الخوف من جانب "زيد" هو ما جعله يتجنبها.
من آخر حديث لهم، ينجرف معها وكأنها تسحره. يجرب معها مشاعر لم يجربها من قبل ويعيش معها أغرب حالة. انتبه فقرر الابتعاد. إن استمر على هذا الاقتراب وانجرف مع أحاسيسه تجاهها، سيهلك تمامًا. كان مستعدًا للاكتفاء بها عن العالم، لكن غريزة الأبوة بداخله لم تندثر لدرجة نسيانه ابنته واحتياجها له. لذا كان لابد أن يكون قويًا ولا يعطيها مشاعر تقوى بها، ويظل غامضًا مختفيًا بعيدًا عنها، مدعيًا أنه يتجاهلها. لكن بعض التجاهل رسالة واضحة مليئة بالاهتمام.
أسبوع كان طويلًا على كليهما من تجهيزات، لكن اليوم هو آخر يوم لهذه التجهيزات. اليوم يوم زفافهم، اليوم الذي سيربط بينهم أمام الله والجميع. جهز الجد الذبايح ونصب قوائم الفراشة على باب قصره ليستقبل الزوار ويعلن بفرح وسعادة زواج حفيده البكر زيد على حفيدته صبا. واجتمعت العائلة بالكامل من نساء ورجال، وضج المكان بالحضور. جلست "بثينة" أمام "مها" وحديثهم لم ينقطع حتى وصل إلى نقطة معينة ومهمة. تهامسوا عليها:
-فين بقى الشيخ بتاعك؟ مش قولتي هنروحلوا سوا؟ أجابت "بثينة" وهي تلتفت حولها بريبة: -هو دا بيترحلوا من غير معاد؟ دا أنا بعتاله من يوم ما قولتلك ولسه ما إداش إذن بالسماح. نفخت "مها" بتذمر وردت متعصبة: -يعني إيه؟ احنا لسه هنستنى لما تخلف؟ انهارده الدخلة، اخلصي بقى. أمسكت "بثينة" يدها لتهدئها وتحسها على خفض صوتها: -وطّي صوتك، الحيطان ليها ودان. اتجدعني انتي بس وشوفي لنا حاجة من أطراها. سألت مها متعجبة: -إيه أطراها دي؟
أجابت "بثينة" موضحة: -حاجة بتلبسها على طول، حاجة فيها ريحتها. زمت "مها" شفتيها بيأس. كان الأمر سهل في البادي، لكن أمام نقل أغراضها غرفة زيد بات صعبًا: -مش كنتي تقولي قبل ما تنقل حاجتها أوضة زيد؟ أجيبه إزاي دلوقتي؟ كانت سعيدة من اندماج شخص معها بما تريد فعله، على عكس ونيسة التي رفضت رفضًا قاطعًا هذا الأمر. هتفت "بثينة": -حاولي انتي، أكتر حد ليه دلال عليها. حاولي انتي بس، والتوفيق من عند ربنا.
في جانب ونيسة، جلست في طرف أسرتها ونساء عائلتها، تشعر بألم يفتك بقلبها من فرط الحزن والتأثر، شارده تمامًا عن هذه الضجة. سمعت أحد أقاربها يناديها ويقول: -وشك أصفر زي الليمونة كده ليه يا أم زيد؟ ردت سيدة أخرى: -أي والله، نفس شكلك يوم جوازك من عماد. جاهدت الابتسام على ذكرى سحيقة لا تحب ذكراها وأجابتهم مطمئنة: -أنا بخير، ما تقلقوش. هتفت سيدة كبيرة بالسن على درجة قرابة قريبة منها:
-حساكي مش راضية عن الجوازة دي كمان يا ونيسة؟ نظرت لها وهي توشك على البكاء. فالإجبار كالعلقم، لا يشعر به سوى متجرعه. أجابتها وقلبها يتمزق: -هو أنا من إمتى رأيي كان مهم يا خالة؟ أنا طول عمري بقول يا حيطة داريني. سألتها المرأة وهي تمعن النظر بملامحها الحزينة: -الولد اللي عايزها ولا جده اللي أمر؟ زفرت "ونيسة" متألمة: -الولد لا بإيده ولا برجله. البنت بت بشري، وما أدراكي من سحرها. سحرتُه وسحرت جده وقلبت البيت ضده.
-يبقى اللي انتي فيه زي المرة اللي فاتت. أنا لسه فاكرة يوم ما حطتلك الحنة في إيدك وعينك بتبكي دم عشان حكم فايز بجوازك عماد. ابتسمت بمرارة وهتفت بشرود: -يارتني ما اتجوزت ولا رضيت بأني أعيش في قصر الواصل. شفت الويل تحته. ضمت جسدها بيدها وكأنها شعرت بالبرودة فجأة، واسترسلت والدموع تجري على وجنتيها دون شعور:
-يااا استحملت ذل عماد عشان زيد، وفي الآخر غصبوا ابني وخدوه مني وادوه لإبن عدوتي. بشري كانت شر الكل تحت أمرها، من أول جوزها لحد آخر نفر في القصر. تأمر تطاع، تغلط وما تتحاسبش. ما حدش يعرف إزاي بتخرج من كل بلوة. دايما تلاقي اللي في صفها واللي في ضهرها. أنما "نادر" كان سابني ليها. تناشني دايمًا
يقولي: "إنتي مرات الكبير، ما ترديش، ما تغلطيش. أبويا هيعمل فينا، أبويا هيخرجني من غيركم". سابوها على كيفها والقصر تحت أمرتها، لدرجة إنها وقعتني من السلم وأنا حامل عشان ما أخلفش قبلها. وعدت بعملتها من غير حساب. أنا خايفة يا خالة، خايفة الأيام السودة ترجع تاني وأرجع زي ما كنت تحت رحمة بت بشري. عماد مش ضهر، عمرى ما حسيت معاه إن أنا مسنودة. الغلب جاي جاي، وولادي اللي استحملت كل حاجة عشانهم بيضيعوا من إيديا.
ردت خالتها مطمئنة: -ما تخافيش أوي كدا يا ونيسة. دي عيلة لا راحت ولا جات. ومهما كان، إنتي إيدك طايلة عنها. إنتي مش بس حماتها، دا إنتي كلمتك سارية عليها. فايز مش هيدخل بينكم. رغم أن ما تقوله حقيقي، إلا أنها لم تستطع طمأنة قلبها الذي يرتجف بقلق من القادم. "في غرفة صبا"
جلست أمام المرآة ترتدي ثوبًا أبيض مفتوحًا خاصًا بالتجهيز ما قبل الفستان. استلمت "صبا" يد الخبيرة التي استدعتها لإتمام زينتها. لم تفكر سوى في زيد في الفترة الماضية، آخر جملة قالها لها تطمئنها بشكل كبير. كلمات بسيطة كانت قادرة على سرقة عقلها، وستكافح لتجعله يندمج معها بأي شكل، لن تحبه من طرف واحد وإن أنكر حبه. فتحت بث مباشر مع صديقتها وإلى جوارها مريم.
تتزين معها وتلاعب قطتها، كم لاقت استحسان من المشاهدين وسعدوا كثيرًا بهذا الظهور، ولاقوا إعجاب بمريم ودعوا لها كثيرًا. سألتها الفتاة بابتسامة حتى تدعوها لفتح عينيها: -إيه رأيك؟ فتحت عينها لتجد أن الفتاة أبدعت في اختيار الألوان وحولتها بالفعل لملكة معلنة لترتدي تاج الحكم. ابتسمت بسعادة وهي تنظر لوجهها بأكثر من زاوية وسألتها: -جميل أوي. هتفت الأخرى: -نلبس الفستان بس عشان نظبط الطرحة. نظرت لشاشة الهاتف
وهي تودع أصدقائها قائلة: -سلام بقى يا بنات، هبعتلكم الصور. يلا يا مريومة، قولي باي لأصحابك. لوحت "مريم" بابتسامة لطيفة وهتفت: -باي باي. أمرت الفتاة مساعدتها بجلب الفستان، واستمرت صبا بالنظر بإعجاب لشكلها الجديد. السعادة كانت تغمرها، ولكن صوت الفتاة المصدوم وهي تتقدم صوبهم تهتف بفزع حاملة الثوب بين يديها: -الفستان متقطع.
انتفضت "صبا" لتلتف صوبها بهلع، وكذلك الفتاة التي سارعت تمسك بالثوب للتأكد. الأمر حقيقي، أكبر قطعة بالثوب كانت في حجم كف اليد: -يا دي المصيبة! مين عمل فيه كدا؟ نهضت "صبا" من كرسيها ووقفت تحدق بذهول لما تراه.
فصرت على أسنانها بضيق. لابد أن الفاعل أراد إفساد فرحتها وهدم الليلة قبل أن تبدأ، وقد نجح. استدارت لتمسك بهاتفها وضغطت رقم زيد، والذي كان يتجهز هو الآخر في غرفته واتجه صوب الهاتف ليرد عليها. لم يحادثها من مدة وتهرب تمامًا منها، لكن الآن لم يستطع التجاهل. فتح الخط بينه وبينها وتفاجأ بغضب عارم من جانبها، وكأنه فتح باب جهنم: -مين قطّع لي فستان الفرح؟ أنا عايزة أعرفه! لو ما عرفتوش قبل اليوم دا، إنت حر!
أعمل إيه أنا بقى دلوقتي؟ ألبس عباية سودا من اللي عندي ولا أنزلكم بالروب وأفضحكم؟ بصعوبة فهم من وسط انفعالها وصوتها العالي ما تقصده. انزعج لهذا ولم يتقبل الأمر، فسأل بحنق واستهجاء: -مين اللي دخل أوضتك واتجرأ على عملة زي دي؟ أجابته والغضب يعتصر قلبها بقبضته القوية: -أنا اللي المفروض أسأل، مين اللي عمل؟ أعمل إيه؟ قول لي أعمل إيه؟ هتف مهدئًا إياها برغم تعصبها عليه: -اهدّي، وأنا هتصرف. سألته وقد علت
نبرتها وتجز على أسنانها: -هتصرف إزاي؟ أنا مضايقة، عايزة أعرف مين عمل كدا. ما حدش يجي على طرفي وأسكت له. -حاضر، حاضر يا صبا. اهدّي، وأنا هعملك اللي إنتي عايزاه. رد زيد، صدمها. لقد تفهم عصبيتها وغضبها، كانت تحتاج هذا منه. عضت شفتها وظلت تحرك قدمها بعصبية. لن تسمح لأي شخص مهما كان يستضعفها، ستعرف الفاعل وسترد له الصاع صاعين. لن تكون مسالمة، لأن الضعيف يؤكل. "من جانب زيد"
نزل سريعًا من غرفته دون أن يكمل ارتداء بدلته، يهرول عبر الدرج بقميصه الأبيض. كل شيء انقلب بلحظة، تدمير فرحة "صبا" لن يمر مرور الكرام. لابد أن لا نستفز الهاديء حتى لا نرى وجهًا لا يرضينا. فما بالك باستفزاز بركان خامل. أحدث حضوره وسط البيت في التوقيت الذي لابد أن يكون فيه يتجهز للحفل بلبلة شديدة وسط النساء. نادته والدته من بين الكل وهرولت باتجاهه. فأتجه بها، ازدادت قلقًا وتوترًا، وسألته مستفسرة: -فيه إيه يا زيد؟
خير نازل كده ليه؟ أجاب سؤالها بآخر طرحة بضيق وانزعاج مما حدث: -مين دخل أوضة صبا؟ ازدادت رعبًا من نطق اسمها خشية من هروبها مجددًا. وضعت يدها على قلبها وتساءلت بهلع: -إيه اللي حصل تاني؟ هربت؟ زعق بحنق من سوء ظنها في موقف هكذا: -أنا بسأل مين دخل أوضتها، جاوبيني. أجابته يصدق: -ما أعرفش يا ابني، هو أنا كنت واقفة حارس على أوضتها؟ سألته بشك عندما لاحظت انزعاجه: -فيه إيه يا زيد؟ ريح قلبي يا ابني. أجاب وهو
يخلل أطراف أصابعه في شعره: -حد دخل وقطع فستان الفرح بتاع صبا. شهقت بفزع وهدرت غير مصدقة: -مين دا؟ مين يجري يعمل كدا؟ أجاب وقد ضاق صدره من هذه الفعلة: -ماهو دا اللي بسأل فيه. دار رأسها وهي تفكر في هذه الفعلة الشنيعة وتحاول معرفة الفاعل، لكن لم تشك بأحد. فعادت تقول: -تكون لعبة من صبا. نظر إليها بضيق وهتف بانزعاج: -إزاي يعني يا أمي؟ حركت كتفها وأكدت قائلة:
-والله تعملها. إنت نسيت عملتها يوم كتب الكتاب، إنت على أساس مصدقها. اشتد ضيقه من مهاجمتها المستمرة واقتناعها بأن صبا الفاعلة دون غيرها. وزيادة تذكيره بما فعلت رغم تحذيره للكل بعدم ذكره أمامه: -على الأساس اللي مصدقك إنتِ بيه دلوقتي. عمومًا، أنا مش هعدي الموضوع دا على خير، واللي عمل كدا هحاسبه.
التف من أمامها وهرول للخارج منطلقًا كقطار مشتعل، لا يرى أحدًا ولا يهتم لأحد. وقبل أن يخرج تمامًا من بوابة القصر الداخلية، ارتطمت به الخادمة وانسكبت ما بيدها من مشروب أحمر اللون على كامل ملابسه. وانصبغ قميصه الأبيض بالأحمر وكذلك بنطاله، فصاح بانزعاج: -كملت كده. تحدثت الخادمة بنبرة مرتعشة: -أنا آسفة يا بيه.
لم يستمع لها وخرج دون أن يرد. توجه نحو سيارته وانطلق للخارج أمام أنظار الجميع، فأثار دهشة جده وأعمامه. أمسك جده الهاتف وشرع بالاتصال به، وإلى جواره عماد يسأل بخبث: -هو العريس هو اللي هرب المرة دي ولا إيه؟ وتساءل حسين بقلق: -فيه إيه يا حاج؟ زيد خارج ليه دلوقتي؟ الفرح هيبدأ كمان ساعتين!! لم يرد على أحد ووضع هاتفه على أذنه منتظرًا إجابة واضحة من "زيد". أخيرًا، وقبل أن ينتهي الرنين، فتح زيد الخط ليرد على جده الذي
سأله بضيق واضح في نبرته: -فيه إيه يا زيد، خارج دلوقتي ليه؟ أجابه وهو يقود بسرعة عالية: -رايح أجيب فستان لصبا ولبس ليا. سأله بضيق من فعلته: -أومال بقالكوا أسبوع داخلين خارجين بتعملوا إيه؟ هتف زيد موضحًا: -يا حاج، حد قطع فستان صبا وأنا خارج. الشربات اتقلب على البدلة وبوظت خالص. لم يهتم بالجزء الأخير وانفعل وهو يسأل: -كلام إيه اللي بتقوله دا؟ مين اللي قطع فستانها؟ هتف وهو يزيد من سرعة سيارته:
-مش عارف يا حاج. هعرف بعدين، المهم دلوقتي ألاقي لبس ليا وليها. سأله وقد عم التوتر بالجو: -إنت هتلحق؟ إحنا هنطلع على القاعة كمان ساعتين، وإنت عشان تسافر وترجع محتاج ساعتين. هتف "زيد" وهو منطلق بسيارته يشق عباءة الريح: -أنا ماشي على أقصى سرعة أهو. دعا له قبل أن يغلق بينه وبين زيد حتى لا يشغله: -ماشي يا زيد، ربنا يسلم طريقك. سأله "حسين" بقلق: -فيه إيه؟ يا حاج، فستان إيه اللي اتقطع؟ أغلق الهاتف والتف إليه يوضح الأمر:
-فستان الفرح بتاع بنتك اتقطع. اتسعت عيناه غير مصدق: -مين اللي عمل كدا؟ استدار لعماد ووضع يده على كتفه ليأمره بجدية وهو يحدق بعينيه: -عماد بقى اللي هيعرف لنا مين؟ اهتز قليلاً وهو يسمع ما قاله، ثم تعلثم متسائلاً: -وأنا هعرف إزاي يا حاج؟ أصر فايز مكررًا: -إنت اللي هتعرف يا عماد، ويلا أمشي، ما تضيعش وقت. ظل واقفًا أمامه متحيرًا من تحديد الفاعل، لكن فايز حذره بعينيه من عدم تنفيذه للأمر، لذا انصرف من أمامه. تحدث "حسين"
بصدمة: -إنت شاكك في حد؟ نظر باتجاه متجاهلاً سؤاله: -إنت ما كلمتش بنتك من قد إيه؟ وضع وجهه بالأرض وهو يغمغم قائلاً بحرج: -من يوم كتب الكتاب. تشنج وجهه وهتف لائمًا: -حسين، ينفع اللي بتعمله دا؟ إحنا ما بنقاطعش عيالنا. تنهد حسين وتحدث ملتاعًا من وجعه من ابنته: -حاضر، هكلمها وأنا بنفسي اللي هسلمها لزيد. سأله بعمق كي يطمئن قلبه: -تفتكر زيد مناسب ليها؟ رفع فايز ذقنه وهتف رافعًا رأسه بثقة: -ما حدش هينفع صبا غير "زيد".
أتى "زيد" بفستان آخر من نفس المعرض، وانتقى لنفسه زي عربي لعدم وجود وقت كافٍ لقياس عددة. فانتقى قفطاناً أبيض وفوقه عباءة سوداء ذات إطار ذهبي. كانت فكرة جديدة، لكن قديمًا كانت تستخدم، خاصة أن الوقت لم يسعفه لانتقاء وقياس أكثر من واحدة. لذا فضل أناقة صبا عن أي شيء، وقدم سعادتها على كلام الناس. أكمل الإطلالة بغترة وشال وبدي عربي صميم في هذا. وارتاح في ذلك، بهذا سيربك الحضور ويشتت نظرهم.
عن تلك الفعلة التي ستؤخرهم على ما يقارب ساعة عن موعدهم. وبما أنه سيبدأ حياة جديدة، فسيغير نمطه القديم ويطل بلباس عربي كما يرتدي الشيوخ، وليطل كالملوك. فقد ملك "صبا" وملك عائلة الواصل بأكملها. كان مرتاحًا لهذا، خاصة أن والده كان يرتدي القفطان دومًا. ارتدت "صبا" فستانها وعدلت المساعدة سريعًا حجابها لتبدو في أحسن حالاتها، وكأن شيئًا لم يكن. لكن بداخلها غليان من فاعل هذه الفعلة وتشك بالكل ولا تستثني أحد.
والليلة ستنتقم على طريقتها الخاصة وستذيب قلوبهم بإعلان امتلاكها زيد قلبًا وقالباً. الفستان الذي اختاره زيد كان مزينًا بالآلي وبذيل طويل. ارتدت تاجًا كبيرًا لتبدو ملكة حقيقية.
طرق والدها الباب وفتحت له المساعدة. انتابها نوبة عصبية وتشنجت لحضوره. لم تراه من اليوم الذي تركها تنزف في غرفتها هذه دون اكتراث. استأذن الفتيات بالخروج للانفراد بها، وبالفعل خرجوا، ووقف بوجهها وفتح ذراعيه بلهفة. مشاعر مختلطة مرت عليه وهو يراها بفستان زفافها. دمعت عيناه وابتسم فمه وقال: -يااا، عشت وشوفتك بالفستان الأبيض يا صبا.
لم تتفاعل مع مشاعره التي تعتبرها مزيفة. لم تجرأ من قبل بالرد عليه، لكن اليوم وزيد بظهرها ستفعل ما يحلو لها. ردت بسخرية: -صحيح، إنت كان نفسك من زمان تخلص مني؟ ضم حاجبيه متعجبًا من ردها الصريح وسأل: -معقول يا صبا تكوني فاكرة إني ما بحبكيش؟ تعالت ضحكاتها الهازئة رغما عنها، وأوقفتها بصعوبة لتقول: -يااا، أكون فاكرة دا؟ أنا متأكدة. دا مافيش يوم ما أكدليش فيه إنك بتكرهني، وأول ما جاتلك الفرصة ترميني فيها ما اترددتش.
استاء من حديثها الذي ينكره تمامًا، فهتف بحزن: -رميتك؟ إنتِ النهاردة هتتجوزي زيد ابن عمك، أقوى راجل في عيلة الواصل. كلامه ماشي على الصغير والكبير، وأنا معاهم. إنتي في حصانة وحماية لو عشتي عمرك كله تحلمي بيها، مش هتجيلك بالشكل دا.
دارت ظهرها عنه لتنظر بالمرآة، وقد تحولت تمامًا. مثل أي شخص أتى عليه أوقات كثيرة كان ضعيفًا وجاءته القوة من حيث لا يحتسب. ألقت نظرة سريعة على زينتها وتأكدت أنها اليوم أجمل من أي امرأة بالمدينة وأقوى نساء العالم. لتوجه طاقتها هذه داخلها وتزفر بهدوء. التف لوالدها هاتفه دون تعقيد: -عندك حق، يبقى كل اللي بتقوله مالهوش لازوم. وصلني لزيد بقى عشان تنال الرضا.
وضعت يدها بيده ورفعت وجهها للأعلى دون الاهتمام بنظرات والدها المدهوشة. أخيرًا تقدم عندما سمع صوت الطبول تقرع وبدأت الفرقة بالدق لاستقبالهم. خرج معها من الغرفة ليتزامن خروجها مع خروج زيد من غرفته دون ترتيب. خرجوا معًا وكأنهم متفقين. رأته "صبا" بهذه العباءة وانسرق قلبها. لم يخطف قلبها رجل مثله، وما يرتديه زاده رجولة ووقار وفخامة. ابتسمت برضاء لمظهره الحسن، كأنه نجمة مضيئة ونور يحيط به. خطت نحوه بخطوات سريعة، والحقيقة أن خطوات قلبها كانت أسرع. انتابه رهبة كبيرة وهو يراها تقبل عليه بهذه السرعة. وكأنها تختبئ لأمانه.
عيناه لم تتسع ملامحها المزينة التي وضحت كم لديها عينان رائعتان. يسقط هو بهما دون عناء. جعله واقعًا بعشقها، أربكته وجعلته لا يعرف ماذا يفعل، أيلتقطها بيده أم بقلبه؟
أخيرًا وقفت أمامه لتتأمله وابتسامتها السعيدة تضيء وجهها. ابتسم لها وقلبه يرقص. ود لو ينتهي الحفل قبل أن يبدأ ويخطفها بين أحضانه، لكن كان مستحيلاً. لذا قَبّل جبهتها وشعر بدقات قلبها العالية. بصعوبة أحاط عينيه عنها وبداخله مليون تأكيد أنه سيعلن عشقه لها مهما حاول إخفاءه. الكل بالأسفل بانتظارهم. نزل معها الدرج يدها بيده. ودقت الطبول واشتعلت الموسيقى. طلب المصور الوقوف لالتقاط بعض الصور وأشار لهم بالحركات.
وقفت بوجهه ونظرت بعينه ثم غطت بطرف شال رأسه ووجههم، لتهمس بمرح: -أحبك وأنت عامل فيها ثري عربي كده. القاهرة تعود لتخطفه من العالم بأسره. ابتسم رغما عنه ليمازحها بسعادة: -كفايا عليا أول كلمة. نظرت له وقلبها يهتف بأعلى صوت بكلمة أحبك، لكنه كان الأسرع في القول بغرام: -بحبك. ابتسمت لحصولها على ما تريد. بينما هو لا يعرف كيف تخرج كل ما به وينسي نفسه لينساق ورائها دون تعقل.
عدلت من شال رأسه باهتمام أحرق قلوب كل الحاضرين بلا استثناء. واستدارت لهم لترمى لهم ابتسامة واثقة ولترى صدى فعلتها على وجوههم الذي لا يفوت. اتجهوا معًا نحو السيارة ومروا من جوار "ونيسة". قلبها يكاد يقف من هذا المشهد. وقف "زيد" أمامها، فلم تتمالك دموعها الحارة والسعيدة بزواج ابنها البكري بعد سنوات من الإلحاح. احتضنته وهي تبارك له في أذنه: -الف مبروك يا حبيبي. ربنا يكفيك شرها وشر سحرها.
لم يبدِ أي تفاعل حتى لا يثير اهتمام الحاضرين بما تقول، وكذلك كان حريصًا على عدم إفساد فرحة صبا في هذا اليوم. التفت إلى "صبا" فمدت يدها لتصافحها كمبادرة منها، لكن ونيسة تركت يدها معلقة في الهواء ونظرت لها بحقد وازدراء. لوّت "صبا" فمها وهمت بسحب يدها في آخر لحظة. مدت ونيسة يدها لتصافحها دون أي حديث. تلتها "بثينة" والتي رحبت بزيد وباركت له قائلة بسعادة: -الف مبروك يا ابن أخويا. العباية لايقة عليك والصراحة فكرة جديدة.
ابتسم لها وقال: -الله يباركلك يا عمتي. سأل وهو يقلب في الحاضرين: -مريم فين؟ ردت "صبا" سريعًا وكأنها تشكو له: -أنا جهزتها ولبستها معايا، بس سِتّها جت خدتها مني. أجابت "بثينة" وهي تنظر لصبا بحنق: -ماهي لازم تاخدها النهارده، أومال هتقعدها تعمل إيه في ليلة زي دي؟ نظر زيد باتجاه أمه وهتف آمرًا: -مريم مش هتبات بره. أنا قولت أهو. شوفيها فين وهاتيها. ردت ونيسة بسخط: -ما تاخدها يا زيد في حضنك، هي عمرها خرجت من حضنك.
رمقها بتحذير ليسكتها، خاصة أن هناك الكثير حولهم من النساء: -أمي، شوفي مريم فين وهاتيها. كدا كدا هتتصور معانا. أجابته بامتعاض: -موجودة يا زيد. أصلًا سِتّها كانت هنا من شوية ومش عارفة راحت فين. تلاقيها سبقتنا ع القاعة ومعاها مريم. من جانب آخر، وقفت "مها" لتسلم على صبا: -الف مبروك يا عروسة. الحقيقة باين أوي إنك مسيطرة. أنا مش عايزالك غير مسيطرة، لأنك لو مش هتسيطري، هتيجي اللي بعدك تسيطر.
اختتمت قولها بضحكة عالية. لم تهتم بما تحاول فعله زوجة أبيها. والتفت تحدثها بأعين متسعة: -نامي وإحلمي يا مها. قلب زيد في إيدي وجواز من واحدة غيري مش هيتم. طوت "مها" ذراعيها وهي تسأله باستنكار: -ليه؟ ساحراله زي ما بيقولوا؟ أجابت دون اكتراث قبل أن تنظر أمامها بابتسامة: -ليه لأ. استأنفت ساخرة: -صبا المغربية لجلب الحبيب وأكل الزبيب.
خرجت معه متجهة نحو سيارته، لكن زيد لم يستطع تجاهل جده. ما إن اطمأن على دخولها السيارة حتى رحل ليصافحه ويأخذ مباركته منه. احتضنته "فايز" بسعادة وربت على ظهره وهو يقول: -إيه اللبس الحلو دا؟ فكرتني بأبوك الله يرحمه. النهارده أنا بجوز ابني وحفيدي مرة واحدة. ابتسم "زيد" لإعجابه وقَبّل ظهر يده بعمق ليقول بحب: -ربنا يخليك ليا يا سندي. عاد "فايز" ليربت على كتفه قائلاً:
-روح يا ابني، يجعلها زيجة مباركة ويخلف عليك بالخلف الصالح. أمن على دعائه والتف صوب سيارته متجهًا إلى موقع التصوير، ومن بعده على القاعة. لقد نظم الحفل بشكل دقيق حتى لا يضيع على صبا أي تفصيل قد تفتقده لكونها أول مرة. أما هو فقد عاش هذه التفاصيل من قبل على نطاق أوسع من هذا، لكنه لا يريد التذكر الآن. ما فات لم يكن باختياره، أما الآن فكل ما يحدث يحبه ويسعد به. "بالداخل" اتجهت مها نحو الأعلى. فنادتها بثينة:
-يلا يا مها عشان العربيات طالعة على القاعة. أجابتها وهي تصعد مهرولة: -نسيت حاجة، هجبها وارجع. اتجهت صوب غرفة "صبا" لكي تحصل على أي قطعة من ملابسها ليتم عليها السحر. ما تفعله "صبا" يشكل خطر جسيم ولن تصبح من ملكتها. أمرها إلى وصية على أملاك زوجها وبيدها النفس الذي تتنفسه. تكبر بشكل خطير وتخشي أن ترد كل الأذى الذي آذتها إياه بصورة أكثر شراسة وقبحًا. دخلت الغرفة وهمت بالبحث، لكن الباب انفتح بعدها لتجد "عماد"
خلفها يسأل بصيغة مريبة: -بتعملي إيه عندك يا مها؟ رفعت كتفيها وحاولت أن تبدو إجابتها عادية حتى لا يشك بشيء: -ولا حاجة. أنا جاية أظبط مكياجي وصبا عندها حاجات أحلى فقولت أجيب منها. ظل ينظر تجاهها بشك، فسألته هي باستنكار: -وإنت بقى جاي ليه؟ ضيق عينيه وهو يقول: -أصل كان فيه حد قطع لها فستان فرحها واحنا عايزين نعرفه. تفاجأت مما يقول وتحدثت: -مين دا؟ أجاب سؤالها بسؤال: -أنا بسأل، تعرفيش إنتي هو مين؟ رفعت كتفيها وتزامن
مع هذا مدت شفاه قائلة: -ما أعرفش. استدارت عنه لتعدل من زينتها بالمرآة، رأت انعكاسه وجه وهو يبحث هنا وهناك بحيرة. ووقعت عينها على سلسال تعرفه جيدًا ورأته كثيرًا في عنق "صبا" لدمية بأجنحة شخصية كرتونية. التقطته بخفة وخبأته بيدها، ثم استدارت لتودع "عماد" بابتسامة باردة: -باي باي. رحلت ومعها شيء ثمين من رائحة "صبا". هذا ما استطاعت الحصول عليه لتنفيذ غايتها. في مكان مخصص للتصوير في ساحة القاعة، وقف "زيد"
إلى جوار "صبا" وتحدث المصور مشيدًا بلباسه: -بس إيه الشياكة دي؟ بجد حركة جامدة يا زيد باشا باشا. هتطلع الصور تحفة. لم يرد زيد بأكثر من ابتسامة مقتضبة. فما مقبل عليه صعب، قلبه ينبض بسرعة وهي تضع يدها فوق ساعده، فما بال إن تغير الحال لغيره؟ يخشي بالفعل أن يفقد سيطرته وتملكه إن لم تكن فعلت الخطرة.
بدل المصور الحركة لتنظر له، ومن ثم يطلب منها عدل شال رأسه والنظر في عينه. كان صعب الثبات أمام فتنة عينها، يكاد يثمل من فرط السحر. أشار له ليقترب منها موحيًا أنه يقبل عنقها، وبات الأمر أصعب. عطرها الفواح سكن حواسه وجعله يجفل رغما عنه. كل حركة كان يتخذها لها كان يزداد ارتباكًا ويحترق بالبطيء، بينما هي تؤدي كما يقول وترمي له ابتسامات تنتشله من شروده أو تخطفه إلى عالم آخر. جميلة قلبه كما أطلق عليها، وكأنه لم يعرف قبلها من نساء. هي فقط من استطاع عيش مشاعر ظن أنه لم يولد بها من الأساس.
استدعى "مريم" لتنضم إلى بعض الصور وتشارك معهم الاحتفال. لم تتذمر منها صبا، بالعكس كانت أكثر مرونة وتفاعل ومرح. رغم شعور مريم بالغبطة وعدم الضحك أبدًا في أي صورة. انتهى الأمر أخيرًا وانفصلا ليبدأ العرض الثاني من الزفاف، والذي صمم زيد على مشاركة "مريم" به. اتجهت "صبا" للدخول من الباب الخلفي للقاعة لتصعد السلم المؤدي للداخل القاعة. وليدخل زيد وحيدًا من الباب الآخر ويبدأ المراسم.
الجميع كان بانتظارهم بالداخل. دخل "زيد" وحده وبدأت الموسيقى والاحتفال. خطف أنظار الحضور وبدأوا بالتهامس. لقد كان زيد عنوانًا للأناقة، أما الليلة غير العنوان ليكون رمزًا للفخامة. وضح تمامًا التغيير الجذري وما يثبت أنه بدأ حياة جديدة وتخلى تمامًا عن شبيه القديم. ليقف أمام الدرج بانتظار عروسه بيده باقة من الورود، والكل يتهامس من خلفه: -يا الله، جميل أوي. -باين العروسة اللي مختارة اللبس. -شكله قمر أوي. -يابختها.
-ياترى هي حلوة زيه؟ علا صوت الطبول لتنزل أولًا "مريم" بفستانها الأبيض. الحقيقة أنها كانت ألطف شيء يقدم في عرس هكذا، ليضع زيد ابنته في منزلة أولى. مهما أحب صبا، فابنته أول من أخذ قلبه. نزلت ببطء تحمل بعضًا من الورود وتبعتها "صبا" خطوة خطوة. وقفت أمامه من جديد. يا لها من رائعة، وكأنه يراها لأول مرة. لديها قدرة أن تخلق له ذاكرة جديدة في كل مرة يراها. من بهذه القدرة عليه؟ من يستطيع التملك والسيطرة؟
واحدة فقط استحقت لقب امرأة خطرة. "وبدأ الحفل" أول شيء افتتح به الحفل كان رقصه بين العروسين. وقف بوجهها ومال برأسه إلى رأسها، ثم وضع جبهته على جبهتها.
الشعور الذي تخطفه فيه لم يشعر به من قبل. أصابته بسهم العشق ولم ينجُ. انخفضت الأضواء لتسرقهم في عالم آخر مع دخان أبيض انتشر من حولهم، وكذالك فقاعات هوائية اتخذت شكل الأضواء ليصبحوا لعالم من الخيال. وتوالت كلمات الأغنية التي جاءت لتحكي كل ما بداخل "صبا"، وكذالك "زيد". شعر بها وظل ينظر لها بدهشة غير مصدق أنه حصل أخيرًا على شيء أراده بشدة. لأول مرة منذ ولادته يأخذ ما أراد. وتمايلوا معًا بتناغم.
انتسجم معها تاركًا للكل لوعتهم، حتى الأعمى كان سيلاحظ هذا العشق الذي يقطر منهم. ضمها إليه وهو يهتف مكررًا كلمات الأغنية بغرام: -آه بحبك حب أقوى من خيال مليون رواية حابة أحبك حب أكبر بعترف لك قلبي ذايب من بداية الحكاية. قلبها تسارعت نبضاته ويدها أطبقت على يده. أسعدها وعيشها في حلم ما كانت تعتقد أنها ستحلم به طيلة حياتها. تميل معه وقلبها يرقص فرحًا. حصلت على عشق أخير وليس عشقًا عاديًا، بل عشق زين الرجال وسيدهم.
"ونيسة" كانت تزداد تعبًا مما تراه. القادرة أثبتت لهم أن زيد لها وحدها. السحر الذي استخدمته كان قويًا لدرجة جعلته ينسى من يتزوج. إنها ابنة عدوتها. بينما "مها" تحدق بضيق. هذه الفتاة حصلت على عشق وسلطة هي لم تصل لها بمنتهى السلاسة. الفتيات كن يقتلهن الغيرة أمام هذا العشق الذي يتضح أن زيد يعشقه لها. تلك الغريبة التي حصلت على قلب "زيد الواصل" دونًا عنهم. بينما هم لا يلاحظون أحدًا ويحلقون في عالم آخر لا يوجد به سوى عشقهما وحرارة مشاعرهما. ضمها بقوة ورفعها عن الأرض ليدور بها مع كلمات الأغنية.
تراقص معها لا يشعر بقدماه على الأرض. فهو يحلق في سماء غير السماء، بل وصل للفضاء وأعلن اليوم أمام الجميع انتصار "صبا" على قلبه. فعلت المستحيل وأحيت ما كان مؤكدًا موته.
بينما هي كانت لا ترى ما حولها. ضحكاتها لم تختفِ وعينها لم تبتعد عنه، كأنه فارس جاء ليخطفها من وسط أيامها السوداء نحو شمس مشرقة. لم تتوقع أبدًا أن تكون نهاية هذه الزيجة حب بهذا الشكل. واليوم هو يوم ولادتها. تبدأها بفرحة ليس لها مثيل. وقعت بحبه ولا تزال تريد الوقوع أكثر. إنه الوقوع الأكثر لذة. لو عاشت تكتب وتؤلف لما ألفت قصة بهذه الرومانسية والتعقيد والخطورة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!