قرر "حسين" الإسراع في كتب الكتاب ليؤمن حياة ابنته هنا ويضمن استمرارية العيش دون أي مخالفات. غيظه وشجارات ابنته التي لا تنتهي. وقد استيقظت "صبا" اليوم على دعوة للانضمام إليهم في الصباح الباكر. نزلت الدرج وهي تعاين اجتماعهم الحافل بالجميع. لم يتركوا فردًا واحدًا لم يدعوه لهذا الاجتماع، وكأنهم لم يغادروا القصر من أمس. "بثينة وزيد وأبيها ومها زوجته وعماد ويحيى وبلال وونيسة". وعلى رأس الكل جدها "فايز".
الذي ما إن رآها قادمة باتجاههم حتى تهلل قائلاً بترحاب: -تعالي يا عروستنا. الكلمة نزلت كالصاعقة على رأسها، لكنها كانت مرغمة على مواصلة التقدم لتجلس في المكان الذي حدده لها بإشارته على يساره. جلست وقد أصبح "زيد" بوجهها مباشرًا. لم يعد لها وجه لتطلب مساعدته بعدما أعلنت الحرب عليه وأشهرت سيفها بوجهه وأصبحت وقحة معه للحد الذي يعاينها به الآن ببروده، وكأنه يريد رؤيتها. افتتح جدها الجلسة وهو يميل نحوها قائلاً بصوت عال:
-إحنا قررنا كلنا يا صبا إن كتب الكتاب هيكون بعد بكرة وبعدين نرتب للفرح. أصدروا حكم الإعدام عليها دون سؤالها بماذا تشتهي. حتى عاملوها كأنها جارية ليس لها حق في الاختيار أو القبول والرفض. أهانوها بشدة وقسوا عليها وأثقلوا حسابهم لديها حتى طفح الكيل. فوجدت نفسها ترد ببرود وعدم اهتمام: -ألف ألف مبروك. وبتقولوا لي لي بقى؟ ما كنتوا تعملوها لي مفاجأة دي كمان. اندهش جدها من إجابتها الساخرة. وشعر والدها بالحرج فزعق بها بحده:
-بنت احترمي نفسك. ولانت نبرته وهو يعتذر من أبيه عن وقاحة أسلوبها بـ: -أنا آسف يا حاج، بنت طايشة ولسانها عايز قاطع. ما كانت تخشاه حدث، أن يظهر والدها عدم دعمه لها أمام من يريدون تحطيمها. بما أن ما لم تريده حدث، فليحدث ما يحدث عندما تفجر القنبلة الآتية. صاحت بنبرة صارمة: -بس أنا مش عايزة ومش هتجوز زيد بتاعكم ده ولو هتموتوني.
رفع "زيد" أحد حاجبيه مستنكرًا جملتها التي ستقلب الجميع ضدها، ولكنه سيتركها تواجه صدي ما قالته وحدها دون تدخل، لعلها تدرك إهانتها له بكلمة "زيد بتاعكم". أثارت بلبلة بين الجميع وعلا صوت "بثينة" باعتراض وغضب: -لأ بقى دا انتي بتلعبوا بينا الكورة يا بت بشري. مرة عايزاه ومش هتجوز غيره ومرة مش عايزاه ولو هتموتوني. أردف "عماد" بضيق من تلك المتمردة التي يوضع لها وزن لحضور اجتماع كهذا:
-ا انتي ليكي عين تتكلمي أصلاً بعد ما شفناكي بايته في أوضته. وردت "ونيسة" لتحجم الأمر حتى لا يثور "فايز" من جديد ضد "زيد": -هو إحنا يعني اللي عايزينك. إحنا لولا نستر عليكي بدل ما تحمدي ربنا كمان مش عاجبك زيد اللي البلد كلها بتحلف بأخلاقه وإن انتي ولا عشرة زيك يميلوا دماغه وحركاتك اللي بتعمليها دي ما تدخلش عليه.
اتسعت عين "حسين" الذي تفاجأ مما يقال. لم يستوعب حجم الكارثة التي دفعت والده لاختيار "زيد" بهذه السرعة، فاهتاج صارخًا: -انتوا بتقولوا إيه؟ حد يفهمني في إيه. تدخل "بلال" قائلاً: -دا حوار كدا عملتوا "صبا" عشان تخلي جدها يوافق على جوازها من "زيد". باين عليها كدا عايزها يستر عليها ويصلح غلطته. لم يتحمل "زيد" أكثر من هذا واندفع وهو يحدق بحدة في عين بلال محذرًا من التمادي والتطاول. هدر محذرًا بلهجة آمرة وحادة:
-بلال، حط لسانك في بقك بدل ما أقطعهولك. نهض "حسين" من مكانه وصاح بهم: -حد يفهمني في إيه. انتقل إلى جوار صبا وجذبها من حجاب رأسها قائلاً: -الفاجرة دي عملت إيه؟ أنا ما أعرفوش. صرخت "صبا" من قوة جذبها وتألمت من يده الممسكة ببعض من خصلاتها أسفل الحجاب. فهبت "مها" من مكانها لتتصنع الدفاع وهي تتمنى من داخلها أن يضعها أسفل قدمه ويدعسها كالصرصور: -براحة يا حسين مش كدا. إحنا بنتفق على كتب الكتاب.
اكتفى "زيد" بهذا. فمهما كان بينه وبينها، لن يتركها تهان وتضرب أمامه دون أن يحرك ساكنًا. هم من مكانه ليدفعه عنها، لكن سبقه جده بأن زعق عالياً بصوت غليظ: -هو ما فيش حد عامل لي حساب ولا إيه؟ الكل يخرس وانت يا حسين ارجع مكانك.
انصاع "حسين" وترك ابنته ليعود مكانه، لكن الغليان الذي بداخله لم يهدأ بعد. سكت الجميع رهبة وخنوع وانتظروا إجابة تشفي صدورهم على ما قالته صبا. أما "فايز"، فقد سلط نظره عليها متجاهلاً الجميع. من قبل أخبرها أنها لا تعرف أين مصلحتها وأنها أيضًا متهورة وعصبيتها المفرطة كانت سببًا في أن افتضح السر الذي حاول إخفاءه من أجل سمعة العائلة. يبدو أن الجميع يريد أن يرى عقابًا رادعًا عن ما فعلت. ولم يكتفوا بإقصاء "زيد" بل أرادوا معاقبتها هي أيضًا. هتف محتدمًا
وهو يرمقها بغضب: -مش أنا قلت لك قبل كده إن مش مسموح لك ترفضي أو تقبلي وإن غلطتك هتشيليها غصب عنك وإلا... سكت فجأة ليخيفها من التفكير في معارضته. هذه المرة لا يبشر سكوته بخير. سيعاملها كما يعامل الجميع ولن يرحمها ولو حماها الكل. سكوته المطول جعلها تسأل مستدعية الشجاعة: -وإلا إيه؟
احتقنت عين جدها إلى الأحمر ورأت بهم شرًا لا آخر له وندمت على سؤالها قبل أن تعرف إجابته. استجدت العون من أبيها كي يحميها من أي توعد قد يتوعده جدها أو ينوي فعله، لكنه كان أشرسهم وكأنها أجرمت بالفعل. أخيرًا نطق "فايز" بصرامة وشدة تثبت أن لا أحد يقف بوجه ولا أي مخلوق يقوى على رد كلمته. لقد مررها ليزيد، لكن غيره لا:
-الرجالة عندنا لما بتعصي كلام الكبير بتطلع برا العيلة وما بيبقالهاش كبير ومش بيبقى معاها نكلة حتى عشان تشتري الكبير ده، فمهما تعمل هي مطرودة ومحرومة من كل الأملاك. بتطلع وحدها من غير عيل ولا مرة بتبقى عود فرداني أي حد معدي ممكن يكسره ويا فرحة أهل البلد فيه اللي عايز يبقى راجل يعدي يأخده قلمين... ياله من عقاب قاسٍ. امتعض وجه "صبا" لمجرد سماعه، لكن الأسوأ لم يأتِ بعد. استأنف حديثه بقسوة أكبر:
-أما الحريم بقى دول بيشوفوا عذابهم هنا تحت عنينا وما بيعتبوش باب دارنا. سجن في آخر نقطة في القصر وبتدفن بالحيا لا تطول زاد ولا ميه ولا تجرؤ تعتب باب القصر... لم ينهِ حديثه بعد، لكن قست ملامحه وأردف: -موته يعني بس بشكل تاني. وبصوت كالنصل البارد أضاف: -والعصا لمن عصى.
لا إراديًا انكمشت على نفسها وجف حلقها. تعبيره وهو يصف العذاب الذي سيذيقه إياه أشبه بالسلخ حيًا. رأت بأعينهم جميعًا مدى تمنيهم لهذا وشعرت بالوهن أمام كل هذه القوة وبات التظاهر بالقوة أمرًا مكشوفًا. قبضت على يد الكرسي بقوة لتمنع نفسها من قول ما يدور في عقلها والتوعد لهم، فليس من العقل الوقوف ضد التيار. -أنا عايز أفهم بقى اللي حصل، من حقي أعرف يا أبويا أي اللي عملته صبا.
هكذا قطع "حسين" كل هذه الموجة العنيفة بطريقة حادة. أجاب "فايز" بضيق واشمئزاز من الحديث عن هذا الأمر: -غلطة وخلصنا، ما تفتحش الكلام. لم يهدأ "حسين" وسأل بقلق: -ما أنا لازم أعرف الغلطة دي حدودها إيه؟ رد "فايز" مهمهمًا بإنفعال: -ما حصلش حاجة تقلق. بنتك هي اللي اختارت زيد واحنا ما عندناش بنات تختار. لولا الفيديو اللي صوره بلال ما كنتش هوافق على اختيارها، بس نقول إيه قضاء الله وقدره. بصعوبة حاول "حسين" الاستيعاب.
وسأل عن شيء غامض في الأمر: -فيديو إيه؟ هتف "فايز" بصرامة: -انتهينا خلاص يا حسين، ولا انت معترض على الجوازة انت كمان؟ أجاب "حسين" نافيًا: -أنا مش معترض، بس عايز أفهم. تدخلت "بثينة" في الحديث وقالت موضحة: -من حقك تفهم يا أخويا. بنتك المحروسة باتت في أوضة زيد. وضعت الشك في قلب والدها وأحرجت "زيد" دون قصد. لكن "ونيسة" هتفت بحمية:
-هي اللي راحت له برجليها عشان نلغي جوزها من عامر ونوافق على طلبها لزيد. بنتك كانت بتلعب بينا زي الكوتشينة. لم تهتم "صبا" بما يقولون، بل ركزت بشدة على أبيها مستعدة لردة فعل عنيفة قد لا تحمدها أمام الجميع. من جانب "مها" كانت متلذذة بهذه المشاركة العظيمة بإسقاط "صبا" من عين والدها ومساعدتهم لها في هذا حتى لا تبدو زوجة الأب الشريرة كما المعتاد وتكسر القاعدة. وجدت الوقت المناسب للحديث فقالت ببرائة:
-أنا حاولت كتير معاها، لكن صبا هي صبا دايماً كسفاني ومش بتسمع الكلام. تم الشحن. كانت الجملة الأوضح في التعبير. نهض "حسين" من مكانه متجها كالقطار المسرع نحو "صبا"، لكنها استعدت لذلك فقررت تحتمي بجدها. فانطلق من فمه سبابًا أعنفها: -هو انتي ما فيش منك راحة؟ أعمل إيه فيكي؟ تعبتيني حتى هنا ما سلمتش من مشاكلك. انتي إيه ملعونة؟ ربنا ياخدك يا شيخة. حزنت بشدة مما قال وأوجعها تصديقه لهم دون حتى سؤالها أو خلق تبرير واحد لها،
فهتفت تسأله بحزن: -انت صدقت من غير حتى ما تسألني؟ معقولة مش واثق فيا؟ ازداد انفعالاً. لا رحمة وصاح بها مهتاجًا ومحاولاً الوصول إليها: -بتكلمي عن الثقة؟ انتي إزاي قادرة بالشكل ده؟ إزاي بتعتبي وانتي غلطانة؟ منعه "زيد" من الوصول إليها وبنفس الوقت صاح "فايز" بعدما ترك مساحة لكشف المستور ورؤية ردة الفعل من الكل: -خلاص يا حسين موضوع وخلص، وكتب الكتاب بكرة أهو عايز إيه تاني؟ صر على أسنانه محاولاً الإمساك بها:
-عايز أقطع رقبتها. تشبث به "زيد" لمنعه من الاقتراب منها عندما شعر بأنه قد يفلت من يده من قوة غضبه، فهتف مهدئًا: -إهدي يا عمي. نظر "حسين" على فجأة باتجاه وكأنه تذكر شيئًا مهمًا. أمسك بتلابيبه فورًا وهو يقول من بين أسنانه: -انت... انت اللي بات عنده عملت إيه؟ حصل إيه؟ طب دي عيلة وطايشة انت موقفك إيه؟
هنا لم يتحمل "فايز" كل هذه البلبة. انفعال "حسين" طبيعي، لكن اختلاق مشكلة مع "زيد" قد يزيد الأمر سوءًا. نهض من مكانه ولكم الأرض بعصاه بعنف معلنًا غضبه العارم من كل هذا: -كفايا لحد كدا. رفع عصاه ليضعها بين زيد وحسين ليفصلهم قائلاً: -ابعد عنه. وقف "عماد" ليشعل الجو قليلاً ويشعل الأجواء بين زيد وأخيه: -ما تقدر موقف حسين يا بابا، سيبه يفهم من زيد ويفهمنا إي طبيعة الوضع بينه وبين بنته. أردف هازئًا: -مش دا الكبير؟
والكبير لازم برضه يقدم كشف حساب. انفعل "فايز" من أفعال وخبث "عماد" الذي لا ينتهي والذي يفهمه جيدًا، فصاح محتدمًا: -حسين ارجع مكانك. جري إيه يا ولاد فايز؟ أنا مش مالي عينكم وكل واحد عايز يحاسب التاني مكاني. أنا لو سبت كل واحد للتاني يحاسبه هيأخد حقه من غير بينة وهيتبع هواه ومش هيكتفي بقتله وهيروح كمان يحاسبه في قبره. ردت "بثينة" بضيق: -أي بينة بتدور عليها؟
انت شايف الغلط بعينك عند الفاجرة دي وبتغطى عليها بالظبط زي ما كنت بتعمل زي أمها. اندفع "فايز" وهو يرمقها بغضب شديد: -تعالي بقى حاسبي واحكمي مكاني. تيجى تقعدي في المكتب وتحلي انتي مشاكل الناس. سكتت تمامًا وأحرجت من تجرؤها عليه، لكنه لم يهدأ بعد واسترسل وهو يلتف وينظر لهم جميعًا: -لو زيد قال إن الترعة اللي في أول البلد ما فيهاش ولا نقطة ميه هتصدقوا ولا لأ؟
لا يشك الجميع بما فيهم عمه عماد في صدق زيد. الكل يعرف أنه ليس بكاذب ولا بمخادع، لذا جده اختار الأيسر ألا وهي الثقة التي يثقها الجميع بزيد للدفاع عن صبا. أجابت "ونيسة" بتيقن: -هصدق طبعًا زيد مش كذاب. وأيضًا أيدتها "بثينة": -زيد عمره ما كان كذاب. نظر "فايز" باتجاه "بلال" وسأله: -وإنت يا بلال؟ هتف "بلال" بعدما طالبه جده بالحديث: -الشهادة لله عمرنا ما شوفنا عليه كذب. وكذلك قال يحيي:
-إحنا ما اتربيناش ع الكذب وزيد هو اللي معلمنا دا. لم ينتظر "فايز" تأييد عماد لدرايته الكاملة أنه إن كان متأكدًا لن يفصح بلسانه. لذا اكتفى بهذا القدر ووجه سؤالاً لزيد بجدية: -حصل بينك وبينها حاجة؟ كان سؤالًا صعبًا على نفس "زيد". الاتهام بين الكل صعب حتى وإن كان غير حقيقي. والأصعب كان على نفس "صبا" التي تسابقت دموعها دون إرادة. نظر إلى جده قليلاً وكأنه يقرأ ما يدور في عقله، لكن ما قرأه لم يستصيغه. أخيرًا أجاب مستاءً:
-ما حصلش حاجة. هي باتت مع مريم وأنا كنت بايت في البلكونة. لم يضف أي شيء آخر. فناب حده عنه بالتكملة: -أهااا شوفتوا. عرفتوا إن إنتوا اللي بتظلموا وإن إنت اللي عايزين تشوفوا كل حاجة غلط. رفع إصبعه ليوضح نقطة هامة: -ما بقولش إنه ما غلطش. زيد غلط واتعاقب على دا. بعدتوا خالص عن القصر وعن بنته مدة مش قليلة ولازمته بالجواز من بنت عمه وفوق منها بنت شاكر ولا قدر يفتح بقه. نظر بإتجاه "عماد" واستند بكلتا يديه
على عصاه وسأله بإمتعاض: -مين بقى الكبير يا سيادة النائب؟ أشاح "عماد" وجهه بعيدًا عنه أخجله تمامًا تصرف "زيد" وتحمله المسؤولية الكاملة وقت الخطأ، رغم أنه يعلم أن "زيد" كان من المستحيل أن يقبل بالزواج بعد وفاة زوجته. نظر إلى ابنه الآخر "حسين" وقال: -أظن إنك فهمت كل حاجة يا حسين. أشار لبثينة واسترسل: -ما أسمعش نفس حد فيكوا ومهما حصل ما حدش يرجعني في شيء سكت عنه أو يفكر إني سايب الحبل على الغارب. أنهى حديثه بأمر قاطع:
-المأذون هيجي بكرة عشان يكتب الكتاب والفرح هيتقام بعديها بأسبوع. خدي يا ونيسة مرات ابنك ومرات أبوها وشوفي طلبتها.
لم يخلو وجه "ونيسة" من السخط والاستياء، لكنها لم تقوى على الرفض. بينما "صبا" تقف عاجزة عن الاعتراض أو حتى الحديث. مجروحة بشدة من والدها الذي صدق وآمن بزيد الذي لم يعرفه إلا من بضع ساعات وكذبها هي وهي ابنته الوحيدة التي تربت في بيته وعلى يده. نظرت إليه بيأس. لقد فقدت ظهرها وأصبحت بينهم كغصن أخضر تتلاعب به الرياح كيف تشاء.
خرجت مع زوجة أبيها بعدما امتنعت "ونيسة" عن الخروج معهم متعللة بانشغالها في التجهيزات. لم تكن "صبا" واعية بالقدر الذي يجعلها تهتم بما تنتقيه زوجة أبيها من ملابس وإكسسوارات أو حتى مهتمة بالفستان الذي اقتنته لكتب الكتاب وغيره من ملابس جديدة غير تلك العبايات التي انتقاها لها "زيد" في السابق. مابين فترة وفترة كانت تمنحها زوجة أبيها ابتسامة شامته وصفراء وكأنها في منتهى السعادة لما يحدث لها. لم تكن "صبا" في كامل تركيزها حتى
يؤثر بها هذا، بل كانت شارده تائهه تشعر وكأنها في كابوس وتتوالى أحداثه بسرعة كبيرة وتضيق صدرها. انتظرت بفارغ الصبر أن تفتح عينيها وتجد نفسها بفراشها بثقل فوق جسدها والشعور بقيود وهمية تقيدها مكانها. رغم أنه شعور سيء كان يؤلمها، لكنها تتمنى السوء لتنقذ من الأسوأ. الحالة التي بها لا تبشر بخير وأكثر ما يرعبها أنها ما عادت تشعر بالسعادة بالأشياء التي كانت سابقًا مصدر سعادتها.
هتفت "مها" بضحكة شامته مشيرة إلى أحد الملابس: -شوفتي الفستان دا يا صبا؟ يا خسارة ياريتني جبته بدال اللي جبناه كان هيبقى لايق على الموقف أوووي. نظرت "صبا" باتجاه إشارتها، وكان فستان أسود من خامة الستان. عادت ببصرها نحوها فاستأنفت "مها" باستنكار: -إيه دا مش عاجبك؟ أصل الصراحة عمري ما اتخيلت إنك ممكن تلبسي فستان أبيض زي البنات وماله الأسود؟ وقفت بوجهها لتستفزها أكثر قائلة:
-تعرفي يا صبا أنا لو كنت قاعدة ميت سنة أفكر في إزاي هتكون نهايتك؟ ما كنتش اتوقع الجوازة دي. أرمل وعنده بنت وفوق كدا مؤكد ولازم يتجوز عليكي بعد الفرح على طول وهيكسر مناخيرك. صاحت بفرح: -ياااا أخيرا ربنا جاب لي حقي منك. كلماتها المستفزة كانت تؤلم قلب "صبا" بشدة، لكنها تقف ثابتة لا يرمش لها رمش. كانت تحتاج للانهيار لكنها ثابتة وتأبى الانكسار خاصة أمامها. -أخيرا هتكسر مناخيرك.
اكتفت منها "مها" ودارت على عقبيها لتدخل إلى أحد الأقسام الخاصة بالملابس. بعدها سمحت "صبا" لنفسها بالبكاء. خطت باتجاه أحد الأركان واختبأت من جموع الناس التي تتحرك في المكان وبكت كالطفلة مقيدة لا تشعر بالأمان والرضاء. يد حانية وضعت فوق كتفها وهتفت بنبرة تعرفها جيدًا: -مش قولتلك لو وقعتي في مشكلة أنا موجود. رفعت وجهها وسارعت بمسح دموعها لتتعرف على هوية المتحدث. ثم شهقت بارتياح وقالت: -عمو رياض.
كانت بحاجة ماسة لكتف تستند عليه ويد تربت على وجعها، فكان هو الخيار المتاح والذي ترتاح له دونًا عن كل المحيطين. رمقها بنظرة ثاقبة وتسأل: -بتعيطي ليه؟ أجابته دون تفكير: -مش عايزة أتجوز وجدو عايز يجوزني زيد بالعافية. ببساطة ومكر هتف: -ارفضي. امتعض وجهها وهي ترد عليه: -رفضت كتير وقالوا لي مش من حقك. شفتيه بابتسامة غامضة وقال: -اتمسكي برأيك. ردت بيأس من استعمال الصلاحيات المتاحة:
-ما فيش فايدة بيقولوا اللي بيرفض ينفذ الأوامر ب... -بيطردوه. ناب هو عنها بالإجابة وقاطعها. ثم أردف بأعين باردة: -بس ما حدش قال لك إنه بيبقى حــر. ضمت حاجبيها دون فهم وهتفت كالمسحورة لمجرد سماع الكلمة في هذا التوقيت: -إزاي؟ مش المفروض بيبقى لوحده ومش بياخد عيلته ولا حد من عيلته بيقرب له؟ حافظ على ابتسامته الغامضة وهو يخبرها بـ:
-مش مهم العيلة المهم الحرية. حياة ما فيش قيود ما حدش ليه سلطة عليكي ولا على قراراتك. ما فيش غير انتي وكيفك. والأهم إن ما حدش بيأذيكي. مش لازم تبقي طاوس عشان الناس تنبهر بيك. ممكن تبقي عصفور وحر. اللحظة اللي بيتفتح فيها باب القفص ويخرج منه العصفور بذمتك اللحظة دي تساوي قد إيه؟ أردف بإستمتاع:
-رجلك وهي بتحط على أرض ملكك وجناحك اللي بيتفرد والهواء يأخده بعيد. إحساسك والهواء هو اللي محاوطك. ياااا لحظة ياااا ع المتعة تشوفى الشمس بتشرق والقمر بيطلع من غير ما حد يحبسك وتستمتعي بالدوشة لوحدك. آه لوحدك بس حرة. من غير قرارات وأوامر ومواعيد. وحدة بس أحلى. عايشها في حلم يخفق قلبها له. اهتمت بكل وصف حتى استشعرت نسيم الهواء على بشرتها. تطلعت لعينه وهتفت كالمسحورة: -بس العصفور يخرج من القفص إزاي؟
رفع حاجبيه معا وأجابها: -يطير. العصفور عنده جناحات قوية والباب سهل يتفتح. لو العصفور عايز، يبقى العصفور يقدر يفتح القفص. آخر كلماته جعلتها تستيقظ واستيقظ معها شعور الخوف. نظرت له بإمعان ولم تبدي أي تفاعل. لاحظ هو وشعر بما تشعر. مسح بقايا دموعها وهو يخبرها بهدوء: -رقمي معاكي مش كدا؟ أومأت دون إجابة فاسترسل وهو يغمز لها: -لما العصفور يحب يطير يبقى يكلمني.
التف عنها وابتسامته اللطيفة لم تغادر. شردت في كلماته حتى أنها لم تعرف كم مر وقت وهي واقفة هكذا دون ملاحظة شيء أو رؤية أي شخص. فؤجئت بزوجة أبيها بوجهها التي صاحت بها: -انتي فين؟ بقالي ساعة بدور عليكي فكرتك هربتي. "الهرب" كلمة سقطت على عقلها كالضوء. إن كان لاسبيل للخروج من كل هذا سوى الهرب كما قال "رياض" الحرية. كان بانتظارهم بالخارج "رشدي" يقف أمام سيارته متهجمًا ومشتتًا. أقبلت "مها" عليه أولاً وناولت الحقائب قائلة:
-امسك في حاجات تانية جوه هرجع أجيبها. استدارت عنه وهي تبتسم ابتسامة ماكرة قاصدة بذلك اختلائه بـ "صبا" التي توجهت بخطوات بطيئة نحو السيارة. وقبل أن تفتح الباب وقف هو حائلاً. فنظرت له بحنق وهي تسأل محددة: -في إيه؟ ازدرى ريقه واستعد لمحادثتها التي انتظرها من مدة لعلها تميل له ويظفر بها كما أراد. هتف بهدوء: -خلاص يا صبا خلصت على كدا؟ هتجوزي وما فيش أمل تبقي ليا؟
زادها ضيق فوق ضيقها، فهو إن كان آخر رجل لن تفكر فيه. دحرجته بحنق وهي تحاول إقصاءه عن باب السيارة وقالت متذمرة: -ابعد من طريقي. قال محاولاً التأثير عليها: -يا عبيطة دا المثل بيقول لك خدي اللي بيحبك ما تاخديش اللي بتحبيه. أنا أحسن أنا بحبك. أنا مستعد أفرش لك الأرض ورد وأنامك على ريش نعام أنا... قاطعته "صبا" محتده: -رشدي ما تزودش. انت عارف إنك لو كنت هتعمل أكتر من كدا أنا مش هرضى بيك. -ليه ليه بس قول لي ليه؟
عشان اللي حصل زمان أنا كنت بحبك وكان قصدي إنك.... عادت لمقاطعته لكن هذه المرة كانت أشرس: -كفايا اقفل الموضوع ده وانساه وإنساني معاه، انت لو آخر واحد عمري ما هقبل بيك. تأكد "رشدي" إن أي محاولة أخرى لإقناعها هتكون ضده، فقرر إعطائها فرصة وبدا صوته متأثراً وهو يرد: -طالما كده يبقى كفايا فعلاً، عموماً لو احتاجتي أي حاجة أنا في الخدمة، هكون جنبك من بعيد لبعيد.
وكوني واثقة إن عمر حبي ليكي عمري ما هيقل، هرضى بنصيبي حتى لو كان نصيبي إني أحبك من طرف واحد. لم يؤثر فيها اطلاقاً حديثه اللي حاول يبدو متأثراً، مهما فعل هي مش مجبرة تصدق مشاعر لا تكنها له بس عشان بتشفق عليه. مطت شفاها وهتفت ببرود: -خلصت، ممكن تبعد بقى؟ شعر بالغضب من برودتها وصاح معنفاً إياها: -انتي إيه يا شيخة ما بتحسيش؟ رمقته دون تأثير وقدمت بالفعل على دفعه من وجهها قائلة بحدة:
-أيوا ما بحسش، وما تعليش صوتك عليا تاني. تركته يشتعل ودلفت إلى داخل السيارة لتجلس غاضبة منه ومن كل اللي بيدور حولها. أغمضت عينيها لتهدأ هذا الضجيج اللي بيملأ رأسها، وتترك مساحة لدرس الفكرة الجديدة اللي زرعها "رياض" في عقلها. وصلت "مها" إلى "رشدي" ورأت حالته اللي تبدلت، وبات واضحاً على وجهه الانزعاج. ضيّقت عينيها وهي تسأله: -حصل إيه؟ أجابها وهو يكافح عشان ما يقدمش على أي حاجة جنونية ممكن تضعه في موقف حرج أكتر من ده:
-ما فيش فايدة يا مها منها. التفت لينظر إليها في السيارة من بعيد، كانت مغمضة العينين مسترخية، لا تريد أن ترى شيئاً أو تهتم لوجودهم. بعد ما أغضبته، عاد ببصره نحو "مها" وأردف: -شوفتي؟ ولا كأني قلتلها حاجة. ابتسمت "مها" بلا مبالاة وهتفت: -قولتلك دي ما ينفعش معاها المحايلة. قست تعبيرها وهي تستأنف حديثها بشر: -دي ما بتجيش غير بكسر المناخير، إصبر بس لما تتجوز "زيد" ويرميها زي الورقة، ساعتها هتجيلك راكعة. هتف بغضب
لم يستطع السيطرة عليه: -أنا وانتي زي بعض، انتي عايزة توصلي للي عايزاه حتى لو ده على حساب أخوكي. وأنا كمان عايز أوصل للي عايزه حتى لو على حساب رغبتك انتي، فيقي كده وساعديني بدل ما أهد المعبد اللي فيه وأخدها بالعربية دلوقتي وما تعرفيش لها طريق. ربتت على كتفه عشان تهدأه قائلة بتربص:
-هدي نفسك يا بوص، دي أنا اللي مربياها. مهما انت عملت فيها مش هطفي ناري، سيبها لزيد وعيلته، ودول اللي هيخلوها تيجي تحت رجلك راكعة. إصبر وهتنول. كلماتها لم تهدأه، لكنه كان مجبر على الهدوء، مهما فعل الآن لن يكون في صالحه. اتجه إلى سيارته ليقود بهم نحو القصر من جديد. ظلت عينه ثابتة على انعكاسها في المرآة، وهي تأبى فتح عينيها. يعرف أنها مستيقظة، لكنها لا تؤكد أبداً هذا.
وصلوا أخيراً إلى ساحة القصر الداخلية وخرجت مها من السيارة وطلبت منه أن يأتي بالأغراض إلى غرفتها، وتركت صبا خلفها. نزلت من السيارة ولم يسمح لها رشدي بالمرور. وقف مجدداً أمام باب السيارة ليمنعها من الابتعاد، أسند يده إلى جانبي السيارة ليحتجزها قائلاً: -آسف لو كنت ضايقتك، بس غصب عني لازم تفهمي إن ده الحب اللي بجد يا صبا. لم تعِ ولم ترد أن تفهم كلماته، كانت تريد أن يبتعد عنها بأي شكل، فهي تخشاه وتخشى قربه منها.
فصاحت متعجلة: -خلاص بقى، ممكن تبعد؟ ببساطة ابتعد عن طريقها وحررها مبتسماً بلطف وهو يقول: -زي ما تحبي، أنا مش قاصد أذيكي، أنا بحبك. لم تقف معه وهربت للداخل هرباً منه. "جاء اليوم الموعود" يوم "كتب الكتاب"، اليوم اللي هيتغير بيه كل شيء في القصر. تجهز الجميع، الكل مستعد للفرح، لكن القادم المجهول لا يستعد له أحد. وقف "زيد" أمام المرآة يرتدي بدلته السوداء، رأسه يغلي بالتفكير رغم صمته. يسأل نفسه بسخرية: -خلاص كده يا زيد؟
ببساطة كده هتجوز تاني؟ مش كنت خلاص قفلت الباب وقلت إنك اتظلمت. ومش ناوي تظلم حد ولا تدوق حد إحساس الظلم اللي دوقته. قلبه كان يعتصر وهو يتجهز لمناسبة كهذه بعد مدة كبيرة. الإصرار والتمسك بموقفه اليوم مجبراً على القسوة أولاً على نفسه. ليتردد صوت انعكاسه في المرآة:
-هتظلم اتنين، نهى وصبا. ولا واحدة فيهم هترتاح معاك، ولا واحدة فيهم هتُنصف بالذات معاك انت، وهتأذيهم زي ما أمك اتأذت. ويا عالم "مريم" هي كمان هتيجي في السكة ولا لأ.
يعرف إنه مقبل على شيء مظلم، خطر. سيرمي بنفسه في محيط هائل دون أي وسيلة نجاة. سابقاً فعل ذلك وخسر، تزوج دون أي مشاعر بأمر من جده. وعاملته غالية كما يحب أي رجل أن يعامله، لكنه لم يستطع أن يبادلها الحب أو حتى يرد لها جزء مما قدمته إليه. ظلمها كما ظل مظلوماً. ودارت الدوائر. دافع عن نفسه حتى يخفف وطأة الأمر على قلبه:
-صبا كده كده مش عايزاني، وأكيد مش هتعاملني زي ما غالية عاملتني. ده هيريح ضميري شوية. أنا مش مجبر أديها مشاعر أصلاً لأن هي عايزة عند وبس، وده أنا أقدر عليه. عاد ضميره يؤنبه ويسأله: -طيب، هي صبا كده مش مظلومة؟ كاد يكسر المرآة وهو يلكمها بقوة وغضب. تألمت يده لكنه لم يهتم. عاد يصيح بضميره يستجدي منه الرحمة:
-خلاص كفاية كده، ارحمني. أنا ما ظلمتش حد ومش هصلح الكون لوحدي. هي اللي جات في سكتي، هي اللي جابته لنفسها. ثم إني لو سبتها هتضيع، معايا أنا أأمن. إجابته السخيفة كانت من ضميره: -اتحجج. انت مش مؤتمن أصلاً. حتى أمك مش عارف تأمنها من عمك. تنكر إنك بتحط راسك على المخدة وخايف منه لا يؤذيها عشان انت دُقت شره وجربت غدره؟ تنكر إنك كل يوم بتصحى وانت خايف ليخلص عليها ومش مطمن من ناحيته؟
تنكر إنك بقيت مش حاسس بالأمان على أمك ولا بنتك ولا حتى على نفسك؟ اكتفى "زيد" من هذا. ما عاد هناك تراجع. إما أن يقوى وينجو بعائلته، أو يستسلم للانهزام اللي بداخله ويضيع عائلته. أغلق هذا الباب. لن يفتحه مجدداً. اليوم يوم جديد وبداية جديدة. سيدعس على الماضي ويبدأ عصر جديد. لن يلوم نفسه على قسوة أو ظلم. كل ما يراه صحيح سيفعله. لن يوقظ ضميره مجدداً. لا يريد الانهزام ولا يريد سماع أي صوت غير صوت العقل. "في غرفة صبا"
لم تغمض لها عين من أمس من كثرة التفكير. لم تفكر البته في كتب الكتاب وإصدار حكم المؤبد عليها. تفكر في الحرية. رأسها لم ينشغل عن هذه الفكرة بأي شيء آخر، ولا حتى بيد زوجة أبيها اللي تولت مهامه. تزينها بعدما ارتدت فستانها الفضي الضيق وتعمدت كشف شعرها كي تفتعل مشكلة بين زيد وبينها، حتى لا يبقى لها ذكرى سعيدة في أي لحظة تعيشها، أو حتى تذكرها، وليبدأ سوادها الأعظم.
الوجع كان ينخر قلبها وهي مستسلمة تحت يد زوجة أبيها. بعد قليل ستباع كالجارية لـ "زيد"، "زيد" المتعصب الغاضب المتشدد، اللي لم يتأكد أحد من وجوده على قيد الحياة أصلاً. ستتزوج برجل له ماضي، رجل قلبه عالق بزوجته المتوفية، وسيتزوج أيضاً بعدها. ستكون أكثر شيء تكره. ستكون زوجة أب لطفلة تمنت أن لا تعيش ما عاشته هي، وأن لا تعاني مثلما عانت. تكره هذا، تكره أن تتغير كما تغيرت "مها" معها بعدما كانت أقرب مربية لقلبها. وبعد وفاة والدتها صارت أشرس زوجة أب عرفتها، وعرفت جيداً كيف تؤلمها. تحولت من شخص تحكي له كل مخاوفها لشخص يستغل كل ما حكته ضدها. تعرف مواطن الألم وتضرب.
-كده خلصنا، يلا بقى عشان كلهم مستنينا تحت. استمعت لها جيداً، لكن صوتاً واحداً كان يتردد داخلها ألا وهو: -العصفور يستطيع أن يفتح الباب.
وانصاعت دون نظر إلى نفسها وإتماماً لتتحرك مع زوجة أبيها نحو الأسفل. كل ما ستفعله جرت قلماً، لكن وكأنها ستقدم على الانتحار. تمشي بثقل وألم، تجر أذيال الخيبة. مشت وهي تشعر بالتشتت والضياع، حتى ظهر "زيد" في مقابلها لا يقل عنها بؤساً وتشتتاً. لكن رؤيتها بهذه الزينة الصارخة والفستان الضيق أنسته كل شيء واشتعل ضيقه. وصلت إليه قبل أن يتحرك هو، فاندفع يسألها بحنق: -إيه اللي انتي لابساه ده؟
فاقت هي الأخرى من حالتها الشاردة ونظرت إلى نفسها لتسأل نفس السؤال باستنكار: -إيه اللي أنا لابساه؟ تحسست شعرها وزفرت بضيق. لم تنتبه لما فعلته زوجة أبيها. صاح من بين أسنانه بحدة: -انتي مش عارفة إن تحت فيه رجالة غريبة عنك؟ غطى شعرك وداري رقبتك. ولا أقولك غيري هدومك دي. تدخلت زوجة أبيها لتقول ببرود: -ما ينفعش يا زيد. جدو بعت أكتر من مرة وما فيش وقت ننفذ كل ده. وبعدين دي ليلة في العمر. اتبسط يا عريس.
هم ليرد عليها، لكن زعق جده منادياً من الأسفل: -زيد انزل يلا. أجابه وهو يحاول إخفاء غضبه: -حاضر يا جدو، نازل أهو. أشارت له "مها" بالنزول قائلة: -انزل بقى، الناس في انتظارك يا عريس. خطت معه لأسفل، بينما "صبا" لم تهتم بشيء. كل ما في رأسها هو كيف تفتح الباب، كيف تنقذ نفسها من كل هذا وتطير بعيداً.
بالأسفل، اجتمع والدها وجدها وعمها وشباب العائلة، ومعهم رشدي الذي كان لا يستصيغ ما يحدث لكنه يحاول الثبات. معهم المأذون. نزل "زيد" و"صبا" تسبقه مع زوجة أبيها. هرول خلفها ليوزيها عندما لاحظ أنظار الحضور التي حطت عليها. فأوقفها وهتف محتداً: -روحي اقعدي على جنب. رمقته بدهشة وهتفت ساخرة: -وبالنسبة لكتب الكتاب دا هتكتبه على نفسك؟ تخنق وتستفزه لكي ينهي الأمر من جانبه، لكن الآن مستحيل. أشار إلى ركن بعيد. ومن بين أسنانه هدر:
-روحي وهنجبلك الورق لحد عندك. مش هتوقفي قدام الشباب دول كلهم باللبس ده وبشعرك اللي قولتك مليون مرة غطيه. قلبت عينها بملل. أصلاً هي رافضة الأمر، تتمنى لو يغضب ويرفض ويهدم هذه الحفل على رؤوسهم. لكنه فاجأها بالعكس. فصرت على أسنانها وهتفت بتحدي: -أنت هتبدأ بالعند. أنا مش هروح في حتة. وإوعى تفكر تتحكم فيا تاني. فهم جيداً ما تريد أن توصلهم إليه، مع أن أسلوبها الفظ لا يقبله، لكن كان عليه أن يهدأ حتى لا تنال غاياتها.
حرك رأسه بيأس وقال: -صدقيني ما فيش فايدة من اللي بتعمليه ده. ما فيش غير إنك بتستفزيني أنا وبتضغطي عليا أنا. وده مش حلو عشانك. روحي اقعدي هناك. ما تحرقيش في دمي أكتر من كده. فهمت أنه كشفها، لذا قررت الانصياع إليه حتى لا يشك بفكرتها الشيطانية القادمة. هتفت بتحدي: -أنا هروح أقعد هناك وهريحك. صدقني هريحك خالص. بس يا رب أنت ترتاح.
التفت لتجلس وحيدة في جانب بعيد بعدما غادرت زوجة أبيها هي الأخرى إلى الجمع، وكأن ما يحدث لا شأن لها به. ستضع إمضاءها وينتهي عصر حريتها. ستدخل بقدميها القفص ولن تستطيع أن تحلق من جديد. "مريم".
نادتها وكأنها طوق نجاة، عندما رأتها تتحرك بمقابلها وتحتضن هرتها الأليفة بين يديها. كانت جميلة ونظيفة تماماً، كقطتها. ذوق "زيد" عالٍ في اختيار اللون الأبيض، وأعلى أذنيها لون بني، وكذلك على أطراف أصابعها وأنفها. عيناها عسلية وصغيرة الحجم بقدر الذي يجعل "مريم" تحملها بيد واحدة. أشارت لها بحماس لتتقدم نحوها. "مريم" احتضنتها على الفور بعدما مُنعت من الوقوف بجانبها أثناء الحفل:
-كل سنة وأنتي طيبة يا مريومة. إيه القطة اللي شبهك دي؟ أجابت "مريم" وهي تحرك يدها على فراء قطتها الناعم بابتسامة: -صاصا. ابتسمت "صبا" وغمرتها السعادة عندما استمعت إلى تسميتها. أمسكت بيد "مريم" وقبلتها بإمتنان. فهي في حياتها كلها لم يذكرها أحد ولم يحبها أحد بقدر أن يسمي شيئاً جميلاً يخصه باسمها: -أنتِ جميلة أوي يا مريم، أجمل من إن يكون ليكي مرات أب، حتى ولو كنت أنا. عبس وجه "مريم" وكأنها فهمت ما قالته، ثم التفت
لتقول غاضبة بشكل متقطع: -أنتِ هتخطفى... بابي حبيبي، وهتحبسيني وتضربي مريم وتشدي شعري كدا. صاصا وحشة، مريم حلوة. لم تقاوم "مريم" البكاء، وبكت بصوت عالٍ وصل إلى مسامع الحاضرين. وجعل "زيد" يتشتت تفكيره لينظر إلى ابنته. ولم يفهم سبب بكائها وهي بجوار "صبا" إلا بشكل واحد، أن "صبا" تؤذيها أو تحاول هدم الأمر كله عن طريق إغضاب مريم وإغضابه. استأذن من بينهم لينطلق نحوها بغضب عارم. وصبا مصدومة مما قالته "مريم".
فتشبثت بذراعيه لتسألها: -مين اللي قالك كدا؟ قوليل لي، ردي. ازدادت "مريم" في البكاء والخوف، مما جعل "زيد" يتأكد من ظنه. "صبا" تستفزه بابنته. وصل إليها ونهرها قائلاً وهو يضم ابنته إلى أحضانه أولاً: -إيه اللي انتي بتعمليه دا؟ نهضت "صبا" من جلستها ووقفت بوجهه وهي تسأله متحيرة: -أنا ما بعملش حاجة، أنا مش عارفة مريم بتعيط ليه. صر على أسنانه وهتف غاضباً: -قولتلك اللي بتعمليه مافيش منه فايدة. أردف مستاءً:
-حرام عليكي تأذي بنت! معقول غباؤك وصلك للدرجة دي من القسوة. ضمت حاجبيها باستنكار، غير مستوعبة افتراءه عليها، وهتفت بضيق من سوء ظنه: -إيه اللي بتقوله دا؟ انت معتقد إني ممكن أذي مريم؟ رمقها بنظرة غاضبة من وقت ما رآها. وهو يحاول كبح زمام غضبه، لكنها أطلقت سراح شياطينه بإيذاء "مريم". لم يجد لها أي عذر فيما حدث. لقد سبق وهددته، مما صعب عليه حسن الظن بها. فهتف محذراً:
-قولتي قبل كدا إنك هتقلبيها حرب، وقولتلك موافق. بس خلي الحرب دي بيني وبينك. طلعي مريم وأمي منها، وأي حد يخصني وحاربيني وجهاً لوجه. استاءت بشدة من قصر تفكيره. نعم، كانت تنوي الانتقام، وإن أتيحت لها الفرصة لن ترحم أحد. لكن بالطبع "مريم" ستكون بعيدة. كم كرهت أن لا أحد يصدقها ولا يثق بها. كم عانت من ذلك. ويبدو أن "زيد" أفرج عن ما بداخله. وفي لحظة غضب، ودون وعي، باعت كل شيء وتخلت عن أي شيء، وصاحت به بغضب:
-إشبع بيها وبأمك. اتسعت عيناه من فظاظة أسلوبها ورودها التي تفتقر للأدب. ومن بين أسنانه سحق اسمها قائلاً: -صبا. "صبا"، نداء آخر تبع ندائه، لكن بهدوء. كان لوالدها الذي قطع المشاجرة التي أوشكت على الاندلاع، وهو يقدم بين يديه عدة أوراق قائلاً: -امضي على عقد الجواز يا صبا. التوقيت قاتل. كيف سترتبط بهذا الشخص؟ شخص لا يثق بها، شخص لا يفهمها ولا ينتظر منها أي شيء أبداً. كيف ستأمنه وهو لا يأمنها؟
وما زادت الطين بله والدها الذي تعامل ببرود أثناء نهر "زيد" لها، وكأنها لا تهمه وليست من لحمه ودمه. لم تشعر بمساندته لها، ولم تتوقع منه التبرّد في المعاملة وعدم التصدي لزيد. وفوق ذلك، يأمرها بوضع اسمها على صك العبودية لهذا المخلوق. لم يبق للرفض مجال، ولن تنتظر للصباح. فلتمضي الآن، ولتحرقهم جميعاً فيما بعد. الحساب يثقل، وهي لن تنسى لكلا منهم أي شيء. لديها ذاكرة لعينة تذكرها بكل شيء. في المساء.
أمسكت القلم من بين أصابعه، وخطت إمضاءها، وكذلك وضعت بصمة يدها. كل شيء فعلته بسرعة حتى لا تترك لمشاعرها مجالاً. انشغل "زيد" بتهدئة "مريم" دون أن ينظر باتجاهها. لقد استولى الغضب عليه، وما عاد يود النظر إليها بعدما فطرت قلب صغيرته. انتهت "صبا" وسلمت الأوراق لوالدها، وهتفت بعصبية: -خلاص كدا ولا في حاجة تانية؟ أجاب والدها وهو يطلع على الأوراق التي بيده. مط شفتيه بابتسامة كمن ربح بيعه، وقال مبتهجاً:
-لأ، عال. ألف مبروك يا صبا، مبروك يا زيد. تركهم لينضم لباقي أفراد العائلة. فتبعته "صبا". لم تقو على الوقوف بجانب "زيد"، ولم تريد تنفيذ أوامره. فذهبت لتقف بينهم دون إعارة رفضهم لها أي اعتبار. ما دام الأمر يغضبهم وزواجها ليس على هوائهم، فلتستفزهم جميعاً ولتحرقهم وتحترق معهم.
وقفت بجوار والدها وزوجة أبيها. عينها كانت زائغة، مترقبة، تدور بهم بتفحص وسرعة. لو كانت الأعين تتكلم، أو يفهمها أحد، لأدرك كم هي مخذولة، تائهة، خائفة من الجميع دون استثناء. لاحظت كم الحزن والاستياء على وجه "ونيسة"، وكذلك "بثينة" وبلال و"يحيى". الكل لا يرغب بها، وهي أيضاً لا ترغب بهم. زوجة أبيها تبتسم بشماتة لتغيظها. ورشدي يأبى أن يخفي نظراته المتحسرة تجاهها. أثناء انشغال جدها بتوديع المأذون، استمعت بلال وهو
يميل نحو رشدي ليهمس له: -هي لابسة ومتزوقة كدا ليه؟ حد قالها إن انهارده الدخلة؟ ازدرقت ريقها بخجل، لكنها لازالت تحاول الصمود أمام الجميع. وقف "زيد" إلى جوارها، كتفه على مقربة من كتفها، وهتف بصوت حاد رغم خفوته: -انتي مصرة تنرفزيني. عاجبك منظرك والكل بيبص عليكي. رغم تأييدها كلامه وفهم ما يقول بشكل صحيح، إلا أنها كانت بحاجة للمعارضة لتشعر بأنها قد انتصرت عليه، ولو في موضع واحد. فأجابته معاندة:
-آه، عاجبني وعاجب الكل. انت اللي باين عليك ما بتفهمش. أجفل وهو يحاول التماسك. مكوراً قبضته حتى لا يرديها قتيلة. سحق الكلمات بين أسنانه قائلاً: -اللهم طولك يا روح. أنا فاهم نظرة كل واحد ناحيتك وعارف بيقولوا إيه من غير ما أسمعهم. شعرت بالحرج مما يقول، وسألته بقلق: -هـ... يكونوا بيقولوا إيه يعني؟ زجرها بضيق، محاولاً أن لا يعلو صوته ولا يلاحظ أحد الحديث الذي يدور بعصبية بينهم:
-لأ، دا انتي غبية فعلاً. اطلعي كدا من سكات، استري نفسك وتعالي. أمسكت "مها" براسغها وهي تتدعي السعادة والمرح، وهتفت بصوت عالٍ، موزعة نظرها بينها وبين الحاضرين: -ألف ألف مبروك يا صبا. إي يا جماعة ما فيش زغرودة ولا إيه؟
لم تجد تفاعلاً من الحاضرين، غير نظرات ونيسة وبثينة الساخطه، والتي تبدو أرواحهما على وشك الصراخ. فجأة، وبدون مقدمات، علت زغرودة عالية بصوت رنان، طويلة المدى، من جانب "صبا". كانت كالصاعقة على الجميع، أدهشتهم بجرأتها، واستفزتهم. وأكثر المذهولين والغاضبين كان "زيد"، الذي نظر باتجاهها مذهولاً مما تفعل. تبدو غير متزنة أو شريرة لحد مخيف. صدمته أغفلته عن إيقافها ومنعها. حتى إنتهت، وعيناها تلمع بالبكاء. هتفت بصمود،
مدعية الفرح: -أزغرط أنا لنفسي، شكلهم ما بيعرفوش كلهم. أمسكت "بثينة" بيد الكرسي وهمت بالنهوض، لكن منعتها "ونيسة" بأن أمسكت يدها وتوسلت بخفوت: -اقعدي، أبوس إيدك. أبوكي مش هيعديها لو ضربتيها. هتفت "بثينة" من بين أسنانها: -مش شايفة الفجر! سبيني أقوم لها أضربها على بقها. صاح رشدي فرحاً: -الله ينور. رفع هاتفه واقترب منها ليشعل الأمر أكثر، وهو يقول: -واحدة تانية عشان نسجلها صوت وصورة.
هنا رأت "صبا" نفسها، واكتشفت نصفها العلوي الشبه مكشوف بسبب ارتفاع يد "رشدي" للأعلى بكاميرا الهاتف، لتكشف المستور، وترى نفسها كما لا يريدها "زيد". للمرة الألف تتأكد أن كلامه صحيح وليس من طبعها هذا التعري، وأن "زيد" لديه حق في رفض ذلك ونهرها عليه أيضاً. وها هو "رشدي" يقترب منها ويريها كم كانت كالسلعة الرخيصة. لكن من ينقذها الآن من التقاط الصور المتتابعة من "رشدي" لهم معاً؟ تدخل "زيد" ودفع يده بحنق وهو يزمجر فيه:
-انت اتجننت ولا إيه؟ تشنج "رشدي" من دفع يده، وأجابه غاضباً: -إيه اتجننت دي؟ باخد صورة للذكرى. صاح به "زيد" وقد اشتدت لهجته وتحولت لعنف: -أنا سمحتلك؟ ولا هو فرح أمك عشان تصور فيه بقلب جامد كدا؟ انفعل "رشدي" من نهره وراح يرد عليه بغضب: -احترم نفسك. لم يهتم "زيد" لغضبه أو غيره، وأجابه محتداً: -أنا اللي أحترم نفسي ولا انت؟ هو أنا مش مالي عينك عشان تستأذني قبل ما تصور ولا إيه؟
فهمت "ونيسة" وبثينة سبب حدة "زيد" وغضبه. فقطعت "بثينة" هذا بأن صاحت مؤنبة: -خلاص يا زيد، مش هنعيد الخناق تاني. ونظرت باتجاه "صبا" وأهانتها بقسوة: -وانتي اطلعي استري نفسك، بلاش قلة أدب. ولا انتي عاجبك تجيبى كل شوية المشاكل؟ أنهت جملتها التي سقطت على "صبا" كدلوا بارد: -قلة حيا بصحيح.
صوت طلقات متوالية في الهواء جعل "صبا" تنتفض على فجأة. لم تعد هذا. الحمد لله أن وجدت شيئاً آخر يغطي على حرجها مما تقول عمتها أمام الحاضرين. لاحظ زيد انتفاضها وحاول الاقتراب منها وطمأنتها، لكنها صعدت بسرعة للأعلى، فارّة من الكل وحتى نفسها. "بغرفتها"
الآن تجلس على كرسي قريب من مرآتها، شاردة الذهن وعلى غير سجيتها. الصمت الذي حولها ينافي ما بداخلها. النور المضاء حولها لا يؤثر على ظلمتها الداخلية أبداً. وكل الأبيض من حولها، بداخلها مضاد تماماً. انحسرت داخلها، ومر على ذاكرتها كل سوء تعرضت له منذ أن ولدت وحتى هذا اليوم المشؤوم الذي نهرها به الجميع. وهذا جعلها تقوى أكثر ولا تخشى القادم. بالتأكيد لن يحدث لها أسوأ من ذلك. "كثرة الضغط يولد الانفجار"
وهذا ما تتعرض له "صبا". وهذا ما جعلها تؤيد فكرة الفرار وبشدة. نهضت لتبحث في حقيبتها عن هذا الكارت الذي أعطاه إياها "رياض" ليساعدها في الفرار وليكن عوناً لها عندما تخرج من هنا بلا رجعة. نقلت أرقامه بدقة إلى هاتفه، وضغطت زر الاتصال. استمعت للجرس وهو يتوالى بفارغ الصبر. لن تسمح لعقلها بالتدخل. لحظات، وسمعت صوته المجيب بـ: -ألو. ازدرقت ريقها واستعدت للقول بجرأة وبصراحة: -عمو رياض، أنا صبا. أنا جاهزة أخرج من القفص.
أخبرته رغبتها دون أن تخشى أي خطر. فبعد ما رأته في حياتها وهذا اليوم تحديداً، ستكون هي الخطر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!