جلسوا في غرفة الاستقبال الواسعة للترحيب بضيفتهم الجديدة "صبا"، ليس الجميع فقط "فايز". و"زيد" و"ونيسه". كانت تجاهد الابتسام لهذه الوجوه العابسة والغريبة عنها لتكسب مودتها ولو قليلاً حتى تستطيع العيش في هذا المكان المؤقت الذي قرر والدها انتقالها إليه لرغبته في الاطمئنان عليها. لكن هذه الابتسامات التي توزعها على الحضور لم تجدي نفعاً، فالكل متهجم وكأنهم لا يعرفون معنى الابتسام. بدأت تشعر فعلاً بالحرج. أنقذها منه
جدها بصوته الخشن وهو يقول: _البيت زاد نوره. أنا وصيت يتوضبلك أوضة جنبي عشان لو إحتاجتي أي حاجة. وقبل أن تكتمل ابتسامتها برضاء وتهم لشكره، تدخلت "ونيسه" تهدر بنفي: _فوق بتاع الشباب يا حاج، خليها تحت أحسن في جناح الضيوف. رمقها بنظرة نارية وهتف بحدة: _من إمتى وأنا حد بيرجعني في كلمتي يا ونيسة؟ رغم حدته وقوة نظراته، إلا أن ونيسة لم تبدِ أي خوف وكأنها معتادة على هذا وأكثر. ردت بثبات تحسد عليه:
_أنا بقول كدا عشان البيت فيه تلات رجالة ودي مش طبعنا. رغم درايته بما يصح، لكنه لن يتراجع عن قراره لطالما انتظر عودتها هي ووالدها إلى المنزل الذي بناه خصيصاً كي يسعهم جميعاً وينعم بهم حوله، ووجود "صبا" الآن كان أمنية حصل عليها للتو. هتف بشراسة: _طيب خلي حد من التلات رجالة اللي عندك يرفع عينه فيها وأنا أخليهملك تلات نسوان وقتي. كلماته جعلت "صبا" تكافح في إخفاء ضحكتها عندما تحول وجه "ونيسه" إلى كتلة من الدماء.
من جانب "ونيسه"، ملأت رئتيها بالهواء كي لا تختنق أساساً. جلوسها أمام نسخة "بشرى" المصغرة يجعلها أكثر غيظاً. نهضت من مكانها وهي تستأذن متحججة بـ: _هروح أشوف الغداء. "زيد" كان يتابع تصرفاتها دون التدخل أو حتى الإدلاء برأيه. غامض بشكل مريب لدرجة جعلت ابتسامتها تختفي. وبعد توتر الأجواء بهذا الحديث الذي لم يولد بعد، طرحت سؤالاً جاهلاً ووجهته لزيد: _إنت مين؟
استمر بالصمت وكأنه لم يسمعها، رغم أن عينيه الحالكة أثبتت أنه استمع إليها جيداً. ناب عنه جدها معرفاً إياه: _زيد ابن عمك الكبير. أومأت بهدوء وقالت مجاملة: _تشرفنا. أخيراً خرج صوته هاتفا ببرود: _أهلاً وسهلاً بحضرتك. رغم توقير الكلمة الأخيرة، لكنه قالها بطريقة مهينة للغاية. كل شيء يوحي باستهانته به، نظراته، كلماته المقتضبة، وصلت المعنى دون نقصان. تفاقم الغضب داخلها سريعاً ونهضت من مكانها لتلتف إلى جدها وهي تقول بضيق:
_ممكن أطلع أغير وأرتاح يا جدو؟ حرك رأسه بالقبول وأجاب: _إتفضلي، هنبعتلك على الغداء يكون باقي ولاد عمك جم. اغتصبت ابتسامة على وجهها كي تجاريه وبداخلها مكتفية مما رأته، في الغالب لا راحة في هذه الحياة سواء مع زوجة أبيها أو حتى مع أولاد عمها، فكما يقال "العينة بالينة". وقبل أن تتجاوز "زيد" بنظراته الباردة، التفت لجدها لتستأذنه بمكر: _ممكن يا جدو تخلي زيد يطلعلي الشنط ويعرفني أوضتي؟
لم تفوت وجهه الذي احتقن فجأة والاتساع الطفيف الذي طرأ على عينه وقبضته على يد الكرسي جعلتها تبتسم. قصدت إغاظته ونجحت. راق لها النظر إلى أولى انتصاراتها في هذا المنزل عندما سمح جدها وقال: _روح يا زيد مع بنت عمك. هتف دون تأثر وعينه الشرسه مصوبة على بنيّة عينها: _حد من الحرس يطلعها، أنا عندي شغل ومتاخر عليه. كرر جده بلهجة أمره: _من إمتى الحرس بيدخل بيتنا؟ مافيش غيرك يا زيد.
نهض من مكانه وقبل أن يلتف، أشار لها بطرف إصبعه بحركة متعجرفة، لكنها لم تتأثر. اكتفت بالاستمتاع بانتصارها الأول. تقدم أمامها بحقيبتها الكبيرتان وخطى نحو الدرج. لم يتفوه بكلمة، لكن خطواته العصبية فضحت غضبه وإكراهه على هذا الشيء، فقررت إغاظته من جديد: _بطل يا ابن عمي. حاول أن لا ينجرف مع محاولة إغاظتها، لكن من كل خلجاته كان يتمنى صفعها وإعادة عقلها مكانه. لذا اكتفى بنفخ الهواء بصوت مسموع.
دارت بعينيها في المكان وتساءلت وهي ترى طرقتين متوازيتين في كلا الجانبين بصف غرف: _فين الشباب اللي قلقانين عليهم؟ أنا ما شفتش حد غير واحد بس بينهج من شيل شنطتين. من جديد عادت لإغضابه، لكنه أصر على أسنانه ليمنع نفسه من إجابتها. وصل أخيراً إلى غرفتها المنشودة، فتح الباب وألقى حقيبتيها بمنتهى العنف وكأنه ينتقم منهم عوضاً عنها. نظرت إليه بقلق وأمسكت بحقيبتها من أعلى كتفيها وكأنها تستعد لمواجهة وحش.
سحق الكلمات بين أسنانه وهو يهتف بنبرة شرسة رغم خفوتها: _ما تلعبيش بالنار يا شاطرة. لم تهتم بتهديده أو هكذا أبدت له، فردت دون اكتراث وهي ترفع أحد كتفيها بدلال: _ألعبش ليه؟ وأنا النار أصلاً. ثقتها لم تكن على حجمها، فهي بقصر قامتها هذا وجسدها النحيل لن تصمد أمام كف واحد. لذا هدر باستهانة: _إنتي ما فكيش قلم أصلاً. تجاوزته إلى داخل الغرفة وهي تهتف ببرود وانتصار: _بس ما تقدرش تدهولي.
باغته بأن أغلقت الباب بوجهه دون حتى استئذانه. اختارت عدوته دون غيرها، تعرف أنها سيكون لها أعداء. وهو لن يثقل قائمتها لطالما تحتمي بأكبر سند لها بهذا المكان، جدها "فايز" والذي رأت كيف يحترمه الجميع وينصاع لأوامره. جالت في غرفتها الواسعة بفراشها الذي توسطها، يتضح الذوق والألوان الهادئة التي تتناسب مع الستائر المعلقة. فتحت شرفتها التي تطل على حديقة وبهو القصر وشاهدته يمشي بخطوات واسعة نحو سيارته العالية ويغادر المكان.
ابتسمت لنجاحها في أول جولة وسحبت أنفاسها بقوة لتستمتع بنقاء هذا الجو المختلف عن مدينتها الصاخبة. بعد ساعات، اجتمعت الأسرة بالكامل على مائدة الغداء يترأسها الجد "فايز"، وإلى جانبه ابنه "عماد" ومعه ابناه الاثنين "يحيى وبلال"، وإلى جانبه "ونيسه". تناقلت بصر "صبا" وهي تشاهد الجمع وتحاول قراءتهم جميعاً. نادها جدها بود: _تعالي ياصبا جنبي.
أشار إلى الكرسي المجاور له بالقرب منه لتجلس على مقربة منه. بدأ الأمر كأنهم فريقين، هي العضو الوحيد به على صف من الكراسي المقابل الذي يضم الجميع. ابتسمت وهي تتقدم متابعة عين الوجهين الجديدين عليها "بلال ويحيى". لم يغفل "فايز" عن نظراتها وهتف فور جلوسها: _دول ولاد عمك عماد، "بلال ويحيى".
حركت رأسها بابتسامة لهم والعجيب أنهم ابتسموا لها بترحاب ولم يبدوا عليهم أي ضغينة. سنهم كان أقل من الذي اختفى عن الطاولة "زيد"، لكن كان يسبقوها عمراً، فهي لم تتم عامها العشرون بعد. سألتهم: _انتوا بتدرسوا؟ أجاب بلال، والذي لم يكف عن تفحصها بإعجاب، فهي تشبه تحفة نادراً في غير مكانها المناسب: _أنا يا ستي بدرس في كلية آثار آخر سنة، ويحيى... قاطعه يحيى: _سيبني أتكلم عن نفسي لو سمحت. التف إليها ليحادثها باهتمام:
_أولى صيدلة حضرتك وطالع عيني في المذاكرة مش بلاقي حد يسمعلي نهائي وربنا بعتك ليا من السماء. زجرته "ونيسه" بنظرة محذرة، فغير مسار حديثه سريعاً ليسأل: _وإنتي بتدرسي ولا إيه؟ زمت شفاها واتضح عليها الحرج لتقول وهي مجبرة: _لا، أنا خرجت من ثانوية عامة. صاح "بلال" بدهشة: _معقول؟ عمي حسين وافق إنك ما تكمليش ببساطة. ردت على سؤاله بسؤال: _وليه مستغرب؟ حرك كتفه وهو ينظر إلى الجميع وكأنه يستجدي دعمهم:
_عشان عمي حسين دبلوماسي، معقول ما يخلكيش تكملي تعليمك. لم تجبه وأدخلت الطعام في فمها عنوة حتى تتظاهر بالانشغال. تدخل والده "عماد" ليقطع عنها حرجها، فهي لديها أسباب لا تريد كشفها أبداً لأسرة لم تعلم عنها الكثير: _أهي ارتاحت وجع القلب، وعلى رأي الشاعر، المرأة لو طلعت المريخ، مسيرها للطبيخ. ضحك أبناؤه وصاح "يحيى" ليمازحه: _دا مش شاعر يا بابا. رد متفاخراً:
_وإن كان، دا راجل فنان. وريهم يا ونيسة حلاوة المحشي بتاعك، ولا أجدع دكتورة تعرف تعمله. ضحك الجميع عدا "ونيسه". نهضت لتملأ له أحد الأطباق البعيدة عن السفرة وقدمته إليه بآلية. لم تكن من هواه المزاح وتربيتها الصارمة عكس زوجها، تثبت قواها على أولادها. سأل الجد "فايز" متفحصاً: _أومال فين بثينة؟ ما جاتش ليه؟ أجابته "ونيسه" دون النظر باتجاه: _قالت هتتأخر. هتف منزعجاً: _إزاي؟ مش أنا طالبت إنها تتغدى معانا.
ابتسمت ابتسامة ساخرة قصيرة واستمرت بتجاهل النظر صوبه. حضور "صبا" بينهم فتح الجراح الخامدة من سنوات طويلة وجدد ألمها بعدما أصبحت قوية وصارت تكره الضعف الذي كانت عليه من قبل، وأصبحت مستعدة للثأر لشخصيتها القديمة من أي شخص أياً كان.
لم يحتاج "فايز" سؤالها عن جفائها الجلي وعدم تدخلها لمراضاته كعادتها بكلمات قصيرة لترقق قلبه على ابنته، فهي تعرف سبب امتناعها عن الاجتماع على مائدة واحدة مع ابنة بشرى، ولقد فهم "فايز"، لكن حلمه الكبير بتجميع أحفاده جمعاً إلى جواره جعله يحاول تقريب هذه المسافة بين "صبا" وجميع أفراد العائلة. سألها من جديد: _زيد فين هو كمان؟ جلست على كرسيها بعدما أنهت توزيع الطعام وأجابته: _في شغله، إنت عارف إنه ما بيجيش إلا بالليل.
قضب حاجبيه وقد زاد غضبه من مخالفة الكبير والصغير لأوامره وصاح بلهجة شديدة الحِدة: _أنا أكدت عليه النهارده إنه يتغدى معانا عشان بنت عمه. الكلمة جعلتها تفور. التفت إليه لتطالعه بأعين متسعة غير مبالية بأي شيء، تستنكر غضبه على والدها لعدم حضور غداء غير معتاد عليه بالأساس. ردت عليه بحدة: _اتعود يتغدى في شغله ومافيش حاجة هتتغير عشان حد، البيت هيمشي زي ما هو ماشي. شعر "عماد" بسخونة الأجواء بين والده
وزوجته وتدخل ليقول بتلطيف: _معلش يا حاج، إنت عارف زيد ورأسه الناشفة، شغله عنده أهم حتى من نفسه. وزي ما إنت عارف المصنع مش صغير. هذه الأسباب كانت غير مقنعة لـ"فايز". أهم شيء عنده هو تنفيذ كلمته حتى ولو كانت على عنق الجميع. الشرر الذي انبلج من عينه كان يؤكد أن نيران الحرب ستشتعل ولا أحد سينجو منها. صر على أسنانه وهو يوقف ابنه بزمجرة شرسة: _أنا كلمتي تمشي على رقاب الكل و....
قطع حديثه يد "صبا" الناعمة التي وضعتها على ظهر يده المجعدة وهي تقول مهدئة إياه بابتسامة حانية: _جدو متعصبش نفسك، أنا مبسوطة بوجودك، إنت وجودك إنت أهم. التف إليها منصاعاً مع مواستها الرقيقة. حرك رأسه مبتسماً لها وقد أطفأت ناره بعذب كلماتها. لم تحتاج مجهود لتفهم أنه تخلف محتمل لأول مرة عن الانصياع لأوامر جده لعدم الاجتماع معها، وكذلك من ذكر اسمها من قبل "ونيسه".
تناولت معهم الطعام وتحدث كل من بلال ويحيى بسعادة مع "صبا" وكأنهم يكتشفونها، كما هي تحاول اكتشافهم، لكن بطريقة أخرى. من بعد خطوات رقيقة اقتحمت غرفتهم جعلت أعينهم تلتف، وكانت أولهم "ونيسه" التي فتحت ذراعيها وهتفت مرحبة: _تعالي يا قلب ستك.
انتبهت "صبا" إلى قطعة السكر التي اقتحمت جلستهم وحظت بهذا الاهتمام والترحيب. تبعتها بعينان متسعتان حتى وصلت إلى أحضان "ونيسه" وتربعت على قدمها. بشرتها بيضاء وشفاها وردية وشعرها المجعد الساقط على وجنتيها يزيدها جمالاً ويجعلها لا تقاوم. يتضح من حجمها الصغير أنها لا تتعدى الأربع أعوام. من فرط إعجابها بها تشجعت لتسأل "صبا" بفضول: _مين الجميلة دي؟ أجابت "ونيسه" وهي تحاوطها بيدها بقلق: _دي بنت زيد.
اختلطت دهشتها بصدمتها وما عرفت سبب ذلك، ربما لأنها لم تكن قريبة بشكل كافٍ من عائلة والدها وغير مهتمة تماماً بمناسبتهم لتعرف أن ابن عمها الأكبر "زيد" متزوج ولديه طفلة. لكن هذا ليس مهماً، المهم هو أنها سعدت جداً برؤيتها، فابتسمت لها وسألتها بطفولة: _وإنتي اسمك إيه يا قمر؟ حدقت إليها الطفلة ببريئة وتمسكت بعنق جدتها، تبدو غير معتادة على مخالطة أحد وهذا يظهر من تجاهل الجميع إليها واستمرارهم بالطعام كأنها لم تأتِ أصلاً.
نابت عنها "ونيسه" بالرد: _مريم. أشارت لها "صبا" بابتسامة وقالت: _شكلي خلاص لقيت صاحبة ليا في البيت هنا، مش هسيبك أبداً. ظهر الفزع على وجه "ونيسه" وضمتها بقوة إلى صدرها وكأنها تحميها من خطر محتمل واندفعت قائلة: _لأ، مريم مش بتحب تقعد مع حد. شعر الجميع بهذه العواطف المشحونة بالقلق والغضب من جانب "ونيسه"، فهتف "عماد" محاولاً الابتسام والتخفيف: _مريم مش بتعرف تتعامل مع حد بعد أبوها غير مع ستيها وبس.
جاهدت "صبا" رسم ابتسامة على وجهها لتخفي حرجها من تصرف "زوجة عمها"، لكن أنقذها القدر من هذا الحرج بصوت قادم من البوابة المقابلة ينادي: _السلام عليكم. التف الجميع على صوتها وصاح "بلال" بسعادة: _أهي عمتي بثينة جات. التفت معهم "صبا" لترى عمتها.
ظهر وجهها الخمري وعينها الكحيلة وفمها المكتظ. كانت كبيرة في الجسم وأيضاً السن، على ما تبدو في أواخر الأربعين. لم تكن ذات ابتسامة وصاحبة عبوس دائم، هذا واضح على الخطوط التعبيرية على حاجبيها وجبهتها دون شفاها ولا وجنتيها. كانت عينها مسلطة على عينيها تطالعها بحقد دفين وكره أسود، حتى أنها لم ترَ غيرها ولم تسمع ترحيب الجميع بها. نظراتها إليها لم تتحول طول توجههم إليها.
وعندما وصلت إلى "جدها" وانحنت لتقبل يده، ربت على رأسها وقال معاتباً: _ولوني زعلان إنك اتأخرتي. نهض "عماد" من مكانه وهتف وهو يصافحها مرحباً: _ما فاتهاش حاجة، إحنا لسه بنقول بسم الله. صافحته لكنها هتفت بصرامة: _لااا... إتغديت في داري. نهضت "ونيسه" هي الأخرى لتصافحها، وكذلك أبناؤها بلال ويحيى. وبرغم معرفة "صبا" بأنها عمتها، لكنها لم تتحرك من مكانها للترحيب بها. تجاهلتها كما تصر هي على عدم مشاركتهم المائدة بوجودها.
وقفت تحدق بها "بثينه"، لكن "صبا" تجاهلتها تمامًا حتى ناداها "جدها" معرفًا إياها: _دي بثينه... عمتك يا صبا، سلمي عليها. لم تنهض من مكانها، وصافحتها بابتسامة سمجة وهي تقول: _بجد؟ كان نفسي يكون ليا عمتوا. رمقتها "بثينه" بغضب عارم من هذا الاستهزاء، وصاحت غاضبة: _انتي أمك ما علمتكيش الأدب؟ بتسلمي على عمتك؟ واللي عيالها من دورك من طرطيف صوابعك؟ وكمان وانتي قاعدة؟
دون إرادة، أحد حاجبيها ارتفع، وتأهبت لخوض شجار معها لذكر والدتها بسوء، لمجرد تصرف صادر من جانبها. فردت بنبرة جامدة: _حضرتك أمي ماتت، ما لحقتش تربيني. فلو إنتي شايفة إن عدم قيامي ليكي يقلل منك، فالصح إنك تهاجميني أنا، مش أمي. لم تحتمل "بثينه" حديثها، وتمنت أن توسعها ضربًا لتطفئ غليلها المشتعل من سنوات. فصاحت بها بغضب عارم: _انتي هتعلميني الصح والغلط؟ صحيح إنك حية بت حية! لطم "فايز" الطاولة وهدر بإنزعاج:
_انت هتخانقوا قصادي ولا إيه؟ التفت إلى "بثينه" ليرمقها بنظرات شرسة، وكأنه يرى بما تفكر به، وأردف: _قولتي إنها عيلة من دور ولادك، تردي عليها كلمة بكلمة ولا تعلميها الأصول. قلبت عينها بضجر، وردت عليه: _يا بابا أنا... قاطعها مشددًا: _انتهينا. صبا لسه جديدة على المكان، اللي حابب يعلمها عوايدنا بالحسنى يتفضل، مش حابب ياريت يستحمل لحد ما تتعلم من نفسها.
تدخلت "صبا" وقد شعرت بالحرج من مدافعة جدها عنها، رغم أنها تعلم أنها متعمّدة. لكن كان حتميًا عليها أن تظهر أنيابها الشرسة لكل من يستهين بها، فهي قاعدة. مشيت عليها لتنجو: "إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب". _عن إذنك، أنا هطلع أوضتي. نهضت من مكانها، فباغتها جدها منزعجًا: _رايحة فين؟ انتي لسه ما كملتيش أكل. ابتسمت له بلطف وأجابت وهي تنظر للجميع: _شبعت.
عادت صوب غرفتها، فهي لا تعرف حتى الآن سواها. لم يبادر أحد بتعريفها على المكان، ولا رحب بها. وما زالت تتكتشف تلك العائلة التي تتأكد شيئًا فشئًا أنهم لم يرغبوا فيها، ولن يفعلوا يومًا. نهض "فايز" هو الآخر، وهتف قبل أن يلتفت عنهم: _بثينه، حصليني. إذدرقت ريقها من لهجته القاسية، والتي يتضح من خلفها التوبيخ. هتفت وهي تنظر إلى أثره: _هي هتاكل عقلك زي أمها؟ ردت عليها "ونيسه" بسخرية: _هه، هو كان لسه؟ ما كلته خلاص.
التفت إليها "بثينه" وتسألت بسرعة وقلق: _انتي بتقولي إيه؟ حركت رأسها بالإيجاب، وهي تجيب ببساطة: _لهو انتي ما شفتيش؟ هو قاعدها فين؟ أشارت إلى مكان "صبا" السابق، واسترسلت: _جنبه مكان أمها الله يرحمها، واللي بعدها زيد. نفخ "عماد" وأعلن مغادرته قائلاً: _أنا طالع أغير، تعال يا ونيسه، طلعيلى هدوم.
استدارت له ولم تجبه. لكن بثينه لم يغادرها الصدمة من زمن بعيد. لم يكرم والدها أحد مثلما كرّم "بشرى" وجعلها فوق الجميع، وأعطاها فرص التسيد، ولم يتخذ أحد مكانتها يومًا ما. السماح كان فقط لـ "زين" بالجلوس في نفس مكانها، لكن المكانة لا أحد يعلم إن وصل أو لا. لكن بهذه التصرفات، هناك إثبات قوي أنها أخذت وضعها ومكانتها من أول يوم. في غرفة "عماد". هتفت "ونيسه" بتذمر وهي تناوله الجلباب من خزانتهما:
_هو إحنا كنا ناقصين بت بشرى دي كمان؟ التقطت منه جلبابه ونفخ بضيق لها: _وقت طويل تتحدثي في نفس الموضوع ولا تغيريه. لا إله إلا الله، واحنا هنرمي لحمنا على آخر الزمن؟ تفاقم الغضب على صفحة وجهها، وردت بعنف: _لا، إنت بتنسوا وبس. صاح "عماد" بضيق جلي: _يوووه، خلاص يا ونيسه، فات ومات. وبشرى هي كمان ماتت، واللي حصل، البت مالهاش ذنب فيه. ردت عليه دون التأثر بضيقه أو حتى أخذ هدنة:
_البت مالهاش ذنب، أه. إنما دي بت بشرى، دي هتعيد الماضي من أول وجديد. وعلى رأي المثل: "اكفي القدرة على فمها تطلع البنت لأمها". كاد يلطم على وجهه من حدتها في الدفاع عن وجهة نظرها. يعرفها جيدًا، رأسها الصلبة لن تلين، وإن وضعت شيئًا برأسها ستنفذه رغم أنف الجميع. حاول تنظيم أنفاسه ليسيطر على انفعاله، على إحداهن الهدوء قبل أن يتسرب صوتهم إلى والده. وسألها: _وإن كان الماضي هيتعاد يا ونيسه؟
هيلحق يتعاد في تلات شهور مسافة ما أخويا يرجع من السفر؟ الماضي سنين ولت. هتفت بنبرة عميقة، وكأنها استحضرت لتو معاناتها تحت سقف هذا المنزل: _ولت بظلم. انتو ظلمه. جبرتوني على العيشة مع واحدة زي بشرى عشان أخوك بيحبها. سقطت بسببها، وورتني الأمرين، وكلكم وقفتم تتفرجوا، حتى كبير البلد اللي بيحل مشاكل الناس، كتف إيده وسكت.
أجفل "عماد" وزفر أنفاسه بتمهل. يعلم أن "بشرى" كانت سيئة للغاية، لا يتحملها أحد. لسانها بغيض، وقلبها أسود. دخلت هذا المنزل وحولته للنار الموقدة. أشعلت الفتنة بين الأخوات، وأرادت فرض سلطتها على الكل، حتى والده "فايز" نفسه. كانت ثعبانًا بألف وجه وبألف لون. لكن هذا ليس سببًا كافيًا لطرد ابنة أخيه الذي لجأ إليهم بعد كل هذا العمر. ثم أن حديثها عن الماضي الآن سيشعل نارًا أخرى مع ابنة أخيه، وهذا ليس وقتًا مناسبًا للأجواء الساخنة.
هتف بهدوء: _هي مش بنت بشرى وبس، دي بنت حسين. حسين أخويا وابن عمك، وضيفك عندك. عامليها بما يرضي الله، عشان خاطر ربنا وبس. إغتاظت من عدم شعوره بمعاناتها السابقة، ولكن ما الجديد؟ وهي اعتادت من جانبه الفتور. هتفت بسخرية: _انتوا دايما تيجوا على الطيب باسم ربنا. اشمعنى زيد ما طبقتوش عليه نفس المبدأ؟ إغتاظ من تشبيهها، وكشر عن أنيابه وهو يزجرها بغضب سحيق: _وايه جاب سيرة زيد دلوقتي؟
تعرف أن ذكر اسمه على لسانها يغضبه، وكأنه ليس ولدها. دائمًا يرى الأمر بشكل آخر. لكنها لم تكن تقصد زج اسمه، بل هي الصدف المشابهة، والأمور المعقدة، والتي يتعاملون معها بمنطلقات مختلفة ورؤى غريبة حسب مصالحهم وأغراضهم وأهوائهم. استدارت عنه دون أن ترد عليه، اكتفت بنظرة مشمئزة وغادرته. في غرفة المكتب. "فايز"، "بثينه". بعد حديث طويل وعتاب على تصرفه ودفاعه عن "صبا"، وعدم الاهتمام بما حدث في الماضي، واجهته "بثينه" بكل مخاوفها،
فصاحت به: _أنا شايفه إنك هتعيد الظلم تاني، وهتمكن بنت بشرى زي ما مكنت أمها قبل كدا. كان يجلس بمواجهتها خلف مكتبه الكبير، يستمع إليها بهدوء. لكن هذا الهدوء تبخر عندما اتهمته بالظلم. صاح بغلظة: _مش فايز الواصل اللي يظلم يا بثينه. البلد كلها بتجيني عشان أحكم بينهم بالعدل، مش هاجي على داري وأظلم. ظلت على نفس انفعالها وهي تخبره: _وأمي اللي ماتت بسب بشرى وعميلها، وانت كنت واقف تتفرج وبس. كان دا عدل يا قاضي البلد؟
أجفل من هذه الذكريات السيئة التي تشوه صورته في أعينهم. هتف بنبرة متعبة: _أمك كانت تعبانة، وقولتلك كدا مليون مرة. أجابت موافقة، وبداخلها نار مشتعلة لم تنطفئ أبدًا، حتى بموت بشرى: _صح، كانت تعبانة. لكن هي كانت آخر حد دخل عليها قبل ما تموت. يمكن سممت بدنها بكلامها، ولا حتى كتمت نفسها. أنا كنت عند أمي قبل ما تموت، وكانت كويسة. اليوم دا بالذات كانت كويسة.
زفر أنفاسه بتعب. لقد دخل في هذا النقاش الأف مرة، وكاد ينصاع إلى ميولهم المنحرفة بتعليق المشنقة لـ "بشرى" وسلخها حية قبل إعدامها. تمهل وهو يجيبها: _اديكي قولتي، يمكن... أحكم على حد بيمكن قدامك جه أجلها وراحت للي أحسن مني ومنكم. والاتنين دلوقتي عند قاضي السما. تعرفه لن يدينها ولن يشك بها ولن يتنازل عن قرار اتخذه لأنه يتمهل قبل إصدار أي قرار. خرجت من هذا بسؤال آخر: "وإيه خلك تستقبل بنتها بعد ما قررت تمشي أمها من الدار؟
اتسعت عيناها وهو يستنكر تعليقها على تصرفاته ومحاولة توجيهه، فسألها بضيق: "عايزاني أقول لأخوكي ارمي بنتك عشان طردت أمها؟ هتفت متشنجة: "ما ترجعش بشرى تاني وسطنا، ما تعيشناش أيام سوداء تاني." نهض من جلسته وقد ضاق صدره من هذا النقاش العقيم، فهي لن تحب بشرى ولن تقتنع بوجود ابنتها بينهم. كان حتميًا إنهاء الحوار، فزعق بإنفعال شديد:
"بثينة مهما كان كرهك، عميكِ ما تظلميش. حبيها ولا ما تحبيهاش، في النهاية هي بنت ابني وغلاوتها في غلاوة كل أحفادي. واعملي حسابك صبا في حمايتي، لأحسن عقلك يوزك على الانتقام." "صبا"
أصابها الضجر من مكوثها المطول بالغرفة، برغم من اتساعها وتوافر كل الأجهزة الحديثة. والجو هادئ والنسيم عليل، لكنها معتادة على الصخب وأصوات السيارات التي تنبعث من أسفل العمارة التي تقطن بها. اعتادت على الزحام، وجودها في كل هذا الاتساع يعطيها إحساس بالضياع. تشعر أنه سيتم ابتلاعها في هذه الفجوة. صارت تعد من الآن اليوم الذي ستغادر به هذا المكان وتعود لغرفتها الصغيرة مع زحامها المفضل. هنا بالنسبة لها منفى.
وقع أقدام صغيرة تركض ذهابًا وإيابًا بالقرب من غرفتها. عرفت من تكون، وربما غيرها، فهي لازالت غريبة ولا تعرف الكل. لكن أيًا من يكن، ستخرج لتقتل الملل قبل أن يقتلها. فتحت الباب لترى تلك الجميلة "مريم" التي توقعتها تركض هنا وهناك في الممر، وترافقها إحدى السيدات تراقبها من بعيد. اتجهت صوبها، دنت منهم ونزلت على ركبتيها لتصل لكائن النوتيلا اللطيف ذات الشعر المتلوي واللون الفاحم. ابتسمت وهي تشير لها بيدها بإن تقترب وهي تقول:
"تعالي يا جميلة نلعب سوا." تحركت الفتاة في الاتجاه المعاكس نحو السيدة التي ضمتها سريعًا. ضيقت "صبا" عيناها لتخمن من تكون هذه. بشرتها تنافي بشرة الصغيرة بشكل مضاد، حتى العينان غير متشابهان، فالصغيرة متميزة بلون عينها الأسود المتشابه مع والدها في التميز. نفضت أفكارها وهي تحذر، لعل هذه الفتاة لم تأخذ شيئًا من والدتها، ولوالدها السيطرة الكاملة على جيناتها. هتفت بابتسامة واسعة: "شبه بابها أوي، مش واخده منك حاجة."
ضحكت السيدة ضحكات مجلجلة يتضح بها السعادة، وكأنها داعبت مكنون صدرها وأحيت أماني غير مصدقة بتفوهها المجنون. زيادة ضحكاتها جعلت "صبا" تشك في صحة مما قالت، لكن تشبث الطفلة الصغيرة في عنقها يشتت عقلها. يبدو عليها انطوائية، كيف تهرب إليها وتختبئ بهذا الاطمئنان إن لم تكن هي أمها؟ أخيرًا أوقفت السيدة ضحكاتها لتخبرها:
"الله يحظك يا ست، أنا أبقى مرات سيدي "زيد". والله دا تبقى أمي، دعيالي في يوم القدر دا. البلد كلها تتمناه يناسبها وبناتها بستاتها تموت على نظرة منه." رمقتها بإستخفاف، فهي قد رأت من هو أوسم منها بمراحل في المدينة. بما يتميز فتى الشاشة الأوسم هذا في هذه المنطقة ليحوز على هذا الاهتمام. لكن هذا لا يهم، المهم الآن الحصون على هذه الفتاة والانفراد بها. ستموت لو لم تلعبها، لذا هتفت بضجر:
"يا ستي اخلصي وقولي إنك مش أمها بدل الكلام على سي زيد، أنا دماغي مش ناقصه صداع." أسلوبها المتضجر لم يوقف الابتسام عن فمها، فقد كانت منتشية وكأنما تعاطت جرعة مفرطة من مخدر نشط. قالت بإبتسامة واسعة: "ياريت تدعيلي يا أبله، والله يكون ليكي الحلاوة." أشارت "صبا" تجاه الفتاة: "أنا عايزة الحلوة دي الأول، خليها تلعب معايا." نظرت إلى الطفلة التي تحاوط يدها الصغيرة عنقها متشبثة بقلق وقالت متذمرة:
"ياريت,,, دي مريم دي صعب تروح لحد، ما بتروحش غير لستها وأبوها." رفعت "صبا" حاجبيها وسألتها مستنكرة: "إزاي يعني؟ ما هي قافشة في رقبتك أهي." قالت الأخرى: "عشان خايفة بس، غير كدا بالزور. لما حتى آخدها في إيدي وأومر سعادة البيه إن ما حدش يغصبها على حاجة ولا ينزلها دمعة طول ما هو في شغله، وأنا عبد المأمور، شغلتي هنا آخد بالي منها وبس." سألتها "صبا" وقد زاد ضجرها من الحوار دون الوصول لهدف: "بقولك إيه يا إسمك إيه انتي...
قاطعتها: "نجلاء، اسمي نجلاء." استرسلت "صبا" دون التوقف عند معرفة اسمها: "أكيد ليها حاجة بتحبها وبتتلهي بيها، لما تزني قوللي عليها وأنا أجيب رجلها بيها تسليني، وأنتي ترتاحي من نوبة الحراسة دي."
لم تكن "نجلاء" بالذكاء الكافي ليتسنى لها التفكير فيما تحب وتكره الطفلة. لكن الإغراء كان كافيًا لتحصل على الراحة، بما أن جدتها تتركها معها أغلب الوقت لمتابعة باقي شؤون المنزل. اعتصرت رأسها لتتذكر متى سكت الطفلة أو تلهفت على شيء، لكن دوماً ما تفتقد الطفلة اللعب ويصيبها الملل وتنخرط في البكاء لأوقات طويلة ولا يستطيع أحد إسكاتها سوى والدها. بعد فترة قصيرة من الصمت هتفت "نجلاء":
"والله يا أبله ما في حاجة، بس هي بتحب تلعب وما فيش حد بيلعبها، إكمن إنها العيلة الوحيدة في الدار." ابتسمت "صبا" بتسلية وهي تهتف بحماس: "دا كان زمان,,, تعالي ورايا، مش عندها عرايس." لوحت "نجلاء" وهي تجيب: "يووه,,, الأوضة مليانة لعب، دا غير ما السطح أبوها عامله ملاهي." اتسعت عين "صبا" وكأنها هي من ستلعب بكل هذه الأشياء. قفزت من مكانها وقد ازدادت حماس: "الله، تعالي وريني."
سبقتها "نجلاء" وتبعتها "صبا" تلطم كفيها بفرح، وبأعين تلمع بفرح وجنون وطفولة متأخرة تعشق الدمى. ومن الواضح أن هذه المدللة لديها منها الكثير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!