الفصل 35 | من 51 فصل

رواية عشقت إمرأة خطرة الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
17
كلمة
5,530
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 69%
حجم الخط: 18

"والله لأخلي الكل يكترثني لو اتحالف مع إبليس" كانت ليلة طويلة على "صبا". ازدادت بها حقدًا وكرهًا لتلك العائلة. انتقلت من دفء أحضان "زيد" إلى الظلام والبرودة. لم تتوقع منه هذا، لم تجرب قسوته من قبل، ولم تختبر غضبه الذي هدم كل شيء بلحظة، وأولها هي. قضت الليلة تفكر في كيفية الخروج من هنا والعودة إلى مكانتها قبل مكانها.

"زيد" هو مصدر قوتها، وهي لا تريد العودة إلى الضعف. لكن كيف سيتأكد من براءتها إذا كانت هي نفسها غير متأكدة منها؟

ما حدث لمريم كان غريبًا وحدث تحت أنظارها، وكأن طائرًا اختطفها من جوارها ليطيح بها من أعلى السور. شعرت بالذنب، لكن لم تستوعب كيف حدث الأمر. لم تكن تقصد أذيتها أو قتلها، لكن ما حدث كان أكبر من استيعابها. وبرغم من هذا، كانت تنتظر من "زيد" أن يصدقها ويحتويها ويثق بها. فلم تجد منه إلا الطرد والنفي وتكذيبها تمامًا كما كان يفعل والدها.

وبما أنه لا يريد سماع أي لفظ عن مريم، فلتبرئ نفسها الآن من واقعة رياض القذر. الذي إن ما نهضت من هنا، لتدفعن ثمن القديم والجديد، ولن تتهاون في حقها أبدًا. صوت أقدام قريبة جعلها تنهض سريعًا من مكانها وتقف أمام الباب بتلهف، لعل هذا منقذها. تعلقت بالنافذة الصغيرة بالباب وطرقته بشدة وهي تنادي: "افتحولي الباب حد يخرجني" أزيحَت نافذة الباب لتجد بوجها "حكيم". انسابت دموعها بحرقة وتحدثت بنبرة تملؤها الخيبة والحزن والانكسار:

"عمو حكيم خرجني من هنا، أنا بموت هنا، ساعدني" نظر خلفه في ترقب وهتف بصوت منخفض وهو يحاول إسكاتها: "هش هش، مش لازم حد يعرف إني جيتلك" انتبهت إلى ما يقول وتبدل حزنها لعجب على الفور. تطلعت إليه بقلق وانتظرت تفسيرًا واضحًا لزيارته. قال وهو يحدق إلى عينها بجد: "إنتي بنت بشرية، ما تعيطيش وتتهزي كدا، إنتي أقوى من كدا بس إنتي اللي مش حاسة."

سكتت قليلاً وحاولت استيعاب ما قال. وازداد تعجبها من مقارنتها بوالدتها، وكأنهم سلالة غريبة عن باقي البشر. لم تبقَ في فمها إلا السؤال، وطرحته بضيق: "لي هي أمي دي كانت أمنا الغولة؟! رأى جهلها البين بقدرات والدتها، فأجابها: "بشرية، ما كانتش زي أي ست من اللي بتشوفيهم حواليكي. بشرية كانت ذكية وقوية، كانت بتعرف تتصرف. لو هي كانت في يوم في نفس مكانك، عمرها ما كانت هتتصرف زيك، كانت الصبح هتكون جوه القصر بأي حيلة وأي تمن."

عينها كانت معلقة بشفتيه، وكأنه يحكي عن أسطورة. دفعه حديثه لسؤاله بفضول: "إزاي؟ ابتسم ثغره وأجاب باقتضاب: "إزاي دي بتاعتك إنتِ بس، اللي مش عارفة تستخدمي قدراتك." لا زالت محبطة، فاستدارت عنه وهي تهتف بيأس: "قدراتي هه، ما البركة في زيد، شمت الكل فيا وداس عليا هو كمان." سارع بالقول ليطمئنها: "زيد عمره ما هيسيبك، أنا لسه قابله جوه وحالته شارحة هو قد إيه زعلان ومضايق من بعدك."

التفتت إليه بسرعة للتأكد من ما قال، وبدا عليها الفرح. لا يزال ينبض قلبها باسمه وعقلها يريد أن يصدق أنه لازال يحبها. أمسكت بالنافذة وسألته متوسلة: "بالله عليك يا عمو، قول لي أخرج من هنا إزاي؟ ساعدني أرجوك." تعجب من عدم رؤيتها ما يراه الكل بها وما تقدر هي على صنعه إن أرادت. على ما يبدو أن النسر لم يتعلم الطيران بعد ويحتاج توجيه. هتف:

"دوري جواكي، إنتِ هتنقذي نفسك بنفسك، بس يوم ما تاخدي حقك افتكريني. كل واحد له نقطة ضعفه، لو عرفتي تستخدميها هتملكي الكل." قبل أن يستدير وينوي المغادرة، نادته: "عمو حكيم، ممكن تحكي لي عن أمي؟ ابتسم ثغره بإعجاب ولم يتوانَ عن تلبية طلبها كالمرة السابقة. أجابها على عجل:

"أمك كانت مكروهة، مش عشان هي وحشة لأ، عشان هي كانت أحسن من الكل. عقلها كان يوزن بلد، وبتعرف إزاي تاخد حقها. مافيش ست في البلد إلا لما كانت بتغير منها، حتى بثينة لو سمعتني بجيب سيرتها هتجيب عليها وطيها. ست ذكية وقوية، مش بسهولة تقع في غلطة، فالكل كان بيحاول يغلطها. وحكاية تأخيرها في الحمل كانت الجرح اللي الكل بيدوس عليه، حتى حماتي كانت كل شوية تدور لحسين على عروسة، بس بشرى كانت دائمًا تغلب بذكائها وشطارتها. عرفت تخلي

حسين ما يبصش برا. وسدت كل الأبواب عليهم وبقت في حتة وهما في حتة تانية، وكسبت الحاج فايز في صفها وبقت هي ضد الكل. كل اللي ضايقها في يوم، ضايقته عشرة. بشرى ما كانتش ضعيفة وقوية، بشرى اتولدت قوية عشان تقدر تعيش وسط كل اللي بيكرهوها وتقهرهم وهي مش في حسبهم ونسبهم ولا شايلة عيل من دمهم."

عينها ظلت شاخصة. إن النيران المستعرة باستمرار بداخلها ما هي إلا توهج لم تعرف كيف تستخدمه. انتهى حديثه ورمى لها نظرة ثاقبة ليتأكد من أنها ستكون هي بكل قواتها تحت تصرفه. *** "في القصر" أعادت "ونيسة" نجلاء للعمل بالقصر لاحتياجها لها في أعمال المنزل التي باتت ثقيلة عليها، خصوصًا بعد مرضها الأخير. "ماما" ناداها ابنها "بلال" وهو يدلف من باب غرفتها المفتوح. أجابت ندائه وهي تلتفت عن زوجها عماد الواقف أمامها: "في إيه يا بلال؟

ردد بانزعاج: "أنا اللي في إيه برضوا يا ماما؟ البيت فوقيه تحتيه وما فيش حاجة في مكانها، لا لاقي هدوم ألبسها ولا لقمة أكلها." مطت جانب فمها وتحدثت بتعب: "انزل لنجلاء، هتفطركن." نظر لها بتعجب وسأل وهو يحذر: "الله، هو إنتي مش هتنزلي تعملي لنا الفطار زي عادتك، ونجلاء دي اللي رجعها تاني مش هي كانت بترعى مريم؟ لقد استنزفها "عماد" للحد الذي جعلها لا تقوى على التفوه بكلمة واحدة أو الدخول في أي تفاصيل، لذا صاحت بنفاذ صبر:

"تعبانة يا بلال، تعبانة. هو ما ينفعش حد يتعب؟ وبعدين نجلاء متربية عندنا وعارفة طبع البيت وما فيش حاجة هتتغير." لاحظ بلال ضيقها ونظر لوالده الذي رفع كتفيه بيأس وكأنه مغلوب على أمره مع أمه. وضع يده على الأخرى وسأل بضيق: "وهدومي مش لاقي حاجة ألبسها، هدومي كلها في الغسيل." التفتت عنه "ونيسة" وهدرت بانفعال: "البس أي حاجة دلوقتي، هبقى أشوف حد يساعدني."

لا يزال بلال لا يفهم سبب هبوط والدته وتنازلها عن أشياء ما كانت تتنازل عنها أبدًا سابقًا، لكنه تحدث بمزاح كان يريده حقيقة: "طيب طالما كدا، ما تجوزوني." ابتسم ثغر عماد وهتف وهو يعدل من ملابسه أمام المرآة: "هاها، هو عشان لبسك نجوزك؟ تحرك صوبه وهو يتحدث بإصرار: "عشان حاجات كتير يا بابا. زيد اتجوز وهو في نفس سني، إشمعنى أنا؟ وهو لحد دلوقتي اتجوز مرتين."

لمعت عين "عماد" وله كامل انتباه، بما أن هناك مقارنة بين زيد وبلال، وهذا شيء كان يغفل عنه بسبب نزواته الشخصية التي لا تنتهي. أمسك بمنكبيه ونظر له بسعادة والتفت لونيسة وهو يسألها بفرح: "صحيح، لي لا؟ إيه رأيك يا ونيسة؟ نظرت تجاهه بملل وردت دون اهتمام: " خلينا في اللي إحنا فيه دلوقتي، وبعدين نبقى نشوف الكلام ده." ترك ابنه وتوجه نحوها كالعاصفة وصاح بها مشدودًا: "إيه اللي إحنا فيه دلوقتي؟ مشاكل. سي زيد ابنك مع مراته."

انتبه بلال لما قالته والدته وسأل بفضول: "هو في إيه يا بابا؟ أجابه دون إطالة: "متخانق معاها ومبيتها بره القصر." نهضت ونيسة من مكانها وأمرت بلال بقسوة: "بلال، ما لكش دعوة ويلا روح شوف إنت رايح فين؟ كاد بلال أن يستجيب لما أمرته به أمه، لكن "عماد" أوقفه بصوته المحتد: "لااا، اقعد يا بلال. شوف أمك بتفرق بينك وبين أخوك، عايزة الدنيا تقف عشان خاطر هو زعلان." زعقت بحنق من أسلوبه في محاولة تشويه صورتها أمام ابنها:

"أنا ما بفرقش بين ولادي يا عماد، ولم الدور بقى لاجواز بلال بإيدي ولا بإيدي! أمسك براسغها وشدد من قبضته حتى تألمت بصوت عالٍ، جعل بلال يحاول التدخل بينهم قائلاً: "بابا، ما تكبرش الموضوع." بضيق وهو يرمق ونيسة بحدة: "الموضوع كبير أصلًا. زيد قاعد ومتربع في قلبها ومخليها مش بتدور غير على راحته، والكل في داهية."

اشتدت الأجواء بينهم وما عادت ونيسة تتحمل كل هذه الاتهامات. إنهم فلذات أكبادها، لا تفرق بين أحد، إنها أم لا تعرف التميز ولا تود أن تعرف. كان عليها محاسبته بشدة عما يفعل، لذا تحدثت بعصبية: "كفاية بقي، إيه اللي إنت بتقوله ده." التفت إلى "بلال" لتأمره للمرة الثانية: "قولتلك إخرج يا بلال."

كان "بلال" يشعر بشيء خطر إن غادر وتركهم معا، لكن كان مجبرًا على التنفيذ حتى لا يرى ما لا يسره. خرج بهدوء مبتعدًا عنهم. وما إن تأكدت من خروجه، حتى اندفعت بوجه عماد دون ترتيب أي حرف: "إنت بتزرع في مخ عيالك إيه؟ زيد زيه زيهم، غلاوتهم عندي كلهم واحد." قاطعها مغلولًا: "بإمارة ما كنتِ عايزة زيد يكون وحيدك ومش عايزة تخلفي مني." بملل شديد ردت:

"ييي، إنت ما وراكش غير الأسطوانة المشروخة دي، يا أخي عيب على سنك الكلام ده. كان من سنين، ولادك بقوا طولك وواحد فيهم بيقولك جوزني." ظل يقبض على راسغيها ويحركها بقسوة زاعقًا بصوت مجلجل: "سني هو حد ضيع عمري غيرك إنتِ وابنك، أنا قرفت منك. الواحد ما بقاش عارف يلاقيها منين ولا منين. احترمي إنتِ سنك وما تخلينيش أرميكي مع مرات ابنك زي ما عملتها زمان، بس المرة دي مش هتخرجي منها إلا على قبرك."

كانت تحدق في عينيه وتعلم أنه قادر على فعل هذا دون ذرة شفقة أو ندم. لكنها تعلم أنه ليس بالأمر السهل. بازدراء شديد رمقته وهي ترد على كل هذا: "نومة الأرض أرحم من النومة جنبك. أنا لسه بكرهك يا عماد وهفضل أكرهك لآخر يوم في عمري."

كلماتها كانت كالزجاج المتطاير، رشقت في قلبه دون رحمة. يعرف أنها تقول هذا من كل قلبها، كما يعلم أنه لن يستطيع تركها. فقد أحبها من فرط رفضها له ولم يسعَ أبدًا لتحبه، بل كان يستمتع بنفورها ويقضي بهذا الهوس أيامه معها. لكن صراحتها معه لهذا الحد أوجعته وجعلته يفقد صوابه ويرفع بيده في الهواء ليهوي بها على وجنتها بقوة، جعلتها تميل إلى جانبها وتنزف بعض الدماء من جانب فمها. مال إليها ليسألها بشر وغضب: "أومال بتحبي مين؟ ها؟

زيد؟ ولا يكون بتحبي نادر؟ نظرت له بخوف. استحضار اسمه بعد كل هذه السنوات لن يبشر بخير. حاولت ألا تبدي أي مشاعر أو تأثر، لكن ارتجافها وخوفها من ردة فعله جعله يزداد بشاعة ويحدق بها بشر أعظم وكأنه تحول لوحش مخيف. فهتفت بصوت مرتعش: "ا... ا.. بحب ولادي." لم تدري ما أصابها، وجدت نفسها تلامس الأرض بغمضة عين وصوت حاد يزأر من فوقها بسباب لازع ويده تهوي بلا رحمة:

"إنتِ ××× يا ×××××، أنا هكسر نفسك ×××، هخليكي تموتي ألف مرة وأنا مع غيرك هعيشك كل اللي عيشته لي، وأدوقك من نفس الكاس يا ×××××." "قــطـــع إيــــدك." كلمتان ثقيلتان من صوت يكره بشدة، جعلته يتركها ليلتفت حوه ليكمل عليه بحنقه وغضبه وعنفه. أمسك بتلابيب "زيد" دون تردد وصاح به: "إنت إزاي تدخل أوضتي من غير إذن يا ×××××، إنت ما اتربتش."

نهضت "ونيسة" سريعًا لتقف بينهم. خشيت من تطور الأمور بينهما، خاصة إن تملك الآخر من الثاني لن يرحمه. أمسكت بكتف ابنها لتنهيه بتوسل: "زيد، أبوس إيدك، اطلع بره." نظراته كانت كلها حقد وغضب. هتف "عماد" باحتقار: "خليه يقعد معانا يتفرج، ابن أمه." حديثه القذر جعل الدم يدفق في عروقه ولكمه بقوة في أنفه. أخرج بهذه اللكمة غير المناسبة لعمه كل ضيقه منه، ولا يزال لديه المزيد. تراجع عماد ونزيف أنفه لم يتوقف. وضعت "ونيسة" يدها

على فمها وهي تولول بفزع: "يا مصيبتي، يا مصيبتي." جلس "عماد" على طرف الفراش ومسح طرف أنفه الذي لم يتوقف نزيفه. ضحك بمكر وهتف بسخرية: "خبطة زي دي هتدفع تمنها غالي يا ابن ونيسة، بس اللي فايز هيدفعهولك غير اللي هدفعولك." سارعت "ونيسة" بالتوسل إليه بأن لا يخبر فايز بهذا: "عشان خاطري، بلاش تقوله. امسحها فيا."

لم يهب "زيد" بتهديده، كان يبارزه بعين قوية جارحة كالنسر. لو كان قتله سبيلاً لدفاع عن والدته، لن يتردد. لن يعيش دون كرامة، ولن يسمح أن تعان والدته في حضرته. وهذا ما كان يعرفه "عماد" الذي استغل كلمات ونيسة الأخيرة التي رددتها بلا توقف: "عشان خاطري، امسحها فيا." نظر في عين زيد وهو جالس بمكانه ومسح أصابعه بإهمال في أعلى جلباب ونيسة، أخفى ابتسامة الشماتة وهو يأمرها بمكر: "قولي،،، الجزمة."

اشتدت نظرات "زيد" أمام تصرفاته التي تشعل النيران في قلبه وتجعله يكاد يحرق الكون بأكمله. لن يتركها له يتحكم بها. وقفت ونيسة بوجهه ودفعته وعينها تفيض بالدموع: "إطلع برا يا زيد، امشِ." عينه كانت تأبى أن تتزحزح عن عين "عماد" الذي خلع سترته وهو يزيد من ابتسامته الماكرة. ورغم دراية "زيد" بألاعيبه، إلا أنه لم يتقبل هذا السلوك المنحرف منه، والذي زاده إحراقًا قوله: "ونيسة، يلااا عايزك في موضوع قبل ما أخرج."

يد والدته كانت تدفعه بقوة للخارج، وعماد كالشيطان نصب عينيه يضع عينه بعينه، ويحرر وثائق قميصه مع كل خطوة يتخذها للخارج. ومع سحب الباب من يد ونيسة لحجز "زيد" عنه، مال عماد برأسه ليستفزه أكثر ويريه نفسه وهو يخلع عنه حزام بنطاله. أغلقت ونيسة الباب أخيرًا وأدارت المفتاح في الغرفة حتى لا يأتي من جديد. وأسندت ظهرها للباب وهي تنهره عماد باحتقار: "إنت إيه يا أخي؟ شيطان!

وقبل أن يرد، استمعت إلى طرقات عنيفة تتوالى على الباب من خلفها، من قوتها جعلتها تهتز. لم تحتاج لسماع صوته الذي يزأر كالأسد الجريح وهو يردد: "إفتحي، إفتحي، هكسر الباب، هكسر البيت كله، إفتحي الباب بقولك."

عصبيته وصوته العالي الممتلئ بالغضب، صاحبه صوت آخر من حطام وتكسير زجاج. على ما يبدو كان يحطم كل ما يقابله. لم يكترث عماد بما يفعله أو يقول، لقد تعمد أن يخرجه عن طوره وقد نجح. ويبدو أن مشاكله مع صبا تجعله مشوشًا، لا يدرك توابع تصرفاته الطائشة، والتي يفعلها دون مبرر سوى الغضب والغيرة. وهذان ليسوا بمبرر كافٍ يشفع له عند فايز الواصل. هتف ببرود: "عايزاني أعمل إيه لابنك المجنون ده؟ طول عمره بيكرهني."

ونيسة كانت تتحسر على ما يفعله ولدها من جراء استفزاز عماد. لا تلقي عليه لومًا بقدر ما تزداد بغضًا في هذا الرجل. صاحت به وهي تندفع نحوه: "وهيحبك على إيه؟ إنت من يوم ما بقيت تحت وصايتك وإنت بتضربه ومش حنين عليه. حتى أمه لازم تهينها قدام عينه وتحسسه بالعجز. زيد لو كان طفل تاني كان زمانه طلع مجرم أو سفاح من اللي شافه على إيدك." لم يهتز له شعرة مما تقول ولم يهتم. رد بسخرية على ما تقول وهو يذكرها بما مضى:

"إنتي عايزاني أعامله إزاي إن شاء الله؟ أجيبه أنيمه في وسطنا؟ ابنك من يوم ما اتجوزتك وهو كل ما أقولك صباح الخير يتحشر." هتفت ونبرتها تمتلئ بالاشمئزاز: "ما تنساش إني اتجوزتك مخصوص عشانه، والمفروض إنك في مقام أبوه. ولو كان مش موجود، عمري ما كنت هتجوزك." عينه ترقبت قولها كالنسر القانص. أمسك بذراعها وهو جالس وتعلق بها ليقول بحدة وانفعال:

"وده سبب كبير يخليني أكرهه أكتر يا ونيسة. إنتِ بتلوميني أنا بس، إنتِ مش عايزة تعترفي إنك إنتِ السبب الأول والأخير في فشل علاقتي بيه." رغم أنها كانت خائفة ومتألمة من قبضة يده، إلا أنها أرادت أن تسمع هذه الحجة الجديدة والشماعة التي يعلق عليها كل فشله وخيباته. ردت بدهشة: "أنا السبب؟ لم يبخل بالإجابة واندفع قائلاً:

"ايوا إنتِ. كل ما كنت بقربلك كنتِ بتبعديني، كل ما كنت أحاول معاكي تتحججي بإبنك. حججك كلها كانت زيد، وهو كان واخد وقتك واهتمامك وحتى حضنك. إنتِ نسيتي إنك كنتِ بتسبيني وبتباتي معاه." ضحكت ساخرة من هذه الحجة الواهية وحاولت التخلص من يده التي ألمتها وهي تهتف بسخرية: "بقي هو دا اللي بوظ علاقتك بيه؟ مش عشان أبوك فضلوا عنك وعملوا الكبير ومن قبله نادر؟ اضحك على حد غيري ما يعرفكش."

كأنها دعست قلبه بقدمها. تشبث بها أكثر لدرجة أنه أجلسها إلى جواره وصاح بجنون: "إنتِ في صف مين؟ زيد ولا جوزي؟ ردت بحنق من هذه المهاترات التي لا جدوى منها سوى نهايات مأساوية لن تعجب أحد: "ما تنساش إن زيد دا يبقي ابني." غرس أظافره في جلدها فتأوهت رغما عنها. وعلى فجأة كممت فاها بيدها حتى لا يخرج صوتها ويصل لآذان زيد فيجن جنونه ويفعل ما لا يحمد عقباه. لاحظ عماد هذا وقال بمكر: "خايفة يسمعك، طيب لما نشوف هتستحملي لحد إيه!

القادم ستحمله مهما كان، حتى لا يدخل "زيد" معه في أي شجار. مهما فعل بها "عماد" ستتحمل وستبتلع صراخها. وإن كان "عماد" لا يرحم وما نوى فعله كان عادته البشعة في أخذها قسرًا وضربها بقوة. صحيح لن يخرج صوتها، لكن صوت لكماته كان عاليًا. لو هوى جبل لهدمه، وهي كانت أقوى من الجبل. ***

كان يغدو ساحة القصر ذهابًا وإيابًا بغضب وجنون. خرج جده مع حكيم منذ مدة قصيرة ولم يجده في مكتبه. حاول الاتصال به مرارًا وتكرارًا حتى لا يهدم القصر بأكمله من جراء تصرفات عمه المستفزة، لكن سوء الشبكة المحلية منعه من التواصل معه. لم يطاوعه قلبه في المغادرة أو حتى البقاء. ظل معلقًا لا يعرف أي مكان يتجه. يصعد للأعلى ويخرج كبده من مكانه ليرتاح، أم يسقط أرضًا ويختفي بعيدًا عن القصر حتى يتمالك أعصابه ويعود لرشده من جديد. بين هذا وذاك، صدح صوت عالٍ متلهف، يبدو عليه الانزعاج والخوف. صاحبته "نجلاء" التي تركض

نحو الداخل بفزع وهي تقول: "إلحق يا زيد بيه، إلحق." على ما التفت ليفهم سبب كل هذه الجلبة التي سببتها "نجلاء"، أخبرته قائلة: "ست صبا روحت أوديلها أكل زي ما قالت ستي ونيسة. لاقتها واقعة من طولها وما بتتحطش منطق."

اسمها كان كفيلًا أن يهز كيانه وليس قلبه. ودون أي تفكير، ركض باتجاه الغرفة البعيدة لينقذها. لم يفكر في سبب نفيها، حياتها الآن أهم ما لديه. قلبه الملعون لازال يسوقه إليها في أحلك الظروف، ومهما فعلت، ستظل هي المسيطرة الخطرة التي لا مثيل لها ولا أحد سيحتل مكانها. وصل إليها ودفع الباب بكل قوته. عينه كانت زائغة، لا يعرف من أين يبدأ الاطمئنان عليها. نزل على ركبتيه ووضع يده أسفل عنقها ليرفعها عن الأرض وهو يناديها بقلق:

"صبا، صبا، صبا." لم يجد منها أي استجابة. ورفعها بين يديه وتحرك بها نحو الخارج. قلبه سقط في قدمه. لم يستوعب ما فعله بها إلا الآن. لم يدرك أنه لن يتحمل فقدانها حتى وهي بعينه مذنب. فقلبه في واد وعقله في واد آخر. دخل إلى القصر وهي بين أحضانه. أعادها بنفسه كما نبذها أمس برغبته. هذا المشهد الدرامي الرائع كان كالضربة القاضية في وجه كلا من بثينة ومها الجالستان في وسط الساحة. نهضت بثينة وهي تردد قائلة:

"إنتِ شايفة اللي أنا شايفاه؟ كانت "مها" في نفس حالة الذهول التي امتلكت "بثينة". أجابتها وهي مخدرة: "أيوا، بس مش مصدقة." صاح زيد وهو يتجه للأعلى: "اتصلي بدكتور بسرعة." تحدثت بثينة وهي تندب حظها: "يااا ويلي، لسه داخلة الدار عشان أشمت فيها، أدخل من هنا ألاقيها سبقاني متشالة على كفوف الراحة ودخلة القصر من تاني، يا بت السحارة." التفتت لها "مها" لتقول بأعين متسعة: "معقول اللي بيحصل ده؟

هو ابن أخوكي دا مجنون ولا ما عندوش شخصية؟ إزاي يطردها امبارح في نص الليل، وانهاردة يدخلها شيلها شيل." نفضت بثينة رأسها لليمين ولليسار وهي تجيبها: "لااا، دا ولا دا. زي ما قولتلك، دي سحرة." هتفت "مها" بضجر: "بالله بلاش كلام فارغ، ما إنتِ شايفة اللي روحناله ما عملش أي حاجة." عضت "بثينة" على طرف أصابعها بضيق قائلة: "آه يا ناري منك يا بت بشري." *** "بالأعلى"

وضعها على الفراش وثنى ركبتيه ليصبح بجوارها. لطمها بخفة لتستعيد وعيها مناديًا إياها: "صبا، فوقي." أمسك براسغها ليتحسس نبضها. كانت باردة جدًا ونبضها بطيء. نهض من مكانه ليدثرها بالغطاء ووضع يدها بين يديه لينقل لها من حرارة جسده لها. فتحت عينيها والتقت بعينيه وغمغمت وهي ترتجف: "زيــــد." كان يكفي نطق اسمه من بين شفتيه حتى يتعلق بها أكثر ويذوب عشقًا بها. اقترب منها وهتف مجرورًا من قلبه: "أنا جنبك، أنا أهو."

أغمضت عينيها من جديد لتترك له عذاب الضمير وحرقة القلب. سقطت دموعه رغما عنه، بدونها حياته انتهت. لم يبتعد عنها طوال مدة انتظار الطبيب. وما إن أتم الكشف ورأى أنه من المناسب تزويدها ببعض من المحلول، سارع "زيد" بسؤاله بقلق: "في إيه، طمني يا دكتور؟ في هذه اللحظة بدأت "صبا" تستعيد وعيها بعض الشيء. تحدث الطبيب بابتسامة لطيفة:

"عندها هبوط في الدورة الدموية. وبعد المحلول ده، إن شاء الله هتبقى كويسة، بس لازم نزورها في المستشفى أو نعمل تحاليل. شاكك في حاجة ولازم نطمن." اتسعت عين "زيد" عند آخر جملة وسأله بفزع: "حاجة إيه؟ أجابه وهو يطمئنه بابتسامة واسعة: "ما تقلقش، حاجة كويسة. احتمال تكون حامل."

ارتخت تعابير القلق عن وجهه وحل محلها الصدمة. ظل ثابتًا لا يعطي جوابًا ولا تفاعلًا. المرأة التي قتلت ابنته ستنجب له طفلًا مجبرًا على حبه، وكأن لعنته لم تنتهِ. ما لها هذه المرأة التي لم يقابل مثلها؟ تسحبه كالجنية في ظلام البحور ويتعذر عليه التخلص منها أو العودة دونها. *** "لدى فايز"

وقف عند بيت قديم متهالك في طرف المدينة، لكم بابه الرث بعصاه الغليظة وانتظر إجابة من بداخله. ذهب مع رجاله يقفون بعيدًا في انتظار أوامره وسائقه ينتظره أمام سيارته. جاء لينهي الشر ويبتره وينبذ عادات الجهل والكفر من مدينته. فتح الرجل الذي يبدو على وجهه سخط الله ونظره "فايز" باشمئزاز ثم سأله: "إنت اللي اسمك أبو الفتوح؟ حرك الرجل رأسه وهو يتمعن في هيئة من أمامه، وحسن طلته التي توحي بالهيبة والتعقل والرزانة.

"الله لا يفتح عليك وشك، عليه غضب ربنا." لم يبالِ الرجل بما قال وسأل مستفسرًا: "وإنت مين؟ نطق "فايز" اسمه بحنق واشمئزاز من التحدث له: "فايز الواصل، عمدة بلدك." أفرج الرجل عن أسنانه السوداء بابتسامة خبيثة ليسأله بدهاء: "عايز خدمة ولا إجابة سؤال؟ رمقه "فايز" بحدة وزعق به بشدة: "استغفر الله العظيم. أنا جاي أقولك يا ترحل من نفسك، يا نحرحلك على السجن." تغيرت نظرات الرجل واتضح بها العداء وصاح بغضب:

"هو أنا جيت بلدك عشان تطردني منها؟ أنا قاعد أهو وسط الصحراء، إنتوا اللي بتيجوني مش أنا اللي برحلكم." دفعه "فايز" بعصاه في كتفه بنفاذ صبر قائلاً باحتقار: "إنت اللي زيك ما لوش مكان يقعد فيه، ولولا القتل حرام لكنت قتلتك، لكن كفاية عليك عذاب ربنا في آخرته وربنا هيقتص منك إن شاء الله."

لم يكترث الرجل بما قال، فهؤلاء جنتهم في الدنيا فقط ولهم بالآخرة عذاب أليم. يعلم هذا جيدًا. لاحظ الرجال الأشداء الذين خلفه على بعد أمتار وعرف أن قدرته لن تضاهي هذا الرجل. لكن الحيلة كان يعرف سبلها. لو يستطيع تأخيره قليلاً أو يجعله يتراجع عن هذا، فسيكون هذا في مصلحته، خاصة أن الحصول على مكان كهذا فرصة غير متاحة بسهولة ويسر. وجه إليه سؤال دون مقدمات:

"ولما إحنا مالناش عيش وسيكم، وإنتوا هتدخلوا الجنة وإحنا النار، بتيجوني تقضوا حاجاتكم وتحملوا ستاتكم وتحفظوا عيالكم وتؤذوا بعضكم ليه؟ رد عليه "فايز" بحنق: "دي ناس إيمانها ضعيف ونفوسها مريضة، ما تشبهناش بينا." ابتسم الرجل الخبيث وقال بمكر: "يخلق من ضهر العالم فاسد، صوابعك مش زي بعضيها." شعر "فايز" أنه لا جدوى من الحديث مع قذر مثله، فصاح به بحنق:

"أنا مش هتكلم معاك، هتمشي بالذوق ولا أخلي رجالتى يهدوا العشة المخروبة دي على دماغك." رفع الرجل يداه وأشار بابتسامة فاضحة بفمه: "هااا، عندك يا شيخ البلد، ما إنت أهل بيتك جوني برضوا أقضيلهم مصالح، هو دا رد الجميل." اتسعت عين فايز ثم تنبأ أنها ستكون خدعة من خدعه وألاعيبه التي تنطلي على الناس، فهب به زاعقًا: "ما تجيبش سيرة أهل بيتي يا عديم الشرف والأخلاق، اخرس لسانك الكداب بدل ما أقطعهولك."

لكن تحدث الرجل متعمدًا إيلامه. رجل مثله ليس لديه ما يخسره: "إنت مش مصدقني، مش بنتك اسمها بثينة ومرت ولدك حسين اسمها بشري وبنت ولدك اسمها مريم ومرتك اسمها..... قاطعه فايز عن هذا بصوت جهور غاضب يكاد أن يقسمه: "لو ما لميتش الدور وإنكتمت، هكتمك أنا بالتراب اللي تحت رجلي." استدار عنه الرجل ليصل إلى نهاية خيمته وعبث ببعض أغراضه وكأنه يبحث عن شيء يعرف مكانه. ثم عاد من جديد ليتحدث بشماتة واضحة وهو ينصب أمامه سلسال وقطعة

ملابس قديمة ملطخة بالدماء: "مش دي برضوا سلسلة مرات حفيدك زيد، ودا شال مرات ابنك حسين، الاتنين كانت نهايتهم واحدة، الموت." لمعت عين "فايز" في الأغراض التي يتأكد من أنها تخص "صبا" وبشري. لم تصدق عيناها في بادئ الأمر، لكن ظل الرجل يسرد تفاصيل دقيقة عنهم، حتى أنه ظن أنه قد عاش بينهم. قبض على ما بيده وصاح به بغضب: "منين جبت الحاجات دي؟ ومين اللي ربنا ينتقم منه بعدله وصلهم لإيدك ال×××××؟ أجاب الرجل بسخرية:

"أنا عبد المأمور. قالوا لي يا أبو الفتوح، امنع خلف. منعت. سلط مرض سلطت. وأخيرًا اقتل صبا. قتلت." نظر له "فايز" وقد تخبط بين الشك واليقين. ضم حاجبيه وسأله بسخرية: "لا، اا، دي وقعت منك. صبا عايشة، إنت كداب و×××." لم تنهه هذه الحقيقة وصرح دون اهتمام: "وذنب إيه إنهم جابولي سلسلة في ريحة بنت غالية، واللي بعته اتبع الريحة وخدت البت الصغيرة."

هنا كاد أن يسقط "فايز" أرضًا من فرط الصدمة. وضع يده على قلبه وثقلت أنفاسه واستند بكل ثقله على عصاه وعاد يزمجر بقوة كالوحش الضاري: "مين؟ قول لي مين اللي جالك؟ هتف الرجل وابتسامته القبيحة تتمدد على وجهه: "أقول وتسيبني بدل ما أسيب هنا وأخليكم كلكم تعيشوا في ناري والعينة بينه." ظل "فايز" يحدق به دون تفكير. همه كان كبير. من بعائلته سقطت هذه السقطة؟

من لوث يده بهذه الدماء وسقط في بئر الوحل من تلقاء نفسه وخرج بإرادته من ملة الإسلام إلى الكفر والشرك بالله عز وجل. كان مجبرًا على قبول عرضه مقابل معرفة الفرع الفاسد في شجرته. حرك رأسه بالإيجاب. مال الرجل على كتفه ليهمس بتشفٍّ: "بـــثــيــنــه بـــنــتـــك.......................

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...