وصلت "مها" إلى بيت الجد "فايز" مع حفيده "وليد" وأخيها "رشدى". رحب بهم للغاية، لكن توتر الجو العام كان يتضح للأعمى، وخصوصًا مقابلة "ونيسه" الباردة والغير مرحبة بالمرة. استأذنت "مها" من الجد "فايز" إبقاء أخيها معها الفترة التي تنوي البقاء فيها بالقصر، ووافق، حيث أن القصر أغلبه بل كله شباب. وخصص له غرفة في زاوية القصر أيضًا حتى تستطيع "صبا" أخذ حريتها.
بعد مدة لا بأس بها، أخيرًا ظهرت "صبا" ورأتها "مها" وهي تنزل عن الدرج، وقد لاحظت تغيرها في المدة التي مكثتها هنا. طالعت هيئتها النحيلة وثيابها الطويلة والواسعة بابتسامة شامته. التقطتها "صبا" فورًا، وما إن اقتربت منها حتى اختطفتها "مها" بين أحضانها بود زائف: "حبيبتي... والله وحشتيني." أردفت هامسة بالقرب من أذنها: "شكلك ماشية على عجين ما تلغبطيهوش هنا."
أغضبتها زوجة أبيها بحضورها الذي تعرف أنه ليس لصالحها أبدًا. إنها جاءت لتهدم المعبد على رأسها. ابتلعت إهانتها وابتعدت عنها. ليُصافحها "وليد" بسماجة: "إزيك يا صبا؟ أجابته "صبا" بامتعاض: "كويسة." وبسرعة تفاجأت بحضور "رشدى" الذي أقبل يصافحها بحرارة قائلاً: "إزيك يا صبا؟ شعرت بالضيق لحضوره وظهر الاشمئزاز على تعبيراتها، مرددة بجفاء واقتضاب: "كويسة." أشارت "ونيسه" إلى أحد الجوانب وهي تقول بتعب وحزن سيطر على وجهها:
"اتفضلي ارتاحي في أوضتين جنب بعض ليكي ولأخوكي لحد ما نجهز الأوضة اللي في الجنينة." الحديث مع "ونيسه" ليس الأول، لكن "ونيسه" كانت جافة تمامًا مع الكل بسبب حالتها النفسية السيئة في هذه الفترة. هناك حجر ثقيل على قلبها يصعب عليها إزاحته. التفتت إليها "مها" وهي تود استكشاف المزيد من الأشخاص، وبالأخص العريس "زيد الواصل"، لذا قالت:
"أنا مش تعبانة بصراحة، أنا كان نفسي أقابلكم من زمان وأتعرف عليكم بشكل أكبر من يوم الفرح. ما شفتش حد فيكم ولا حد زارنا." أجابت "ونيسه" بضيق، فهي ليست لها طاقة للحديث، فقد أتت متأخرة وفي وقت غير مناسب، لذا هتفت بضيق: "يلا معلش، إحنا عوايدنا كدا والستات عندنا ما بيطلعش من باب البيت إلا للضرورة." التقطت بسرعة "مها" الكلمات من فمها وهدرت متصنعة الدهشة: "معقول يعني "صبا" بعد ما تتجوز مش هتجينا؟
وكأن هناك عقرب لدغ "ونيسه"، لدغتها بنظرة نارية ستقتلعها من مكانها وتحذرها من فتح هذا الموضوع الذي تريد إنكاره بشدة. دقائق معدودة من نظراتها العصبية وضحت بشكل كافٍ لـ"مها" أنها ترفض الزيجة بشكل قاطع. أخيرًا ردت "ونيسه" بغضب: "عايزينها؟ خدواها من دلوقتي." الإجابة أثبتت صحة ما يدور في عقلها، لكنها أحرجت بشدة "صبا" أمام رشدي و"مها" التي لم تغفل عن رسم ابتسامة شامته على ثغرها لتغيظها. هذا ما جعل "صبا"
تضيق عينيها وتنفعل قائلة: "ياسلام على الكرم، ومين قالك إن دا برأيك؟ سحبت الفتيل لتنفجر "ونيسه" التي بالكاد تتحمل وجودها، وصاحت بها: "اقطعي لسانك يا بت، إنتي الرأي هنا رأيي والامر أمري، واعوك تسندي على جدك. جدك مالوش دعوة بتصرفات الحريم." عرفت "مها" أين تقفز، أمسكت بذراع "صبا" لتجذبها بالقرب منها وتقول بمكر: "عيب تردي على حماتك كدا، معقول مش عارفة تتعلمي الأدب لحد دلوقتي؟
"حقك عليا يا ونيسه، أصلها لسه ناقصها كتير عشان تتعلم." انزعجت "صبا" بشدة من تبرير زوجة أبيها وهمت لتعترض، لكن الصوت الرقيق الذي ناداها بطلاقة كان لمريم التي لم تستطع "صبا" تجاهلها: "صبا... التفت إليها ورأتها تركض تجاهها ممسكة بدميتها. فتحت "صبا" ذراعيها لها وتضمها إلى أحضانها. سألتها "مريم" بعفوية وطفولة: "مريم حلوة؟ اغتصبت على شفتيها ابتسامة لم تصل لقلبها وهي توافقها قائلة: "مريم أحلى واحدة." سريعًا سألت "مها"
ونيسه: "الله، ومين بقى الحلوة؟ أجابتها باقتضاب وهي تشيح بوجهها، فما عادت تحتمل الوقوف معهم: "بنت زيد." شهقت بذهول وهي تردد مصدومة: "الـــــعــــريـــس... "في غرفة مها" لقد عرفت كل شيء فور وصولها، ولم تبق "ونيسه" في جعبتها شيء حتى تجعل الرفض النهائي يأتي من قبل والدها "حسين"، لعل "زوجته" توضح له الأمر وتنهيه قبل أن يبدأ. برغم معرفتها التامة بأن حماها إن أقر قرارًا فلا راجع له. جلست بوجه "صبا" وهي تنهرها بحدة قائلة:
"إنتي غبية يا بت، إنتي. عايزة تتجوزي واحد أرمل ومعاه عيلة وفوق كدا هيتجوز واحدة كمان. إنتي اتجننتي؟ تحملت "صبا" سبابها اللاذع الذي اعتادته، لكنها بدأت ترفضه مؤخرًا. هي تريد مخرجًا من كل هذا، متأملة في زوجة أبيها بكل حقدها تخرجها منه. هتفت بضيق: "وإنتي عايزاني أعمل إيه؟ جدي حكم عليا اتجوز عامر ابن بنته، واقسم بالله زيد اللي مش عاجبك دا جنبه رحمة، فقولت أحط العقده في المنشار، بس طبلت على دماغي." زمّت "مها"
شفتيها وهي تنهرها من جديد: "هتفضلي طول عمرك حماره، ورشدي كان ماله يعني؟ أطالت "صبا" النظر إليها بانزعاج لتخبرها دون نطق سبب رفضها الذي يعرفاه معًا. تلعثمت وهي تبرر قائلة: "إنتي فهمتي اللي عمله رشدي معاكي غلط، هو بيحبك يا صبا وإنتي مش مقدره." نهضت من مكانها وهي تقول بحزم: "ما تتكلميش في الموضوع دا لو سمحتي." تبعها "مها" وهي تنظر إليها بقلق تحاول توضيح الأمر بمكر:
"يااا عليكِ يا صبا، إنتي وقتها كنتي صغيرة أوي ولسه لحد دلوقتي مش فاهمة. إنه بيحبك وهيموت عليكي يا حبيبتي، الرجالة مش بتعرف تعبر عن حبها غير كدا، وهي حتة البوسة دي وقفتلك في الزور."
التفت إليها "صبا" وقد ازدادت ضيقًا من حديث نهته منذ زمن وعاشت مجبرة على الصمت، بسبب سيطرة زوجة أبيها وإرهابها من القول لأبيها. تسترت تمامًا على فعلته وعاملتها كأنها لم تكن. لقد أخذت وقت طويل حتى تخرج من حالة الهلع التي انتابتها فترة طويلة. أخيرًا استطاعت الرد عليها بزنقة لا توازي ما بداخلها: "أنا عمري ما حبيت رشدي أخوكي، ولو كان آخر راجل مش هتجوزه."
رفعت أحد حاجبيها وهي تستمع إلى حديثها دون اهتمام، ورمقتها بنظرة ثاقبة، ثم سألتها عندما فرغت: "وعلى كدا بقى بتحبي زيــــد؟ لا تعرف لما الكلمة أرعبتها. هي لم تحبه، لكنها تشعر بأنه ركن آمن، خاصة في هذه الفوضى التي تجتاح حياتها. رفعت كتفيها ونفضت رأسها لتؤكد: "لأ، زيد كان طلب تعجيزي."
مازالت تفحصها بنظرات ثاقبة لا تصدق ما تقول، بل تشعر أن زيد هذا منافس قوي لأخيها. تشوقت بالفعل لرؤيته، وقبل أن ترد عليها قاطعها في ذلك طرقات الباب، فما نطقت سوى بكلمة: "ادخل." لتفتح الباب "نجلاء" مخبرة إياها بـ: "فايز بيه عايزمك." "في الخارج"
جلست مع "فايز" وباقي العائلة، بدأت بالتعرف على الجميع، وبدا الترحيب باهتًا، لكن كان واضحًا سعادة "فايز" بحضورهم وانضمامهم للعائلة. ضم "وليد" إلى جانبه وطالعه بسعادة، لطالما تمنى أن ينضم كل أفراد أسرته في بيتا واحد وإلى جواره. وبعد حضور وليد آخر أحفاده زاد شعوره بالارتياح.
تجاذبت "مها" أطراف الحديث مع كلا من "بلال" و"يحيى" بغرض اكتشافهم وتأثير حضور "صبا" في المنزل. استمرت الأسئلة حتى وصلت إلى هذا السؤال الذي وجهته بدقة لـ "بلال": "إنت على كدا مبسوط إن صبا هتجوز زيد؟ التفتت "صبا" إلى سؤالها الذي قد يكشف الكثير. "بلال" لم يجد حرجًا في إخبارها، لكن نظرات "جده" التي تسلطت عليه. نظر باتجاه صبا التي ظهر عليها التوتر، واكتفى بالرد ببرود: "لايقين على بعض." لكن جموح "يحيى"
كان أقوى ليستأنف بسخرية: "أومال الستر واجب." نفض "فايز" لينهاه غاضبًا: "يحيى... اهتز جسد "يحيى" فزعًا من مناداته وأصدر همهمات غير مفهومة ليبحث عن شيء يغطي ما قاله، لكنه لم يجد. اكتفى جده بأن زجره بنظرات حادة، وبقي "رشدي" يرمق "مها" بنظرات مستفسرة، لقد بدأ يشعر أن هناك أمرًا خفيًا ويحث أخته على اكتشافها. ابتسمت ابتسامة صفراء ونظرت باتجاه "فايز" وهتفت بلطف:
"سيبه على راحته، أنا مربية صبا وعارفة طبعها، هي شقية جدًا ومش بتسمع الكلام. مش أي حد ممكن يتقبلها ويتعامل معاها." صرت "صبا" على أسنانها غضبًا من تقليلها من شأنها، لكنها دائمة الشكوى منها دون سبب والإدعاء عليها بالكذب. رد عليها "فايز" مجيبًا باقتضاب: "بكرة ما يبقاش أحسن منها." ابتسمت نصف ابتسامة وسألت مغايرة للموضوع بالكامل: "أومال "زيد" فين؟ عايزة أشوفه."
لم يجبها أحد، "فايز" لا يحب الثرثرة وقد نالت ما يكفي من الإجابات، الجميع ادعى الانشغال. "ونيسه" كانت تتناوب عليهم وتقدم لهم المشروبات وبعض الحلوى السريعة، فأجابت نيابة عنهم قائلة: "في الشغل." أمسكت من يدها الصينية وهتفت بتودد شديد: "معقولة تاعبة نفسك؟ إنتي بقالك مدة واقفة." التفت لـ"صبا" وهي تستأنف بمكر: "قومي يا صبا ساعديها إنتي، أكيد عارفة أكتر مني."
تعرف كره "صبا" لأعمال المنزل، لذا تضغط عليها أكثر. أجابت عنها "ونيسه" قائلة بجفاء: "أنا ما بحبش أدخل بيتي حد غريب ولا أكل ولادي غير من إيدي."
لازالت تعتبرها غريبة. هناك أيامًا ثقال ستقضيها "صبا" تحت سقف هذا المنزل حتى يكن لها مكانة. لم يخفَ على "مها" هذا النفور والنكران من الجميع، وتأكدت تمامًا أن هذه الزيجة فاشلة، لكن عناد "صبا" عائق كبير، خاصة عند موافقتها وترحيب الجد بهذا الزواج حتى ولو كان ضد رغبة الجميع. بقي "زيد" الرجل المختفي الغامض الذي تستمع عنه من وقت حضوره، لكنها لم تره. الفضول يتزايد لرؤيته واستكشافه كالبقية.
بعد مدة قصيرة دخل المنتظر "زيد". ركضت "مريم" تجاهه ومناداته بـ: "بابا... وهو ما جعل "مها" تلتف بانتباه، وبسرعة شملته بنظرة متمعنة، وكان يسر جدًا اكتشاف أنه مختلف عن الجميع. لديه حضور طاغٍ وهيبة توضح أنه ليس بشخص عادي أو هين. حمل ابنته بين ذراعيه وتقدم إلى وسط المكان ليلقي سلامًا هادئًا باقتضاب: "سلام عليكم."
لم يحصل على ترحيب من إخويه، وهذا كان ظاهرًا على تصنعهم بالانشغال بالهواتف. كذلك جده الذي لا يزال غاضبًا منه. لا أحد يُمعن التركيز معه سوى "مها" و"رشدي" لاستكشافه. أجابت "ونيسه" وهي تتحرك باتجاه: "وعليكم السلام، أحضر لك عشاء؟ سؤال معتاد تعرف إجابته مسبقًا. ابنها البكري ليس له مكان هنا، لا يعتبر نفسه منتميًا لهذا القصر، فطعامه دومًا من الخارج وغداؤه لوحده. كانت متأكدة من أنه سيرفض، لكن الأمل في تغيره لم ينقطع. أجاب:
"اتعشيت في الشغل." هم ليغادر مع ابنته دون الالتفات لباقي الحضور الذي يعرفهم، لكن "جده" قاطعه في ذلك هادرًا: "إقعد سلم على الضيوف." حاد النظر عنه وسأل "مها" دون اندهاش: "مرات عمي حسين مش كدا؟ أجابت وهي تفحصه بروية: "آه، أنت بقى زيد ابن المرحوم نادر." كان سؤالًا صادمًا بالنسبة لـ"صبا". لم تكن تعرف أن "زيد" يتيم هو الآخر، كانت تظن أنه ابن "عماد". انتبهت إلى الحديث ووجدت نفسها تسأل بدهشة:
"لأ ثانية واحدة، هو زيد مش ابن عمو عماد؟ السؤال لفت نظر الجميع، بالأحرى جهلها الأمر كان مدهشًا أكثر من دهشتها هي. ضغطت على نقطة أليمة بالنسبة لـ"زيد" و"ونيسه". اكتفى هو بالصمت، وهدرت "ونيسه" ساخطة: "لأ، إنتي ما تعرفيش إن كان ليكي عم تاني؟ تسلطت عليها العيون وأصبحت في خجل، خاصة أمام "زيد" الذي أشاح بوجهه رافضًا النظر تجاههم. تدخل "فايز" لينقذها من الحرج قائلاً: "وهي هتعرف منين؟ كانت صغيرة وقتها."
التفت إليها ليقول بلطف: "أيوا يا صبا، زيد ابن عمك المرحوم نادر، الله يرحمه." سكت قليلاً كأنه يسترجع الذكريات واستأنف بابتسامة متألمة: "كان أطيب واحد في الدنيا دي كلها، كل حاجة فيه كانت بتقول إنه الدنيا دي ما تستاهلوش. كان ابن موت ساب زيد والبركة فيه." ردت "مها" وكانت أول من يرد: "الله يرحمه، وبعدين يا صبا برضوا عمو عماد زي أبوها." كانت تلقي بجمر لا كلمات على قلب "زيد". حاول الثبات وهو يرد طائعًا: "طبعًا." ثم قال
بجدية حتى لا يعارضه أحد: "عن إذنكم، فرصة سعيدة، نتقابل الصبح." غادر دون انتظار سماح من أحد. وفورًا تغيرت ملامح وجهه للتهجم، وزاد من ضم "مريم" إلى أحضانه. تركه جده، فهو أعلم شخص بالحقيقة. ما عاناه من عمه لن ينساه ولن يهضمه مدى حياته. اكتفى هو الآخر من هذه الجلسة وهب واقفًا ليقول: "وإنتوا كمان تصبحوا على خير."
نهض الجميع طاعة له وانفضت الجلسة من ورائه. بقيت "مها" مع رشدي تتابع المغادرين بصمت. هب "رشدي" من مكانه عندما خلت القاعة وصاح بأخته غاضبًا: "بقى هو دا اللي هي عايزاه؟ ما ترضاش بيا أنا وتوافق على دا؟ زفرت أنفاسها بملل من غضب أخيها المفرط وعدم صبره فيما يريد الحصول عليه: "يووه يا رشدي عليك، اصبر يا بابا. اللي أنا شايفاه إن الدنيا كلها هنا مش عايزة صبا." "زيد" نهضت لتقف بجواره وهي تقول:
"وجهنم الحمراء أهون لصبا من العيشة هنا." لم يهدأ من كلماتها بل ازداد غضب وهو يتساءل: "أومال في إيه؟ أجابته وهي تحسه على التريس: "اللعب كله عندك، اتقرب منها وإثبت حسن نية عشان تميل دماغه." بدأ يقتنع ويستعد. مسح كفيه ببعض وهتف بحماس: "ماشي، أنا مستعد." بتّرت حماسه محذرة: "ما تتغشش مش زي المرة اللي فاتت، وخلي بالك هي مش ناسيه اللي حصل."
وضع يده أسفل ذقنه وتحير ماذا يفعل كي يؤثر عليها. ما الذي يقنع امرأة بالزواج ممن تحرش بها؟ كان جاهلاً تمامًا أن "صبا" قد تلقي نفسها بالجحيم ولا تقبل به هو. بالنسبة لها شيء منتهى. وإن كان قدرها "رشدي" ستقبل بالجحيم. "في الصباح" استيقظت "صبا" وتجهزت للنزول، لكن قبل هذا كانت تريد مقابلة "زيد". تود أن تطلب منه المساعدة، لكن ما وجدته في غرفته وجدت "مريم" فقط. تعجبت من تركه للغرفة دون انتظار نجلاء لتسليمها "مريم" حتى.
سألتها "مريم" بصوتها الرقيق: "مريم حلوة صح؟ ابتسمت لها "صبا" وأخبرتها فرحًا بها وبسلاسة حديثها مؤخرًا: "مريم أحلى واحدة." تفرح "مريم" برد فعلها وكأنها تطمئن على مكانتها وتستمد منها فرحتها. احتضنتها "صبا" ورفعتها بين ذراعيها لتحملها على كتفها وتركض بها للأسفل بعدما فقدت الأمل في مقابلة زيد.
نزلت على الدرج وقد سبقتها زوجة والدها في النهوض. رأتها وهي تحمل "مريم" على كتفها وتخطو بها نحو الأسفل، فرمتها بنظرة ساخرة وابتسامة مماثلة. وعندما وصلت إليها هتفت بسخرية لازعة: "إنتي عاملة زي الخدامة اللي على إيدها عيل كدا ليه يا صبا؟ انزعجت "صبا" من حديثها وأنزلت "مريم" عنها حتى تستطيع الرد عليها بما يناسبها بعيدًا عن أذن "مريم". ردت مزمجرة: "خدامة؟ هو أصلك بينقح عليكي؟
لم تتهاون معها وأقحمتها بماضيها. يكفي ما عاشته معه من إهانة وعنف بعدما كانت يومًا ما مربيته. باغتها "مها" بلطمة قوية على وجنتها جعلت جانب فمها ينزف. أكثر ما يؤلم "صبا" العنف. أن يرفع أحد يده عليها. لقد تربت تربية قاسية جعلتها ترتجف إن لوح أحد أمامها، رغم أن جسدها اعتاد، لكن روحه لم تعتاد. أجفلت عينيها وهي تحاول التماسك، لكن رغما عنها أدمعت عينيها. مسحت وجهها سريعًا وقلبها يرتجف.
فجأة انسحب الهواء من حولها وانطلقت نحو البوابة الخارجية. التقطت أنفاسها، لكن مع سرعتها في التقدم والدموع التي أعتمت الرؤية لم تجعلها تلاحظ وقوف "زيد" الذي يبتعد عنهم بخطوات ليست بكثيرة، التي سمحت له أن يرى الموقف كاملاً. اصطدمت به دون مقدمات، وكأنه تلقفها من هاوية سحيقة كادت أن تسقط بها. كانت بحاجة قصوى أن تركن إلى أي كتف حتى لا تميل وتنهار، لكن رائحته النفاذة والتي باتت تعرفها جيدًا، هذا ما جعلها تنتفض وتهرب سريعًا من المكان.
نظر "زيد" لـ"مها" نظرة ثاقبة شعرت من خلالها أنه يريد اقتلاعها، لكنها أبدت عدم الاهتمام وهي تبرر قائلة: "على فكرة صبا ما بتجيش غير بالضرب. صبا عنادية ومستفزة، وأنت لو ما كنتش أقوى منها مش هترتاح عمرك." خلا وجهه من التعبير وهو يرد عليها دون تفاعل: "ما تقلقيش عليا، أنا بعرف أتعامل."
يعرف أنه سيأتي يوم ويعاقبها على هذه الصفعة أشد عقاب، لكن الآن صعب. عضت باطن وجنتها من الداخل، كل ما يتحدث يرعبها، ليس بالرجل السهل إقناعه أو حتى التأثير عليه. توجهت نحوه وألقت نظرة خاطفة على "مريم" التي تمسك بيده وسألته: "معقول هتجوزها عشان تربيلي البنت؟ تحاول تجاوزها وهو يهدر دون إعارة سؤالها أي اهتمام: "عن إذنك." توجه للداخل، لكنها وقفت بطريقة وهي تتعمد إيقافه لتخبره بجدية:
"لو كنت عايز صبا بصحيح لازم أكون أنا موافقة الأول." استمع لها دون نظر ليميل إليها مصرًا على تجاهلها وهو يهتف بحسم: "إنتي اللي لو عايزة صبا لازم تاخدي موافقتي الأول." اصراره ومغادرتها دون اهتمام لحديثها أرهبها. "زيد" رجل خطير فعلاً عندما يتعلق الأمر بشيء أصبح يخصه. "وقف في شرفته بالأعلى"
ليفرغ صدره من الغضب. الثبات أمام من تريد أن تنفجر به أمر صعب للغاية. لاحظ جلوس "صبا" في الحديقة على الأريكة التي في الزاوية تبكي وتحاول الوقوف، لكنها كلما نهضت جلست من جديد. لم ينكر شعوره بالأسف حيالها. أحيت ببكائها العاجز أشياء كثيرة كان يظن أنها انتهت وأصبح شخصًا جديدًا، لكن الماضي لا نهاية له والذكريات تلاحقه أينما وجه وجهه.
لاحظ اقتراب زوجة أبيها منها من جديد، لكنه فورًا التفت ليمنعها هذه المرة من مواصلة العنف معها. مهما حدث لن يسمح بالظلم. "بالأسفل" جلست "مها" إلى جوارها وهي تحاول إصلاح ما حدث، حيث أنه لا فائدة من دفع "زيد" عنها. "تانى بتستفزيني يا صبا وتطلعي أسوأ ما فيا." احتضنت وجنتها بيدها لتجبرها على الالتفات قائلة بحنان مصطنع:
"دا إنتي بنتي الأولى يا عبيطة، أنا عايزة أساعدك. لما طلبتي مني المساعدة فضلت طول الليل أفكر إزاي أخرجك من الورطة دي، وفي الآخر ألاقيكي نازلة وشايلة البت على إيدك." فحصت عبائتها السوداء الواسعة واردفت بازدراء: "ولابسة لبس لا من سنك ولا ستايلك، فين لبسك اللي مشيتي بيها؟ أجابتها "صبا" بضيق وهي تدفع يدها عن وجنتها: "زيد مش راضي ألبسه." شهقت مستنكرة: "نعم؟ ودا يرضى وما يرضاش ليه؟
يا حبيبتي طالما عايزاه أو مش عايزاه لازم تثبتي شخصيتك، مش كل اللي يتقال عليه يتقال حاضر. لأحسن الطاعة العمية دي هتوديكي في داهية." لم تجبها "صبا" وشردت ببصرها بعيدًا لتستأنف "مها" حديثها وسواتها: "لازم تثبتي له إنه مش من مستواكي، ولو كان عايز يتجوزك يقبلك زي ما انتي، مش يغيرك على مزاجه. خدي حريتك عشان يتأكد إنه ما ينفعكيش، والرفض يجي من ناحيته، وأعرف آخدك معايا."
الحلم لمع في عينها وكأنها طوق النجاة، فما اهتمت بيدها التي امتدت تخلع عنها حجابها وتدفعه لتحرر حتى تجبر "زيد" على تركها قائلة: "شيلي الطرحة وعيشي براحتك، اعملي عكس اللي يقولهولك عشان يزهق ويرفض ويبعد." "صبا وحشتيني." قالها "رشدي" الذي انضم إليهم، فانتبهت له ولم تجبه. كان أثقل مخلوق على قلبها. لاحظ تجاهلها وسأل معاتبًا: "كده برضو يا صبا؟
دا أنا زعلان عليكي أوي من وقت ما جيتي هنا وإنتي إنتفختي. بقى دي صبا اللي كانت وردة مفتحة؟ وصل إليهم "زيد" الذي اقتحم مجلسهم دون مقدمات وأشعلته نظرات "رشدي" المزعجة وتقربه منها. عض طرف شفاهه وهو يستكشف نواياه بسهولة. رؤيتها بينهم تشبه الغزالة التي وقعت فريسة بين الضباع. في بادئ الأمر كان قادمًا للدفاع عنها، لكن عندما رأى وشاح رأسها ملقى بإهمال وشعرها مكشوف تبدل غضبه وأصبح موجهًا لها هي. رمقه "رشدي" وهتف هازئًا:
"أهلا يا شبح." التفت إليه وقد التقط نبرته الهازئة بسهولة، ثم قرر تجاهله ليوجه انتباه لـ"صبا" متسائلاً بغضب: "قولت كام مرة ما تنزليش من غير طرحتك؟ دفعتها "مها" لمعارضته عندما ردت عليه: "وانت لسه ليك حكم عليها يا سي زيد؟ تجاهلها هي الأخرى وأشار لـ"صبا" بيده أن تقترب، لكنها بالفعل كانت خائفة منه. فزعق بها: "تـــعـــالـــي." وقف "رشدي" بوجهه ليقول: "مالك يا شبح؟ إنت مالك داخل حامي كدا ليه؟ دفعه عنه زاعقًا بضيق:
"إمشي يا بابا عشان ما أمدش إيدي عليك." كاد يسقط من دفعة لكن تماسك. شعر بالإهانة وأمام "صبا" تحديدًا، يريد أن يرد كرامته. أمسك بتلابيب "زيد" ولكمه بصدغه لكمة قوية جعلته يرتد للخلف. شهقت كُلا من "صبا" و"مها" وهم "زيد" ليرد لكمته والتي لم يتأخر بها كثيرًا وبقوة كبيرة لكم "رشدي" في وجهه. عندها تدخلت "مها" للدفاع عن أخيها عندما لاحظت تهاويه أمام قوة "زيد" وجم غضبه المتحفز لإنهاءه دون إعادة نظر. لكن لم تقو على إقصائه،
فصاحت: "ابعد عنه، إنت اتجننت؟ حوشيه عنه يا صبا." تدخلت "صبا" وبدأت بالمحاولة لابعاده، لكنه كان أقوى من أن تسحبه بعيدًا أو حتى تمسك يده التي تلكم "رشدي" بلا رحمة ولا تهاون. صرخت "صبا" به بقلق: "هتموته... كفاية، هيموت في إيدك."
وفي ظل هذا التوتر والدماء التي بدأت تسيل من وجه "رشدي" حتى أخفت ملامحه وبدأ فعليًا بفقد الوعي كليًا وهو بين يد أخته. قررت "صبا" الدخول بينهما ومحاولة تكبيل "زيد" الذي لا يسمع لأحد، وبعفوية شديدة احتضنته وارتمت بثقلها على صدره وثبتت قدمها بالأرض لتدفعه رغما عنه للخلف بعيدًا عن خصمه الذي أوشك على لفظ أنفاسه.
ما فعلته "صبا" جعل "زيد" يفوق من صدمته على صدمة أكبر. نظر إلى ما تفعله وتشنج جسده وجاهد لتخليص نفسه من بين يدها، لكنها كانت تخشى عودته إلى ما يفعل. صر على أسنانه وهو يسحق كلماته قائلًا بتعصب: "إبعدي عني." في هذه اللحظة سقط "رشدي" على قدم أخته التي صرخت عاليًا وهي تحاول إفاقته: "رشدي فوق، إنت سامعني؟
نظرت "صبا" باتجاه "مها" ورأت حالة رشدي المزرية والتي يتضح خطورتها، واستدارت لتنتظر لزيد الذي يحاول تخليص نفسه من بين يدها، لكنها سقطت في عينيه الهاوية حالكة السواد. كان غاضبًا بشدة وهو ينظر في عينها، كاد أن يحرقها بعينيه. فاقت على صوته الحاد وهو يأمرها: "نزلي إيدك عليا وابعدي عني." استجابت بسرعة عندما لاحظ الأمر وهمت لتستدير نحو "مها" و"رشدي"، لكنه أمسك ساعدها ليمنعها من الذهاب. عنفها قائلاً
وهو يشير بعصبية نحو وجهها: "إطلعي أوضتك وما تخرجيش منها تاني." تعجبت من أسلوبه ومهاجمته الحادة، وأيضًا حبسها بالغرفة أمر غير عادل، لذا ردت عليه باندفاع: "وإنت مين إنت عشان تحبسني، وليه أصلًا؟ اتسعت عيناه وهو يستمع إلى ردودها الخشنة وأسئلتها الباردة. أمسك بساعدها بقوة وصاح بها مجيبًا: "تصدقي فعلًا إنك ما تربتيش، وأنا اللي هربيكي." حاولت سحب ساعدها من بين قبضته، لكن قبضته كانت فولاذية يصعب إزاحتها.
عندما فشلت طالبته مزمرة: "سيب إيدي بقولك، سيب إيدي." لم يستمع لها واستدار وهو يمسك بها ويجرها خلفه. لم يهتم أبدًا بقياس سرعته بسرعة ها وتحرك للداخل، وهى تركض خلفه وتلكمه بشدة في ظهره يده حتى يتركها، لكن دون جدوى. ظلت تلعنه وهي توشك على البكاء: "يا بارد يا جلف يا رب تموت، سيب إيدي يا حيوان إنت."
لم يستجب لها برغم استزازها له، يريد تنفيذ غرضه ومنعها من الخروج حتى وإن اقتضى الأمر أن يغلق عليها بالقفل والمفتاح. وأثناء سيره للدخل سقطت أرضًا فصرخت عاليًا تستغيث: "آه، حد يخلِّى البلوة دي يسيب إيدي يا ناس ياللي هنا." التفت لينهاها عن هذا الصراخ الذي سيضخم الأمر ويتسبب بمشكلة كبيرة لها أولًا: "حطي لسانك في بقك، وإخرسي بقى." زعقت به دون اكتراث بصوت عال: "آخرس ليه؟ إنت واخدني على فين وبتعمل كده ليه؟
أجاب وهو يلتف حولها: "هتعملي لنفسك مشكلة كبيرة بتصرفاتك دي؟ لم تخف، تظن أنها بريئة وهو المخطئ فيما يفعل، فهتفت بتعصب: "لي بقى؟ أنا عملت إيه؟ ضربت رشدي؟ ولا عايزة أحبسك في أوضتك زي ما إنت عايز تحبسني؟ تذكرت إرادته وازدادت تعصبًا فأردفت: "يعني إيه تحبسني، وتحبسني ليه؟ إنت مين أصلًا عشان تحكم فيا؟ مال بجذعه لها ليزعق بغضب ناري: "أحبسك عشان قلعتي طرحتك وأخدتي راحتك، وفي واحد غريب في البيت. إنما أنا مين؟
فأنا هبقى جـــــــــــوزك." الكلمة الأخيرة صعقتها وعمت الفوضى بداخلها. نظرت إليه وهي ترى جنونه وتعصبه، منكرة تمامًا أنها في يوم من الأيام ستصبح زوجة لرجل عصبي مجنون غاضب وكئيب باستمرار، متعصب لرأيه، لا يهتم بما تشعر بقدر فرض سيطرته عليها. أدمعت عينيها وراحت ترجوه بنبرة انكسار: "والنبي يا "زيد"، بلاش، أنا مش عايزاك، سيب إيدي."
تفرض الشفقة فرضًا على قلبه وتجعله يزداد تعندًا، رغم أن الأمر خرج عن يده ويدها وأصبح مجبرًا على التنفيذ حتى ضد رغبتها. دفعه للغضب بتوسلها المحزن، فصاح بها: "إنتي ما بتفهميش؟ الأمر مش بإيدي ولا بإيدك. إنتي اللي حطيتينا في الورطة دي وخللتنا موضع شبهة. لو رفضتي إنتي وحياتنا هتدمر. قولتلك قبل كدا أنا مش شايفك وعمري ما كنت هتجوز إنتي أو غيرك."
نهضت من مكانها وكأنه أعطاها وقودًا لتستعيد نشاطها باستفزازه الواضح وتعمده التقليل منها بمحاولة إظهار عدم رغبته بها، فلكمته في كتفه بغلظة وهي تهتف متعصبة: "طيب سيب إيدي بقى، وإنت مين يرضى بيك؟ دا إنت أرمل ومعاك طفلة وأكبر مني وكمان مش عاجبك وبتقول مش شايفك. صحيح إنك جلف وما عندكش ذوق، يارب تموت يا ابن ونيسه." تركها توكز صدره بقبضتها الواهية التي لا تحدث أي تغير، ثم ألقى كلمته وهو يستدير من بين أسنانه:
"إمشي معايا على أوضتك، والله ما هتخرجي منها تاني لحد ما تعقلي." "في مكتب الجد فايز" كان يجلس بمقابلة "عماد" يستمع إلى توبيخه الذي لا يتغير ولا يجد له صدي أمام انفعاله ونهيه الذي ينادى به من سنوات. تحدث بحدة: "عماد، إنت سايب شغلك في المصنع بتاع الخشب ومش واخد بالك إنك بتسحب فلوس لحملة الدعاية بتاعت مجلس الشعب يا سيادة النائب." تحدث "عماد" بامتعاض: "وأنا أعمل إيه بس؟
الحملة عايزة فلوس ووقت، وبعدين أنا وزيد ما بنتفقش سوا، وهو ماسك الرسم والتنفيذ والعمال." استاء من حجة الواهية "فايز" وزعق به: "بلاش كلام فارغ، عندك المصنع والمزرعة، شوف اللي إنت عايزه. وإذا كان على زيد كدا كدا هيطلع منها عشان يفتح الفرع التاني وهيسيبلك البلد باللي فيها، إنما إنت شوفلك شغلانة تدخلك فلوس للحملة الدعائية بتاعتك. إحنا مش هنصرف عليك مليم تاني، يا ترجع لشغلك يا تشوف هتجيب منين فلوس الانتخابات."
قبض حاجبيه متذمرًا من شدة والده، فهتف معترضًا: "إنت بتعجزني يا حاج، ماهو يا دا يا دا." "رجع بظهره للخلف وتحدث بجدية: "دا اللي موجود، القوانين مش هتتغير عشانك أو عشان غيرك." سأله وقد انفلت غضبه وضيق: "أومال اشمعنا صبا اتكسر عشانها القوانين؟ استاء من حديثه وسأله بعصبية: "تقصد إيه؟ أجابه وقد انتفخ صدره من تفرقة أبيه في المعاملة: "ملكيتها وكتبتلها أرض البوابة، وإحنا ممنوعين يتكتب لنا أي ملك، لا كبير ولا صغير."
انتفض في جلسته ليرهبه رغما عنه وصاح به بحدة شديدة: "إنت بتحاسبني إيه؟ داخلك إيه في اللي بعمله؟ إيه فهمك في اللي بعمله؟ إنت شكلك مش هتجيبها لبر، خلي بالك من تصرفاتك، أنا لسه لحد دلوقتي بعاملك على إنك عيل صغير، لكن أقسم بالله لو ما كنت تعقل لأكون رماك برا فاضي الجيب وعديم الظهر وأتبرى منك." "جذبها خلفه من جديد، لكنها هذه المرة لم تكف عن الصراخ والتزمجر متغيثة بالجميع:
"يا جـــــــــــــــدو ,,,,, يا طــــنــــط ونــــيــــســــه ,,, يا أونـــــــكـــــل عـــــمـــاد." صاح بها وهو يجرها خلفه: "إمشي وإنتي ساكتة." نجحت محاولتها في إخراج الجميع من أماكنهم على صوت استغاثتها، واندفع "جده" تجاهه بغضب ليجد الجميع يقف بوجهه. عندما وصل إلى البوابة الداخلية للقصر، أجفل من ما قد يحدث من هذه المواجهة مع جده، باتت الشحناء بينهم في الفترة الأخيرة تزداد.
تسابقت "ونيسه" لتهدئة الجو، فهي على علم تام بغضب "فايز" المؤذي. صاح به منفعلًا: "إيه فيــه؟ إيه الــدوشـــة اللي إنتوا عاملينها دي؟ زعقت "صبا" راجية جدها: "خليه يسيب إيدي يا جدو، إيدي وجعتني." أمره "جده" وهو ينظر بغلظة على يده الممسكة بساعده: "سيب إيدها يا زيد."
التف "زيد" ليرمقها بنظرات شامته، لدرايته الكاملة أن جدها لو علم أنها خلعت حجاب رأسها ووقفت مع غريب في ساحة قصره سينهرها وستندم أنه لم يتصرف وحده. ترك يدها وهو يهمس قائلاً: "قابلِ بقى." ما إن أفلتها حتى اتجهت خلف جدها لتحتمي بظهره. تعجب جدها من خوفها وسأل بضيق: "ما تقولوا في إيه؟ أجاب "زيد" وهو ينظر باتجاهها ببرود: "مافيش حاجة، أنا كنت عايز أطلعها عشان مش مغطية شعرها، هي عارفة إن دا ممنوع."
استدار لها جدها ليتأكد من ما قاله، وبالفعل لم يجد على رأسها حجابًا ولا يبدو له أثر. تحسس رأسها ورأت في عين جدها الغضب المميت، فأسرعت بالدفاع قائلة بخوف: "لأ يا جدو، أنا كنت نازلة بشعري متغطي، بس طرحتي وقعت في الخناقة." توقف جدها عند آخر كلمة ليهتف مستنكرًا: "خناقة إيه؟ نظرت نحو "زيد" واستعدت لتنتقم منه شر انتقام، مادام رماها أمام غضب جدها فستحوله عليه لينقلب السحر على الساحر:
"خناقة كبيرة أوي يا جدو، زيد ضرب "رشدي" أخو طنط "مها"، وكان هيموته." شهقت "ونيسه" التي كانت تقف بالقرب منهم إلى جوار زوجها "عماد" وتدخلت بهجاء: "كلام إيه اللي بتقوليه دا يا خرابة البيوت؟ إنتي ابني هيضرب رشدي بمناسبة إيه؟ ضيقَت عينها وهي ترد عليها بغل: "اسأليه، إحنا كنا واقفين سوا، قام دخل علينا واتخانق معاه."
تعجب "زيد" مما ترميه به وتشويهها للحقيقة بهذه السلاسة، لكن عندما التفت إليه ورمت له نظرة شامته عرف أنها متعمدة أذيته حقداً وانتقامًا. صر على أسنانه وهو يتمتم: "يا بنت،،،،،، بشرى لك." لكن جده قطع غضبه متسائلاً بعصبية: "الكلام دا حصل يا زيد؟ أجابه نافيًا، متوقعًا منه أن يصدقه كالعادة، فهو دائم الصدق معه: "ما حصلش، هي كانت واقفة معاه من غير حجاب، لما نديت عليها تدخُل، ولما أصرت إنها تيجي، راح ضربني."
أشار إلى جانب فمه الذي يسيل منه بعض الدماء، فاتجهت صوبه "ونيسه" لتفحصه وهي تقول بغضب: "ضربة في إيد... وثبت "فايز" نظراته عليه، بينما عماد زعق بحنق في زوجته: "تصدقي بالله ابنك دا بتاع مشاكل، وكلكم بتغطوا عليه. يضرب ضيف في بيتنا وكمان يتساب كدا عادي." استمعت "صبا" إلى اتهام "عماد" له وشعرت أنها قست بشدة على "زيد" ورأت بعينيها نبذة من قبل عمه الذي من المفترض في منزلة والده، كيف يعامله وينبذه، فشعرت بفداحة خطأها.
تركه جده له، لاول مرة دون تدخل، حتى عندما رد "زيد" عليه بحدة: "أنا ما بكذبش." استدار "فايز" لصبا" كي يحسم الأمر: "إنتِ بتقولي الحقيقة يا صبا ولا بتكـدبي؟ بعد القلق إليها فرفعت يدها مسلمة وهي تقول: "والله أنا ما أعرف، حتى طرحتي راحت فين، إحنا شلناه من فوق رشدي بالعافية." لمحت "مها" تقترب وهي تسند "رشدي" على كتفها، والتي استمعت لها وشهدت بقولها: "أيوا يا بابا، شوف حفيدك الهمجي دا عمل في أخويا إيه؟
التفت الجميع نحو صوتها، وفور رؤية "رشدي" بهذه الحالة بات مستحيل تصديق "زيد" بأي صورة. توجه "عماد" نحوه وهو يهدر: "يا ليلة مش فايتة، إيه اللي عملته دا يا زيد؟ إزاي تأذي الراجل بالشكل دا في بيتنا؟ كان واضحًا جدًا أنه يستفز غضب "فايز" ليشدد عقوبة "زيد"، وبالفعل نجح. زعق غاضبًا: "إجرِ عماد هات دكتور للجدع." ثم التفت ليفرغ غضبه على "زيد" زاعقًا بحدة: "كأنك بقيت عيل اليومين دول، كل مصيبة أنقح من التانية. هي دي تصرفات كبير؟
هم ليدافع عن نفسه أمام كل هذه الاتهامات وهتف: "يا جدو صدقني، هو اللي مد إيده عليا الأول و... "إسكت خالص، إمشي على مكتبي." هكذا قاطعه "فايز" غير راضٍ بأي تبرير. زفر "زيد" بضيق من الثقة التي انتهت بينهم وأصبحت عدم. تحرك من أمامه لتقف "ونيسه" بوجهه بعدما توجه "عماد" و"مها" و"رشدي" للداخل لترجوه: "سايق عليك حبيبك محمد وحق بيت الله اللي زرته، كفاية على الولد كدا، أبوس إيدك، إنت عارف إن زيد ما بيكذبش." التفت إلى "صبا"
واستأنفت بحقد دفين: "هي بنت المنكوبة دي اللي كدابة، ما بيجيش من وراها غير الشر، زيها زي أمها." لوحت لها "صبا" وهي تحذرها بحدة: "ما تجيبيش سيرة أمي." كانت "ونيسه" مستعدة لسحقها دون رحمة لما تشعر به من نار تزيدها اشتعالًا بأذية أولادها واحدًا تلو الآخر، فصاحت بها الأخرى مهددة: "دا أنا هقطم رقبتك والله، لو ابني اتضر بسببك لأكون خانقاكي بإيديا الاتنين دول." وضع "فايز" عصاه بينه وبينها وزعق بنبرته القوية:
"ونيسه، إمشي من قدامي الساعة دي." اكتفى بنظرة مطولة نحو "صبا" جعلت أوصالها تهتز، تفحصها جيدًا ثم تركها وغادر إلى الداخل. أطلقت أنفاسها الحبيسة وتجاهلت نظرات "ونيسه" الشرسه، والتي لم تقف معها طويلاً وتبعت "فايز" في الدخول. مالت "صبا" بجذعها للأمام وإسندت كفيها لركبتيها بتعب. أكثر ما يشغلها الآن أنها وضعت "زيد" في ورطة كبيرة، وهذه الورطة تحتاجها فدو والفدوه هذا هي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!