الفصل 36 | من 51 فصل

رواية عشقت إمرأة خطرة الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
20
كلمة
6,608
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

الصدمة كانت كبيرة على استيعابه. اتسعت عين "فايز" وهو يحدق به مذهولاً مما سمع. ومع شعوره بالتأرجح، استند على عصاه حتى لا يسقط. شعر بأن قلبه سيخرج من مكانه، مما دفعه على وضع يده عليه. هتف بصوت غاضب رغم حدته ضعيفاً: -ملعووون." رفع ذلك الرجل الخبيث كتفه ورد قائلاً: -اسألها، دي دافعه ليا عشرين ألف جنيه." ادرك "فايز" ريقه. لم يكن يحتاج توضيحاً أكثر من هذا. لقد طلبت منه "بثينة" بالفعل هذا المبلغ منذ مدة قصيرة.

استدار عنه وهو بحالة رثه. لقد هدمه الشر الذي فعلته ابنته وخاب أمله في جمع شمل عائلته. خطواته كانت ثقيلة وهو متجه نحو سيارته حتى لاحظ الرجال ما به وهرعوا تجاهه. لكن قبل أن يصلوا إليه، كان ساقطاً أرضاً ينازع من ألم قلبه. "في القصر" إنها لطمة كبرى على رأس "بثينة" و"مها" خبر احتمال حمل "صبا" الذي سمعوه تواً من الطبيب المغادر للقصر. رددت "بثينة" بصدمة: -إزاي؟ دي أمها قعدت سنين ما بتخلفش، إزاي دي تحمل بسرعة كدا؟

نفس الصدمة تقاسمتها معها "مها" لكنها كان لديها أمل، فهتفت: -دا مجرد احتمال، ممكن ما يكونش حقيقي. انتي ما سمعتيش الدكتور قال إيه؟ التفتت إليها "بثينة" وقد بدت خائفة من أن تتكرر هذه الفصيلة من جديد. قالت مترقبة: -تبقي مصيبة لو بصحيح." اشترت شر "مها" وهي تفكر في مصير ما تملك. "صبا" وأخاها الذي ينتظر بفارغ الصبر الظفر بها، لذا لم تتردد في قول: -ولو بصحيح، إحنا هنخليه مش بصحيح." نظرت إليها "بثينة" بتكهن

ثم ابتسمت وهي تجيبها: -يبقي علينا وعلى أبو الفتوح." أطاحت "مها" برأسها بنفي وهتفت: -لااا، المرة دي عشان أتأكد إنها مش هتفلت، هتكون بإيدي." لم تقاوم "بثينة" رغبتها في الضحك بصوت عالٍ وبانتصار. أخيراً وجدت من يشاركها كرهها وأحقادها. حضنتها بقوة وهي تقول بإشادة: -مرات أخويا حبيبتي." -الله الله، إيه الحب دا كله؟ قاطعهم صوت "عماد" القادم من الدرج. ابتعدت عنها "بثينة" واستدارت نحو وجهته لتحدثه: -وإيه يخليني ما أحبهاش؟

المزاج واحد." هيئة "عماد" لازالت تحت الترتيب، فهو يخطو لأسفل وهو يعقد رابطة عنقه ويحمل جاكت بدلته على يده. سمع إجابتها ورد بتحسر: -واللي فوق دي ما لهاش في الحب جانب." تحركت "بثينة" صوبه لتنظره أسفل الدرج وأجابته: -مين قالك؟ دي ونيسة دي، الحب كله. دا أنا كل اللي بعمله في مصلحتها." أخيراً وصل لها فقال وعلى وجهه علامات الضيق ليقول بحنق: -والنبي ابقي شوفي مصلحة أخوكي بالمرة، لاحسن أنا على أخري." حدقت به ملياً ثم استشفت

ما يريد وسألته بإمتعاض: -اتخانقتوا تاني؟ أشار إلى أنفه ليبرز آثار لكمة زيد وتحدث: -المرة دي غير، ابن أخوكي مد إيده عليا." اتسعت عيناها وصاحت غير مصدقة: -معقول؟! كاد ت أن تخدعها الصدمة، لكنها تذكرت من يكون "عماد". ارتخت تعبيرها وأردفت بملل: -انت مش هتبطل تعاند فيه يا عماد." نظر لها ببرود ورفع أحد حاجبيه مجيباً بترفع: -لما يبطل معايا هو، أهو اتجوز مرتين وكبر ولسه بيغير على أمه."

عرفت أن الخلاف أزلي بينهم، لكن تخشت أن يستغل "عماد" هذا الموقف ضده، فتمسكت به وهي ترجوه: -إوعي تقول لأبويا." أزاحها من وجهه ونظر باتجاه "مها" التي كانت تسمع وتشاهد جيداً للحوار وأضاف: -مش أنا اللي هقول، العصفورة اللي هتقول." فهمت "مها" مغزى كلامه فقالت مبتسمة: -العصفورة ما بتقولش ببلاش." -خدمة قصاد خدمة." أومأت بالموافقة وأجاب: -معلوم."

مغادرتهم "بثينة" متشنجة وصعدت للأعلى لتعاتب "ونيسة" عما حدث. حادثة مثل هذه ستدمر "زيد". "بالأعلى" كان يقف "زيد" أمام فراش "صبا" مشدوداً مما سمع في وقت سابق. كان ليفرح ويزع الأرض ورداً من فرط بهجته، أما الآن فهو معلق في الهواء بين قلبه الذي يسقطه نحو قاتلة ابنته وعشقه لتلك المرأة الخطرة. "صبا" فتحت جفنيها بثقل لتراه أمامها. لم تكن تصدق أنه أمامها.

أدارت رأسها بضعف من حولها لترى جدران غرفتها التي طُردت منها إلى جحيم غرفة مظلمة وباردة وقضت بها ليلة من أصعب ليالي حياته. فرددت بصوت ضعيف منهك: -زيد، أنا بحلم ولا أنا فعلاً معاك؟ كاد يجيبها ورفع حاجبيه بتعب، فلا يزال لا يجد ما يقوله لها ولا يقوى على الحديث معها. أدمعت عينها عند ملاحظة هذا وشعرت بشيء ينغز في ظهر يدها لترفعها في مقابل عينيها وتلاحظ الإبرة الموصولة بقنية بيضاء تقطر محلولاً عبر خرطوم رفيع.

أزاحت يدها لتعاتبه بدموع: -شفت يا زيد، وصلتنا لفين؟ لم يكن يتحمل كل هذا الضغط وإلقاء اللوم عليه، فهتف بنبرة غاضبة: -أنا اللي وصلتنا ولا عنادك وكبريائك؟

أنا تغاضيت عن مشاكل كتير وغمضت عيني وإنتي بتضايقي أمي وعمتي وبتستغليني عشان تنتقمي لكرامتك وأنا بقول عادي طايشة وبديلك مبررات عشان بس أحافظ عليكي. كل ده وفجأة تغدري بيا أنا، أنا يا صبا الإيد اللي اتمدتلك والقلب اللي احتواكي كسرتيه ميت حتة. وعشان "نهى" ما تجيش البيت، قطعي قلبي بأنانتك وغرورك. أنا أستاهل منك كدا."

كان صعباً عليها السيطرة عليه، ولكنها أيضاً كانت تعاني من سوء ظنه إليها وعدم تصديقها كما اعتادت من والدها. ضغطت بيدها على الفراش لتنهض من مكانها ثم تحدثت بخذلان: -إزاي مش مصدقني إني ماليش ذنب في موت مريم؟ أنا عمري ما كذبت عليك والله." قاطعها مشيراً بإصبعه في حدة: -بس خبّيتي، خبّيتي عليا إنك قبلتِ رياض تاني." تفاعلت مع حديثه بحزن وهتفت بصدق:

-أنا ما كنتش عايزة أقولك عشان ما تضايقش والوقت مش مناسب، وأنا عرفت أصلاً كويس وفكرت الموضوع مش مستاهل." أشهر إصبع الاتهام نحوها وهو يزمجر بغضب: -إنتي بقيتي بتفكري لنفسك؟ رياض كنتي سايباه على جنب عشان لو رميتك بعد موت مريم تروحي له؟ قبضت حاجبيها من أسفلهم، أعينها امتلأت بالدموع واستنكرت اتهامه وقالت بانفعال:

-أوعك يا زيد تشك فيا، أنا أصلاً حبيتك عشان إنت وثقت فيا. ما تدمرش كل حاجة. وجهني بيه وأقولك قدامه أنا عملت فيه إيه؟ وبلاش تظن فيا كدا." استدار عنها خشية أن يضعف أمام دموع عينيها المتلألئة وتحدث بعصبية من بين أسنانه: -أنا بس ظـــنـــيــت. إنـــــتِ خــالـــفــتــى كـــل الـــظـــنــون."

تيقنت أن النقاش معه لا جدوى منه حالياً. طفا على ذهنها حديث "زوج عمتها" واستدعت قواها. إنها ابنة امرأة يهابها الجميع حتى وهي مغلولة اليدين. لذا ركزت هدفها على البقاء هنا ومن بعدها ستغير وجهة تفكيره تماماً وتعيده من جديد لأحضانها. قالت مدعية الاستسلام: -يظهر إن الكلام ما منه فايدة. على الأقل خليني في أوضتي، بلاش ترميني زي الكلبه لحد ما تتأكدي إذا كنت أستاهل منك كدا ولا لأ." هتف بغموض شديد قبل أن يغادر الغرفة بالكامل:

-خليكي." برغم حزنها على ما بدر منه، إلا أنها ابتسمت في نجاحها المبدئي في الحصول على ما تريد مؤقتاً. "في غرفة ونيسة" وبختها "بثينة" بانفعال: -هو انتي لسه صغيرة على كدا يا ونيسة؟ تدخلي زيد في مشكلة زي دي مع عمو. أبويا لو عرف هيقلب على زيد." هتفت وهي تلوح بيدها في حنق: -سيبيني في حالي، أنا تعبت من الدنيا دي كلها. ربنا ياخدني ويريحني." زعقت بها "بثينة" في حنق: -هو دا اللي انتي فالحة فيه؟

ولما ربنا ياخدك ولادك التانين دولا مصيرهم إيه؟ ولا زيد ابنك اللي في إيد العقربة بنت بشري هيبقى إيه؟ زفرت ونيسة بملل وردت بحسرة: -سيبى زيد في اللي هو فيه، عمو من جهة ومراته من جهة." أجابت "بثينة" وهي تحرك جانب فمها إلى كلا الجانبين: -مراته؟ انتي نايمة في ماية البطيخ. مراته نايمة في أوضته واحتمال تكون حامل." انتفضت "ونيسة" من مكانها وكأنما لدغها عقرب. اتسعت عينها وهي تردد خلفها بدهشة: -حامل؟ انتي بتخرفي؟ تقولي إيه؟

تجاهلت "بثينة" سبها لأنها تدرك واقع الصدمة عليها. وهتفت مجيبة: -بقول اللي شوفته وسمعته. ابنك جابها من الأوضة اللي برا شايلها بين إيديه وجاب لها دكتور." "أنا الصبح هكون هنا" رنت جملة صبا على مسامعها التي قالتها. فهمست من بين أسنانها: -قالتها وعملتها، بت بشري يبقى كانوا بيلعبوا بيا ولا إيه؟ نهضت من مكانها فوراً واتجهت صوب الباب. ناداها بثينة متعجبة وهي تنهض من خلفها: -ونيسة رايحة على فين؟!

لم ترد عليها وانطلقت كالسهم في الطرقة لا تولي لألمها أي اهتمام، وكأنما ابنها خدعها. لقد شددت من قبل عليه أن لا ينجب لها أحفاداً من تلك الملعونة. "في غرفة صبا" فور ما ترك زيد الغرفة، أسرعت "مها" نحو غرفتها. كانت لا تصدق تحول تلك الطفلة التي ربتها على الخوف والإرهاب تفعل المستحيل وتبني حياة أبداً لم تتمناها لها ولم تحصل عليها هي. وقفت أمامها وحاولت أن تبدي عطفها المزيف وهي تهتف بتأثر: -إيه يا صبا مالك؟

أنا صحيت لقيتهم بيقولوا إن زيد طردك." تعرف "صبا" نواياها فلم تتأثر بما تقول، فردت بهدوء: -لاء، ما تقوليش يا طنط، زيد ما يقدرش يستغنى عني." تحركت لتجلس بجوارها واستمرت على نفس حالتها المزيفة: -يا بنتي احكيلي، دا أنا اللي مربياكي. دا لو مفيش حد في الدنيا هيحبلك الخير قدي." قلبت عيناها بملل وزفرت أنفاسها وحاولت إحباطها بالقول: -دعواتك بقى، أصل احتمال أكون حامل." تحولت تعابير "مها" للضيق سريعاً وسألتها بنبرة حازمة:

-إزاي يا صبا؟ التفتت "صبا" لها واتسعت عينها بتركيز متسائلة: -إزاي يعني إيه يا طنط؟ وجهها كان يشتعل من الفكرة، لكنها كان عليها أن تكمل خطتها في استدراجها وردت بـ: -لاء، أصل يوم فرحك كان فيه حريق باين وحماتك وزيد ما كانش معاكي." مطت شفتيها بابتسامة باردة وهي ترد مغيظة إياها: -لاء، ما انتي برضو ما تستهونيش بيا يا طنط."

"مها" عضت طرف شفتها، ظلت تنظر لها بانفعال. نجحت في إغاظتها، لكنها لن تسكت على هذا. مهما كانت هي، كانت طفلة صغيرة تحت يدها تهاب حتى النظر في عينيها. سألتها ببرود وكأنها تكويها بجمرة: -لسه بتخافي من الضلمة؟ أدركت ريقها، ما كانت لتهزم منها أبداً بعدما أصبح "زيد" في ظهرها، لكن بعد ليلة أمس، هذه الكلمة موجعة. لاحظت تغير وجهها فابتسمت وهي تسترسل:

-عيني عليكي يا صبا، بقى هونتي عليه يرميكي في أوضة الفيران. عموماً عشان تعرفي إن كل اللي بيعاقبك بيعاقبك عشان مصلحتك." استدارت عنها وهتفت بنبرة هادئة: -أنا عايزة أنا." جذبت الغطاء على رأسها لتختفي من تحت أنظارها. نهضت "مها" ووقفت تنظر عليها، لم تنل منها شيء، ثم دارت بعينيها في الغرفة التي تناثرت فيها ملابسها في كل اتجاه، لكن هناك شيء هام موضوع أعلى الطاولة القريبة، هاتفها. تحركت صوبه واختطفته وخرجت تماماً من الغرفة.

"ونيسة" زعقت في وسط المنزل بصوت حاد: -زيــــــــد، يــــا زيـــــــــد." وقفت أعلى الدرج تنادي باسم ولدها الذي لم يكن يتجاوز الباب الخارجي حتى الآن. عاد مهرولاً باتجاه صوت والدته، قلقاً مرتباً متخوفاً أن يكون حدث لها مكروه. رفع رأسه للأعلى فوجدها تهرول باتجاه لأسفل وهي تزعق بحدة: -حصل إزاي؟ قول لي إزاي؟

كانت بثينة تقف خلفها تتركها تتحدث بحرية وتشاهد بصمت ردة فعل "زيد". انتشر على وجه علامات الاستفهام وهو يحدق بوجهها المقبل باتجاه في غضب، وانتهى كل هذا حينما أردفت بجنون: -حامل إزاي؟! سؤال إجابته معروفة. إنها زوجته أمام الله وأمام الجميع. كيف لها أن تسأل سؤالاً ليس له معنى ولا تفسير سوى أنها زوجته، وهذا أمر طبيعي. أجاب بضيق: -زي الناس يا أمي." صرخت عالياً وهي تواجهه بإنفعال: -لااااا!

دي مش زي الناس، دي أقل من كل الناس. دي بنت بشري، إزاي وأمها قعدت سنين على ما خلفتها هي تخلف بالسرعة دي؟ أكيد لعبة من ألاعيبها عشان ترجع تقعد هنا." رغم أنها تنكر، إلا أنه يزداد يقيناً أن والدته تكرهها بلا سبب واضح. حتى وإن لم تكن حامل، فهي لن تحبها. هتف: -الدكتور لسه ما أكدش التحليل، هي اللي هتبين. ومسألة قعادها هنا، ما تنسيش إنك إترجيتيني أخليها ترجع هنا."

شعرت بالخجل من مفاجأته برجائها الخاص وتذكيرها بأنها حاولت من دون حيلة "صبا" لعودتها من أجل شفقتها عليها، فقالت بلسان متعثر عكس ما كان من قليل: -ااايوا، قولت لو كان إنت مش عايزها، وجدك مش هيوافق على الطلاق، خليها ترجع مكان ما جات ومرات أبوها موافقة." كانت "مها" حضرت لتسمع الجديد ووجدت فرصتها بالتدخل، فهتفت بتلهف: -أيوا يا زيد، أنا مستعدة أحل المشكلة دي وأخدها ونرجع سوا، طلقتها أو لا."

ضيّق عيناها وهو يمنحها نظرة ثاقبة، ثم صر على أسنانه بغلظة رافضاً التدخل بينه وبين زوجته مهما كان قدر الخلاف بينهما. سحق الكلمات أسفل أسنانه وهو ينطق بها: -مافيش حد يدخل بيني وبين صبا. صبا مراتي وأي حد هيتجاهلني وهو بيتكلم عنها هــعــرفـــوا مــقـــامه كــويس. مــفــهوم ولا لاء." هيئة المرعبة التي تحول لها كانت كفيلة لترعبها. لا إرادياً وجدت نفسها تؤمي بإذعان وهي تقول: -مفهوم."

صوت هاتفه شق الصمت الذي تلى كلمة "مها"، فجذبه من جيبه ليرفعه على أذنه دون إزاحة نظره عنها. تحول وجهه للعبوس وانتشرت علامات الصدمة وردد بقلق بالغ: -في أي مستشفى؟! الكلمة شتت أذهان الجميع فتلهفوا ليسألوا بفزع: -في إيه يا زيد؟ -مين في المستشفى؟ أجاب متألماً وهو يستعد للمغادرة في عجل وارتباك: -جدي في المستشفى." أثارت كلماته الجنون واستحضرت مئات المشاهد والسيناريوهات وصاحت "بثينة" بصراخ: -أبوياااااا." "في المستشفى"

كان "فايز" يصارع لالتقاط أنفاسه وسرعان ما أسعفته أيدي الأطباء الذين شخصوا حالته من الوهلة الأولى بضيق في التنفس نتيجة جلطة في الشريان التاجي بالقلب، وبدأ التحضير للدخول لغرفة العمليات وعمل قسطرة. وقف الكل في انتظار أي شيء يطمئنهم عليه، بالاخص "زيد". كان يرتعش قلبه خوفاً من فقدانه. لم يكن فايز مجرد جد فقط، بل كان لـ "زيد" أب وصديق وداعم بجواره يشعر بالأمان، وبدونه تنتهي الحياة.

أسندت "ونيسة" برأسها إلى الحائط تدعو وتتمتم أن يطيل عمره. فبرغم قسوته عليها طول العمر، إلا أنها تدرك أهميته وأهمية وجوده، فهو حارس حياة ولدها الأكبر "زيد". إن رحل عنهم، ستعم الفوضى وسيفرق "عماد" بينه وبين أخوته ويزداد ظلماً وجبروتاً عليها وتزداد استحالة الحياة بينهم. ويبدأ جحيمها على الأرض عندما تتواجه وجهاً لوجه مع قسوة "عماد" التي لم يردعها سوى أبيه.

"بثينة" كاد أن تشق عباءتها من فرط القلق. تغدو الطرقة ذهاباً وإياباً ودموعها لم تجف. كلمة "أب" قليلة على هذا الرجل القامة والاستثنائي. رغم أنه لم يكتب لها من الإرث شيئاً، لكن كان يكفيها أنه يغمرها بحنانه ولطفه ويلبي كافة مطلبتها دون رفض أو تذمر، سواء طلبت أو لم تطلب، فهو لم يكن يبخل عليها ويجود بكل ما يملك. كل هذا كان نقطة في بحر من فقدانه هو كشخص. إن الأب نعمة لا تعوض وسند لا يميل وحب بلا سبب أو شروط.

"عماد" كان مترقباً. والده إن رحل، سيترك الأمر كله بيد حفيده المدلل وسيظل تابعاً لألد أعدائه طيلة حياته الباقية. هذا أكثر ما كان يخيفه وليس موت أبيه. فمعظم من مات تقلبت قلوبهم وتحكمت القسوة بهم، يكن الجحود عنوانهم وأقل ما يقال عنهم أندال. رغم أن فايز كان يحمل عنه الكثير والكثير، لكن كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: "إنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور."

"مها" الأمر لم يكن يعنيها جدياً. عقلها ليس هنا، هي تفكر في أخذ كل شيء من صبا حتى أنفاسها تستكثرها عليها. الآن معها هاتفها وستحول كل صورها الخاصة إلى هاتفها. أخيراً وبعد مدة طويلة من القلق، خرج من غرفة العمليات محملاً على فراشه إلى العناية المشددة. "لدى صبا"

جلست بنصف جسدها على الفراش بعد انتهاء المحلول، تتابع "نجلاء" التي تنظم ملابسها التي بعثرها زيد في الغرفة وتعاينها قطعة قطعة بأطراف أصابعها وبأعين منبهرة مع كل مرة تعلق أحدهم في الخزانة. ويدها تعبث بفراء قطها النائمة على قدمها. فقالت وثغرها مبتسم: -عاجبينك يا نجلاء؟ أجابت وهي تبادلها الابتسامة بفرحة عارمة: -إلا عاجبني، كل لبسك مش شبه ستات البلد هنا. حاجة شبه الستات اللي بتطلع في التلفزيون." تحدثت "صبا" بسماح

وهي تشير للخزانة قائلة: -طيب نقي أحلى واحدة واكتر واحدة عاجبتك وخذيها." انفرج فمها غير مصدقة إغداقها بالنعم وصاحت بدهشة: -ليا أنا؟ معقول؟ إيش جاب لجاب يا ست صبا، دا حتى لو لبستها عمرها ما هتكون حلوة عليا زيك." هدّرت صبا ضاحكة: -يا بكاشة، خذي اللي عاجبك يا نجلاء." تهللت "نجلاء" وقالت فرحة: -ربنا يعطيكِ ما يحرمك ويحبب سي زيد فيكي كمان وكمان." تغيرت نظرة "صبا" وتحولت للغموض وراحت تسألها بدهاء:

-هو انتي شايفه إن زيد بيحبني أوي كدا يا نجلاء؟ أجابت الأخرى باهتمام: -إلاء، بيحبك. دا انتي ليكي حاجات كتيرة عن مراته الأولى، دا اللي عملوا معاكي في شهر ما عملوهوش معاها في السنتين اللي عاشتهم معاه." جلبت اهتمامها بالحديث عن ماضي "زيد" لكنها لم ترد أن تبدي هذا، لذا دفعتها للحديث والاسترسال دون أن تشعر وهتفت متصنعة اليأس: -آه صحيح، هي كانت مراته الأولى؟ رماها بره القصر ولا كان وراها ربع القسوة اللي أنا شفتها؟

وقعت "نجلاء" في الشبكة وفاضت بحديث متسرع عن كل شيء تعرفه وكل تكهناتها أيضاً. وراحت تسرد قائلة: -فيه فرق يا ست صبا بين إن الست تبقى مع الرجل في نفس الأوضة وبرا قلبه، وست تانية في قلبه بس مش جنبه. إنه أحسن." أطاحت برأسها "صبا" ورددت: -قولي انتي أنهي أحسن." أجابت نجلاء:

-سيدي زيد ما كانش بيجي يبات هنا كتير لما كانت ستي غالية عايشة. إنما انتي لما جيتي بقي يجي على طول، وخاصة لما اتجوزك بقى حد يصدق إنه يقعد على يتغدى ولا يفطر ويتعشى معاهم. دا غير نصرفته ليكي قصاد أمك ومرات أبوك. انهارده ياسلام على حمقته وهو بيقول دي مراتي، أي حد هيدوسها على طرف هعرفه مقامه." أنهت جملتها بابتسامة واسعة وكأنما قالها عنها وأردفت: -إوعـــد نا يارب." سرعان ما تسلل اليأس من جديد لنفسها وقالت:

-هـيـوعدنا إزاي؟ هو في زي سي زيد في البلد كلها." التفتت سريعا لصبا التي لم تغادر سطراً ولا لفتة دون معاينة عميقة. زمن اللامبالاة وعليها أن تكون يقظة وتجمع أطراف كثيرة حتى تدخل الحرب بكامل قوتها. فسألت بدهشة: -معقول زيد قال كدا؟ قالت نجلاء واعينها متسعة:

-أيوا، زيد بيه ده زينة شباب البلد. كل بيت يتمنى يناسبه وكل بت تتمنى واحد زيه. رجولة وإيده سابقة في الخير ولسانه بينقط شهد لما يبقي مزاجه رايق وحتى لو متعصب بردوا قمر. مين في البلد كلها ما تتمناش إنه يبصلها؟ والنبي إنتي أمك دعتلك في ليلة القدر." "صبا" أغمضت طرف عينها وسألتها بابتسامة مازحة: -انتي بتعاكسيه قدامي يا نجلاء؟ ضحكت "نجلاء" دون مبالاة ورددت عليها مشيرة للخارج:

-اطلعي انتي برا القصر والبلد كلها هتعاكسوا قدامك ووراكي. انتي اللي مش عارفة قيمة النعمة اللي معاكي." "دا زيـــــد الـــــواصــــل" توقفت عند جملة واحدة وأمسكت بذراعها لترجوها قائلة: -أيوااا بالله عليكي قولي لي إزاي أخرج برا القصر ده بدل الحسبة اللي أنا فيها دي وفيه إيه برا أنا ما أعرفهوش." عادت "نجلاء" لتطبيق الملابس وأجابت وقد اكتسى وجهها بالحزن وهي تجيب:

-فيه ناس غلابة بينحتوا في الصخر عشان يلاقوا قوت يومهم. صحتهم على قدها عشان مفيش مستوصف عدل يعالجهم. وجوزات كتيرة بتقف على غسالة ولا بتوجاز. ناس بيشوفوا اللحمة في الأعياد وبس. ناس نفسها تعلم عيالها بس المدرسة مش بتكفي كل عيال البلد. ناس عايشة ومش عايشة." تأثرت "صبا" بما سمعت وسألتها بضيق: -وليه جدو مش بيساعد؟ -جدك هيساعد مين ولا مين؟

البلد ما فيهاش غير مدرسة واحدة ومستوصف واحد جامعين للصلاة. البلد بتكبر على اللي فيها وبتضيع الناس الغلابة في النص." أنهت بحديثها هذا سؤال في جيب ذاكرتها: -مش عمو عماد بيحاول يبقى نائب؟ لما يبقى نائب أكيد هيعرف يعمل خدمات للبلد هنا ويجيب تمويل ليها." أجابت "نجلاء" متعصبة ويبدو أنها نسيت نفسها عندما استفزتها صبا بهذا السؤال:

-عمك عماد عايز يبقى نائب لمصلحته هو مش مصلحة حد وبيستغل اسم وشهرة أبوه عشان نفسه يطلع بحاجة وقيمة غير اللي أبوه اداها لزيد ومن قبلة أبوه نادر الله يرحمه." كانت تحتاج تفسيراً لذا سألت بوضوح: -يعني مش في نيته ينفع الناس دي؟ أجابت نجلاء بضيق: -سيدي عماد مش زي زيد ولا الحاج فايز ولا حتى أبوك. سيدي عماد عايز يكوش على كل شيء وما يدفعش شيء. مزاجه في الستات وبس."

كانت كلمة كبيرة لتخرج من فم نجلاء، أحد خادمات القصر، لكنها سرعان ما انتبهت لما قالت ونهضت بارتباك وهي تسحب كلماتها بـ: -أقصد يعني... يساعد الغارمات بتوع البلد." لم تكن "صبا" غبية حتى لا تفهم قصد نجلاء وأن "عماد" يساوم كل الغارمات بأغراض دنيئة وشخصية. لكنها ادعت الانزعاج وهي تنهض من الفراش قائلة: -انتي إزاي تقولى على عمو عماد كدا؟ ارتبكت "نجلاء" من تحولها المفاجئ ونسيانها مع من تتحدث، فهتفت بنبرة متوسلة:

-يقطعني، لساني عايز يقطعوا. أنا ما أقصدتش حاجة وحشة. التعبير خانى. سيدي عماد ده ابن أصول ويعرف ربنا قوي. بقولك بيساعد الستات بتوع البلد اللي عليهم ديون، ما أقصدش حاجة وحشة خالص." نظرت لها "صبا" ببرود ومن ثم بابتسامة لطيفة ثم قالت متوددة: -ما تخافيش يا نجلاء، أنا عايز اكي بس تبقي صريحة معايا وتعرفيني كل حاجة وأنا أوعدك كل حاجة هتكون سر في بير وما حدش هيعرف بيها."

ظهر على "نجلاء" الشك وعدم التصديق. الخطأ يمكن أن يكون مقابلة حياتها، وخاصة أنها لم تلعب دور الخادمة الناقلة للأسرار في هذا القصر أبداً. واختيار ونيسة لها كان لأجل أمانتها. وضعت "صبا" يدها على كتفها بود وأضافت لتجعل بينهم علاقة صداقة تجعلها تفيض بكل ما تعرف: -يا نجلاء أنا مش هضرك، بالعكس يا ستي أنا هعمل أعمال خيرية وهخليكي تدليني على اللي يستحق والانفع للناس." ابتهجت "نجلاء" وصاحت غير مصدقة: -بصحيح يا ست صبا؟

أجابت صبا مؤكدة: -بصحيح، بس أوعديني إنك تكوني عيني وداني هنا عشان أعرف أعمل كل حاجة إزاي وإمتى." مقابل جيد بالنسبة لنجلاء ونفع مدينتها بأكملها متوقف عليها هي وعلى مجهود بسيط ستفعله. لكن القلق مما سيلاحقها من ضرر جعلها تدفع يدها وهي تقول: -لاااا، أنا ما أنقلش كلام. دي ستي "ونيسة" تقطع رقبتي. أنا بدخل وأخرج من القصر. أديني سنين عمري ما نقلت كلمة برا." امتعض وجه "صبا" وعادت لتغريها بالقول:

-يا نجلاء، وايه دخل ونيسة في الحوار ده؟ أنا بقول هعمل خير. هي "ونيسة" دي وش خير؟ وبعدين أنا قولت أنقلي كلام، أنا بس عايزة أعرف طبع كل واحد عشان أعرف أتعامل وأعمل أعمال خيرية من غير ما حد يوقفلي زي اللقمة في الزور ويقولي لأ." تحدثت "نجلاء" بتسرع: -إن كان على دي ما تقلقيش. ماحدش هيوقفلك والحاج فايز هيفرح أوي بيكي وزيد هيساعدك لأنه بيساعد على طول من جيبه. وحاجة زي كدا هتقربك منه أكتر وهيحبك أكتر وأكتر."

ابتسمت "صبا" ومن ثم ظهر الخبث على وجهها وهي تسأل بمكر: -وغيرهم؟ سؤال مستفز جعل "نجلاء" تندفع بالقول: -هينكادوا." تعالت ضحكة صبا رغما عنها ورددت في نفسها بدهاء: -وهو دا المطلوب." ضحكت معا وما إن ضمنت "نجلاء" تعاونها ثم عادت تسألها بدهاء: -إيه بقى حكاية عمو عماد؟ وضعت "نجلاء" يدها أسفل ذقنها وهي تسألها: -لا، هو انتي ما تعرفيش؟ سيدي عماد ده بيكره "زيد". دا عمى ودايماً ناقر وناقر. آخر خناقة من شوية وزيد بيهضربه."

اتسعت عين "صبا" وهي تسألها بدهشة: -يا نهار ضربة ليه؟ أخبرتها نجلاء بأسف: -ده طول عمره يستفزه وسيدى زيد موته وسمه. حد يقرب من أمه خصوصي هو أصله بعيد عنك شراني وطول عمره بيمد إيده عليها. وآخر مرة اهو النهارده الصبح." سألت "صبا" بتأثر: -ودا آخره إيه؟ أجابتها "نجلاء" وهي تنظم الملابس: -ما حدش يعرف. إحنا بقالنا مدة الدنيا هادية." ردت "صبا" مستنكرة: -كدا وهادية؟ أومال لما تبقى مولعة توصل لحد فين؟ حركت نجلاء

فمها لكلا الجانبين وقالت: -تبقى نار. ده قبل حادثة سي زيد ومراته كان كل ساعة خناقة بين سي عماد وزيد. يالهوي على النار اللي كانت والدة وما طفهاش غير حادثة سي زيد." ركزت "صبا" بالكلام الذي استدعى شكوكها فتسألت وهي تضيق عينها: -قولي لي كدا يا نجلاء، الحادث دي كانت إزاي؟ أجابتها "نجلاء" دون أدنى مجهود: -الفرامل بتاعة العربية اتقطعت." سكتت "صبا" تماماً واستدارت عنها مكتفية بهذا الحد. "في المستشفى"

تشتت الجمع بعد دخول "فايز" غرفة الإنعاش ولا يزال تحت الملاحظة الطبية وبات الدخول إليه صعب في غير المواعيد المحددة، مما دفع "زيد" للقول: -بقولكم إيه يا جماعة؟ الوقفة دي مالهاش لازمة. ارجعوا البيت وأنا هستنى يمكن يطلبوا حاجة." الكل كان منهكاً وبحاجة للراحة بعد هذا اليوم الشاق والطويل. أردف أمراً: -بلال خد عمتك وأمك وروحهم على القصر." تدخل "حكيم" الذي حضر مؤخراً: -هي بثينة مش هتروح معانا؟

نظر إلى ابنه "عامر" الذي وقف متشنجاً أمام أمر "زيد"، فأجابه: -خليها عندنا. وحضرتك لو حابب تتفضل إنت وعامر لحد ما نطمن على جدي. البيت كبير ويساع الكل." أومأ "حكيم" وهتف عامر: -خلاص خليني أنا جنبك يا زيد." صمت "زيد" عن هذا كان أشبه بالموافقة، فاحياناً نحتاج كتفاً للاتكاء عليه حتى وإن كنا نبدو أقوياء. وجه حديثه لأخيه الأصغر "يحيي" قائلاً: -شوف المصنع والمحل اقفلهم وصي الأمن يفتحوا عينهم." قال يحيى بحماس: -حاضر."

لم يعجب "عماد" إدارة "زيد" للأزمة والتعامل كأنه هو الكبير الذي يأمر وينهي، فهتف بإستهزاء: -وأنا عندك حاجة ليا ولا الأوامر بتاعتك وزعتها وخلصت؟ نظر "زيد" للأعلى وزفر بنفاذ صبر. لا يريد حتى رؤية وجهه بعد ما دار بينهم في الصباح. التف عماد حوله وصر على أسنانه بغيظ وهو يقول:

-انت مش أهل لكده يا زيد وأنا وانت عارفين. وعيالي اللي عمال تؤمر وتأمر عليهم ما لكش حكم عليهم. وأبويا لما يقوم ويعرف اللي عملته مش هيعديهالك ولا عمرك هتبقى كبير العيلة دي طول ما أنا حي." أمسكت "ونيسة" بكتفه وترجته بنبرة تمتلئ بالحزن والتعب: -كفاية يا عماد خلاص بقى، إحنا في إيه ولا في إيه." التفت لها ليصيح بجنون: -عاجبك إنه يأمر على عيالك؟ عاجبك يعمل نفسه وصي علينا؟ ما بقاش غير حتة العيل ده." وقف "زيد"

بوجهه وزمجر بحدة شديدة: -إلزم حدك واعرف إنت بتكلم مين ويقدر يعمل إيه؟ هم "عماد" لدفعه ولولا يد "بلال" التي حطت على كتفه لكان المستشفى بالكامل شهد معركة شرسة. لأول مرة يتدخل "بلال" في شجار بينه وبين "زيد" الدائر بينهم من سنوات، فقال مهدئاً لوالده: -بابا دي مش أوامر. إحنا بنوزع نفسنا بس و... جن جنون عماد لمدافعة بلال وقاطعه بانفعال: -انت بتبرر لمين؟ دا مد إيده على أبوك ولولا رقدت جدك زمانه كان مطرود برا العيلة."

كلمته جعلت "بلال" متخبطاً. أي صف يتخذ؟ صف والده المضروب أم صف كبير العيلة المستقبلي؟ لكن حسم الأمر والده بأن زعق بوالديه: -يلا قدامي. ما فيش حد هينفذ حرف من اللي قالوا. ولحد ما أبويا يقوم بالسلامة إحنا مالناش كبير." رحل "عماد" وأخذ معه ولديه وترك "زيد" ينظر لفراغهم بعصبية. هذا الرجل لن يهدأ حتى يكون في يوماً من الأيام قتيله. بقي "حكيم" الذي التزم الصمت وسط شجار العائلة. فهتف عامر الذي وجد أن زيد وقف وحيداً دون دعم:

-أنا تحت أمرك يا زيد. شوف إنت عايز إيه وأنا أعمل." دقيقة من الصمت نظم بها أنفاسه ثم ربت على كتفه وهو يجيبه: -ما فيش حاجة. روح عمتي وأمي وأنا هروح أشوف المصنع والمحل وأرجع هنا تاني." تحدث "حكيم" بتعاطف: -أنا هستنى معاك يا زيد." قال زيد بتعب: -أنا هروح أشوف المصنع وأقفل المحل ولما أرجع أبقى أمشي."

غادر المستشفى وقلبه محطم. والدته بين أنياب عمه وقلبه في مطحنة بين تمسكه بالعائلة وجده. وترك كل هذا ليعيش هانئاً. ما يمر به زيد كبير ومؤلم. فقدان كل الأحباب دفعة واحدة لم يكن أمر سهل. فهو يسير بنبض متوقف وعقل رافض الحياة. "في القصر" "صبا" سمعت صوت سيارة تصطف في ساحة القصر فانتفضت من مكانها وسألت نجلاء التي لا تزال في مرافقتها باهتمام: -مين جه؟! نهضت "نجلاء" من مكانها وازاحت الستارة لتنظر من النافذة وأجابتها وهي تلتف:

-دي سيدي عماد وباين باقي العيلة معاه." عدلت من ملابسها وهمت للخروج وهي تقول: -أخيراً حد جه يطمنا على جدو." رفعت نجلاء يدها للسماء وهي تقول: -ربنا يشفيه ويطمنا عليه." وقفت "صبا" على باب غرفتها وانتظرت أي شخص لتسأل عن جدها. وأول من رأته كان "عماد" الذي يمشي بضيق جلي على وجه يشق الهواء بعصبية وهو متجه نحو غرفته. لكن هذا لم يمنع "صبا" من سؤاله بحيرة: -طمني على جدو اخباره إيه؟

ظنت في البداية أنه تجاهلها عندما تجاوزها دون إجابة، لكنه توقف ليعود إليها خطوتين وفحصها بغليل وكأن بينهم عداء من سنين طويلة ليتحدث بنبرة شرسة وغير مسبوقة: -مش قولتك قبل كدا إلعبى بعيد يا شاطرة." هابته لثوان وتراجعت للخلف ثم عادت لتوازنها واستجمعت قواها لترد عليه بقوة: -أنا ما بلعبش. ولو لعبت لعبي مش هــيعــجــبــك." شملها بنظرة هازئة وعقب قائلاً: -بتهدديني يا بت انتي ولا إيه؟ نفضت رأسها وتصنعت البراءة لتريه بالفعل

أنها تلاعبه وتحدثت بلين: -أنا لا سمح الله، أنا سألتك عن جدو وبس." ضيق عينيه وأفحمها بالقول: -وما سألتيش زيد ليه؟ تغير لون بشرتها. لا تعرف أين هاتفها الذي تركته بالأمس بالغرفة ولا تدري أين مكانه. كل هذه التغيرات على صفحة وجهها وصمتها جعلته ينوب بالإجابة قائلاً بسخرية: -متخانق معاكي مش كدا. عموماً دا العادي منه. زيد بيتخانق مع دبان وشه. وحياتك يا بنت أخويا لايرميكى رمية الكلاب أو يقتلك زي ما قتل اللي قبلك."

اتسعت عيناها بصدمة مما يقول واختزنت القول وحاولت أن لا تبدي ردة فعل حتى لا يشمت بها. أومأ برأسه في خبث وكأنه وجد لعبته التي ستقضي على زيد تماماً وأسهب بالحديث: -فاكرة إني بضحك عليكي؟ طيب بذمتك مين هيكون عندي أغلى بنت أخويا؟ أنصحها، زيد ده اتدلع كتير والدلع أثر عليه لدرجة إن جدو بقى بيغطي على غلطاته الكبيرة والصغيرة حتى مراته المسكينة ما زهق منها، قـتـلـهـا."

سرى الرعب في أوصالها من كلمته الأخيرة. بالطبع لم تصدقه، فهي ليست بهذه السذاجة لتصدق حكاوى عابرة وخاصة من ألد أعداء "زيد". منحته نظرة عابثة وضمت حابيها وردت بابتسامة باردة: -يا شيخ قول كلام غير ده." حرك رأسه بضيق وهتف: -أقول إيه؟ أجابت بمنتهى العبث: -قول مثلاً إنك إنت اللي حاولت تخلص منهم."

كانت جملة عميقة صائبة جعلت بؤبؤ عينه يتسع. الصغيرة الماكرة حصلت على إجابة دون أن تطرح سؤالاً. رغم أنها لم تقصده بشكل دقيق، لكن تغيرات وجهه جعلتها تصدق في ما طرحته بعبث ودون أي مجهود أو حتى دلالة واحدة. لكن كما قيل في الأثر: "بتيجي مع العمي طابات". أسرع بالاختفاء من وجهها الجهنمي وقد تيقن أن صبا هذه أخطر من زيد على هذه العائلة وعلى مستقبله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...