فى مكتب جده كان الشجار بينهم حاد. غضب عارم بين الطرفين، غضب "فايز" من استمرار أخطائه، وغضب "زيد" من عدم تصديقه له. لم يكذب طيلة حياته، كيف يكذبه أمام كلمة واحدة قالتها "صبا" بدافع الغضب والانتقام؟ بعد حوار طويل وصل معه لهذه النقطة، قائلاً: "يعني أنا هكدب لي؟ سأله جده بعصبية: "وصبا هتكذب ليه؟ أشاح "زيد" وجهه عنه وهو لا يعرف بما يرد على هذا السؤال. عض على شفتيه وأطال الصمت. ثم هدر:
"مافيش متهم بيتحاكم بتهمة هو مش معترف بيها." بدأ يفهم أن هناك شيء غير واضح بين صبا وزيد يخفيه عمداً، فسأله بمكر: "إنت كنت عايزها تطلع معاك ليه يا زيد؟ ورشدي ليه زقك؟ هو كان بيدافع عنها؟ اشتعل "زيد" عند سماع اسمه وهتف بانفعال: "الولد بصاته ليها مش مريحة." وضع "جده" يده على فمه واستمر بالتحديق به دون تعليق، مما دفع "زيد" لتبرير خشية أن يفهمه خطأ:
"حتى لو ما حبيتهاش، ولو كنت مغصوب عليها، عمري ما كنت هسمح بإن حد يتجرأ على بنت عمي أو حاجة تخصني." ظل على نفس سكونه وهو ينصت إليه. يعرف "زيد" جيداً، لم يكن أبداً كاذباً ويصعب إغضابه. وما قاله الآن ليس لديه شك به. تصرف "رشدي" كافٍ ليحرك رجولة "زيد" واستفزازه. لكن الوضع بات صعباً. وجوده سيعرقل كل شيء، بل سيخلق مشكلات عديدة ويسبب شكاً أنه يدافع عن حفيده ويغطي على أخطائه. لذا اتخذ قراره. أخيراً نطق قائلاً بحسم:
"زيد، اطلع على القاهرة عشان تجهز للفرع الجديد. ما ترجعش غير لما عمك حسين يرجع وتكتب الكتاب." ازدرد ريقه وكأن الكلمة ثقيلة على أنفاسه، تقطع كل أمل بالحياة. لم ينفر من إقصاء جده له أو يشك أنه لم يصدقه. هو أيضاً بحاجة للهرب. كاد يستسلم لرغبته ويفر من البلدة بأكملها، لكن تذكر شيئاً هاماً جعله يتراجع، هاتفا: "مريم، ميلاد مريم قرب." أشار له وهو يجيبه بضيق: "ابقى تعالي اعمله. المهم امشي دلوقتي يا زيد." "على باب مكتب جده"
كانت تقف "ونيسة" بترقب. لم يرتاح جسدها أبداً. غدت تطرق ذهاباً وإياباً بانتظار خروج والده. تضم يدها إلى فمها وتدعو الله كثيراً حتى لا يتأذى ولدها. بينما "صبا" أتت مهرولة نحو غرفة جده، لكنها ما إن رأت "ونيسة" تراجعت واكتفت بالمتابعة من بعيد. خرج "زيد" وسارعت "ونيسة" باتجاهه تسأل بقلق: "عمل إيه؟ لاحظ أقدام غريبة تتراجع، فثبت نظره لمعرفة صاحبها. وكان من السهل كشف هوية "صبا" رغم أنها تحاول الاختباء. حدث نفسه هازئاً:
"فاشلة حتى في دي." كررت والدته السؤال وقد ازدادت توتراً من صمته: "قول، قالك إيه؟ انتبه إليها ليجيب: "هنزل القاهرة ومش هرجع غير على كتب الكتاب." وضعت يدها على قلبها وهي ترد بصدمة: "يا لهوي يا زيد! هتفرطوا من إيدي. أنا رضيت بالهم عشان تفضل جانبي، وفي الآخر هو يمشيك بسهولة كده." أهمت لتندفع نحو غرفة "فايز" وهي تقول بغضب: "أنا هدخل أكلمه، وإن شاء الله يبعتني معاه." أمسك "زيد" يدها ليمنعها من الدخول إليه، هادراً بتروي:
"اصبري يا أمي." رفع وجهه تجاه الركن الذي تقف به "صبا" ليجدها واقفة تحدق نحوهم بصدمة ظهرت جلياً على تعبير وجهها، وكذلك فمها المفتوح. بقى نظره معلقاً تجاهها واختلطت مشاعره بين غضب وشفقة. غضب مما فعلت، وشفقة على ما قد تواجهه مع جدها بسبب كذبتها الكيدية هذه. أخرجه صوت والدته المنزعج من تلك المشاعر: "كله من بنت المؤذية. صدقتني يا زيد لما قلتلك هتخربها وتقعد على تلها؟ دي بنت بشرى، بنت القادرة." نكاية في "صبا" أجاب متوعداً:
"كلها مدة بسيطة وأتجوزها وأمشيها على عجين ما تلخبطوش." كادت "صبا" أن تقفز وتقبض على عنقه. عرف كيف يستفزها ويأخذ حقه منها. مازالت صغيرة على الوقوف بوجه "زيد الواصل". رددت "ونيسة" القول بضيق: "إن شاء الله ما يتجوزها. ما تجبليش سيرة الجوازة دي، الله يرضى عليك. والله في سماء لو سابوني عليها لأقتلها. أنا مش هستنى تاني تضيع عيالي. أنا عمري ما أنسى إنها كانت سبب في إني أسقط أول عيل ليا."
اكتفى "زيد" مما تقوله والدته، خاصة عندما لاحظ استعداد "صبا" للهجوم عليهم. هتف: "خلاص يا أمي بقى. المهم خلي بالك من مريم لحد ما أرجعها." تفت "ونيسة" باستسلام: "هتوصيني على مريم! ربنا يحميك يا ابني. بس... ألقت آخر كلمة بتردد جعل "زيد" يشعر بالقلق. لكن القلق الذي نشب بداخله كان أكبر من التكهن، لذا سأل: "بس إيه؟ أجابته "ونيسة" بحرج: "ع... عمك كان بيعملك حساب لو مشيت، يعني..... قاطعها بشراسة:
"وإنتي مفكرة إني هبقى بعيد أوى كدا؟ أي حاجة تحصل تبلغيني بيها وأنا هكلمك كل يوم. ما تخافيش من حاجة طول ما أنا عايش على وش الدنيا." ربتت على كتفه. لطالما كان "زيد" عوضاً جميلاً عن ما عانت لأجله. تحملت الإجبار على الزواج من "عماد" ومستعدة للتضحية بنفسها لأجله، وليس هو فقط. جميع أبنائها تحبهم لدرجة التقديس. أمسك بوجنتيه وهي تدعو له برضاء: "ربنا يحميك يا حبيبي يا سندي وعوضي من ربنا الغالي." قبّل رأسها بحنو وهو يرد عليها:
"ويخليكي ليا يا أمي." التفتت "ونيسة" لتهم بالمغادرة. وقد خشي "زيد" أن تلاحظ حضور "صبا"، لكنها من الواضح أنها رحلت مبكراً أثناء انشغاله بالحديث مع والدته. "في منزل شاكر" انفعال حاد ملأ الأجواء من "نهى" عندما علمت بالخبر الذي صعقها، وراحت تستنكر بانفعال أمام والدتها وأخيها: "يعني إيه؟ أصوم أصوم وفي الآخر واحدة تشاركني فيه؟ زفرت والدتها التي تحيرت كيف تقنعها، فقد طال رفضها ولازالت مصرة على تنفيذ رغبتها. هتفت بروية:
"يا بنتي افهمي، بقالنا مدة بنفهم فيكي. يا كدا يا تنسي موضوع زيد دا خالص. جدو قال لأبوكي لو مش عاجب بنتكم، خدوا 'مريم' وهو هيتجوز بنت عمه، وإنتي هتدخلي بعده." زعقت "نهى" وقد ازدادت عصبية: "إنتي بتقنعيني بإيه؟ يتجوزني على واحدة شرط إنه يتجوزني أنا وبس؟ نهضت والدتها من جلستها لترد عليها بغضب: "إنتي بتشرطي على إيه؟ إذا كان البنت اللي بنضغط عليها بيها قالك خدوه، مش دا زيد اللي وجعتي دماغنا بيه؟
اهو جالك وطلبك أخيراً، يا تقبلي يا ترفضي وتقفلي الموضوع دا خالص." تدخل "ياسر" الذي كان يصتنت للحديث بصمت وينتظر نتيجة: "والله لو تسمعي كلامي يا 'نهى'، ارفضي. إنتي ضفرك برقبة. هتجوزيه على إيه؟ التفتت إليه "نهى" وردت عليه غاضبة: "وعندك مين أحسن منه؟ دا 'زيد الواصل'، بنات البلد كلها بتتمنى يبص لها مش يطلبها للجواز." قاطعتها والدتها وهي تضع يد فوق الأخرى: "وأهو طلب إيدك. إنتي اللي بتأمرين." صاحت بها "نهى": "بعد إيه؟
بعد ما يتجوز بنت عمه أدخل على ضرّة؟ أجابتها والدتها بروية لعلها تقتنع وتنهي هذا الشجار: "أولهم ولا آخرهم. وكويس إنه هيتجوز التانية الأول عشان تاكلي عقله. إنتي لسه قايلة بلسانك دا زيد الواصل، ألف واحدة تتمناه. يوم لما يجينا برجله نرفضه. إحنا... تذمرت قائلة: "يا ماما... قاطعتها والدتها ناهية: "ولا ماما ولا بابا. ارضي بنصيبك. هو يعني لو زيد مشي هييجي مين أحسن منه؟
إنتي كبرتي ولو حد فكر يقرب من بيتنا هيبقى يا متجوز يا مطلق يا أرمل وفِي رقبته كوم عيال. يبقى زيد أحسن لك. وإذا كان على بنت عمه دي، عجلة عندها عشرين سنة ومش هتعرف تعيش معاه. ومشوا. واخده على طبعنا، وإنتي وشطارتك بقى ممكن تمشيها من تاني يوم وتبقى إنتي الكل في الكل."
صمتت "نهى" وقد بدا عليها التفكير في الأمر. كلام والدتها كله منطقي، لكن كرامتها تؤلمها. ما كانت تنظر زيد وبيده زوجة أخرى. كانت تصبر حتى يخرج من حزنه ويأتي إليها لتعوض سنوات عاشتها في حرمان ولوم ونظرات شفقة. استمرت بالشرود حتى أخرجها عنه أخيها وهو يسأل سؤال هام: "وهو إيه اللي يخلي عجلة بتاع عشرين سنة تجوز واحد أرمل وهيتجوز عليها بعد شهر؟ السؤال هذا استفز "نهى" فهي من الآن تشتعل بها نار الغيرة لترد بحنق واضح:
"هيكون ليه أكيد ناقصه إيد ولا رجل ومش لاقيين حد يتجوزها." وكزت والدتها ابنها وهي تحثه على الصمت قائلة: "الله أعلم بيها. ربنا يستر على ولادنا. هو يعني ما كانش في غير زيد في البيت؟ ما شاء الله عليه. بلال ومن بعده يحيى. الموضوع في إنّ. الله أعلم بيها." أجابتها كانت مرضية لـ "نهى" أو على الأقل أرضت غرورها بأنها الكاملة المكملة التي اختارها زيد بكامل إرادته. "في الحديقة"
عادت "صبا" لتلاعب "مريم" متظاهرة بالابتعاد عن الضجيج الذي حدث من ساعات، لكن في الحقيقة هي تغطي على تأنيب ضميرها من جانب "زيد"، خاصة إن في عنقه طفلة رقيقة كـ "مريم" والتي من الممكن أن تتأذى بابتعده. وأثناء مرحها توقف أمامه شقيقها الأصغر "وليد" بتعندس. سألته "صبا" بجفاء: "في حاجة يا شاطر؟ ابتسم بمكر وهو يرد معاندا: "كنت عايز أقولك إني أخدت أوضتك وما فيش مكان ليكي." انزعجت من حديثه وسألته بضيق: "وحاجتي؟
وديتوا حاجتي فين؟ هدر وهو يهتز بفرح: "رمينها في الزبالة." احتقن وجهها وهي تستمع إلى ما يقول، غاضبة من تهميشها وعدم تفكيرهم بحيز لها في حياتهم بأكملها. "في الجانب الآخر"
وقف "زيد" في شرفته بعد أن أعد حقائبه استعداداً للمغادرة. يريد توديع "مريم". لم يحتاج وقتاً حتى يحدد مكانها، فقد كانت واقفة بجوار "صبا" من جديد. ودون ترتيب تظهر أمامه وكأنه هو من يلاحقها. سكن قليلاً حين اطمأن على ابنته. وما إن هم ليستدير حتى لاحظ تجاهل "صبا" لأخيها والذي على ما يبدو إنفعل وضربها بقوة في ركبتها وهرب. تعجب بشدة من عنف الجميع تجاهها، وتعجب أكثر من استسلامها ووقوفها عاجزة. تمسك بركبتها وتتألم في صمت. لكنه
لازال منزعجاً من تصرفها الأخير معه، وخاصة اصطفافها في جانب رشدي وإظهار رفضها المباشر للزواج منه وذكر كل مأسيه التي تنعتها بالعيوب. على كلا، فهو استعد لتنفيذ رغبة "جده" وقبل بالابتعاد للراحة من كل شيء يخصها ويخص مستقبله الملئ بالمفاجآت ليحيا حياة ترضيهم جميعاً دون أن يعيش حياته هو. أما صبا فقد وضع خطة محكمة إما لتغييرها أو لقمعها.
التف لينادي "نجلاء" التي أسرعت بتلبية النداء قائلة: "نعم يا بيه." هتف أمراً: "إنزلي هاتي مريم عشان أودعها. والفترة اللي هغيب فيها، إوعي عينك تنزل من عليها وتباتي معاها لحد ما أرجع." لقد كانت مطمئنة لوجود صبا، لذا أجابت بخنوع: "حاضر يابيه." استدارت لتنفيذ أمره وجلب مريم إليه. "عادت بثينة في الظهور" جاءت خصيصاً لترحب بـ "مها" زوجة أخيها. وفور رؤيتها احتضنتها بود وهي تقول:
"أهلاً أهلاً بالغالية مرات أخويا، أخيراً نورتينا." احتضنتها "مها" وهي تبدي لها المودة. الجميع الآن تحت مجهرها، تريد استكشافهم بدقة لتعرف من سيساعدها في إقصاء "صبا" عن "زيد" وإنهاء هذه العلاقة دون رفض "فايز"، بل وبرغبته. "أهلاً بيكي بجد، كان نفسي أشوفكم من زمان." "بثينة" جلست إلى جوارها وتحدثت: "وإيه اللي مانع؟ البيت مفتوح والبلد مش عايزة تأشيرات." بسرعة شديدة أقحمت "مها" "صبا" في الحوار لتستشف مشاعرها تجاهها:
"كنت مشغولة موت مع الولاد. إنتي عارفة الولاد ومشاكلهم. وصبا متعبة جداً ومش بتبطّل مشاكل." الحديث عنها أغضب "بثينة". هي تريد بكامل قواها محو اسمها من الأرض. امتعض وجهها وعلقت قائلة: "وهي هتطلع لمين؟ لازم تطلع لأمها." ابتسمت "مها" بسخرية. يبدو أن مهمتها أسهل مما تتخيل. الجميع يرفضها وزيجتها شبه مستحيلة. سألتها وهي تدعي البراءة: "لكن اعذريني في السؤال، إيه سبب جواز زيد من صبا؟
وإوعي تفهميني غلط، أنا بس حابة أطمن على حياة بنت جوزي اللي مربيها." كادت "بثينة" أن تنفعل عليها، لكن هدأت نفسها لتعطيها أسباب أخرى مهينة لشخص "صبا": "مش عارفه، هي جت عندي يومين وقالت عايزه تجوز عامر ابني. لعبت بيه زي الكورة. وشوية وقالت عايزه زيد. لحد عارفها هي عايزه مين ولا عقلها فين؟ من قلة أدبها راحت باتت في أوضة 'زيد' عشان تلبسه مصيبة. فأبويا قال بلاها فضايح ونجوزها لزيد."
التفاصيل كانت واضحة كوضوح جرحها. لقد أفادت بشدة "مها" التي عرفت أين ستضرب. ضربتها الثانية تركت "بثينة" تستأنف حديثها، والذي يفيض بمعلومات لم تعرفها من "صبا" نفسها: "زيد دا على الدغري راجل بميت راجل. لعمره بص لبنت ولا شفته في حاجة وحشة. لو عملت قرد عمرها ما كانت هتعرف توقعه. عشان كدا باتت في أوضته. هو كمان مش عايزها ولا عايز حد. الراجل عايش لمريم وشغله وبس من يوم ما ماتت مراته الأولى." سألت "مها" باهتمام: "ماتت إزاي؟
أجابت "بثينة" باختصار لتعود لحديثها الأساسي: "كانت بتجهض وماتت. المهم البنت خربت الدنيا عندنا زي أمها بالظبط. أمها دي كانت تقوم حرب لوحدها. يالهوي على اللي عملته في القصر من كام سنة. دا إحنا ارتحنا منها." باقي ثرثرتها لم تهتم بها "مها" فقد أخذت ما أرادت وعمدت إلى تنفيذ خطتها. نهضت من مكانها لتستأذنها قائلة: "عن إذنك بس هروح أطمن على أخويا وأرجع نرغي مع بعض لصبح." سألتها "بثينة" متعجبة: "أخوكي ماله؟
أجابت بابتسامة باردة: "زيد ابن أخوكي ضربه." تركتها مدهوشة واستدارت نحو غرفة أخيها. وصلت إليه وكان ممدد على فراشه. وجهه مغطى بالشاش في أماكن متفرقة يئن بصوت مسموع. وما إن رأها حتى اندفع قائلاً: "إنتي سبتينى ورحتي فين؟ أجابته والابتسامة تغطي وجهها: "كنت بجيبلك الأخبار يا سيدي." جلست على طرف الفراش بمقابله ليهتف هو مزجراً: "آه الواد دا مش هرتاح إلا أما أضربه. الواد خدني على خوانه." لوحت له بعدم اهتمام وهي تقول:
"سيبك منه. تعال أقولك حبيبة القلب دافعت عنك إزاي قدام جدها؟ أمسك رأسه وهدر متألماً: "أنا كنت فايق لحاجة." ازدادت حماساً وهي تخبره: "على فكرة المهمة أسهل مما تتخيل. البيت كله مش طايقها وما فيش حد موافق على الجوازة دي. وزيد هو كمان مغصوب." اعتدل سريعاً وسألها بغير تصديق: "صحيح؟ عرفتي إزاي؟ أجابت وقد شعرت بالفخر بذكائها:
"عمتها قالتلي إنها باتت في أوضته عشان تدبسه. لكن 'صبا' قالتلي إنها مش عايزها. وهي بس قالت اسمه عشان هو كمان مش عايز يتجوز. لكن المفاجأة إنه وافق. أكيد في حاجات كمان حصلت إحنا ما نعرفهاش." بعدما أنصت لها "رشدي" جيداً، شعر بالغيرة. "صبا" التي تركته ليال طويلة يحاول محادثتها، تنام في غرفة رجل آخر بهذه السهولة. سكت وقد ظهر على وجهه الشر. تعجبت أخته من صمته بعدما توقعت فرحه بما حكته، لذا هتفت لتشجعه وتطمئنه:
"عموماً لو حبيت تاخدها وتمشي، ما فيش حد هيكلف خاطره ويدور عليها. البنت دي ما تلزمش حد."
"صبا" وضعت سماعات الرأس في أذنها وانسلخت تسمع مخدراتها التي أدمنتها كلما ضاق بها الحال. ومع صخب موسيقى جديدة لم تسمعها من قبل، رأت "زيد" ينزل عبر الدرج بكامل أناقته وهيبته يحمل حقيبة كبيرة مستعداً للرحيل. وما إن وقعت عينه عليها بالأسفل ثبت نظره بغموض ثم ابتسم لها ابتسامة ماكرة. أوجفت قلبها في التو. ومع ابتسامته تزامنت كلمات أغنية جديدة زادتها رعباً. "خاف م الديب لو ضحك الديب يبقى مرقد لك."
لون وجهها عندما انطلقت الكلمات في أذنها تباعاً. ابتسامته لم تكن عادية بل مخيفة كتحذير الأغنية تماماً. مر من أمامها وأشار لها بأطراف أصابعه ملوحاً بالوداع. لينطلق مقطع آخر في أذنها ضاعف رهبتها. "ما تخافش غير م اللي عارف فين بيوجعه." لم تحتاج توضيحاً أو إشارة أكثر من هذا. "زيد" ينوي لها شيئاً وبالتأكيد شيئاً لن يعجبها.
رحل "زيد" وتوالت من بعد الأيام. بقيت "صبا" تهتم بمريم وتقضي يومها بالكامل معه. ويوم بعد يوم تزداد فراغاً وألماً، وكأنها في انتظار حكم الإعدام. الجميع يتأمر ويتهمس. وليت الكل يعلم أنها لا تحتاج سوى أن تعيش بسلام. اتجهت رغماً عنها للانترنت. بدأت باستخدامه لترفيه عن نفسها بشكل يومي. واتخذت كاميرا هاتفها كبوابة للتواصل مع أشخاص لم تعرفهم. فتحت بث مباشر على تجمعات نسائية وبدأت تتسلى لتنسى هموماً لم تعرف كيف تنساها. تريد
رمي كل شيء عن أكتافها لتجد شخصاً يقتسم معها الهم. ترتدي أجمل ما لديها وتضع مساحيق تجميل وتظهر بجمالها الآخاذ الذي يخفي خلفه كثيراً من المآسي. تأخذها الحكايات وترد على الأسئلة بارتياحية. كان بداخلها شعور ورغبة قوية أن تعطي حياتها لشخص وتهرب.
من جانب "زيد" انهمك في عمله وقد كان كافياً جداً للعمل حتى ينسى كل شيء. فإنشاء فرع جديد في مدينة أخرى بعيدة عن منشأته وتحديد عروض جذابة كي يلفت الانتباه ويثبت وجوده. ولذلك وجه جهوده في إنشاء تصميم حديث ومنفرد ليُلفت الانتباه ويحدث ضجة لم يحدث مثلها من قبل في سوق الأثاث وهو موهوب في ذلك. وما بين تجهيزات المعرض والتصميم واستيراد الأخشاب لم يكن له وقتاً حتى للتنفس أو تذكر أي شيء وكأنه مخدر تماماً. "بعد مدة طويلة"
أخيراً استطاع الاسترخاء وتمديد جسده على الأريكة أمام الشرفة الزجاجية الكبيرة. أرخى رأسه للخلف. الضجيج الذي يصدر من هاتفه لا يعادل الصخب الذي يضج برأسه. لقط سيجارة وأشعلها وراح يتابع الدخان المتطاير بشرود، متجاهلاً تماماً هاتفه الذي لم يكف عن الرنين من مدة طويلة. رقم مزعج بدون اسم. فضل راحته على معرفة هويته. ومع إصرار المتصل تشنج بضيق وهو يميل ليضعه على وضع صامت واستمر في الصمت والشرود. هو لا يريد شيئاً سوى الاسترخاء والراحة والتحديق بصمت. بعد مدة قصيرة عاد ينظر إلى النور المنبعث من هاتفه
فامتخط وهو يتمتم بانزعاج: "مين المزعج دا؟ قرر بعد مدة طويلة الإجابة فقط لينتهي هذا الضجيج المتلاحق الذي طال من ساعات بشكل متفرق. أخيراً فتح الخط ورفع هاتفه على أذنه قائلاً بضيق واضح في نبرته: "أيوا مين؟ جاءه صوتها الناعم الذي يشبه النسيم، صوت متناغم لم يغفل عنه. عرفه من أول حرف نطقت به عندما قالت: "الو." وكانت نبرتها مترددة قبل أن تستأنف بحرج: "أنا صبا." سكن مكانه وانتظر ما ستكمل. والحقيقة أنها لم تتأخر:
"أنا عايزة أعتذرلك إني كنت السبب في إنك تبعد عن بنتك المدة دي." عاد الانفعال بنبرتها وهي تدافع عن نفسها بسرعة: "إنت السبب على فكرة. إنت استفزتني وما كنتش في لازوم تضرب رشدي وتعمل مشكلة. إنت وعدتني إنك هتكون حمايتي ليه. فجأة بقيت عايز تأذيني. فين وعدك ليا؟ قاطعها متسائلاً وكأنه لم يسمع أي شيء مما قالت: "جبتي رقمي منين؟ شعرت بالحرج من سؤاله فأجابت بتعلثم: "م... اا، من... جدو." عاد ليسألها بنبرة هادئة ماكرة تعرف
الإجابة قبل طرح السؤال: "هو اللي إدهولك؟ ازدادت حرجا وقد اتضح في نبرتها التوتر والحرج. تعمد هو وضعها به: "لأ... أنا... أخدته من تليفونه من غير ما يعرف." تركها تتحدث بتوتر. لم يكن يريدها أن تكف عن الحديث وكأنه فجأة احتاج ونيساً وشريكاً. "مريم بتسأل عليك كل يوم. بلعبها بكل الألعاب اللي اشتريناها سوا." عادت نبرتها للحزن وهي تخبره بطفولة: "وبياخدوها مني عشان يضايقوني." أردفت بسعادة:
"بس هي بضيقهم عشان ترجعلي وما تنامش غير في حضني. لو شفتها دلوقتي بتقول كلام كتير وحفظت بعض الحروف والألوان." كانت تتحدث ببهجة عنها وكأنها تتباهى بجل انتصاراتها. انبث فمه بابتسامة فرحاً بما وصلت إليه ابنته بعد مدة طويلة قضتها في صمت. عاد الحزن لنبرتها وهي تقول بتأثر على وشك البكاء: "مش عايزة أبقى مرات أب. بالله عليك يا زيد ما تحطنيش في الدور دا."
أدمعت عينها وهي تتوسل إليه بعجز تام. استقبل هو حديثها بتأثر شديد. غاضب بشدة من رفضه لها ومتألم بقوة لحالتهم المعقدة. وكأنها ولدت لتكون له رغم كل التحديات والعقبات. قذفتها الدنيا لتزعزع استقراره وتستفز عناده وإصراره على عدم الزواج. مسح جبهته. لقد زادته تعباً على تعبه وأرهقته. استمع إلى نشيجها بصمت. لقد فرضت عليهما الظروف وضعاً يرفضانه معاً بكامل إرادتهما، لكن القدر كان صارماً في حسم القرار.
شهقت شهقة عالية كطفل سلبته الدنيا كل ما بيده وبقي وحيداً ينظر للسماء ويرجوها أن تعيد له فقط الأمان. اشتعل صوت دندنة هادئة وكأنه عزف خافت يقطع الوتين، متماشياً تماماً مع صوتها الحزين المختلط بالبكاء: "أنا احترمتك في الأول عشان علاقتك بمريم. بالله ما تعيشهاش مع مرات أب." من توصى من عاش قسوة اليتم بأبشع صورها؟
لازال يذكر كيف استدرجه عمه وطعنه بغدر وتركه غارقاً بدمائه في أرض خالية تبعد عن قصره مسافات، تحديداً في المزرعة. كان صغيراً يرتجف خوفاً من صوت الذئاب التي تدور بالمكان. تركه يصارع الموت بفزع. نعم، نجا. لــكــن مــات قــلــبــه. سكوته المطول أثار قلقها فنادته: "زيـــد." خرج من شروده يزفر بألم وكأنه في غمامة سوداء صرعت قلبه. نفخ بضيق ليخرج الهواء ثقيلاً: "أوووف."
ساد صمت قصير هَام به كل واحد في وادي. لتتفهمه "صبا" أنه مل من بكائها وشكواها المتذمرة. تحيرت بما تقول، لقد حولت الحديث فجأة إلى كآبة تامة. نظر في ساعة يده ليجد أنها أشارت إلى وقت قريب من منتصف الليل. قاطع الصمت متسائلاً: "أتعشيتي؟
اندهشت من سؤاله في وسط كل هذا، بينما هو يعرف أنها لا تحب طعام المنزل وفي الغالب أنها لا تعرف كيف تطلب ما تحب من الوجبات السريعة. ومؤكد "ونيسة" وقوانينها الصارمة تجعل من المستحيل مرور هذا من باب القصر. كرر سؤاله بنفاذ صبر: "إتعشيتي؟ فهتفت متعجبة: "بتسأل ليه؟ أجاب مازحاً: "أصل النكد دا ما بيجيش غير من معدة فاضية." جعلها تبتسم مرغمة. اكتفى بهذا بأن قال ليقطع الحديث:
"أنا هشوفلك حد فاتح وابعتلك عشا. اتعشى ونامي. بس خلي بالك من ونيسة لتقفشك." أنهى حديثه بروية لينسيها كل ما حدث وكل ما قالت. نادته لتشكره بامتنان: "زيد... شكراً." أغلق بينه وبينها وحدق بالهاتف ليطالع أرقام هاتفها الذي لم يكن يخطط يوماً بإضافته. لكن الآن هو ليس بحاجة لإضافته، هو حفظه عن ظهر قلب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!