"يقلون مات بالقريه ساحرا فإرتاحوا من أذاه خلف الساحر إبنا فاق فى السحر أباه " "زيد" بعثرت الجلسة "صبا" وتركتهم وصعدت إلى غرفتها بعدما قذفت قنبلة عنقودية ودمرت الكل. ولج من بوابة القصر وكعادته يقصد غرفته لكنه لاحظ الجمع الحاضر من أسرته. أمامه "فايز" بجواره "ونيسه" و "بثينه" و "عماد" كذلك بلال ويحيى أخويه، الكل كان في انتظاره في ساحة المنزل. الجميع كان وجهه مكفهرًا يفصح عن كارثة.
لأول مرة يرى عين "جده" تستغيث به وكأنه يغرق. ومن دون أي حديث جلس بينهم وهو يسأل بحذر: "في إيه مالكم قاعدين كدا ليه؟ كان الجواب الأول من "ونيسه" التي هتفت بإنفعال: "مصيبة! قلتلك البت دي مصيبة. بعد ما طردت بلال من البيت، لفت عليك عمالة تخرب وتخرب. قلتلكم هتجيب عليها وطيها، ما حدش صدقني." تشاركت معها الانفعال "بثينه" لحرقة قلبها برفض ابنها: "وهي هتجيبه من برا؟ دي بنت "بشرى" دي يتقطع رقبتها على اللي عملته."
رمق "بلال" زيد بسخرية، لقد اشتعل هو الآخر من فوز "زيد" كل معركة وكل مقارنة، حتى بدأ رؤيته تشعره بالأقلية. ليهدر هو الآخر ساخرًا: "مش هي بس، كل واحد غلط لازم ياخد الجزاء اللي يستحقه." كل هذا ولم يفهم "زيد" شيئًا مما قيل، كل ما استشفه إن هذا الانقلاب على "صبا" لكن لا يعرف سببه. رمى "يحيى" كلمة أخيرة قالها بإستحقار: "حرباية بصحيح." إتجه نظر "زيد" نحو جده وإنتظر إجابة واضحة منه.
هو لكنه كان يسند طرف ذقنه على يده المتشابكة والمتكئة على عصاه الأبنوسية بصمت. بعدما بدأت الأصوات تتداخل وتلقي إهانات لا نهاية لها لـ "صبا"، "فايز" لكم الأرض بعصاه، رفع وجهه ليخرس كل الأصوات بنظرات محذرة جعلت الصمت يعم. إلا من سؤال "زيد" العميق والحذر: "في إيه يا جدي؟ أجاب "فايز" دون انتظار لكن بنبرة شديدة الغضب: "صـــــبا مــــش عــــايـــزه تتـــجــــوز غـــــيرك." فرغ فمه وإتسعت عينه رغما عنه واختفى الكلام من رأسه.
صرت "بثينه" على أسنانها لتهدر بغيظ: "تغور في داهية! دا أنا ابني أصلاً هو اللي مش عايزها وأبوه اللي غصبوا. آه يا أني لو حد يحكمني عليها لكنت أكلتها بسناني." ربتت "ونيسه" على ظهرها لتهدئها قائلة: "إهدي ياحبيبتي، وهي هتنقي؟ دي تحمد ربنا على كدا." سأل "زيد" بدهشة لم تغادره بعد: "هي اللي قالت كدا؟ ردت "بثينه": "أيوا شفت البجاحة؟ قالت قدامنا كلنا مش هتجوز حد غيرك."
جملة غير متوقعة كقائلها، غريبة بشدة على مسامعه تدهشه يومًا بعد يوم بجرأتها وبخطورتها. هتف "بلال" وهو يخرج من جيبه هاتفه ليفجر القنبلة الثانية مشيرًا بحنق تجاه "زيد": "وليه لاء؟ ما هو مافيش حد هيستر عليها غيره بعد ما كانت بتغفلنا كلنا وتروح تبات في أوضته." رفع هاتفه ليريهم المقطع المسجل لعرض "صبا" من باب غرفته نحو غرفتها بسرعة. إختطفت "ونيسه" الهاتف من يده لتصرخ به بإنهايار: "اخرس! إنت اتجننت تقول على أخوك كدا؟
نهض "زيد" من مكانه ووقف بوجه "بلال" وتحفز للعراك معه ليسأله بغضب عارم: "انت عارف انت بتقول إيه؟ إنت اتخبلت في مخك ولا إيه؟ وقف "بلال" بوجهه متمنيًا أن يتشاجر معه كي يتسنى له لكمه بقسوة تطفئ نار قلبه تجاهه. هتف ليستفزه بعناد: "أيوا اعمل نفسك بريء وانت مغفلنا كلنا." وقفت "ونيسه" بينهم، لكن يد "زيد" امتدت وامسكت بتلابيبه وهو يهتف محتداً: "لم لسانك بدل ما أقطعهولك! انت مش عارف انت بتقول إيه وعلى مين؟
تماسك في آخر لحظة ودفعه بقسوة حتى لا يستسلم لفكرة ضربه. صرخت "ونيسه" لتوقفهم: "بتمد إيدك على أخوك يا زيد؟ وقف "عماد" بصف "بلال" ومعه "يحيى" ليصرخ به وهو يرد دفعته لابنه بأخرى في صدر "زيد" قائلاً بإهتياج: "انت هتغطي على و******* بالصوت العالي والبلطجة يالاااا! هدر "يحيى" مستنداً إلى كتف أخيه: "يظهر عايزنا نطرمخ على الموضوع." تدخلت "بثينه" تكذب كل هذا وتصطف في صف "زيد":
"زيد أكيد ما عملش حاجة، زيد بقاله سنين من غير جواز، ما حدش طرف عينه، أكيد بنت الحرباية دي اللي عايزة توقعه في مصيبة." تدخل صوت "فايز" الذي تركهم يخرجوا كل ما بداخلهم حتى يتسنى له التفكير ووضع العقاب المناسب لكل من يستحق: "اســــــــــكـــــــــتـــــــواا! إختطف الهاتف من يد "بلال" وإندفع نحو مكتبه وهو يهتف بحده: "زيد تعال ورايا." خرج صوت "عماد" ينهاه بجدية: "لأ ااا ما عدتش في حاجة تدارى، الحساب ييقى قدامنا كلنا."
إستدار "فايز" له ونظراته تقدح بالشر متعجباً من جرأته في اتخاذ قرار أو حتى معارضته. فهتف بإستنكار: "حساب؟ ... إنت بتسألني أنا عن حساب يا عماد؟ إندفع نحوه ليمسك بتلابيبه بغتة أرعبته. وبقسوة شديدة صاح به: "لو هحاسب حد هتكون إنت أولهم وإنت فاهم أنا أقصد إيه، بلاش أفضحك قصاد ولادك." دفعه بعيدًا عنه ليزدرء ريقه، لقد أرعبه وأفلت بقوة غير مناسبة لكبر سنه. بقيت نظراته المحدقة يقذفها بلا رحمة على الجميع حتى إرخت أنظارهم عنه.
فرفع إصبعه ليهتف محذراً: "كل واحد اتهم حفيدى ظلم وقال عليها كلمة باطلة هحاسبه حساب شديد." زعق عالياً في "بثينه" وقد اتضح جم غضبه منها: "وإنتي خلي حد يوصلك بيتك، ما عندناش بنات للجواز." تخضبت وجنتيها بحمرة الضيق ولم يكن السبب رفض الزيجة بل مدافعته عن "صبا". ترى والدها ينحاز إلى صف من لا يستحق. دوماً انطلقت من أمامه دون إجابة وتبعها "عماد" الذي كان بحاجة للهروب من وجه والده الغاضب. وأشار هو لـ "زيد" أن يتبعه.
لتتألم "ونيسه" صدرها بقلق بعد كل ما حدث. امسكت بكتف "بلال" لتسأله بانفعال: "إيه اللي إنت هببته دا؟ أجابها "بلال" بضيق: "اللي أنا عملته ولا اللي ابنك عمله؟ هدرت منفعلة وهي توشك على الانهيار: "شيطان مين صورلك إن أخوك ممكن يعمل حاجة زي دي؟ يعميه غضبه لدرجة أنه ينسى من هو "زيد". صاح بها وهو يزيح يدها عن كتفه: "إنتي اللي مش عايزة تصدقي حاجة على ابنك الملاك." وضعت يدها على وجهها لتهدر متأثرة من كل هذه الشحناء:
"ما سألتنيش لي؟ ما جيتنيش أنا الأول لي؟ هتف مستهزئًا: "إنتي كنتي هتقوليله كخ وتداري عليه كمان، لكن كان لازم أعمل كدا عشان هو لازم يحاسب." "في مكتب فايز" كرر الفيديو الذي أمامه أكثر من مرة يشاهده بتركيز وصمت جعل "زيد" يستفز ويهدر بضيق: "يا جدي انت مصدق الكلام دا؟ مفيش بينا أي حاجة." رفع "فايز" بصره تجاهه فجأة ليسكته. مسح وجهه ليزيل غضبه لكن دون فائدة. الأمر تضخم فجأة حتى خرج عن السيطرة وزفر أنفاسه بتأفف.
أخيرًا ترك جده الهاتف على سطح المكتب وتحدث إليه بنبرة اتهام: "كانت بتعمل إيه في أوضتك يا زيد؟ لغة الاتهام هي ما صدمت "زيد". نظر له بصدمة غير متوقع منه أن يسأله هذا السؤال. لم يهتم "جده" بصدمته وكرر سؤاله مشدداً: "رد يا زيد." أجفل قليلاً وكأنه يبتلع تلك الإهانة ليستطيع التنفس. دقائق معدودة استغرقها في تقبل وضع الاتهام وهتف مع انطلاق أنفاسه: "كانت نايمة مع مريم وما عرفتش اصحيها." مال "فايز" برأسه وثبت نظراته عليه.
ومع استمرار التحديق به، أردف دون أن يزحزح عينه عنه: "ما خرجتش من البلكونة." زمجر "فايز" من بين أسنانه بشراسة: "زيـــــــــــــد! ثم وثب من مقعده ليتنحى عنه وهو يقول: "إنت إزاي تغلط غلطة زي دي؟ لم يجد "زيد" إجابة واضحة لهذا السؤال. لم يجرؤ على قول إنه أراد معاقبتها على عبثها بصورة. عض على طرف شفتيه وإستمر في الصمت. حتى وقف "فايز" بوجهه ليعامد عصاه على قلبه قائلاً: "إنت اللي هتحكم على نفسك يا زيد." لكمه في صدره وأردف:
"عشان دي غلطتك إنت وبسبب غلطتك دي بوظت سمعة بنت عمك." سكت "زيد" وقلبه جفا مما قاله. أنزل عصاه عن صدره وفك اشتباك أسنانه الغاضب. لم يكن يتمنى لزيد هذا المصير. لقد رسم له طريقاً آخر. استدار عنه وهو يوضح كيف نشأ اسم عائلة الواصل:
"أحب أفكرك عشان تحط في اعتبارك، مافيش حد ليه ملك ولا ذرة تراب باسمه. الأملاك كلها باسمي ومن بعدي هتبقى باسمك لأنك إنت اللي اخترتك تكون الكبير من بعدي. وعشان تعرف تمسك العيلة لازم يكون مالهم تحت إيدك زي ما مالك ومال غيرك تحت إيدي. لو فكرت إنك ترفض أو تتهاون في الغلط اللي عملته هتطلع من باب القصر ده، لا مال ولا عيال ولا ليك أهل زيك زي اللي سبقوك. فكر في عقابك على مهلك، إوعى تتسرع يا عــاقــل."
قاسي "فايز" في التعامل، لربما هذا الشيء الذي ميزه ليقود عائلة كبيرة وتخضع له رؤوس بلدته كاملة. ما سبق يعرفه "زيد" جيداً. هو تربى بينهم ويعرف أن الخطأ الواحد يعتبر الخطأ الأخير وإن لم يسرع بإصلاحه فقط ضاع للأبد. "بالخارج" القلق كانت كلمة بسيطة على ما تعانيه "ونيسه" الآن. ابنها الكبير في ورطة لن يتوان "جده" عن معاقبته. إن قرر إدانته سيطرده لا محالة وسيمنع من الاقتراب من القصر ولن تراه مجدداً.
ظلت تدور حول نفسها وكأن رأسها لا يهدأ. ليس أمامها سوى "بلال" لتفرغ به غضبها. لذا هتفت بحده: "إزاي قلبك يجيلك تعمل كدا؟ جدك مش هيسكت على العملة دي. مافيش في راسك ذرة عقل؟ امسكت تلابيبه وصاحت به متسعة العينان: "والله في سماه يا بلال لو كان أبوك اللي وراء العملة دي لـ هخلي عيشتك سواد و... قاطعها بأن سحب يدها من على قميصه ليرد بعنف: "هو إنتي حتى بعد ما شفتي بعينك عمايل ابنك برضوا مش عايزة تصدقي؟ استمرت
على نفس ضيقها وهي تصرخ به: "لا مش هصدق! أخوك عمره ما يعمل حاجة زي دي. "زيد" راجل، عارف يعني إيه راجل؟ لكمت صدره بقوة وهي تسترسل: "مش زيك. إنت تعملها هو لاء. ولو كنت عملتها وهو عرف كان داره عليك." وقبل أن يرد "بلال" مهاجمتها بهجوم مماثل خرج "فايز" كالعاصفة يزعق بحنق: "عماد... ردت "ونيسه" وهي تهرول نحوه بفزع: ـ راح يوصل "بثينه" يا حاج.
خرج "زيد" من ورائه، وجهه محتقن ويبدو عليه الانزعاج، لأول مرة يراه في هذه الحالة بعد مدة طويلة من وفاة زوجته. أسرعت إليه تحدق بعينيه في عينيه وتمسك بكتفه تسأل دون حديث وهي توشك على البكاء. لم يجبها سوى بنفض رأسه بيأس. ولم يتسن لها المعرفة أكثر من هذا بسبب غضب "فايز" العارم الذي صبه دفعة واحدة على "بلال" ممسكًا بعنقه وجذبها إلى صدره: ـ إنت بقى أعمل إيه معاك بتصور بنت عمك، إنت ما بتحرمش؟ هتف "بلال"
الذي كان يرتعش أسفل يده: ـ يعني لو كنت قولت كنتوا هتصدقوني؟ صاح به "فايز" بغضب عارم: ـ يعني إنت كمان مصدق إن أخوك بينه وبينها حاجة؟ هرول "زيد" للأعلى دون انتظار الباقين. لم يدافع ولم يتدخل، أكثر ما ألمه هو اليد التي صفعته. لم يتوقع من أخيه هذا، فكم كان له دراعًا من جده وكثيراً ما غطى عليه حتى لا يعاقب. اليوم طعنه بقسوة، والضربة القريبة دائمًا موجعة.
ركض ليختفي في غرفته ليفكر بهدوء في مخرج من كل هذا. اتجه صوب الباب وأدار المقبض ليدخل فجأة ويرى بوجه "صبا" تجلس أعلى فراشه، وإلى جوارها "مريم" تغفو في ثبات عميق. وما إن رآها حتى ازداد انفعالاً واشتعالاً. أغلق الباب من خلفه ونظراته توحي بكارثة قادمة. وما إن رأته فهمت نواياه، فانتفضت من فراشها تركض وتحاول تفاديه، بينما هو كان مصراً على الإمساك بها وهو يصيح بغضب عارم: ـ وكمان قاعدة في أوضتي... إنتي بتستهبلي حضرتك؟
لوحت له لتوقفه عن مطاردتها في الغرفة وهي تقول: ـ اسمع بس هفهمك. استمر بمحاولة الإمساك بها وهو يصيح مغتاظًا منها: ـ تفهميني إيه؟ دا أنا هخلع راسك دي وأركبها على نعجة بصحيح. كررت محاولتها في تهدئته هتفت متوسلة: ـ زيد افهم اسمعني بس. كاد أن يمسك بها حتى صعدت أعلى الفراش لتحتمي بـ "مريم" النائمة وتشير نحوها هامسة: ـ هتصحى مفزوعة، إعقل وهفهمك. صر على أسنانه وهو يهتف بصوت حاد رغم خفوته: ـ افهم إيه؟
جبتي منين جراتك دي رايحة تخطبيني من جدك يا بنت بشرى؟ لوحت بيدها وهي تشرح وجهة نظرها بهدوء: ـ اسمع بس، ما كانش قدامي غير كدا. جدو فايز مصر أتجوز اللي اسمه عامر دا وأنا ماحدش راضي يسمع رأيي حتى وعمالين يبيعوا ويشتروا فيا. ما كانش في غيرك قدامي قولت إنك كدا كدا مش عايز تتجوز وأنت أكتر حد بتقدر عليهم، فقولتلهم إني مش هتجوز غير ابن عمي زيد وأنت هترفض ونبقى إحنا الاتنين في السليم. فتح ذراعيه بطريقة مسرحية مجاهدًا
ألا يعلو صوته: ـ ياسلام بالبساطة دي. إنت مش عارف إن الموضوع دا بيظنوا عليه بقالهم سنين وإنتي جبتهالهم على طبق من ذهب. هتفت "صبا" لتقنعه بسلاسة لا توجد إلا في خيالها: ـ ما انت تقدر ترفض. أنا ماحدش بياخد رأيي يا زيد. اقف جانبي احميني منهم. أنا ما قولتش اسمك غير وأنا واثقة إنك الوحيد اللي هتحميني منهم. مش إنت وعدتني إنك هتحميني طول عمرك؟
أولى ظهره وعض على طرف شفته تسجد منه الحماية وهو الآن حشر معها في مأزق لا تدركه. صر على أسنانه وكور يده وهو يجيب بحنق: ـ ما فيش حماية ولا غيره. جدك عرف إنك كنتي بايته في أوضتي. اتسعت عينها وهي تطالع ظهره بدهشة وكأنها ترى انفعاله وما يدريه عنها. سألت مترددة: ـ بلال أكيد بلال عملها. لوى عنقه يسألها بضيق: ـ عرفتي منين؟ أجابت وهي تكاد تسقط أرضًا من فرط القلق: ـ هو هددني يا أتجوز عامر يا يفضحني ووراني الفيديو.
ازداد "زيد" ضيقًا وغضب ظل يعتصر يده حتى برزت عروقه. سكت تمامًا فسألته بقلق: ـ زيد هتعمل إيه؟ استدار لها وقد ظهر على وجهه الاستمتاع وهو يخبرها بتسلية تامة: ـ جيتيني في ملعبي. حدقت به مليًا وهي تسأل بدهشة: ـ يعني إيه؟ حك طرف ذقنه وهو يقول مبتسمًا بمكر: ـ يعني جيتيلي من السماء يا صبا. مش إنتي عايزة حماية؟ أنا هحميكي وهربيكي. تسارع نبضها وهي تخشى معاندته. لوحت بإصبعها لتردعه بفزع: ـ اوعي توافق يا زيد ارفض. حرك رأسه
برفض قاطع وهو يقول بجدية: ـ اسيبك، دا على جثتي. مش عاملة جريئة وطالبتي إيدي ألف ألف مبروك والله فرحتلك. ركلت الأرض من تحتها وصاحت به بضيق: ـزيد ما تعندش في دي كمان. أنا أصلًا مش بطيقك. أنا أقصد إنك ما تتهورنش وحالي هيقف على ما يقنعوك. ماهو مش هرفض عامر وأتجوز واحد جلف زيك. ضيق عينيه وهو يستمع لإهانتها وقدر قرر أنها بالفعل تستحق ما ينوي. فصر على أسنانه ليكبح جماح غضبه:
ـ أنا قولتلك من الأول إنك عايزة تتربي وأهي جات الفرصة أربيكي واللي يحضر عفريت يصرفه. لم تتحمل كم الضغط الذي يثقل كاهلها. لا والد يساندها ولا من ادعى حمايتها. دارت الأرض من أسفلها فما عادت تريد العيش ولا حتى انتظار الأمن والحماية. استسلمت لدوار الذي انتابها وسقطت مغشيًا عليها فورًا.
لم يبدِ أي تأثير عندما تكومت على فراشه. ووقف يطلعها ببرود دون أن يهتز له رمش. دفع وجهها ليتأكد أنها لا تتصنع هذا، لكنها بالفعل كانت مغشيًا عليها. زفر وهو يتمتم بضيق بعدما ورطته في مشكلة أخرى: ـ إتحدفتي عليا من أي داهية يا بت انتي.
خرج تمامًا من الغرفة واتجه إلى جده على الفور. هرول عبر الدرج لينقذ التي سقطت في غرفته. لم يجرؤ حتى على لمسها، بات "صبا" لن يقربها أحد دون أن يؤذيه. بعدما انتهى جده من توبيخ "بلال" وعاد من جديد إلى مكتبه، دلف إليه بعد أن طرق بابه وسمح له بالدخول. وقف من جديد أمامه، لكن جده كان يأبى النظر إليه. سأله بجدية: ـ خير يا ابن نادر! أجاب باقتضاب وكأنه يقتصر المدة التي يتواجد فيها معه. لأول مرة يقسوه عليه لهذه الدرجة:
ـ صبا مغمى عليها في أوضتي. التفت إليه ورمقه بحدة وأعينه تلمع كصقر رأى لتو صيد ثمين وسأله بغضب: ـ صبا كانت بتعمل إيه في أوضتك؟ أمسك "زيد" طرف أذنه وكأنه يلهي نفسه عن الحرج الذي وقع عليه: ـ كانت بتنيم "مريم". وثب من كرسيه واتجه صوبه وهو يسأل متسرعًا وكأنه يتهمه بشيء: ـ وإيه اللي خلاها يغمى عليها؟ إنت عملتلها إيه؟ وضعته "صبا" لمرة أخرى في موقف حرج، فهتف مجيبًا وهو ينظر في عينيه دون خوف:
ـ عشان قولتلها إني موافق ع الجواز. وصل "فايز" إليه، لكن نظراته الشرسه لم تختفِ. وقف بوجهه وهتف من بين أسنانه: ـ كدا كدا كنت هـــتــجــوزها غصب عنك، سواء حكمت على نفسك أو لاء. دا حكمك إنت بس. حكمي أنا إنــــك هــــتـــجــوز "نـــهــى "كـــمـــان. ذكره قائلاً:
ـ قولــتــلك قبل كدا أنت هتجوز اتنين. إنت هتبقى الكبير. مرات الكبير ما ينفعش تبقى كتيرة الغلط. وإحنا جربنا "غالية" الله يرحمها وكانت ست الستات. أكيد أختها هتكون زيها وهتفهم طبعنا وتقدر مكانة جوزها.
أنهى كلامه بأن دفعه من وجهه تاركًا إياه مذهولاً. ليلة واحدة قلبت حياته رأسًا على عقب. خرج من الغرفة تمامًا. لم يجد "زيد" قولاً واحدًا. أصبح مقيدًا مجبرًا على وضع لم يريده يومًا ولم يرتاح معه مهما طالت الأيام. زواجه من "صبا" حتمي وليس من أجل اختيارها، بل من فعل أهوج لها توثيقه بالأدلة. وزواجه من "نهى" حتمي أيضًا لأجل بقاء "مريم" بين أحضانه. مع كل هذا الضغط الذي يوضع به وصدمات أخرى تلقاها بسبب ولائه لهذه العائلة. الحفاظ على ابنته يحتاج تضحية. والخطأ الذي ارتكبه مع "صبا" يدفع ثمنه. كل هذا سيجعله نيزكًا سيعود لشخصية قديمة كرهاً. شخصية كانت تعجبهم لكنها لازالت تؤرق ضميره.
"في منزل بثينه" صاح "حكيم" مذهولاً مما سمعه من زوجته: ـ إيه اللي بتقوليه دا؟ إنتِ رايحة تتفقي على الفرح ولا تخربي الجوازة يا بثينه؟ صاحت هي الأخرى بضيق: ـ نعم! إنت ما خدتش بالك من كل اللي قولته ولا إيه؟ البت رفضت بصريح العبارة. نتحايل عليها إحنا؟ انتفض "حكيم" من جلسته وهدر غاضبًا: ـ أيوا نتحايل عليها البت ومش نتحايل وبس. دا إحنا نبوس راسها كمان. نهضت "بثينه" هي الأخرى لتقول مستنكرة: ـ ليه يعني؟ تكونش السفيرة عزيزة؟
أشار "حكيم" وهو يوضح لها بانزعاجه من سطحية تفكيرها: ـ لاء مش السفيرة عزيزة. دي الوحيدة في عيلة الواصل اللي مكتوب ملك باسمها يا أغبى رأس في الكون. البت دي كانت هتبقى ورثك. صدمت "بثينه" من حديثه الذي لم تحسبه بهذه الطريقة التي تضمن لها إرثًا من وراء والدها. بعدما يرث "زيد" كل الثروة التي يترأس بها العائلة. لكنها كانت مصرة على رفضها لغيرتها الشديدة عليه وردت بانفعال:
ـ ورث ولا مش ورث. أنا كدا كدا أبويا مش مخليني عايزة حاجة؟ لطم "حكيم" يده ببعض وهتف من بين أسنانه: ـ خلاص روحي قولي له يا أبا أنا عايزة تكتب لي أرض البوابة. ولا بلا ش البوابة هي بقت بتاعة صبا؟ قولي له عايزة حتة أرض صغيرة من عندك.
تعرف "بثينه" القوانين التي لا يتجرأ أحد على تعديها. ليس لأي شخص ملك باسمه. لم يتميز أحد سوى "صبا" بهذا الانفراد والتميز. حتى "زيد" لن يحصل على شبر واحد إلا بوفاة جده. سيستلم من بعده كافة الأملاك ليديرها ويسيطر على الجميع بها. تقطع صوتها وهي تجيبه: ـ هو، ااا، يعني، مستحيل يرضى. صاح بها "حكيم" وقد زاد انفعاله: ـ شوفتي إنك بغبائك دا ضيعتي على ابنك فرصة كبيرة قد إيه؟ صمت قليلاً وهتف مضيقًا عينيه:
ـ ولسه ولسه يا عيلة الواصل. "صبا" دي هتوصل اللي ما حدش وصله من قبل. "صبا" هتبقى حوت كبير هيبلعكم بلع. "في منزل مها" تحدثت مع زوجها "حسين" عبر الهاتف تسأل بحيرة بعدما أخبرها بخطبة ابنته إلى ابن عمها عوضًا عن ابن عمتها وكتب الكتاب سيكون قريبًا: ـ إزاي يعني؟ إنت مش عارف إيه حصل يعني؟ أجاب بتوتر من هذه المفاجأة:
ـ لاء مش عارف حاجة. أبويا بعد ما قالي هجوزها "عامر" اتصل بيا من شوية وقالي إنه خطبها لابن عمها زيد وإنه شايف ده الأنسب. صمت لدقيقة لتسمح لعقلها بالتفكير ثم تساءلت قائلة: ـ وإنت شايف إيه؟ أجاب "حسين" عبر الهاتف: ـ اللي يشوفه أكيد يعني مش هيسلمها لأي حد. وبعدين أبويا لسه بعقله وعقله يوزن بلد. حكت طرف ذقنها لإيجاد حجة مناسبة لاقناعه، لكن الوضع كله غامض وليس من الذكاء طرح أي أسئلة. هتفت دون تردد:
ـ طيب تحب أسافر أشوف إيه الوضع وأبلغك. أسعده جدا محاولتها لإسعاد ابنته والإطمئنان على وضعها وقال: ـ الله عليكي يا مها. مش عارف أرد جمايلك دي إزاي؟ تردد قائلاً: ـ لأحسن أكون بتعبك معايا. هتفت هي بترحاب: ـ لأ إزاي مافيش تعب ولا حاجة. أنا إن شاء الله هسافر وهاخد معايا "رشدي" عشان الطريق وكدا. وممكن أستناك هناك لحد ما تيجي. رد عليها فرحًا بمساعدتها:
ـ ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي. أنا عمري ما هنسى جميلك دا وبكرة أعوضك عن كل حاجة ونعيش أنا وإنتي وليد متهنين العمر كله. "في الصباح" صرخة مدوية كانت من جانب "ونيسه" أطلقتها بجنون عندما سمعت بخبر زواج "زيد" من صبا: ـ يااااالــــــهـــــــــــووووتــــــى! أسكتها "فايز" بعصبية: ـ ونيسه إخرسي. والله في سماء لو فتحتي بوقك لأكسر دماغك. أشاح "زيد" وجه عنها يعرف أنها لن تقبل بسهولة ومهمة إقناعها بأمر كهذا شبه مستحيلة.
هرول "عماد" على صوتها وصراخها العالي يسأل بفزع: ـ في إيه؟ حصل إيه؟ أجابت "ونيسه" وهي تمسك برأسها وتولول ببكاء: ـ تعال شوف ابني البكري هيتجوز بنت بشرى على آخر الزمن. نظر "عماد" صوب أبيه وكأنه يلومه على ما وصل إليه الحال فهتف بضيق: ـ بقى كدا يا حاج ترفض "بلال" وترضى "بزيد"؟ إنت هتفضل طول عمرك مش شايف غيره. زعق به "فايز": ـ إنت يوم ما تفهم القيامة هتقوم. رد عليه "عماد" غير مقتنع بقراره المتعسف:
ـ أنا مابقتش فاهمك. هو زيد دا فيه إيه زيادة عشان تتغاضى عن أخطائه وتعلق المشنقة لغيره؟ وإنت.... قاطعه "فايز" مشددًا: ـ عماد.. كلمة كمان والله في سماء ما هتقعد فيها. أنا مش ناقصك. سحب "عماد" ملابسه بضيق ليبتعد من وجهه قائلاً: ـ خلاص خلاص أنا ماشية لوحدي. قال كلماته وانطلق نحو بوابة المنزل غير مهتم بما قد يحدث جديد. بقيت ونيسه تحاول جاهدة تغيير القرار الذي اتخذه فايز وزيد:
ـ أنا مش هقبل بيها مرات ابني لو عملتوا فيا إيه. أنا مش هرضى بيها. تحدث "فايز" بنفاذ صبر وقد أوشك على الجنون من تصرفاتهم المتخبطة: ـ إنتِ عايزة نعمل إيه بعد ما ابنك صورها خارجة من أوضته وعمتها شافت الفيديو وابنك التاني بايته في أوضته.... ردت "ونيسه" مداعبة وهي تلوح بشراسة ودموعها الحارة تسقط على جنتيها: ـ لاء أنا عارفة ومؤكدة إن ابني ما عملهاش حاجة. زيد ما يصدقش عليه الكلام دا. هي السبب هي أم البلاء تلاقيها....
قاطعها "فايز" بشراسة وهو يضرب بعصاه الأرض: ـ هس إسكتي. إنتِ نسيتي إنك بتكلمي عن حفيدتي. كادت تزداد انفعالاً وهي تسأله متأثرة: ـ وأنا ما فكرتوش فيا؟ أجابته كانت أشبه بحكم نهائي ليرمي كلماته بسخط ولوم: ـ ولادك اللي جــــابوه. كفت دموعها لكن رغماً عنها كانت تولد غيرتها. والتفتت إلى ابنها "زيد" لتمسك بتلابيبه وهى تهتف متوسلة:
ـ زيد إسمع كلامي. أنا البت دي مش هيجي من وراها إلا الخراب. وإنت اللي هتمسك العيلة من بعد جدك. يعني دي بالذات ما تنفعكش. دي بالذات هتخرب العيلة. رغماً عنه يحن لوالدته ويتألم لدموعها الساقطة. هو الذي أقسم ألا تنزل لها دمعة واحدة طوال حياته. احتضن وجنتها بيده ومسح بأطراف أصابعه وجنتيها ليزيح حبات الدموع عنها وهتف مطمئنا: ـ ما تخافيش أوي كدا يا أمي. مش إنتِ كنتي عايزاني أتجوز؟ أديني أهو هفرحك. صاحت متشنجة:
ـ أيوا نفسي اتجوز بس إلا دي. كان متأثرًا برفضها. أبت الكلمات أن تجري على لسانه لكنه كان مجبراً لقولها: ـ هتبقى عـــدد. أنا كدا كدا هتجوز "نهى". اتسعت عيناها وهي تسأل بدهشة من هول المفاجأة: ـ إنت هتجوز الاتنين؟
اكتفى بالإيماء. وعندها تجمدت تمامًا. سلسلة جديدة من الظلم يتعرض لها ابنها كما تعرضت لها من قبل وغصبت على الزواج من "عماد" وعاشت سنوات من الجحيم الأبدي تحت سقف هذا المنزل. ليدخل ابنها دائرة جديدة ويظلم من نفس العائلة التي ظلمتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!