نزلت والسعادة تملؤها، أمرها أن تسبقه لأسفل ليمهلها ترتدي ملابسها، والحقيقة أنه يريد أن يختبئ بندوب بطنه الذي يحاول دائمًا أن يخفيها عن نظراتها. وقفت "ونيسة" بوجهها ويدها على خصرها وسألتها بانفعال: -ناوي على إيه يا بت يا بشري؟ استمرت بالنزول ورفعت ذقنها، ما دام زيد معها لن يهمها أحد. ما إن وقفت أمامها حتى قالت بصوت جهور: -ولا حاجة يا طنط، بفرق حلاوة النونو. صرت ونيسة على أسنانها وأشاحت بوجهها بعيدًا عنها لترد بعصبية:
-ما تجيبيش سيرة الزفت ده، إن شاء الله ما يوعاكي تشيليه ولا تشوفيه. لم تهتم ورددت ببرود يقتل: -ادعي من هنا لبكرة يا طنط، دعوتك مش هتستجاب. نظرت لها من جديد بحدة وسألتها بغضب: -ومش هتستجاب مني ليه يا أختي؟ حركت رأسها بهدوء وابتسمت بخبث وهي ترد بهدوء: -عشان انتي مش ملاك. رفعت يدها لتلطمها بقوة، لكن "صبا" تعلمت الدرس، فلم تسمح لها بالانتقام منها، التقطت يدها بسرعة وثبات هتفت:
-إوعك تمدي إيدك عليا تاني يا طنط، أنا مش بس مرات زيد، أنا شايلة ابنه، الاعتداء عليا كأنه على ابنه بالظبط. زادتها غضبًا فقالت وهي تسحب معصمها من قبضتها: -وإحنا إيه ضمنّا إنه ابنه؟ تطلعت إليها صبا باشمئزاز، لم تتوقع يومًا أنها ستتهم بهذه التهمة القذرة التي تمس العرض والشرف، لذا تحدثت بشراسة:
-حاسبي على كلامك والزمي حدودك، انتي كده بتغلطي في ابنك قبلي، وأنا لحد دلوقتي بكلمك بلساني، لو زودتي حرف كمان هيبقي آخر كلام وهديكي من تحت رجلي. شهقت "ونيسة" وصاحت محتده في نية لإيقاظ المنزل كله: -نعم نعم، تدي مين يا بت يا بشري؟ يا حلاوة دي القوالب نامت والأنصاص قامت! ردت "صبا" عليها بنفس الحدة: -لما تشككي في نسب ابني لازم ده يكون ردي، وإنتي مش واخده بالك إني بنت ناس مش جارية عندك؟ هدرت ونيسة بصوت جهور:
-انتي هتنسي نفسك يا بت ولا إيه؟ ناس مين اللي بتكلمي عنهم؟ ده انتي بنت بشري، بشري اللي كانت مرفقة رياض ورياض ده سمعته على كل لسان، جاية بعد ما هربتي معاه تعملي علينا شريفة؟ الأمر أصبح معقدًا والألم يزيد بجر اسم والدتها في هذه التهم، لكن صبا حاولت الصمود وتساءلت بضيق: -ولما هي كده جدو جوزها لابنه ليه؟ بطلو غل بقى، انتوا مش رحمينها عايشة ولا ميتة. نزل بلال بسرعة على هذا الشجار يسأل بقلق: -في إيه يا ماما؟ صوتكم عالي ليه؟
أمسكت ونيسة به وهتفت آمره: -البت بنت #### شعرها دي بتشتمني. وضعت "صبا" يدها على فمها من هول الكلمة ومرارة الفعل، خشيت أن ينفذ هذا والتفت لتصعد السلم، لكن قلة خبرة بلال واندفاعه وتهوره جعلته يمسك برأسها ويجذبها بقوة للخلف قائلاً بشدة: -انتي بتشتمي أمي؟ -بـــــلال!
زعق "زيد" باسمه كالرعد، هز أركان المنزل وقفز بسرعة البرق عبر الدرج، حتى أنه لم يعطه فرصة بترك صبا، وقبض على يده ليدفعها عنها بقسوة شديدة وهو يسأله وعيناه المتسعتان يغلي بهما البركان: -انت اتجننت؟ سرعان ما اختبأت صبا أمام صدره، وضمها إلى جانبه، ويده الأخرى تمسك بيد أخيه. تدخّلت ونيسة لتمنع الحرب التي ستقام الآن: -أخوكي كان بيدافع عني وصبا كانت عايزة تضربني.
خشيت صبا أن يصدقها ويتحول غضبه إليها بعدما رأى بعينه كم العنف الذي تتعرض له، فهتفت مدافعة: -لأ يا زيد، أنا ما عملتش حاجة، هي اللي بتشتمني في شرفي. نظر إلى أمه بضيق، فقد سبق وأن أبلغها أن لا تتجاوز هذا الأمر حتى بينها وبين نفسها، ولكنها كررته مع هذه المجنونة التي لن تهدأ حتى تثأر لكرامتها وترد اعتبارها. زم فمه بغضب عارم وأفلت يد أخيه ليقول لبلال الذي تصنم في هذا المشهد: -إمشي يا بلال، أنا هعرف أحاسبك على عملتك دي.
غادر بلال دون تردد، وهذا كان الأفضل له. نظرت له ونيسة بثقة أنه لن يستطيع فعل شيء لها، ولا حتى تخويفها كما أخاف أخيه، وقالت بازدراء: -إيه؟ هتضربني ولا إيه؟ صاح بصوت جهور: -امـــــي، سبق وقولتلك ما تكلميش في الموضوع ده. لكن انتي مش عايزة تريحيني ولا تريحي نفسك. سألته بنفس البرود والثقة: -هنمسك لساننا عشان ست صبا؟
تحول في لحظة ليريها كم هو شرير عندما يتعلق الأمر بشيء يخصه تمامًا كما يواجه "عماد" في معركته معه. هتف متسلحًا بالعداء: -لأ، صبا دي مش هتشوفي طيفها، ومن هنا ورايح هي مش مرات ابنك، صبا مراتي لوحدي، وكلمتي هي اللي هتمشي وغصب عن الكل، ومراتي أنا هعرف أحميها حتى منك.
لم تصدق "صبا" ما فعله لأجلها، وعلى فجأة سحبها أسفل إبطه واتجه للخارج، انساقت معه، لكن صدمتها بما حدث لازالت تجعلها ترتجف، تسمع قلبه ينبض بعنف، لم تراه بهذه الحالة إلا نادرًا، وهذه الحالة تخيفها كثيرًا. أقحمها في سيارته والتف نحو السيارة ليدخل من الجهة الثانية. جلس خلف المقود وعدّل المرآة الأمامية ليمشط شعره، تحدث بأنفاس متلاحقة وبنبرة تملؤها ضيق: -هو انتي كل ما هتتأكدي من حبي ليكي هتعملي لي مشكلة؟
المرة دي كانت بسرعة أوي وكشفتك. اتسعت عيناها واستدارت له وقالت بصدمة: -إيه اللي بتقوله ده؟ إذا ما كان انت نازل وأخوك كان هيضربني. انتهى من تمشيط شعره وقذف المشط من يده بقوة وسب بغضب. استرسلت بالقول: -زيد من فضلك ابقى اسمع مني، لاحسن كده مش هينفع، إحنا هنوصل لحيطة سد. سألها مجعدًا جبهته ببرود: -وإيه بقى اللي حصل؟ انتفخ صدرها وحاولت كبح جماح غضبها مما سمعت وهتفت:
-سبق وقولتلك إني اتهانت كتير واتضربت كتير، ومش هسمح لحد إنه يقلل مني أو يمد إيده عليا، حتى انت. أمعن النظر إليها ثم سأل متعجبًا: -هتأكليني ولا إيه يا بنت الواصل؟ لم تكن في مزاج يسمح لها بهذا المزاح، فعبست وجها لتحسه على أخذ حديثها على محمل الجد، لذا هتفت بتحذير: -أوعاك يا زيد تستهزأ بكلامي.
لم يرى في حديثها أي خطأ، لم تكن صبا شخصًا عاديًا أو امرأة ستستجيب للعنف، حتى وإن قبلت هذا سابقًا، فدماءها الثائرة يومًا ما ستنتفض. نفض رأسه ليؤكد تأييده لها وتحدث: -مش بستهزأ، بس أول مرة أشوف جينات الواصل في واحدة، وتقريبًا لأنك الحفيدة الوحيدة الخطيرة. أنهى جملته بغمزة خاطفة. كانت هذه أجمل شيء تراه، كم تزداد إعجابًا به عندما تختفي تكشيرته الدائمة ويمرح معها. طفت على ابتسامة خفيفة على وجهها وطلعته
بنظرة ناعسة وقالت بتأثر: -مش عايزة حاجة تفرقنا يا زيد، دايما خليك في صفي، أنا بثق فيك إن عمري ما هأذي حد ولا هبدأ مع حد خناق، أنا عايزة بس أعيش، وأي حاجة هتقف بين إني أعيش مش هسكت إلا لما أشيلها، واللي حصل كله مستعدة أنساه عشان خاطر بحبك بس.
تأثر بكلامها رغم شعوره بنزعة الحدة والإصرار التي ملأت نبرتها في بعض الجمل، وعندها يعرف مدى صدقها فيما تقول. تشبه كثيرًا في مواضع كثيرة وتذكر مقولة جده التي لم يكن يصدقها أبدًا: "ما فيش ست تنفعك غير صبا". والحقيقة أنها بالفعل قوية لدرجة أنها ستكون جيشه الوحيد في معركة الحياة، فهتف بحب: -وأنا عشان خاطر الحب ده هحاول. أدار السيارة وهم بالمغادرة وقال: -يلا عشان نحضر الدبح.
انطلق بسيارته إلى بوابة القصر الخلفية. أسعدت كثيرًا بتفاعله معها، تاركة خلف ظهرها ما حدث، فلن تسمح لأحد أن يفسد حياة قررت عيشها مع رجل تتمناه.
وصلوا للمكان المخصص وبالفعل قد بدأ الجزار بالاستعداد للدبح، ووقفت صبا تشاهد من بعيد، بينما اتجه "زيد" صوب العاملين ووقف بينهم مشمرًا عن ذراعيه ليتعامل ببساطة وكأنه واحدًا منهم. لاحظت كم يحبه الناس ولطفه في معاملتهم ومداعبته لهم وتواضعه معهم. زادت إعجابًا به واستمتعت بمراقبته بسعادة. قال له الرجل: -بشمهندس زيد، ارجع لورا عشان هدومك ما تتبهدلش. رفض زيد التحرك وهتف بابتسامة: -مش مهم، المهم ما يفوتيش الثواب ده.
رفع الجميع أيديهم للسماء داعين له من قلوبهم: -ربنا يعجله في ميزان حسناتك يا رب. أمن على دعائهم ودعاهم من جديد قائلاً: -يارب، الناس اللي دعتلي دي هتاخد كيلو زيادة. ضحك الرجال على دعابته الخفيفة وتحدث أحدهم: -لا، إحنا نكتر دعاء بقى وناخد واحدة لنفسنا. ضحك "زيد" عالياً كما ضحك من معه ليرد مازحًا: -والله إذا كان كده ادعي أنا لنفسي ونلم الدور.
صوت ضحكاتهم جلجل في المكان. وعندها بدأو بربط الذبيح مستعدين بحماس، وقدم الرجل لزيد نصلًا حادًا وقال: -اتفضل يا بشمهندس زيد، سمي الله على ذبيحتك. أمسك بالسكين وأخفاه خلف ظهره، ووقفت صبا بعيدًا تشب على قدمها لتري ما سيفعله زيد، وقلبها يخفق من القلق عليه خوفًا من أن يصيبه مكروه. لم تره من قبل في مشهد كهذا ولم تعلم إن كان سينجح أم لا، لكن ثقة الرجل به توحي بأنها ليست المرة الأولى وأنه معتاد على هذا دائمًا.
رأته يخفي السكين خلف ظهره وبيده الأخرى يمسح بحنان على ظهرها وعنقها، حتى انصاعت لمساته واستكانت. لاحظت شفاه تتحرك، وفي لمح البصر كان قد شق عنقها. ليعلو الصياح "الله أكبر، الله أكبر". وقعت الذبيحة وانقض الواقفون لمساعدتها، مزامنة هذا مع وقوع الذبيحة الأخرى. تراجع زيد قليلًا ثم وقف لمساعدتهم. وقفت مها وونيسة في أحد البلكونات الخلفية يشاهدان المنظر. سألت مها ونيسة باستنكار: -اشمعنى صبا هي اللي تحت؟ أجابت "ونيسة" التي
لا تزال غاضبة مما حدث: -عشان زيد عايز كده، ما عادش يخليها تقعد معايا تاني. نظرت لها بدهشة وتساءلت: -إيه؟ لي يعني؟ تحدثت ونيسة بحنق: -أهو كده. بقولك إيه، يلا تعالي معايا تحت عشان الحاجات اللي هتدخل دي. عادت تسألها "مها": -وصبا؟ تشنجت وهي تجيبها: -يووو، قطعت وقطع اسمها. كانت تعلم أن زيد سيأخذها بنفسه ليوزع على الفقراء والمساكين ولن يجعلها تشارك معهم. بالأسفل.
ابتعدت صبا قليلًا لترى أكفًّا من الأيادي مطبوعة بالدماء على الحائط، أكثر من شكل وحجم، وقد فهمت أن هذه بصمة يضعها كل المشاركين هنا ليخلفوا ذكريات يحكيها من يأتي بعدهم. أحبت التجربة وشمرت عن ساعديها لتمد يدها أسفلها وسط الدماء السائلة وتغرق يدها بها، ثم اتجهت صوب الجدار لتضع يدها والابتسامة تعلو وجهها.
وعلى فجأة وجدت يدين أمامها من كلا الجانبين، التفتت سريعًا لتجد زيد أمامها وقد احتجزها بين يديه، تاركًا هو الآخر بصمته على الحائط. تطلع إلى ملامح وجهها وغرق بعينيها وسأل بجدية: -عارفة يعني إيه تسيبي بصمتك على الجدار؟ نفضت رأسها ببطء وهي تتطلع إليه. كانت أقل منه طولًا بكثير، حتى أنه كان مضطرًا لإخفض رأسه لمطالعتها. سكت برهة ثم أجاب: -معناها إنك هتسندي البيت وتحمي العيلة.
كادت تصدقه وعيناها تمتلئ بالتأثر، لكن شبح ابتسامته الذي ظهر أثبت أنه يستغفلها، فحاولت الانسحاب من أسفل ذراعه قائلة بانزعاج: -انت بتستهبلني؟ عيلة إيه اللي أحميها دي، نصها عقارب، ربنا بس يحمينا منهم. عض شفتيه حتى يحبس ضحكاته وامسك بها ليمنعها من الخروج وأسند ظهرها للحائط ليقول بخشونة: -إيه اللي انتي بتقوليه ده؟ انتي بتسخري من معتقداتنا؟ ده انتي كده هتحل عليكي اللعنة. لم تبالي بما يقوله وسألته بلا اهتمام:
-يا سلام، لعنة إيه دي كمان؟ أجابها مؤكدًا: -لعنة الحب. رفعت إحدى حاجبيها مستنكرة ودفعته في صدره المواجه لها كي يبتعد، لكنه لم يتزحزح وظل محتجزها بين يديه. هتفت بضيق: -زيد، بطل تقول أي كلام. اتسع فمه وعيناه وتحدث بروية: -أنا بقول أي كلام؟ طيب هقولك حكاية... قاطعته سائلة: -وإحنا كده؟ أجاب دون اكتراث: -آه، أصل الحكايات ما تتقالش غير كده. أردف بعدما أطلق زفيرًا ليعطيها شعورًا آخر بالصدق:
-أنا حطيت إيدي قبل كده وصابتني اللعنة إن قلبي ما يدقش ولا يحب غير مرة واحدة. ابتسمت بمكر وسألته وهي تضع طرف أصابعها على قميصه الأبيض: -وقلبك دق ولا ما دقش؟ أجاب ساخرًا ليستفزها: -لسه؟ زمت فاها بغضب وثنت ركبتها لتدفعه في بطنه، فانحنى متأوهًا: -ااه، بقي الجاموسة تطلع أحن منك. خرجت من تحت يده مستغلة ألمه وهتفت من بعيد: -ابقي خلي قلبك يدق للجاموسة. استقام في وقفته وهتف وهو يمط شفتيه للجانب:
-ما خلاص وقعت الفأس في الرأس يا أختي، وبقيتي لعنتي. رغم أنه قالها بطريقة فظة، لكنها ابتسمت رغمًا عنها. لقد حاول استفزازها ونجحت هي في استفزازه لتخرج مكنون صدره. هز رأسه بيأس، فلن يستطيع يومًا أن يغلبها، لقد تمكنت وأحكمت سيطرتها على قلبه، فلن يدق من جديد إلا لها.
اليوم كان طويلًا عليهم، لكنه ما زال في بدايته. أخذ زيد اللحم ومعه صبا وانطلق بالسيارة، يعرف الأبواب التي لم يدقها أحد سواه، يعرف المحتاجين ولا ينسى أحد، فعادته دومًا كانت الطواف حول المساكين، لكن هذه المرة مختلفة تمامًا، فاليوم معه يد محبة للخير تساعده "صبا".
نزلت معه وحملت معه الأكياس ودخلت معه منازل الفقراء، واكتشفت جانبًا جديدًا لـ"زيد" لم تكن تراه أبدًا وهي قابعة في القصر، ازدادت حبًا وثقة واحترامًا له واستمتعت بدعاء الناس لهم ولجده، واستشعرت صدقًا ومحبة لم تكن تعرفها من قبل. تلك السيدة شدت على يدها وهتفت بحب: -خلي بالك على سي زيد، ده حتة سكرة. ابتسمت لها صبا وأومأت برضاء، وردت عليها: -في عنيا. عادت المرأة بنظرها لزيد وأوصته قائلة:
-والله شكلها بنت حلال، خلي بالك انت كمان عليها. غمز بطرف عينه ورد مبتسمًا بلطف: -مخلي بالي، ما تقلقيش. ضحكت المرأة ودعت بحب ومن أعماق قلبها: -ربنا يحميكم يا رب ويبعد عنكم النفوس الوحشة ويرزقكم بالخلف الصالح ويروق بالكم ونشوفكم في سعادة دايما، ويشفي الحاج.
ابتهجت "صبا" من دعائها الصائب ونظرت باتجاه زيد الذي ابتسم رغمًا عنه، لأنه لم يستطع مقاومة النظر إليها دون أن يبتسم، فضحتها عالم آخر. يعتبر هذا اليوم الوحيد الذي يشعر فيه أنه على قيد الحياة بعد وفاة "مريم". انطلق للمستشفى معها ليتجه نحو غرفة جده. لا يزال جسده موصولًا بالأجهزة وحالته تسير ببطء نحو الشفاء. أمسكت "صبا" بيده ووقفت إلى جواره وهتفت بمزاح: -أنت أدعولك دعاء النهارده يخليك تقوم تتجوز على طول.
رفع يده الأخرى ولطمها على يدها وأبدى اعتراضًا صامتًا على ما تقوله. فعادت تحدثه بسعادة: -بجد والله، النهارده الناس كلها بتدعيلك تقوم بالسلامة. رمت نظرة عابرة لزيد وأردفت: -زيد خلاهم يدعولك. رمقها زيد بدهشة وصحح قولها: -الفكرة فكرة صبا يا حاج، أنا بس ساعدتها. أكملت هي بعناد: -لا يا جدو، الفكرة بتاعتي وزيد كمل من عنده. صر على أسنانه وهتف بخفوت: -ما تعدليش على كلامي. -بقول الحقيقة.
ابتسم "فايز" على شجارهم الطفولي حتى في أتفه الأشياء وأبسطها، وأنهى هذا قائلاً: -المهم الثواب. أزاح زيد نظراته الحادة عن صبا ليحادث جده بنبرة توسل: -مالك يا جدو بس؟ سمعت إنك مش عايز تقابل أمي وعمتي. سرعان ما نظر له بحدة وظهر على وجهه الاستياء وأدار وجهه مستكفيًا لمجرد سماع اسمه. سكت زيد قليلًا وعاد يسأله: -لو مش عايز تتكلم قدام صبا، اخرجها... رد "فايز" وقد اشتدت في القول ليبدي حجم غضبه الذي لا تسعه
صحته لدفعه بالشكل الصحيح: -أنا عايز أقوم من رقدتي دي عشان أعرف أحاسب كل واحد على غلطه، ولحد ما أقوم ما حدش يجيب سيرتهم. هزت صبا رأسها وحدثت زيد: -خلاص يا زيد، بلاش كلام كتير عشان ما يتعبش. نهج بشدة وحاول التقاط أنفاسه، مما جعل زيد يصمت تمامًا وأصبح يتمنى الصبر ويدعو له سرًا وجهرًا بالشفاء العاجل. مرت أيام عدة ولا يزال زيد يصطحب صبا معه للمعرض يوميًا حتى يجنيبها والدته ويقطع حبل المشكلات التي لا تنتهي. في المعرض.
ذهبت "صبا" مع زيد وأجلسته بمقابلة في المكتب واهتم بأن يقدم لها الطعام الذي تحبه، أما هو فانكب على الأوراق يعمل بتركيز دون انتباه لها، يضع نظارته ذات الإطار الأسود ويقلب في الصفحات، وهي تحاول لفت انتباهه عوضًا عن هذا الصمت الذي جعلها تشعر بالضجر. ضغطت على شاشة هاتفها ووضعت سماعات الرأس بأذنها وفتحت على موسيقى عالية، وصل طنينها غير المفهوم إلى أذنه. رفع رأسه لينظر لها، لكنها تصنعت الاندماج وعدم ملاحظته. بعد
قليل علت صوتها تدندن معها: -يا صفر شاغلك يااا أصفر تاعبك، بس أنا على وضعي شاغلك.. تاعبك. عاد ينظر لها بضيق، علها تفهم أنها تشتت ذهنه. بدأت تحرك يدها بعشوائية دون اهتمام: -دلعت شخص وخان، قلبت معاه بعوجان. بالفعل نجحت في تشتيته وإحداث نظره عن ما يفعل. خلع نظارته عن وجهه وقذفها على سطح المكتب بغضب وصاح بصوت عال: -يا بنتي بقى! نظرت نحوه دون أن تخلع سماعات الرأس وردت بهدوء ورقة:
-نفسي أسألك سؤال بسيط، مش لاقية أي إجابة ليه. ضيق عينيه وهو يطالعها، لكن أكملت وهي تشاكسه: -لي بشوف الكل شكلك، لي بعيش دايما مشاكلك، حتى إني شكلك ونص التاني شكل، إحنا فينا حاجات كتير زي بعض وهي هي. زفر أنفاسه بضيق وهتف: -لااء بقى، ده انتي قلبتي الأغنية. علا صوته فجأة: -صباااا! انتفضت وهي تسحب سماعاتها عن أذنها وسألته ببرائة: -إيه يا زيد؟ خضتني. سألها دون مقدمات: -وبالنسبة للدوشة اللي انتي عاملهالي دي؟ أجابت وهى
تنهض من مكانها وتتجه نحوه: -ما هو يا زيد أنا زهقت وانت قاعد ساكت بقالك ساعتين، وحتى قولتك خليني أساعدك ما رضيتش. وصلت لمكتبه فرد عليها بحنق: -يعني يا تسعديني يا تعطليني؟ لمعت عيناها الماكرة ظهرت فابتسمت وهي تهز رأسها بالنفي، لكنه لم يحتاج توضيحًا لما تريد أكثر من هذه النظرة. حك أنفه وهم بالتحدث، لكن سبق هذا دق الباب، فأشار لها بعينيه أن ترجع للخلف. استجابت لرغبته ونادى: -تعال. دخل فتى صغير ليقول له على عجل:
-جماعة الأستاذ محمود جم وعايزين ينقوا العفش. رفع ذقنه وقال: -روح وأنا جاي وراك. ما إن أغلق الباب حتى هتفت "صبا" بسرعة: -تروح فين؟ مش دول ستات؟ أجاب بدهشة: -آه. أردف محذرًا: -وإنتي هتمنعيني عن شغلي؟ تحول نبرته للحدة وهو يستأنف: -هبعتك لأمي في البيت تطلع عينك بقى. صاحت باعتراض ملوحة بيديها: -لاااا! أنا هنزل أنقي معاهم. نهض من مكانه وصاح برفض قاطع: -تنزلي مع مين؟ انتي فاهمة حاجة؟ وقفت بوجهه وكأنها تدافع بإستماتة عن قضية
هامة بالنسبة لها وقالت: -مش الموضوع تسويق يعني. رفع وجهه لأعلى ونفخ بضيق ورد عليها: -انتي هتبوظي البيعة، وسعي بقى من وشي أشوف الناس. هم بتفاديها لكنها وقفت من جديد في وجهه بإصرار لتقول: -مش هبوظ حاجة وجربني، أنا شاطرة أوي في الإقناع. حرك رأسه بيأس فاسترسلت وهي تميل إليه: -دول ستات يا زيد، الست ما تفهمهاش إلا ست زيها. رفع أحد حاجبيه وسألها بمكر: -نتراهن؟ ولو ما عرفتيش إنك تيجي معايا تاني. لم تتردد في قول: -موافقة.
أضافت واثقة: -ولو عرفت تعمل اللي أنا عايزه. كانت واثقة في نفسها بإقناعهم ونجاح هذه الصفقة لصالحها. حرك رأسه وتراجع نحو مكتبه وهتف: -يلا نجازف، الحكاية كلها أوضة نوم بأربعين ألف مش حكاية يعني.
أنهى حديثه بإشارة يده لها بالسماح. فُتّحت وركضت للخارج، تبعها بنظرة متعجبًا من تلك العنيدة وانتظر أن تعود خايبة السعي حزينة على عدم إقناعهم لأنهم صعبو المراس ومترددون دائمًا، وإقناعهم بشيء واحد يحتاج جهدًا كبيرًا وقد يبوء بالنهاية بالفشل إن لم تكن حادة كشخصيته التي كانت تنهي الصفقة غالبًا بالحرج. نزلت صبا الدرج بعدما حددت وجهتها، وجدت امرأتين في منتصف العمر، ابتسمت ابتسامة خفيفة، فطالعها بدهشة. ما إن وصلت إليهم حتى
مدت يدها لتصافحهم قائلة: -أهلًا وسهلًا، نورتونا. سألتها المرأة وهي تمد يدها لتلقف يدها: -أهلًا وسهلًا بيكي، بس فين البشمهندس؟ أشارت إلى نفسها وأجابت بثقة: -أنا مراته، هو عنده شغل، ممكن أتعرف عليكم؟ نظرتا المرأتان لبعض وردت كل منهما باستلام: -أنا منال. -وأنا هناء، بس إحنا متعودين على البشمهندس وهو بيجيب لنا أحسن حاجة. ابتسمت لهم وأشارت للأمام بجدية: -إحنا كل معروضاتنا أحسن حاجة وهتشوفي بنفسك. سبقتهم وسألت بمرح:
-اهو نبقى براحتنا، ممكن تقولي لي لون الحيطة إيه عشان ننقي أفضل حاجة مناسبة؟ ردت منال: -أبيض في جنب كشمير. حافظت "صبا" على ابتسامتها وردت: -جميل، هنقي حاجة على كده. وتبع ذلك إشارتها نحو بعض الغرف المعروضة ذات الألوان الداكنة وقالت موضحة: -ألوان الأوضة هادية، إنتي محتاجة حاجة غامقة في العفش عشان تكسري الألوان. بدأت المرأتان في الدوران حول الأثاث وبدأت صبا بالثرثرة معهم: -هو ده بيت جديد ولا عفش عروسة؟ ردت عليها "هناء"
وهي تتحسس قطع الأثاث: -لا، ده بيت جديد وبنجدد. صاحت بسعادة: -ألف مبروك، ربنا يجعله مسكن مبارك. ردت لها المرأة هذه التهنئة برحابة: -الله يبارك لك انتي والبشمهندس. تحدثت منال بتردد مشيرة لأحد القطع: -حاسة اللون ده مش هيبقى حلو، أنا عايزة فاتح. فأسرعت صبا بالبحث عن لون فاتح وأشارت نحو إحدى الغرف ذات اللون الكشمير الهادئ وقالت:
-لو مصرة على الفاتح يبقى الكشمير، بشرط الحيطة الكشمير تبقى في وش الدولاب بحيث يردوا على بعض. صدقيني أنا بنقيلك كأني بنقي لنفسي بالظبط، مش كلام بيع وشراء، كلام ثقة. أعجبت "هناء" بالفكرة ووثقت بها قائلة وهي تنظر لمنال: -تصدقي صح، واللون ده حاجة ذواتي خالص. ابتسمت صبا وردت "منال" بحماس: -بما إنك فاهمة، ممكن تقولي لي لو صالون مدهب ينفع في الصالة جنب التليفزيون؟ ردت "صبا":
-الركنة هتبقى أفضل، الصالون يبقى في غرفة الضيوف أفضل من التليفزيون. سألت منال من جديد: -طيب لو لون الحيطة رصاصي، نختار لون الركنة إيه؟ أجابت بعد تفكير لثوانٍ: -ممكن مشمشي في جراي أو كشمير برضه، في هنا ركنة تحفة فيها الألوان اللي هتنطق المكان معاكي وتخلي المكان مريح للعين والنفسية. تبعها المرأتان وبدأو بالأسئلة المثيرة للاستفادة بشكل أكبر من هذه الذواقة التي تحلي كل شيء بحديثها الممتع وذوقها الراقي. بالأعلى.
كان زيد منهمكًا في العمل حتى قاطعه رنين هاتفه الذي لم ينقطع تجاهله عدة مرات، لكن في النهاية كان بداخله كبت وغضب يريد أن يفجره بوجه المتصل تحديدًا. فتح الخط وبنبرة باردة على عكس البركان الخامد الذي بداخله: -نعم يا بلال. جاءه صوت أخيه مترددًا وخائفًا وهو يسأله مباشرة: -المستشفى بلغتني إن حالة جدو استقرت وهيخرج من العناية ومحذر عمتوا وماما يدخلوا عنده، وأنا مش عارف أعمل إيه في الورطة دي.
-والله ألف حمد لله على سلامة جدك. اتصرف لوحدك. كان يتوقع منه هذه الإجابة، لكن لم يعرف ما هو التصرف السليم، لذا أسرع بالتوسل: -زيد بالله عليك قولي أعمل إيه؟ أنا مهما كان أخوك. لم يفوت زيد هذه الكلمة وصاح محتدًا: -أخوك؟ إنت عملت حساب لأخوك؟ إنت فين من أول الكارثة؟ إنت سمعت كلام أبوك وسيبتني لوحدي، وكل ده كوم وإنك تمد إيدك على صبا ده كوم تاني، وأقسم بالله كل اللي غطيت عليه ليظهر وما أبقاش أخوك بصحيح إن ما كنت ربيتك.
ارتجف بلال من قسمه وتوعده، لم يعهده بهذه الشراسة ولم يجده أبدًا حادًا إلا في هذا الموضع، فأسرع بالتوسل قائلًا بأسف: -أنا آسف والله، ماما هي اللي قالتلي، أنا ما أقصدتش، معقول هتأذي أخوك عشان واحدة ما بقالهاش سنة في حياتك؟ صر على أسنانه وازداد ضيقًا وهو يرد بعنف واضح: -الوحدة دي مراتي، يعني أنا وحقي أنا، بسامح فيه، إنما حقها هي هجيبه من عين السبع، وأنا قادر أعمل ده.
ازدرق ريقه، فهو يعلم أن بيده سلطات كبيرة قادرة على إنهاء مستقبله وحرمانه من الحياة التي ينعم بها. فهتف بصوت مرتجف: -خـ..خلاص يا زيد، أنا آسف والله ما هتتكرر ولا هأجي ناحيتها. استمع إلى حديثه وهدر بتهكم: -الآسف يكون ليها، ويا قبلته يا رفضته، بس لو رفضت الحساب هيكون معايا أنا. ولازم أعرفك يعني إيه راجل يمد إيده على ست، ومش أي ست، دي مرات زيد الواصل.
عشق الخطيرة أذهب عقله وأفلت مشاعره من عقاله، صار يجهر بفخر واعتزاز بحبها ولن يرضى لها المذلة ولن يترك حقها، لازال مستميتًا عليها ومتشبثًا بها دون خوف أو خجل، وإن بغى عليها باغٍ سيكون المتصدي له، وإن حارب لأجلها الكون فلن يليق بها سوى الأغلى، فالعشق عنوان الخطورة... يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!