لهث وهو يقترب منها ويخلع عنه عباءته. ترجعت خطوة فتبعها كالمغناطيس، كانت تجذبه نحوها ولا يعرف سبيلا للفرار. وضع يده خلف ظهرها ليتحسس موضع سحابة الفستان، فهمست بحرج وهي تعض شفاها: -زيد.. ازدرى ريقه من إيقافها له، ولم يقف طويلاً عند حرجها وهدر بسخرية يشوبها بعض الملل: -صباااا ما تقوليش اسمي بالشكل دا تاني، كدا مش في مصلحتك. تبسمت وابتعدت عنه لتشير له بطرف إصبعها برجاء: -اديني بس عشر دقايق. ثوانٍ محى المسافة
بينه وبينها ليقول بتشبث: -خمسة بس. أومأت بالقبول وهي ترد: -خمسة بس. تحلل من أزرار قفطانه ليعود لتسرعه: -خمسة كتير، خليهم اتنين. تراجعت بعيدا عنه ليتبعها لتهتف بتعجب: -لا كتير، خليهم دقيقة ونص. أجاب مشيداً باقتراحها: -أنا بقول كدا برضو، دقيقة حلوة خالص. كانت استدرجته إلى باب الحمام الملحق لتدخل إليه وتغلق الباب من خلفها. فثوانٍ اختفت من أمامه لينصدم بالباب الذي أغلق بوجهه بغتة. صر على أسنانه وأغمض عينيه متمتماً بغيظ:
-الصبر من عندك يا رب. في منزل شاكر. غفت "مريم" بالطريق، ورغم تحذير "ونيسة" من أخذها معها، لكنها أصرت حتى تعد "مريم" نفسياً لكره "صبا". وأصرت على ضمها إلى أحضانها كي تمهد لدخول نهى المنزل على أرض صلبة. وصلت إلى منزلها والتقطتها "نهى" على الفور: -كل دا تأخير. لوت والدتها شفاها وهي تجيبها: -إحنا كمان مشينا قبل الفرح ما يخلص. اتسعت عيناها وكأنها كانت منتظرة العكس، سألت بصدمة: -هو الفرح اتعمل؟ نظرت والدتها بدهشة وسألتها:
-مالك يا نهى، أنتي كنتي مستنية إيه؟ أشاحت بوجهها لتخفي أثر دهشتها وردت بارتباك: -ولا حاجة. همت بالعودة إلى غرفتها وهي تحمل مريم بين أحضانها، لكن منعتها والدتها مصرة على معرفة ما كانت تنويه، فهي متأكدة من أن وراء ذلك شيء آخر: -إنتي هتخبي عليا، ما تقولي كنتي ناوية على إيه، ما أنا كمان عايزة مصلحتك. ظلت مكانها مترددة في الإجابة، لا ينبغي أن تفصح عن الحدائق التي تحترق بداخلها.
ألم النفس عورة لابد سترها اليوم، أهان زيد كرامتها وداس قلبها أسفل قدمه، وما فعلته بفستان زفاف صبا لم يكن شيئًا أمام وجعها. حاولت إفساد هذا الزفاف لكن لم تنجح جهودها. لم يكن التأخر الزواج سبباً لفعل ذلك، لكن انتظار شخص بعينه وتركها له هو من كان دافعاً لفعل هذا وأكثر، بل لحرق مدينة كاملة. انتظار الأشياء التي لا تأتي أكبر وجع. استكملت طريقها للعودة راضية بحضن مريم هذه الليلة ولترك حبيبها لحضن صبا. في مكتب فايز.
كان يجلس "عماد" بوجه والده الذي يتحدث إليه بجدية ويسأله عن نتائج ما كلفه به: -عرفت مين اللي دخل أوضة صبا وقطع الفستان؟ كان عزيزاً على نفس "عماد" أن يعترف بالفشل، لكن ما باليد حيلة، فهو لم يصل لشيء: -لا ما عرفتش يا حاج. ابتسم نصف ابتسامة هازئة وأشاح بوجهه بإنفعال وهو يقول: -أهو دا اللي بأخده منك. اشتط عماد من زجره وهتف بضيق: -هو أنا كنت ساحر البيت، إنها رده كان فيه فوق الخمس آلاف نفر، هعرف إزاي؟ لوح
له فايز وصاح متسع العينان: -هما يعني الخمس آلاف نفر كلهم مشكوك فيهم؟ صفيهم يا ابني، اتعلم حاجة قبل ما أموت نفسي أشوفك يعتمد عليك في حاجة. لم يفهم "عماد" والده ولم يهتم بفهمه يومًا. كل ما يريده هو أن يكون الكبير، بما أن الأمنية هذه اجتثت، فلن يهتم بأي شيء بما أنه اختاره أن يكون ضمن القطيع المساق تحت إمرة زيد، فلن يجتهد في شيء سوى وصوله لمنصب نائب الدائرة. قال متأثراً:
-تعتمد عليا بعد ما خليت ابن أخويا كبير العيلة ومن قبله كنت مختار "نادر"، أنا شفاف بالنسبة لك. نظر له فايز وقد سئم شعوره هذا، رغم أنه لم يقصر أبداً في محبته، بل أوضح حبه أكثر عندما تغاضى عن جملة أخطائه وتمسك به بعد كل ما يفعله. مال بجسده على المكتب ليهتف بصوت خفيض وحاد: -أنا مش عارف إزاي شايف نفسك عندي كدا؟ يا ابني أنت اللي اتعمل معاك ما اتعملش مع غيرك، في حد قدر يوصل لدرجة أخطائك وفضل موجود بينا؟
في حد معروف وسخته وديله النجس وسايبه يأكل من أكلي؟ إنت وصلت فجرك إنك طعنت ابن أخوك وسبته في المزرعة بينزف بين الحيا والموت، يعني عملت جريمة كاملة ومع ذلك لسه عايش معايا واتسترنت عليك وأمرت زيد يخبي حتى على أمه، ولحد اللحظة اللي انت قاعد فيها قدامي دي بتغلط، واللي يغيظ بصحيح إنك شايف نفسك مش غالي عندي. وجه "عماد" تلون بالسبع ألوان، لم يعرف أين يرمي نظره بعيدًا عن نظرة والده الثاقبة.
سكت محتارًا بما يجيب، لكنه قرر نفض ما في قلبه حتى ينتهي. سأله بحزن: -اومال ليه بديت زيد عني ومن قبله نادر؟ أنا الوحيد اللي ما أخدتش حقي حتى وأنا شاب، حكمت عليا أتجوز واحدة ومعاها عيل، أنا اتذليت معاها، ما ارتحتش معاها لحد هذه اللحظة، أنا... قاطعه والده محتداً: -أنا أنا أنا... هو إيه؟ أنت مش شايف غير نفسك؟
ونيسة مين اللي مش عاجباك دي ضفرها برقبتك، أوعاك تكون مفكر إني ما كنتش عارف إنك كنت عايز تكوش على كل حاجة تخص نادر، حتى مراته. أوعاك تقلل منها، ونيسة متربية في بيتي وزيها زي بنتي. أنت ما كنتش تحلم بيها أصلاً ولا كنت هدخل بيتي واحدة زيها لحد ما تموت، كونك ما ارتحتش معاها فدا منك من معاملتك أنت مش لأي حد يد فيها، أنت اللي مش عارف تصون النعمة. أضاف بضيق أكبر وكأنه سيقتله من مكانه:
-صحابة النبي كانوا بيتسابقوا على الزواج من الأرامل، مين أنت عشان تعترض على أرملة؟ ونيسة دي الحسنة الحلوة اللي في حياتك. اهتز بغضب من وابل الكلمات القاسية التي رجمه بها والده وأخرسه. يفهم كل ما قاله ويعيه، لكن النفس لها آراء وتحليلات مختلفة عن الورقة والقلم، النفس أمارة بالسوء. زفر ليهدأ قبل محادثته قائلاً بتعب: -خلاص كدا يا ولدي، ولا عايز تضيف حاجة تانية.
لوح بيده بيأس، والده لن يتغير، وياليته فقط لم يتغير، بل يخشى أن يتوحش ويكون سبب في تفكك العائلة. فهتف باقتضاب: -تصحى الصبح تروح مكان زيد في المعرض، امسك الشغل لحد ما ينزل هو إجازة. رفع أحد حاجبيه متعجباً ليسأل: -وأنا كمان الحملة بتاعة الانتخابات بتاعتي قربت. رمقه أبوه بتحدٍ وهو يهتف: -ولو ما شفتش شغل المعرض مش هتلاقي تمويل لحملة الانتخابات بتاعتك. تهجم وجهه من هذا التقييد وكظم غيظه. ليستأنف والده حديثه بشيء من الرفق:
-زيد مش هياخد إجازة أكتر من أسبوع، عنده معرض في القاهرة مفتوح وعايز يتقفل. حرك "عماد" رأسه بالقبول رغماً، لم يفهم أبداً حب والده الغريزي له، دوماً يشعر بالنبذ على الرغم من أن والده يعرف إمكانياته ويحاول التصرف على قدرها. جلس زيد منظراً خروجها، لكن رأسه انشغل بكل ما قاله له جده سابقاً، وكأنه انتصب أمامه ليحذره من جديد من الاستسلام الكامل تحت إمرة صبا.
أخرج سيجارة لينفث ما به من ضغوط، جالساً فوق كرسي كبير في منتصف الغرفة، منتظراً الخطوة التالية التي ستقربه من نعيم صبا. لا يزال يفكر في كل ما مضى، وقلبه ينبض بقوة خشية من تنهدم كل فرحته على صخرة الخداع. ما حدث سابقاً من رياض لم يكن له سوى دليلاً واحد. بقي القليل ليعرفه. نهر نفسه لشكه بها، لكن كما قال جده، لا حياة تبنى على ضفة الشك. الشك موج عالٍ وسيعصف بأي جدار يقام على ضفافه في أي لحظة.
لن ينكر أنه يخشى أن تكون خدعته، ولن ينكر أن قلبه الأحمق قد يبتلع كذبتها وخداعها لأجل تعلقه الطفولي بها. اشتدت أنفاسه وراح يغرق أكثر في دخانه حتى كاد يختنق. الطبول تقرع في عقله مستعدة لهذا، بدأ يخشي الصدام ويخاف الاقتراب منها، ويتضاد مع ذلك عقله الذي يحدثه بأن يبتر الشك من جذوره ويتقبل النتيجة كما تكون. أخيراً خرجت "صبا"، فخرج من غمرة أفكاره على وجهها الحسن.
تخلت عن كامل زينتها وخرجت ترتدي ملابس جديدة منامة بيضاء ذات أكمام طويلة لا ينقش بها سوى حروف بلغة أجنبية فوق الجيب بمعنى "برنسيسة". منحته ابتسامة خفيفة وجلست أمام المرآة. رائحة الخوخ الطازج كانت تنبعث من جانبها، رائحة ذكية جعلت لعابه يسيل. جاهد البقاء مكانه والتحلي بالصبر، فليترك لها الحبل قليلاً حتى تأتي بقدمها وتمسك بالصبر قليلاً حتى لا يضيع هيبته أمامها.
استمرت بوضع المركبات من اللوحة التي أمامها، لم تترك صنفاً إلا واستخدمته. هتف ممازحاً وهو يشير إلى أحد الجوانب: -لسه في واحد هناك ما حطتيش منه. أشارت نحو إشارته وهتفت تتصنع البراءة: -قصدك دا... زفر من ثقلها وتعمدها الواضح في إشعاله وتشويقه، لكنه كان أهدأ. لقد مرت سنوات وهو وحيد، فلا يضر أبدًا بانتظار ساعة أخرى، رغم أن هذا كان صعبًا على نفسه.
أمام هذا التشويق الذي يعيشه معها من أشهر، استمرت هي بالتزين وأمسكت بأحد العبوات لتضع طلاء الأظافر على أظافرها. سألها زيد بتذمر: -بتعملي إيه؟ أجابت وهي منهمكة فيما تفعل بتركيز: -بحط مانيكير. امتعض وجهه وسألها هازئًا: -وأنا هعمل إيه بضوافرك يا صبا؟ أجابته متصنعة البراءة: -الله مش لازم أبقى حلوة عشان جوزي. سألها وصبره يكاد ينفذ: -مش كانت الماكييرة حطالك أصلًا. هتفت بجدية ولا تزال تنظر إلى أصابعها بدقة:
-لا مش لايق على البيجامة. هب من مكانه وهو يقول: -اللهم طولك يا روح، أنتي كده بتستهبلي بقى وأنا هعرفك إزاي تستهبلي عليا. نظرت إلى انعكاسه في المرآة، وقبل أن تتفادى أي شيء، كان فوق رأسها يحملها بين يديه. صرخت عاليًا: -المانيكير لسه ما نشفش، هيوبظ الدنيا. نظر لها وهو يحملها بين يديه مضيقًا عينه: -وهينشف إمتى؟ أجابته برقة: -على طول. أمرها بحنق: -هاتِ وريني صوبعك.
استجابت لترفع يدها أمام ناظريه، فنفخ بلطف أنفاسه تجاهها وهو يحملها بين يديه. كانت تنجرف له بقوة، لكنها تود التمهل حتى تحصل على ما تريد. وما تريده هو أكبر أحلامها، "زيد" ملكًا لها ولها وحدها. لن ترضى بأي شخص شريك، فهي عشقته وهي في العشق أنانية. انتهى بأن وضع قبلة على يدها وهو يسألها: -نشف. أومأت بالإيجاب. فابتسم ابتسامة واسعة وخطى متقدمًا. هتفت هي متعجلة: -استنى بس عايزه أقولك حاجة.
تجاهل هتافها وتحرك صوب وجهته وهو يقول محركًا حاجبيه: -عندنا ليلة طويلة، نبقى نتكلم طول الليل. تجاهل رنين هاتفه تمامًا وسقط معها على الفراش وحاصرها واقترب منها يحدق لها بتمعن. اتضحت عليها الارتباك وتلون وجهها عندما شعرت به يميل صوبها. رفعت يدها لتحرك أطراف أناملها على وجنته وهي تعلق عينها بسوادية عينيه وتحدثت برقة: -زيد، اوعدني أكون لوحدك في قلبك. مال ليقبل وجنتها وهو يقول: -ما أنتي كده فعلًا. دفعته برقة مجددًا
لتعيد الكرة: -لأ، اوعد الأول إني هبقى أنا وبس. انزعج من إقصائها له ودقق النظر كي يصل إلى ما تفكر به. فسألها: -تقصدي إيه؟ أجابت وهي تحاول إقناعه: -أقصد ما تتجوزيش غيري يا زيد. تبدلت ملامحه واتضح بشدة استيائه وهدر بإنفعال: -يعني إيه؟ أنتي بتساوميني؟
تنحى عنها ليسقط جوارها وقد اشتد ضيقه. كانت حركة غبية منها أن تطلب منه طلبًا كهذا في توقيت مثل هذا. لم يعهدها مستغلة ولم يتوقع منها هذا. وكيف يعاهدها بما اتفق عليه سالفًا. استدارت باتجاهه وخشية فقدانه نظرت له وتأكدت أن زيد خرج تمامًا من سيطرتها. فهمت بإعادته ومسحت على وجنته بلطف قائلة بحنو: -زيد حبيبي، أنت زعلت؟ أمسك بيدها ودفعها بعيدًا عنه. فأسارعت بالتودد له قبل أن تفقده كليًا:
-خلاص يا زيد، ما توعدش. مش عايزة منك وعد. قول إنك هتحاول بس. زحف ليلتقط هاتفه ويقرأ الرسائل المتوالية على شاشته. أغلبها كان من نهى: -مريم بتعيط وعايزة تكلمك. نظر باتجاه "صبا" وسألها بدهشة: -هي مريم فين؟ مطت شفتيها وعصرت رأسها لتذكرها. لقد نسيتها في غمرة المشاعر التي عاشتها معه. وأجابت: -مش عارفة. أنا شفتها مع طنط ونيسة آخر مرة. التف إلى هاتفه وشرع بالاتصال بـ"نهى" والتي لم تغب في الرد. سألها مباشرًا: -فين مريم؟
أجابته بصوت لائم: -مريم في حضن خالتها. عيطت كتير قبل ما تنام، كان نفسها تسمع صوتك. ازداد ضيقًا من وصول ابنته لها وصاح بانفعال: -إيه اللي ودى مريم عندك يا نهى؟ بنتي مش بتبات غير في حضني. تباردت تمامًا وهي ترد على سؤاله بسؤال: -والله أنت متأكد إنك لو خدتها هتنيمها في حضنك الليلة؟ إزاي بعد ما جبتلها مرات أب وفضلتها على خالتها اللي هي أمها التانية؟
انزعجت "صبا" من محادثته لها بهذا التوقيت واشتعلت نار الغيرة بعد سماع هذا الحوار. سحبت الهاتف من يده لترد بحنق وقوة: -مريم مكانها محفوظ سواء اتجوز أو لأ يا ست نهى. أما بالنسبة لمكانك أنتِ فدا اللي مش متأكدة منه، عشان كده بقولك إشبعي من مريم النهارده على قد ما تقدري، لأن بعد كده مريم مش هتعرفك تاني. آه، وابقي غطيها كويس. أغلقت الهاتف دون انتظار إجابة منها بعدما أفحمتها.
وأغضبتها بشكل كافٍ. ظل زيد ينظر لها مدهوشًا. كيف لتلك النمرة الصغيرة أن تكشف مخالبها بهذه السرعة؟ نظرت هي الأخرى باتجاهه ورفعت حاجبيها بتحدٍ. فهتف بإعجاب: -ده إيه اللي أنا شايفه ده؟ القطة بقت بتعرف ترد وتخطف التليفون مني وتخربش. أشارت بأصابعها لتقول مازحة: -ولو اعترضت هخربشك أنت كمان. ضحك ليخطفها إلى أحضانه هاتفا باستنكار: -والقطة هتخربشي بالمانيكير ده؟ ضحكت على مزاحه لتجريه بالمزاح: -أغير اللون لو مش عاجبك.
أوقفها متوسلًا بدراما: -أبوس إيدك كفاية كده. الليلة هتضيع على صوابعك. قهقهت معه وساد بينهم حالة من الانسجام والضحك. رغم أن زيد لم يترك مريم تنام بعيدًا عن أحضانه ولا مرة، لكنه كان يفكر جديًا في الذهاب لبيت جدتها وجلبها بعد الانتهاء مع صبا. صوت هرجلة وأقدام متلاحقة خارج الغرفة جعله يتوقف يضم حاجبيه متسائلًا: -إيه الصوت ده؟
وقبل أن تسمع صبا ما يسمعه، طرقات الباب ونداءات متوالية باسمه جعلت صبا تنتفض فزعًا. وثب هو الآخر عن الفراش ليقول هازئًا: -عليا النعمة المانيكير بتاعك ده اللي غفلقها. استمرت الطراقات. فتحرك صوب الباب ليجيب الطارق المتعجل: -إيه؟ أنا جاي أهو. فتح الباب ليجد أخيه بلال بوجهه يخبره بصدمة: -إلحقنا يا زيد، ماما تعبانة جدًا واغمى عليها.
لم يتوقف مكانه. ركض صوب غرفتها. سماع أن والدته في خطر أنساه الدنيا وما عليها. دخل إليها ليجدها مغمضة العينين وجبهتها تقطر عرقًا وشفاه زرقاء قاتمة. حاول إفاقتها لكنها تلتقط أنفاسها بصعوبة. زعق محتديًا: -كلموا الإسعاف بسرعة. أجابه "يحيي" والذي انخرط بالبكاء: -كلمناه وجاي. اتجه نحو غرفته ليرتدي ملابسه ويأخذ أغراضه ويستعد للرحيل معها. عاد إلى صبا والتي كانت تقف مرعوبة ومشتتة لا تعرف ماذا يحدث. ولملم أغراضه.
اقتربت لتسأله: -فيه إيه يا زيد؟ أجاب وعيناه تكاد تزرف الدموع: -أمي مغمى عليها وطلبنالها الإسعاف. استدار وخرج من الغرفة وتركها واقفة متحيرة لا تدري ماذا تفعل. أ تذهب ورائه أم تنتظر عودته؟ لوت فمها بانزعاج وقالت: -أنتي هتعندي من أولها يا ونيسة. "ونيسة"
خرجت من القصر بين الحياة والموت. القصر الذي دخلته ابنة السادسة عشر زوجة لـ نادر الواصل وكنة لـ فايز الواصل وزوجته، فلم يتخيل أحد أنها ستعمر في منزل كهذا، خاصة والمعروف عنهم بالشدة والصرامة، وخصوصًا بسن كهذا. نجحت ونيسة بالاستمرار في العيش رغم تحكمات أم زوجها ورغم النار التي اشتعلت بعد حضور بشري وزيادة المشكلات في فترة من الفترات. تجاوزت هذا، لكنها فقدت قواها بالكامل عندما شعرت بعودة زمن وشعورها بضياع ابنها. وأي ضيعة؟
أنه ضاع في غيابات "ابنة عدوتها". الليلة كانت أصعب من تحملها. خرج من خلفها الجميع. لم يبق أحد خلفها سوى "صبا" وحدها في القصر. لم تركض خلف زوجها ولا أمه. بقيت وحيدة في قصر كبير. لم يذكرها أحد ولا حتى زيد. فأمه سلبت كل تفكيره ومحت كل شيء. قاد سيارته وعيناه متحجرة. قلبه يتفتت. أمه هي أهم ما يملك. لقد تربى يتيمًا ورأى بعينه حياتها المعذبة ورأى إهانتها المتكررة. برغم أنه كان يحاول الدفاع عنها، لكن أبدًا لم يشعر أنه أعطاها
حقها أو دافع عنها وحماها كما يجب. ربته بصعوبة وحاولت أن لا تدخله في مشكلاتها. تحملت من أجله وتمسكت به. هي الوحيدة التي كان يشعر أنها تريده. لم ترفضه كالبقية. هي كانت أمانه. شريط حياته مر أمام عينيه من وقت ما تركه والده في عمر الثامنة. يذكر جيدًا يوم وفاته ويذكر إصرار جده على الوقوف في بداية الصف وأخذ العزاء. الكل كان منهارًا. وفاة كانت مفاجأة صادمة. بعد مدة لم تزد عن سنة، قرر جده زواجها من عمه عماد. لم يخفِ عماد نبذه
لزيد أو يحاول معاملة بلطف، بعكس عمه حسين تمامًا الذي انفصل عنهم بعد وفاة أبيه. عماد كان دائمًا يعنفه دون داعٍ ويضربه بقسوة على أتفه الأسباب. ونالت والدته ضعف ما ناله. لم ينسَ الليالي التي كان يسمع صوت ألمها وصراخها.
عانت كثيرًا تحت سقف هذا القصر وقد كان خير شاهدًا. وصل إلى المستشفى. وتمت الإسعافات سريعًا، لكن الحالة كانت متأخرة للغاية وعلى الفور دخلت إلى العناية المركزة بين الحياة والموت. لا أحد يعلم السبب. القلب يوشك على التوقف والنفس شبه مقطوع. كل هذه الأعراض التي ظهرت فجأة جعلت "زيد" يوجه أصابع الاتهام إلى زوجها وعمه "عماد" الذي يقف بالطرق. هرول باتجاهه وأمسك بتلابيبه بعنف وصاح من بين أسنانه بغضب عارم: -عملت فيها إيه؟
نفس التوتر السائد بين الجميع كان يسيطر على عماد. حاول التخلص من يده وهو ينهره: -انت اتجننت يااد انت بتمد ايدك عليا. أبي "زيد" تركه وتشبث به أكثر وهو يزمجر بعنف: -دا أنا لو اتأكدت إن اللي هي فيه دلوقتي بسببك هنهيك، أقسم بالله ما حد هيرحمك من إيدي. دخل معه عماد في عراك ووالديه أمامه يحاولا فض هذا الاشتباك. رد عليه عماد بتعصب: -انت مفكر نفسك مين يا عيل انت؟
دي مراتي عندي منها والدين. وإذا كان على اللي حصلها، ما شكيتش ليه إن انت السبب فيه وسبب جوازك؟ حد يقدر يعاقبك على جوازتك دي يا سي زيد؟ ولا انت تقدر تسيب مراتك عشان أمك؟ ولا انت مش فالح غير في إنك تبوظ حياة غيرك. توقف زيد عن مشاجرته وتصنم مما قاله. وتركه يوكزه بصدره الموجوع. ياليت قلبه يتوقف الآن عن النبض، ياليت يغادر الحياة بأكملها. الحياة اللي ما عاشهاش كما يجب، ولا يتمنى.
دقائق وامتلاء الرواق بالناس. "حكيم وعامر وبثينة" التي تصيح بنواح: -ونيسة يا أختي يا حبيبتي، مالها الغالية؟ مالها أختي اللي ما جابتهاش أمي. قابلتها مها بسرعة لتحتضنها وتربت على كتفها وانهارت في البكاء. واسى حكيم عماد، وكذا زيد الذي يقف متجمد في مكانه: -قلبي عندك يا زيد. سأل عامر بفضول: -إيه اللي حصل؟ احنا سايبينكم كويسين. لم يكن لزيد علم أو حتى إجابة. ظل كما هو متجمداً. سألت بثينة بنشيج: -مالها ونيسة؟ مين زعلها؟ رفعت
مها كتفيها وهي تجيبها: -ما أعرفش. احنا سيبناها هي وأبو بلال طالعين سوا. وبعد ما خلاص كل واحد دخل أوضته، سمعنا عماد بيزعق وبينادي على بلال. كلنا روحنا لقيناها واقعة من طولها وحالتها وحشة أوي. كففت "بثينة" عينيها بالمنشفة الورقية الصغيرة ونظرت حولها لتتأكد من شئ ما: -هي فين المزغودة اللي فرستها وقهرتها وخلتها تطب ساكتة؟ ضمت مها حاجبيها ثم تذكرت أن صبا لم تظهر أبداً والواضح جداً أنها لازالت منسية في القصر. فأجابتها:
-إيه دا؟ شكلها في البيت لوحدها. استنكرت هذا بثينة: -اخص عليها. ما تيجي وراء حماتها. شردت "مها" وضيقّت عينيها وكان رأسها يحسب حسابات أخرى غير اللي بتتم الآن. أمسكت هاتفها وأرسلت رسالة عبر أحد التطبيقات لأخيها رشدي: -فاتتك حتة حفلة. البت في البيت لوحدها. عادت "بثينة" تسأل: -أبويا وحسين فين؟ التفت لها "مها" وأجابتها بارتباك من أن تكون رأت ما كتبت: -تحت في الإدارة بيخلصوا الإجراءات. رفعت وجهها لتره قادماً
في أول الممر فأشارت: -أهم جم. بكاء هستيري افتعلته "مريم" وقلبت المنزل رأساً على عقب. حاولت "نهى" تهدئتها لكن لا فائدة. استيقظت دون مزاج لأي شي. كل ما كانت تنادي به ببكاء حار: -عايزة بابا. بابا. صبا. هتفت "نهى" مهدئة: -ما أنا معاكي يا مريومة أهو. لم تهتم بما تقول وكررت ببكاء دون تفاهم: -انتي مش بتحبيني، انتي كدا وحشة. انهارت أكثر وازدادت في البكاء تصرخ بحرقة منادية: -بابا بابا صبا صبا. دخلت إليها والدتها على أثر صوتها
الذي أيقظ المنزل بأكمله: -مالك يا مريومة؟ اقتربت منها لتحتضنها برفق وهي تذكر اسم الله: -بسم الله عليكي مالك؟ مالها يا نهى؟ ما كانت نايمة في أمان الله. تحدثت "نهى" بضجر: -صحيت لوحدها. أنا مش عارفة مالها. استسلمت "مريم" لحضن جدتها لكن استمرت بالبكاء متمسكة بقول واحد: -بابا عايزة بابا وصبا. هتفت جدتها مدعية الرعب: -يا أمه بنتي حبيبتي. أوديها للبت الوحشة صبا دي تاكلك؟ دي خدت بابا خلاص وبعتك هنا؟
خليكي عند ستو حبيبتك تحميكِ منها. خليكي معايا لما طنط نهى تروح معاكي عشان تحوش عنك. صبا هتشد شعرك وتضربك وتحرقك بالنار. كانت تلقن بكلمات سامة تلون وجه "مريم" بخوف حقيقي تحت أنظار نهى المدهوشة من قدرة والدتها على تهدئتها. عام الهدوء قليلاً حتى ازدادت "مريم" رعباً وانتحبت بشدة لكنها لم تتخلى عن نداء واحد: -بابا. بابا. بابا. نادت "والدتها" بصوت عال:
-يا ياسر تعال وديها. يا قلبي عليكي يا مريم. هتضربك صبا وتقطع شعرك الحلو دا. قدرة مريم على الاستيعاب كانت ضعيفة وتصديقها جدها. فكانت تنتفض وتطلب والدها بهمس مرتجف خائف. تريده وتصدق بشدة جدتها بأن صبا وحش ستبتلعها هي ووالدها. دخل "ياسر" يسأل: -في إيه؟ مريم بتعيط ليه؟ أجابته والدته وهي تغمز له: -مريم عايزة تروح لباباها. وباباها معاه صبا. يا ناري من صبا. صبا هتعضها. وضعت قبلة على رأسها وحملتها موضحة تأثرها:
-روحي يا مريم. بس لو جات جنبك صبا، صوتي يا حبيبتي عشان ننقذك من اللي هتعمله فيكي. كانت ترتعش وتبكي رغماً عنها. كانت تريد والدها. الرعب الذي بثته "جدتها" بنفسها لن يذهبه إلا أمان والدها. حملها ياسر بين يديه وربت على ظهرها بحنو: -بس يا حبية خالو بس. همست والدته وهي تلوح له: -خدها لفتين في الشارع كدا وارجع تاني. استجاب "ياسر" غير مبالٍ بما قالت. كان مهتم بمريم قلقاً عليها. همه الأول والأخير هو أن تهدأ.
خرج ياسر وبقيت نهى تنظر لها بغرابة. فهمت والدتها سبب نظراتها فهتفت مبررة: -لازم تبعد عن البت دي. انتي لازم تثبتي فيها بيدك وسنانك. زمت شفتيها بيأس وقالت متأثرة: -أنا حاسة إن كل حاجة ضدي. البنت قالتلي اشبعي بيها. وحسستني إن زيد بقى في أيدها. انتبهت والدتها للحديث واتسعت عيناها وهي تستمع لها ثم سألت دون تصديق: -إيه؟ بتقولي إيه؟ انتي كلمتيها؟ أجابتها نهى بحرج: -أيوه. اتحججت بأن مريم عايزة تكلمه. استنكرت
فعلتها وصاحت وهي توبخها: -إيه اللي عملتيه دا؟ يا مرارتي من غبائك. تتصلي بيه في يوم زي دا وكأنك بتقوليها بصراحة أنا غيرانة. وكمان بحجة زي دي؟ يا لهوي! انتي ما بتفهميش. سألتها متزمرة: -جرى إيه يا ماما؟ أنا عملت إيه؟ أجابتها غاضبة:
-عملك منيل زي مخك. انتي خالة مريم. لما تبقى معاكي مريم يبقى بتنسي معاكي أبوها. ودا لمصلحتك. لو مريم سبب دخولك قصر الواصل، يبقى مريم اللي هتدخلك قلب زيد يا نن العين. اتنيلى على خيبتك بقى واتعلمي. في المستشفى. رنين هاتف "زيد" لم يتوقف. تجاهله دون اهتمام حتى أتى الطبيب والتف الكل حوله. قال برسمية شديدة: -حضراتكم وقفتكم دي مالهاش أي داعي. الحالة في العناية المركزة وممنوع الزيارة. ياريت كلكم تتفضلوا. سأل فايز بقلق:
-طيب طمنا يا دكتور وكلنا هنمشي. هتف الطبيب: -الحالة هتحددها الإشاعات والتحاليل. احنا حالياً بنحاول نحافظ على حياتها. هنفحص مرة واتنين وتلاتة. دلوقتي ياريت كلكم تمشوا وتيجوا في مواعيد الزيارة. تركهم الطبيب وغادر والتف على أثر ذلك ليأمر الجد بتماسك: -يلا عشان نروح. الصبح كلنا نيجي.
بلال ويحيى كانوا في صدمة. أقدامهم لم تعد تحملهم. انصاعوا لحديث الجد رغم أن آلامهم على ترك أمهم والعودة دونها تضاعفت. لكن ما باليد حيلة. هموا بالمشي عبر الممر. تحرك الجميع تباعاً وكان آخرهم زيد. لو غادروا الجميع لن يترك هو باب الغرفة. ولو احترقت المشفى بمن فيها لن يستمع لأحد. لن يدخل القصر دونها ولن يميل رأسه على الوسادة وهي هنا. التف جده عندما لاحظ ثباته وناداه: -زيد أنا قولت إيه؟ يلااا تعال.
حرك رأسه بالنفي. بعدها صدح صوت هاتف جده بالرنين. رفع الهاتف على أذنه واتسعت عيناه. إنها صدمة أخرى وكارثة جديدة حلت على رأسهم بل على رأس عائلة الواصل بأكملها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!