: -يعني عشان الألم ده بتقولي إنك هتموتي؟ أما إنك هبلة ووقعتي قلبي بصحيح يا بنتي، ده عادي. إن شاء الله الدكتورة جاية حالا ونشوف نوع البيبي.
حاول إلهاء عقلها وابتسم رغم عنه متسائلاً: -تفتكري ولد وأصيعه ولا بنت لسانها طويل زيك؟ همت بالضحك لكن الألم منعها من ذلك فعادت ترد بغضب: -أنا لساني طويل. رد بسخرية: -لا طبعًا، ده أنا. دخلت الممرضة ونظرت باتجاه زيد وابتسمت ابتسامة عريضة جعلت الدماء تنفجر في وجه صبا. استدارت عنهم لتجهز بعض الأغراض. فنظرت له صبا وحدثته من بين أسنانها بزنقة: -بتضحكلك. أجابها دون اكتراث: -وأنا أعمل إيه؟ رمقته بغضب وضيق وهتفت
محتده وهي تمسك ببطنها: -مش والدة هنا. نهض من مكانه عندما شرعت بالنهوض عن الفراش وتبعها قائلاً: -إيه يا حاجة أنتِ؟ اللي مش هتولدي؟ هي دي فيها عند؟ أنتِ بقالك ساعة بتقولي تعبانة. بدت مصرة وكأن بات لها طاقة جديدة للعناد: -مش والدة يعني مش والدة، ويلا لو عايز تفضل هنا خليك معاها. لطم جبهته دون تصديق أنها بالفعل تغادر دون انتظار، قال لعنًا: -احمينا يارب من الهرمونات. سحب حقيبتها وتبعها يركض ليلحق بها. أعقبته
الممرضة منادية إياه: -يا أستاذ يا أستاذ المدام مش هتولد. التف بنصف جسده وهو مستمر بالسعي خلف صبا وأجابها: -المدام نفسها اتسدت. أنتي كان لازم تضحكي يا أختي. فتح عن بعد سيارته لتدلف بها. بدت مصرة على تحقيق رغبتها رغم كل آلامها وخطواتها المتعرجة. في السيارة. انطلق بسيارته وعلا صوته غير مصدق ما فعلته به: -إيه اللي عملتيه ده؟ ردت ونبرتها مشحونة بالغضب والألم: -أنا مش عايزة أولد هناك يعني مش عايزة.
صاح كالمجنون وهاتفه الذي لا يكف عن الرنين يتخلل بينهم: -إيه اللي مش عايزة؟ أوديكِ فين أنا دلوقتي وانتي تعبانة؟ -استهدي بالله وارجعي المستشفى. لم تكترث حتى بوجعها وردت بانفعال: -وديني زي ما توديني، لكن ما ترجعنيش هناك تاني. زاد توتره وهو يراها تتألم وليست على ما يرام والزحام الذي يحاوطهم وكذلك عنادها وصوت الهاتف المزعج الذي لا يكف عن الرنين. أطلق لسانه سبة لعينه وصاح: -أنا أعمل إيه؟ الله يهديكِ، تعالي نرجع المستشفى.
سألته بعصبية: -أنت عايز تدخلني العمليات وتقعد بقى أنت والممرضة اللي بتضحكلك؟ وزع نظراته بينها وبين الطريق غير مصدق أن الألم الولادة قد يؤثر على العقل، فقال متهكمًا: -أنتِ هبلة؟ وهي لو ضحكت من هنا لبكرة أنا هكلمها؟ أطلقت صرخة عالية أربكته وأجابته بعصبية: -ما أعرفش أنا بقى اتخان وأنا بولد. زادت سرعته وقال بغضب: -أنتِ لا يمكن يكون عندك مخ، دي دماغ عصافير! أنا راجع المستشفى. صرخت عالياً وهي ترفض قاطعًا: -لاااااااا!
مش هولد في المستشفى. لم يعد يجادلها، فتح هاتفه واستمع إلى صوت أمه القلق وهو يسأل: -فينك يا ابني؟ أنا وصلت المستشفى أنا ويحيي وملاقيناكش. أجاب وهو ينظر لصبا التي أحدثت كم من الجلبة لا يحصى بالسيارة تقذف كل ما أمامها وتصرخ بصوت عالٍ: -أنا راجع المستشفى يا أمي، هبقى هناك كمان شوية. صاحت صبا بصوت جهور: -قولت لاااااااا. أغلق الهاتف، ولكن صراخها لم ينتهِ. راحت تنادي وهي تمسك بأسفل بطنها: -الحقني، الحقني يا زيد، أنا بولد.
زاغ بصره بينها وبين الطريق وقال بعصبية: -ما أنا عارف إنك بتولدي، أومال إحنا متبهدلين ليه؟ نفضت رأسها وقد شعرت بأنها روحها تغادرها، منادية إياه بتوسل: -أنا بولد، بولد دلوقتي، الحقني. نظر إلى أسفل قدميها ليجد أسفلها بركة من الماء جعلته يوقف السيارة فجأة، فارتدت للخلف بقوة وسقط الطُفْل بين قدميها.
نظر إليها بصدمة. لا تكف صبا عن إدهاشه. لم تتسع عينه ما رأى. نزل على ركبتيه أسفل السيارة وأمسك بين يديه طفله الذي صرخ عاليًا، تفقد بفزع، بينما هي تسألته وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة: -إيه؟ جبت إيه؟ قال غير مصدق: -ولد يا صبا، ولد. تمتمت براحة بعد تعب يخالطها غضب طفيف، ربما ما عاد لديها طاقة: -هتصيعوا يا زيد؟
كان يحمله بين يديه ويتمعن في ملامحه الصغيرة بفرح يخالطه دموع. إنه ليس بابن عادي، إنه ابن الحب وابن المرأة التي هزت كيانه وحولت حياته المعتمة إلى شمس مضيئة. حقًا إنه ابن شمسه. رد مشاكسًا على تمتمتها التي التقطها أذنه: -المهم ما حدش هياخد لسانك الطويل. يتبع. عشقت إمرأة خطرة -سنيوريتا ياسمينا أحمد (الكاتبة) باقي الخمسون.
عادت إلى المستشفى لتتلقى ما بقي لها من رعاية، وساعدتها ونيسة جدًا، والتي ذعرت من دخولها المشفي بهذه الحالة وسارعت بمساعدتها بتلهف. وما إن احتضنت حفيدها بين يديها حتى نسيت كل ما كان وراحت تشتمه وتقول بحب: -شبهك يا زيد وانت صغير أوي. مسحت على رأسه وأضافت: -حتى شعره أسود زيك. انتبهت لشيء وتسألت كطفلة متعلقة بلعبة جديدة: -انتوا هتروحوا على البيت ولا القصر؟ سارعت صبا بتكهن حتى لا تصر:
-آآه حاسة إني تعبانة. زيد هتروحني بيتي إمتى؟ نظرت لها ونيسة وهي تفهم مقصدها ثم قالت بضيق من تصرفاتها: -خلاص يا صبا روحي على بيتك وفرحيه، بس اعملي حسابك أنا اللي هاجي أبات معاكي عشان لو احتارتي في حاجة ليكي أو للولد. سعدت صبا بنجاحها في إقصاء فكرة عودتها للمنزل وصاحت بسعادة: -يا سلام! دا انتي تنوريني. ابتسمت لها ونيسة وعادت تمسك بيد حفيدها. بادلها زيد الابتسامة والامتنان لها لترحيبها بها.
دخلت تلك الممرضة إياها وعندما لمحها زيد أدار وجهه إلى الحائط قائلاً بيأس: -يا دي اليوم اللي مش فايت. صبا نظرت بجانب عينها له ولها وابتسمت بانتصار. نزعت الممرضة عنها الإبرة الموصولة بالمحلول وهتفت برسمية: -تقدري تمشي. الدكتور كاتبلك على خروج. لم تجبها صبا وانتظرت حتى غادرت والتف إليها زيد متسائلاً: -مبسوطة كده يا شمسي؟ أجابت بفرح: -أيوا مبسوطة. سألت ونيسة التي لم تكن تكترث لأحد سوى الطفل: -هتسموه إيه؟
وبعد وهلة قصيرة من التفكير من كليهما أجاب معًا دون ترتيب مسبق: -نـــور. نظر لبعضهم غير مصدقين حجم الترابط الفكري وتوافق الأذواق الذي جعلهم ينطقون اسمه معها. هذا هو العشق الخطر. نور زيد نادر الواصل.
الحفيد الجديد الذي أتى لعائلة الواصل. وضعه "فايز" بين يديه ورفعه إلى حيث فمه يكبر في أذنه. زادته سعادة بزيادة عائلة قطعة سكر. لقد غادر حياته عماد وأتى عوض الله مدهشًا ب"نور"، ورحلت بثينة وأبدله الله بزوجة بلال التي بقت على مشارف الوصول إلى عائلته. تغيرت الوجوه والأسماء وأيضًا القلوب، لكن العدد كامل. هتف مناديًا زيد الذي وقف إلى جوار صبا والعائلة ملتفة حولهم: -يا زيد نقلت في بيت تاني؟ سيب ده في بيتي.
ضحك زيد وهتف مبتسمًا: -يا حاج أنا ما عنديش مانع بس صبا ممكن ترجعني أنا القصر ولا تفرط فيه. تدخل "حسين" ليختطفه من على يده قائلاً: -سيبولي أنا حبيب جدو، أنا مش هينموا غير في حضني. دحجته ونيسة بغضب وقالت وهي تضع يدها على خصرها بتحفز: -والله بنتك تاخد ابني وأنت تاخد حفيدي، خليلك أنت وليد وسبلي حفيدي. فتحت صبا ذراعيها وقالت دون صبر: -هاتولي ابني بقى، انتوا عاملين تتعازموا عليه من الصبح وأنا ساكتة.
ضحك زيد على تدخلها الشرس كالقطة عندما تهجم، دفعته بقوة قائلة: -هات ابني من إديهم. ضحك فايز وشاكسها سأل بمزاح: -تاخدي ابنك وترجعي زيد؟ لم تكن تترك زيد ولا ابنها أبدًا وأجابت بعناد: -لا نور ولا أبو نور، الاتنين بقوا بتوعي لوحدي. التقطت ابنها من يد زيد التي اختطفته من يد "حسين" وقدمه إليها. تمسكت به ونظرت لوجهه بفرحة وكأنما اقتبس من زيد الشكل والملامح.
عالم من الخيال امتلك نسخة مصغرة من حبيبك، ضمته إلى قلبها وحاوطها زيد بيده معلنًا انتماءه لعائلته الجديدة. لكن صوت الجلبة الخارجي جعل فايز يلتف متسائلاً بقلق: -إيه ده؟ هتف حسين وهو يتجه للخارج مسرعًا: -أنا هشوف يا حاج. خرج لكن قلب زيد كان قلقًا من الذي يقتحم بيته ويحدث كل هذه الجلبة في يوم كهذا. انتفضت ونيسة لتقف بجوار صبا وهي تقول بتحفز: -استر يارب.
ما هي إلا دقائق معدودة حتى عاد "حسين" وابتسامته تنير وجهه بفخر قائلاً: -الأهالي جاين يباركوا لصبا وجايبين هدايا من بيوتهم. لم تصدق صبا هذا ونظرت إلى زيد بدهشة وبادلها زيد النظر وحرك رأسه برضاء. فما فعلته صبا من خير عاد إليها. انضم لعائلتهم عائلة كبيرة تفرح لفراحهم وتحزن لحزنهم، وتدين لهم بالوفاء ولا تنسى المعروف. في القصر.
وبعد مدة بدأ التجهيزات لفرح "بلال". وبدأت صبا تزور القصر كثيرًا لتعود ونيسة للمشاحنات، لكن هذه المرة من أجل نور الرضيع. تحدثت لها بضيق عندما حاولت أخذه من فوق يدها: -إيدك يا صبا عن الواد، مش هديهولك. أجفلت لتهدئة من نفسها وهتفت موضحة: -هغيرله. منحتها ونيسة نظرة حادة وردت باقتضاب: -غيرتلُه. عادت تبتكر حجة أخرى لتحمل ابنها بين ذراعيها: -طيب هاتي أرضعه. أجابت وهي تعطيها وجهًا ساخرًا: -عملتلُه الرضعة. قالت بضيق:
-يا ونيسة إيدك زمانها وجعتك، بطلي مقاوحة. أطاحت ونيسة برأسها دون اهتمام وهي ترد حانقة: -ما تقاوليش أنتِ، ويلا روحي بيتك، زيد زمانه جاي. جلست صبا بأريحية معلنة احتجاجها بعناد: -مش ماشية، أنا قاعدة لما زيد ييجي، ولا أقولك أنا هبات هنا. ردت ونيسة دون ضيق: -يا ساتر ع اللزقة. صاحت صبا بتذمر واعتراض: -يا ولية طيب اديهولي شوية يعرف إن أنا أمه، وخديه تاني.
نظرت له بتحدٍ وكأنها تحذرها من الاقتراب. تابعتها صبا بيأس. رأسها يابس كابنها ولا سبيل بإقناعها بالتخلي عن ما تحب. يوم الفرح. وقفت أمام المرآة الطويلة تعاين فستانها الأحمر القاتم الذي ارتدته لتلك الحفلة وبدأت في تعديل حجابها. وعلى غرار ظهر زيد من خلفها أسند كفه إلى كتفه وكفه الآخر جذب سحابة الفستان عكس الاتجاه. ضمت حاجبيها متعجبة وسألته: -فكيت الفستان ليه؟ أجاب بسهولة وهو ينظر لصورتها بالمرآة:
-الأسطورة يا صبا، انتي نسيتي. رفعت أحد حاجبيها باعتراض وعادت تسأله: -مش المفروض العكس تقفل السوستة؟ رد وهو يهز كتفيه دون عناء: -مش لازم الأسطورة تتماشى مع الموقف. تجاهلت ما يؤخرها وقالت بعصبية طفيفة: -يا ريت تشوف ابنك كمان هيمشي معانا ولا أمك هتكمل حياتها بيه.
كان يرى غضبها الذي تحاول كتمه من تمسك والدته بابنهما وعدم تركه ليلاً ونهارًا، وكأنها نسيت قسمها المغلظ بأنها لن تحب أولاد صبا مهما فعلت. ها هي تكفر عن قسمها صيامًا لأجل "نور". مال يلثم عنقها بخفة وهو يهتف بهدوء تام: -سيبوهالها، هنجيب غيروا. وقع الكلمة مع لثماته اللطيفة على عنقها جعلتها تتشنج دون مبالغة. استدارت لتسأله كالمصعوقة: -إيه؟
وكأنه انتظر هذا حاوطها بكلتا يديه وتشبث بها بقوة بعد زحمة طويلة من الترتيبات منعتهم من التواصل بشكل منتظم. رد دون مبالاة بصدمتها وهو يتفحصها بالكامل: -انتي هتغطي على العروسة بالحلاوة دي. أضاف عندما نبث فاها بابتسامة مغترة: -عندي ليكي شوق ما يتحكيش. سألته برحابة صدر: -إحكيه. عيناها الفحمية كانت تتبدل في ثانية وترتدي ثوب المكر. قال وهو يلثمها على وجنتها برقة بالغة: -ما يتحكيش، يتحس يا شمسي.
قالها وغاب تمامًا في رائحتها النفاذة وجمالها الفتان. إن كانت هي النار والماء والهواء واللعنة الخطرة التي ينغمس بها بلا حدود وبلا هوادة وبلا خوف من خطورة هذا. بعد عدة سنوات. وتحت أشعة الشمس الحارقة في حديقة منزلها نادت بصوت عالٍ: -يا نور يا ولد سيب الزرع. كانت تركض خلف طفل صغير شعره أسود مجعد يصل إلى أذنيه ويتراقص بفعل ركضه العشوائي ويهرول بعدما نفذ مخططه الذي مهما حاولت نهيه عنه ما انتهى. صرخت
عندما فشلت في الإمساك به: -بقى كده ستك استولت على أخوك وسبتك ليا؟ ماشي يا ونيسة. أخيرًا أمسكت به من خلفه وحملته بين ذراعيها واتجهت صوب قصر ونيسة حاملة بين يديها ابنها لتقدمه لها عن طيب خاطر. قالت عندما وجدتها تحمل "أويس" بين يديها بتذمر: -بقولك إيه خدي ده وهاتي الثاني. قهقهت "ونيسة" عاليًا وردت ساخرة: -فلستي؟ ما سيبهملي الاتنين. تركت نور من بين يديها وردت: -خدي زيد كمان لو عايزة عشان ده سبب المشاكل دي كلها.
وضعت يدها على صدره وصاحت مبتسمة وكأنها تعرف واقع ما قالته له: -زيد؟ وهان عليك تقولها. لا تعرف من أين خرج لها "زيد" يهتف بنبرته الحادة: -عايزة تزحلقيني أنا وولادي يا صبا؟ انتبهت إلى صوته وانتفضت لتضع يدها أعلى صدرها. يبدو أنه كان في موعد مع جده في مكتبه وخرج الآن. اقترب منها فحاولت تهذيب نبرتها واستدعاء برودها، فهي لا تريد أن يقبض على ياقتها ويرفعها بين يديه في بيت العائلة. سألها ممثلاً للصدمة: -أنا يا صبا؟
هتبعتيني كده في ثانية؟ تدخلت ونيسة وهي تضحك على رعب صبا الجلي في عينيها: -اقعد معانا يازيد، صبا شكلها مش عارفة تعيش هناك. تعالوا عيشوا معانا. نظر لها وقد لاحظ شعرها المنسدل خلف ظهرها ومنامتها الوردية التي انتقلت بها من منزلهم لهنا. رغم أن الخطوات معدودة والباب بالباب إلا أن نار الغيرة اشتعلت به لزيارتها منزل جدها دون مراعاة وجود إخوته أو أي أحد. حدق بملابسها مع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!