الفصل 3 | من 51 فصل

رواية عشقت إمرأة خطرة الفصل الثالث 3 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
26
كلمة
4,334
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

الجنون كان أسهل طريق لجذب طفلة ذات أربعة أعوام للاندماج. بالبداية لم تهتم "صبا" بمريم ولم تحاول التودد إليها كما كانت تفعل. صبت اهتمامها وتركيزها على اللعب ومحادثة الدمى. أصابت عندما عثرت هذا الكنز بالغرفة. بالنسبة لها كنز، فغرفتها لم تخلو من لعبة أو دمى بأي حجم أو نوع. تناقلت بين الدمى وكأنها أقل منها عمراً. مما أوحى للطفلة أنها في نفس عمرها. لم تكن تفقه شيئاً في اللعب، لكن ما تفعله "صبا" بالدمى أشعرها بالفرح شيئاً فشيئاً. ابتدأت تندمج معها وتضحك على نكاتها والمسرح الذي أنشأته. وما إن شعرت "نجلاء" بهذا الاندماج حتى انسخت من بينهم لتتركها معها بمنتهى الاطمئنان.

*** امسكت بأحد الدمى بمواجهتها الأخرى تحكي حديثاً بشكل طفولي: _لااا، انتي مستحيل تضربيني. حركت يدها الأخرى لتحرك الدمية الثانية وكأنها ترد عليها بنبرة مختلفة: _ياسلام؟ هتضربي وكمان لو قولتي لحد هعقبك وهقول عليكي كذابة. قفزت على الدمية بيدها الأخرى وهي تقول: _هضربك أنا الأول. _لااا، سيبى شعري. واستمرت تتشاجر بالدمى وضحكات الصغيرة تعلو كلما شاهدت جنونها وقفزها وتناقلها بين الدمى. ***

عاد "زيد" من عمله الذي يفنى به أغلب وقته. تأخر على العشاء كما تأخر عن الحياة كلها. هذا لا يشكل له فارق، فحياته الملونة أصبحت أبيض وأسود. لولا تمسك جده به وإقحامه في جلسات الصلح لتأهيله لأخذ مكانه لترك هذا المنزل بأكمله بذكريات وأوجاعه. لن يهنأ طالما يطارده شبح ماضيه في كل زاوية. إدارة مصانعهم وأعمالهم المتشعبة بالمدينة هي من تلهيه عن كل شيء. لكن بمجرد أن يصطف سيارته أمام هذا القصر، تنفتح جراحه وينبلج الألم.

خطى للداخل بقدماه الطويلة التي يرميها بإهمال وتعب دون أن يرفع عينيه عن الأرض، وكأنه يخشى النظر إلى الجدران أو أي زاوية في هذا المكان. ثم أشباح سوداء ستهاجمه لو أبدى لها أي اهتمام. لم يحيد عن خطواته التي تعرف خط سيرها نحو غرفته بالأعلى حتى هتفت "ونيسة" الجالسة بأحد المقاعد بالزاوية أمام شاشة العرض الكبيرة: _حمد لله على السلامة يا ولدي. توقف لينظر إليها من بعيد وهو يرد بنبرة يتضح عليها التعب: _الله يسلمك.

أشارت له ليقترب وهي تقول: _تعال يا ولدي، جدك موصيني أكلمك في موضوع مهم. زم شفتاه وهو يدعو الله أن لا يكون ما يفكر به. ليس لديه أي طاقة لهدرها في موضوع رفضه لمئات المرات. تحرك صوبها ببطء وهو يسأل بحذر: _خير، ويارب ما يكون اللي في بالي. سألته مقدماً: _أكلت في الشغل ولا أقوم أسخنلك الأكل؟ نفض رأسه وهو يستعد للجلوس جوارها مجيباً بفتور: _لاء، أكلت في الشغل. سأل وهو يبحث بعينه عن طفلته: _أومال مريم فين؟ التفتت

بكامل جسدها إليه ثم أجابت: _نامت يا ولدي، نجلاء قالتلي إنها نيمتها وراحت. تطلعت إليه بحذر قبل أن تدس يدها بجيبها وتخرج ظرفاً كبيراً وتضعه بين يديه. نظر إليها مستفسراً ثم حسته قائلة: _إفتحه، شوف اللي فيه. انصاع لأمرها لعله ينتهي من هذا الغموض الذي تحاول فرضه. تناقل بصره لمحتواه ولاحظ كم الصور الموضوعة بداخله لامرأة على قدر كبير من الجمال. وقد نسقتهم ونيسة بالترتيب لعلها تسرق نظرة أو تحيي رغبته المنقطعة عن النساء.

زفر بضيق قبل أن يكمل وحاول أن يستدعي هدوءه وهو يقول: _مش قولتلك إقفلي ع السيرة دي خالص. أجابت وهي ترفع كفيها لتبرئ نفسها: _جدك يا زيد مش ساكت، وبعدين يا ولدي أنا نفسي أشوفك متهني. مسح وجهه بعنف وهو ينهض من جوارها وهو يخبرها بتعصب: _هو أنا مش قولتلك؟ وجهي طاقتك دي لإخواتي التانيين، أنا مش عايز أتجوز. سحبت يده لتجبره على عدم المغادرة وقالت بإستنكار: _هو انت هترهبن؟

كفايا بقى علينا حزن وسواد بقالك سنتين. قولي بنتك اللي فوق دي مين هيربيها لك؟ يعرف أنها تستغل طفلته للحصول على مأربها، فأجاب بضجر: _البركة فيكي، أنا الجواز دا صفحة قطعتها من كتابي، راضي إخواتي وأنا شيليني من دماغك. هتفت متأثرة وكأنها تسترجيه: _هو أنا هنعيش لبتك العمر؟ ضاق صدره من محاولاتها التي لا تنتهي والملل من هذا الأمر، حتى ولو كان إقحام موتها للضغط عليه. انتفض من مكانه وصاح غاضباً: _يوووا! هنعيش لها أنا؟

هو انتي متفقة معهم عليا؟ أهل أمها على تكه ولو سمعوا سيرة الجواز هياخدوها. وأنا ما أقدرش نسيبها، دي ريحة الغالية. نهضت من ورائه ووضعت يدها على كتفه لتواسيه قائلة بحنو: _أنا عارفة إنك كنت بتحبها، غالية كانت بنتي قبل ما تكون مرات ابني. بس يا ابني انت لسه شاب. وانت ما كنتش تتجوز في شبابك هتجوز امته. ابتعد عنها ليتخلص من يدها الذي ستجعله ينهار، فهو لا يحب المواساة ويكره أن يراه أحد ضعيفاً. هتف بإصرار:

_مش هتجوز خالص، ريحي نفسك وسيبيني ارتاح بقى. أنا راجع من الشغل خلصان.

لم ينتظر إجابتها وركض بخطوات واسعة باتجاه الدرج. نظرت نحوه بإشفاق. سنوات أعلن فيها الحداد على موت زوجته غدراً على يد أحد الأطباء إثر دخولها لإجراء عملية إجهاض بعد ولادتها بمريم بعام. من بعد هذا العام، انقلبت ضحكات فمه إلى خطوط عابسة وعيناه التي تلمع بحماس انطفأت ودخلت في ظلامها المبهم. "غالية" ماتت وأخذت روحه معها. هذه الجثة التي تمشي على قدميها وتجول بينهم تنتظر عودتها لروحها التي سبقتها تحت التراب. ***

دخل إلى غرفة ابنته. بأنفاس متلاحقة وكأنه يهرب من وحش مفترس يخشى مواجهته. نظم أنفاسه ليستقبل الشيء الوحيد الذي يتنفس من أجله "مريم". لكن أين هي؟ فراشها خالٍ وألعابها مبعثرة في الغرفة بأكملها. تحرك ليبحث عنها بهدوء، لعلها نائمة في أي ركن. لاحظ صندوقها المخيم الصغير يهتز. ابتسم وتسلل على ركبتيه ليباغتها بمزحة، أنا الوحش، منقضاً عليها صائحاً بمرح: _أهااا، أنا الــوحــش! إنتفضت "صبا" المنغمسه باللعب داخل الصندوق مع "مريم"

والتفت صائحة: _يا ماما!

طلعت وجهه عن كثب وعيناها الفاحمة المتسعة بدهشة لم يمحِ آثارها بعد. لم تكن ابنته وحدها. ضحكات "مريم" أخرجته من دهشته وقفزت نحوه تعانقه بقوة وتحاوط يدها حول عنقه. لكن هذا لم يستوعب بعد كيف لخزانة صغيرة كهذه تتسع لطفلة أخرى تدخل على العشرين. وزع نظراته على الخزانة وعلى "صبا". حجمها الضئيل جعلها تجلس بداخلها بمنتهى الريحية حتى لا يظهر منها شيء. ما زالت تحاول لم أعصابها المتفككة من أثر فزعها وتجاهد تنظيم أنفاسها المتلاحقة. وثب من هذا الاقتراب حاملاً ابنته على ذراعيه ومتسائلاً

بإنزعاج: _أنا مش فاهم إزاي عرفتي تدخلي جوا البتاع دا. إنتفضت من مكانها وهتفت بضيق: _أنا اللي مش فاهمة! إيه لعب العيال اللي بتلعبه دا؟ اتسعت عيناه من جرأتها في مهاجمته وزجرها قائلاً: _إنتي بتهبلي؟ تقولي إيه؟ كانت قد خرجت تماماً من الخزانة وهاجمته بعبوس: _مين اللي أهبل عشان يدخل على طفلة الدخلة دي؟ هدر ساخراً وهو ينظرها بسخرية: _أي طفلة فيهم؟ مريم ولا انتي؟ عقدت ذراعيها أمامها وهتفت موبخة:

_عرفنا إنك ما بتفهمش، كمان ما بتعرفش تميز. لولا ابنته المتعلقة بعنقه لكان لطمها على جرأتها في الحديث معه. جز على أسنانه من فرط غضبه وزمر ساحقاً الكلام بين فكيه: _إنتي زودتيها معايا يا بت انتي، شكلك عايزة تتربى من أول وجديد. شخصية "صبا" العدائية لم تقبل أبداً الإهانة ولن تسمح بنهرها، بل هي من تنهر. وإن شعرت مرة واحدة بالخطر تكون اليد الأولى التي تبطش. لذا زمجرت هي الأخرى من أسفل أسنانها:

_وإنت عايز لك قلمين على وشك عشان تعرف أنا مين وتحرم تقول هتربيني دي.

طفح الكيل منها، هذه الطفلة التي تقفز أمامه بلسان أطول منها بسبع مراحل أغضبته أكثر مما ينبغي. بالفعل هم ليكسر عنقها واتخذه خطوته الأولى تجاهها. تأهبت لأي حركة غادرة من قبله واتسعت عينها لتبعث له شرارات محذرة من عسيلتيها. قابله هو بشراسة وكأنه سيمزقها إرباً إن طالته يده. فما تحاول ادعائه من قوة لم يؤثر به. إن قرر أذيتها فسيفعل. لكن أنفاس ابنته الثقيلة التي تشي بأنها ذهبت في ثبات عميق على كتفه جعلته يتجمد في مكانه. دار بعنقه نحوها ليتأكد من أنها لم تفزع من هذه المشاحنة وتبعته معها "صبا" باهتمام. لقد كانت طوق نجاتها من معركة حتماً كانت ستكون فيها خاسرة. عاد ببصره تجاهها وهتف

بنبرة شرسة رغم خفوتها: _أقسم بالله لأربيكي واقطع لك لسانك اللي أطول منك دا. تحركت من أمامه صوب الباب بانتصار دون اهتمام بشراسته وهي تتحتمي بأصغر فرد في العائلة "مريم". مدت لسانها كي تغيظه وهتفت: _ا اا... ما تقدرش. نجحت في إغاظته وكاد يفقده صوابه، فمد يده إلى أقرب دمية وقذفها بها لاعناً بخفوت: _اه يابنت. أصابتها بالفعل لكنها انحنت لتلتقطها وهي تهتف ببرود متعمد: _حلوة دي، هاخدها تنام في حضني.

غادرت الغرفة وهو يقف بمنتصفها يحمل ابنته ودمه يغلي من استفزازها وجرأتها في مهاجمته في أول ليلة لها بالمنزل. تمتم بغيظ: _يا بنت.... بشري عايزة تتربى ورب الكعبة. *** "في الصباح"

استيقظت "صبا" بنشاط. لقد وجدت من يشاركها حياتها المملة الجديدة بعدما كسبت ود الصغيرة ولن تجد مجهوداً في إغرائها للعب معها. اتجهت نحو المرحاض الخاص بغرفتها. لم تتخل عن طقوسها المعتادة في إجراء الحمام اليومي ووضع الكريمات الخاصة بالعناية بالبشرة. اتباع الموضة كان هوسها، هو الاهتمام ببشرتها وكل جزء في جسدها. وهذا كان واضحاً في بشرتها النضرة الصافية. والتي تتخلى بها عن بعض المواد التجميلية وتستعوضها بأخرى خفيفة ومساعدة كالخط المستقيم الذي رسمته لتو على جفنيها ببراعة. وأضاف لعينيها العسلية سحراً طاغياً وبعض الحمرة التي نشرتها بطرف إصبعها على شفاها المكتظة وزادتها تورداً وامتلاءً. عدلت من ملابسها التي

ارتدتها على كامل حريتها: قميص دون أزرار واسع منتصف الأكمام محتشم الصدر وبنطال من الجينز الضيق. رتبت شعرها ليصبح ذيل حصان وتركت خصلاتها الأمامية تنسدل على وجنتيها. وبعد عدة صور التقطتها بمرح أمام المرآة غادرت غرفتها للبحث عن الصغيرة. نزلت الدرج بخطوات سريعة وهي تبحث بفضول في الأرجاء عن "مريم". لم ترها. بالتأكيد لن يساعدها في إيجادها سوى شخص واحد. نادت بصوت عال: _نجلاء.. يا نجلاء.

صوتها الرنان في المنزل الذي لم تعتاده أحد والذي يوحي بالحرية التي اتخذتها وعدم شعورها بالحياء من وجودها في منزل جديد وصل إلى مسامع "زيد" وهو يخرج من غرفته متجهاً للأسفل. بات مغلولاً منها أمس واليوم هو يوم الانتقام. ظل يفكر وهو يغلق أزرار قميصه الأزرق بأي شيء سيبدأ باللطم أم الركل. لكن ما أن وقعت عيناه عليها وهي ترتدي هذه الملابس المكشوفة وشعرها ينسدل خلفها بارتياحية بأطراف معوجة كسلوكها الذي يحتاج تقويم. قرر تغيير

الخطة تماماً ووأدها للتخلص من عارها. طوى الدرج أسفله متجهاً نحوها بعصبية. واقع خطواته وصل لها فالتفت إلى موقعه لتلاحظ قدومه عليها وخصلات شعره المتدلية والملتوية تقفز مع قفزاته كأنها أفاعي صغيرة تستعد للهجوم. معه تراجعت بقلق من هجومه المباغت وراحت تحتمي بالطاولة لتجعل بينه وبينها حائلاً حتى يتسنى لها الهروب إن فكر في أي شيء متهور.

لوح بيده باعتراض وهو يصيح بإنفعال شديد: _انتي إزاي تمشي كدا في البيت؟ نظرت إلى نفسها وأشارت وهي تجيب باستنكار: _مالي كدا؟ أعتقد أنها تدعي عدم المعرفة وهو ليس لديه طاقة للمجادلة. فلوح بإصبعه ليؤكد على حديثه لعلها تنصاع: _اوعي بعد كدا تاخدي راحتك اوى كدا. البيت دا بيتلبس فيه عبايات وواسع وشعرك تغطيه. فتحت فمها وصاحت معترضة من فرض شروطه عليها: _نعم.... دي طريقة لبسي ومش هغيرها. لو مش عاجبك غض البصر يا عم الشيخ.

صعبة المراس ومتحكمة، لكنها بالفعل جاهلة تقرأ الناس خطأ. هو لم يزجرها من أجله أبداً، فهي لا تهمه بالأساس. أي امرأة على وجه الأرض لا تهمه. قال مشمئزاً: _انتي بنى ادمة برأس نعجة. إحمرت وجنتاها بغضب من إهانته لها. لم تخشى برد الإهانة له، فصاحت وهي تطوي ذراعها إلى صدرها: _وانت بني آدم براس كلب.

تبهره حقاً بطول لسانها وجرأتها في مناطحته في الحديث دون الخوف من عواقب ما تفعله. وهذا ما ستراه الآن حتى تنتهي عن الوقوف بوجه الوحش. تحرك صوبها ناوياً بالفعل نهرها وزمجر متوعداً: _لا بقى، انتي عايزة تتربى من أول وجديد. تراجعت للخلف متمسكة بأحد الكراسي الخاصة بطاولة الطعام وقالت بضيق: _ومش انت اللي تحكم على تربيتي. _دا أنا لو بإيدي كنت حكمت عليكي بالإعدام.

قال هذا وحاول الاقتناص منها، لكنها كانت تراوغه بالركض حول المائدة والهرب منه. _زيــــــــــــــد. مناداته بهذا الصوت الرنان جعلته يتوقف عما يفعل ويلتف نحو "جده" باحترام. نظراته المطولة دون حديث يعقب نادئه تطلب شرحاً لما يحدث. لذا ألقاه "زيد" بإنفعال: _بنت ابنك دي لا تطاق، احبسها في أوضتها ولا اقطع لها لسانها. سأله "جده" بانزعاج: _حصل إيه؟ أجاب وهو يشير نحوها باستهانة:

_ماشية في البيت في شابين على وش جواز باللبس دا وشعرها عريان. تدخلت "صبا" لتسأله بضيق: _وما حسبتش نفسك ليه؟ التفت إليها ليرمقها باستهزاء. نظرة لن تنساها أبداً له. وما أتمه بحديثه جعلها تزداد بغضاً فيه: _أنا أبص لواحدة زيك ليه؟ هو انتي تتشافي أصلاً. انعقد لسانها ولمعت عيناها بحقد تجاهه. قال "جده" منهياً الشجار: _خلاص يا زيد.. عندك حق في إنها ما تلبسش كدا تاني. ردت بصدمة من فور فرض سيطرتهم: _لاء، أنا ما عنديش غيروا.

نظر صوب "صبا" ليرد إليها كرامتها ويمحو نظرة الحزن والخذلان الذي اتضحت عند نطقه بالحكم وأردف: _بس انت غلطت فيها لما شتمتها. أجاب دون تأثر: _كانت تستاهل. دق الأرض بعصاه الأبنوسية وصاح مشدداً: _غلط يا زيد، ما تقوحش، مش عادتنا نشتم حريم وخاصتا لو كانت من لحمنا ودمنا. يعرف جده أكثر من أي شخص. طالما حكم لصالحها في الغالب سيطلب منه تعويضاً ليرضي الطرف الآخر. نظر في عينيه وسأله بجدية: _والمطلوب؟

أعتذر ولا أنزل على ركبي وأطلب العفو والسماح؟ دفع "فايز" رأسه للأمام بخفة ليخبره بسلاسة: _عارف إنك مش هتعملها حتى لو طلبت، بس في حل تاني. بما إنك مش عاجبك اللبس، خدها وانزل بيها البلد هاتلها لبس يناسب. صاح معترضاً: _نعم؟ مافيش إلا أنا ولا إيه؟ أجاب "جده" بنبرة رتيبة وكأنه يوبخه على كسرة نفس ابنة عمه: _ما انت لسه قايل إن إخواتك شباب على وش جواز وانت كدا كدا مش شايفها، يبقى انت أضمن واحد.

نظر باتجاه "صبا" وفتح أحد ذراعيه كدعوة صريحة منه لتقترب منه وقال محذراً: _وكمان مش عايزة خناق تاني بينكم. ***

لم يهتم "زيد" بما قاله جده. عزم على التملص من الخروج معها لكنه لا يزال مغتاظاً منها. لم يسبق أن أشعل أحد فتيل غضبه لهذا الحد ولم يقابل أحد بجرأتها. اتجه إلى عمله وترك خلفه هذه الشجارات المستفزة. ليلتهي في عمله. أما هي فعادت للبحث عن "مريم". لكن لا جدوى. ومع استمرار بحثها اكتشفت أماكن كثيرة في هذا المنزل. تعبت من الدوران حتى استقرت في الحديقة الواسعة. أمسكت بهاتفها وضغطت زر الموسيقى وبدأت تندمج مع الضخب الناتج منها.

الصخب كان الشيء الوحيد الذي يميت شعورها بالنفي ويقتل ذكرياتها السيئة مع زوجة أبيها وابنها. عشر أعوام تعاني منذ أن تزوج أبوها "مها". لم تر منها خيراً قط. وأكثر ما كانت تكره هو إيذائها البدني لها. كم كرهت هذا وخشيته مدى حياتها. لقد كانت تعاملها بالبداية بحنان، لكن بعدما أنجبت أخاها "وليد" تحولت تماماً وظهر التفضيل في المعاملة والمأكل والملبس. حتى من جانب والدها الذي انبهر بتجربة الأبوة من جديد ونسوها تماماً. وافقت أن

تكون على هامش حياتهم وأن تجلس وحيدة ليلاً ونهارا دون أن ينظر لها أحد. لكن ما كرهته أن تكون خادمة وحقل تجارب لأخيها المدلل من والدها وزوجته. دوماً كان يفرض عليها حمله حتى خارج المنزل. لم تكن تتذمر منه، لكن كانت في حاجة لتنزه معهم والركض بحرية. كانت محرومة مقيدة. حتى بعدما كبر "وليد" كانت حقل تجارب لخفة ظله وطيشه وطولة يده ولسانه السليط. وغالباً استمدها من معاملة والدته لها. لم يعِ أنها أخته لها مثلما له. ابتلعها الصخب

كما ابتلع دموعها التي تسقط في قلبها قطرة قطرة.

شعرت بيد تحط على كتفها ففزعت وهي تلتف تجاهها لترى وجه نجلاء من جديد. أبعدت السماعات لتقول: _انتي كنتي فين؟ أنا بدور على مريم من مدة. أجابتها نجلاء: _يا ابله انتي اللي فين؟ أنا بنادي عليكي من مدة. انتي مش سامعاني؟ _كنت حاطة السماعات في ودني. اخلصي وقوليلي مريم فين؟ هموت من الزهق. قلبت عينها بضجر من تمسكها المميت بطفلة مملة لا تعرف سوى البكاء. نادراً ما تتفاعل مع أحد. نفخت ثم أجابت باقتضاب: _عند ستها.

ضمت حاجبيها وهي تسأل: _تقصدى ونيسة؟ طيب روحي هاتيها منها وتعالي. ضمت "نجلاء" أطراف أصابعها وحركتهم في الهواء لتوضح لها بضيق: _ستها أم أمها الله يرحمها. وكأنها بردت فجأة اتسعت عينها تسألها بتأثر: _هي يتيمة؟ أجابت "نجلاء" دون تأثر: _أيوا. أنا جايه عشان الحاج واصل عايزك على الفطار.

لم تستمع إلى ما قالته. شردت بعيداً في "مريم". إنها تشبهها بالمثل بل أبشع منها. لقد حرمت من والدتها في سن أصغر منها. عقدت المقارنة بينها وبين هذه الطفلة. لقد كان لها نصيب في العيش نفس ظروفها. لكن في مكان كهذا ومنزل بهذا البرود والانعزال. لقد كانت محقة عندما تواصل في البكاء وترفض الاقتراب من أحد. ظنت أنها بائسة، لكن بعد هناك من هو أسوأ حظاً منها. كررت "نجلاء" الحديث عندما لم تجد منها رداً: _انتي سامعاني ولا لاء؟

انتبهت لها لتستعيد توازنها قبل أن تبكي واعتذرت بابتسامة لم تصل لقلبها: _اسفة.. ما سمعتكيش. أجابتها "نجلاء" بضجر: _الحاج واصل بيقولك تعالي افطري. تحركت نحو الداخل ورأسها مشتت وقلبها منفطر. *** "في الداخل" تابعتهم ببصر زائغ وكأنها لم تخرج من صدمتها بعد. تناقلت ببصرها بينهم وكأنها تقرأهم من جديد وتحاول فهمهم ورؤيتهم من زاوية أخرى. أولهم جدها "فايز". كيف سيتعامل مع ابنة حفيده اليتيمة؟ هل سيرحب بها كما يرحب

الآن ويقول بحب وببشاشة: _تعالي يا صبا جنبي. اقتربت لتجلس نفس جلستها التي قرر أن تكون قريبة. نظرت بطرف عينها لتلمح عدد الكراسي المجاورة لها وتحذر من أصحابهم. هل للطفلة اليتيمة مكان قريب كما هي قريبة الآن؟ اتجهت ببصرها لـ "ونيسة" التي ترمقها بحقد دفين وتخبرها بجفاء شديد: _احنا لما بنتجمع على الفطار مش بنادي على حد مرتين. يا يجي يفطر معانا يا يفطر في الوقت اللي عايزه في المطبخ وينضف مكانه.

سألت نفسها آخر له ستعامل حفيدها بهذا الأسلوب الغليظ الذي تعاملها به من وقت حضورها. رد "فايز" محذراً: _ونيسة.. صبا من أهل الدار ومش عايز أعيد كلامي تاني. أجابته "ونيسه" دون اكتراث: _هو حد قال حاجة بعرفها طبعاً عشان نمشي على نور. التلت شهور دول انت عارف النظام عندي، نظام. قرر تجاهل الموضوع وسألها وهو يبدأ في تناول الطعام: _كلمتي زيد في الموضوع اللي قولتلّك عليه. تركت ما بيدها وأجابت وظهر الهم والكدر على وجهها:

_مفيش فايدة، رافض موضوع الجواز خالص. الكلمة جذبت انتباه "صبا" وبدأ قلبها بالخفقان، ستعيش الطفلة نفس مأساتها وستدمر كما تدمرت هي نفسياً. انتظرت إجابة جدها التي جاءت محتده وغاضبة: _ناوي يترهبن يعني. أجابت "ونيسه" بنبرة شبه راجية: _يعني انت شايفني عاجبني الحال؟ كلموه انت، أي حد يساعد معايا بدل ما انتوا حاطيني في وش المدفع. استاء "فايز" من عناد حفيده وإصراره على موقفه من سنوات. في البداية ظن أنه يبقى على العشرة.

لكن بعد مرور كل هذه السنوات لم يتغير موقفه ولم يتنازل عن رغبته في البقاء وحده والعيش لابنته. هتف بانزعاج: _ابنك ما عادش صغير عشان حد يغصبه على حاجة، ثم إزاي أغصب قاضي البلد من بعدي. أنا مش عايزاه يبقى عازب كدا، مش عايز أي حاجة تأثر عليه لما يمسك من بعدي. كانت "صبا" تنتقل بينهم وتتمنى أن تجد معارض لهذه الفكرة، لكن الجمع يأكل بصمت دون تدخل في الحوار من الأساس وكأنه لا يهمهم الأمر. استرسل جدها بتفكير عميق:

_طيب وبعدين في أهل مراته دول؟ نظرت لها "ونيسه" فجأة وكأنها لاحظت اهتمامها بالأمر فباغتها سأله: _ما بتاكليش ليه أبلتي؟ لم تفهم كلمتها الأخيرة، لكنها فهمت أنها تسخر منها فقررت الإجابة دون الدخول معها في صدام: _ما بحبش البيض. اختطفت نظرة سريعة على السفرة لتقول بسخرية: _طيب مافي غيره، وبعدين احنا هنا ما بنحبش البطر. سألتها "صبا" دون فهم: _يعني إيه بطر؟ أجابتها بعصبية:

_يعني أحب دا وأكره دا، كلها نعم ربنا، ناكل ونقول الحمد لله. تداخل "فايز" صائحاً: _ونيسه أنا قولت إيه قبل كدا. هتفت بضيق من استمرار تدخله في كل كلمة تخرج من فمها لها: _أنا بقول نظامنا إبقى ازعل مني لو النظام ده مطبقاه عليها هي وبس، إنما ده نظام ماشي على ولادي من قبلها. ومافيش استثناء لحد.

أنهت حديثها ونهضت من مكانها بغضب. نظر أولادها بلال ويحيى لبعضهم ثم لصبا التي شعرت أنها لن تقوى على هذا الإحراج كل مرة على مائدة الطعام، خاصة أنها قررت أنها لن تسمح لأحد بتأنيبها، لقد كبرت كفاية لعدم السماح بهذا مجدداً. همت بالنهوض وهي تقول بضيق: _لأ، إذا كان كدا يبقى ما آكلش خالص. هتف جدها ليراضيها بحنو: _ما تزعليش، ونيسه شديدة بس قلبها حنين شوية، كدا هتعودي عليها. نفضت رأسها وهي تخبره بابتسامة باردة:

_مش هلحق أصلاً، أنا هكلم بابا يرجع من السفر وياخدني. لم تقف أمامه طويلاً وهرولت نحو غرفتها، العيش هنا أصبح صعب والمعاملة معاهم أصعب وأصعب. نهض "فايز" ليترك "بلال ويحيى" دون أن يلتفت. هتف "يحيى" مبتسماً: _بت عمك مش هتاخد في إيدها غلوة دي، ما استحملتش كلمة، اومال لو سمعت باقي قوانين السجن اللي ممشيانا عليها. أسبل "بلال" عينه وهو ينظر في الاتجاه الذي اتخذته وقال بشرود: _انت مش شايف عاملة إزاي دي زي البسكوتة.

رمقه "يحيى" بدهشة من هذا الإعجاب الذي يطغى على أسلوبه ونبرته وهتف ساخراً: _لا ياشيخ! وأنا اللي كنت فاكرك مؤدب. التف إليه "بلال" وقد لاحظ سخريته وفهمه الخاطئ فهتف بغضب طفيف: _انت غبي ياد انت ولا إيه، دي بنت عمنا. حرك "يحيى" رأسه دون اهتمام وهو يرد عليه: _هو أنا اللي قولت عليها دلوقتي بسكوتة ولا انت ما تقول لنفسك. صر "بلال" على أسنانه بغيظ مما يقول وقرر الإفصاح عن ما يجول برأسه:

_بقولك إيه يا يحيى، الصراحة كدا أنا معجب بيها، مستني بس أتعرف عليها من قريب. وان شاء الله أفاتح بابا وجدي. تفاجأ "يحيى" من حديثه وهم ليذكره بنقاط هامة: _تفاتح مين؟ دي كانت أمك تفتح دماغك يا بلال يا أخويا، دي بنت بشرى اللي ما بتكرهش في الدنيا قدها. أمك كانت بتقول مسقطاها قبل زيد وموريها الويل ومتهمينها بقتل ستي و... قاطعه "بلال" بإصرار: _أنا عاجباني وطالما عاجباني هاخدها، وأمك عارف إنها مش مركزة إلا مع زيد وبس.

"في غرفة صبا" أمسكت بهاتفها لتتصل بوالدها للمرة العاشرة، لكنه في كل مرة كان يغلق الخط دون اكتمال الرنين. هذا ما جعلها تنفخ بضيق، لذا قررت الاتصال بزوجة والدها "مها" والتي فتحت الخط بينهم سريعاً دون الانتظار. أجابتها بضيق جلي: _أيوا يا صبا. ثم أردفت بسخرية: _معقول وحشتك بالسرعة دي؟ حاولت "صبا" تمالك أعصابها وعدم الالتفات لمحاولة استفزازها، ردت عليها وهي تضغط على طرف شفاها: _أنا عايزة أكلم بابا ممكن.

سمعت صوت أنفاسها لتعطيها إحساس بالملل من أي طلب تطلبه هي تحديداً. ردت ببرود: _هو حد قالك إنه عندي؟ ما انتي عارفة إنه مسافر يا قلبي. حاولت كبح جماح غضبها وهي تجيبها بسرعة كي تقطع هذا البرود الذي لن تتحمله طويلاً: _أنا عارفة إنه مسافر بس عايزة أكلمه، وهو بيكنسل عليا كتير، حضرتك ممكن تخليه يرد عليا. هذا جعل "مها" تزداد غرور فردت بتباهي: _ولما انتي عارفة إني مهمة أوي كدا ما سمعتيش كلامي ليه يا صبا؟

زفرت بتعب وفشلت تماماً في إمساك لسانها الذي أراد الانطلاق من أول المكالمة. لقد أقسمت على عدم الضعف ولن تتراجع أبداً. ما تريده ستفعله وما تريد قوله ستقوله حتى لو ضغط العالم أجمع على عنقها كي لا تقول. لذا صرحت قائلة: _قولتيلي أخوكي دا مش داخل دماغي وجواز من ناحيتك انتي لأ. صاحت الأخرى بثقة وشماتة في آن واحد: _كدااا! طيب يارب تكوني مبسوطة عندك. آه وابقي سلميلي على بابا لما تكلميه.

أغلقت الخط فوراً لتزيد "صبا" غيظاً وضيق، لم تنقصها، فهي غير متكيفة هنا والقلق يزداد كلما شعرت أنها ستبقى هنا في هذه المدينة المملة ومع هذه الوجوه الكالحة التي ترى الكره بوضوح في عينيها تخبرها إنها إن غفلت ثوان ستجد ألف سكين على عنقها. كررت الاتصال على والدها أكثر من مرة لعل يرق قلبه ويجيبها. وبعد دقائق ومحاولات لم تنقطع أجاب لكن بضيق وكأنه مضطر للإجابة، يزمجر بعنف: _عايزة إيه يا صبا؟ في إيه؟ أكنسل تتصلي أكنسل تتصلي؟

انتي مش عارفة إني عندي شغل؟ لم تنظر هذا منه، لكنها اعتادت أن لا تتوقع منه الكثير. فردت بهدوء: _محتاجاك ضروري يا بابا. سألها بجفاء: _نعم، اتفضلي قولي. أجفلت لتخبره، لقد فعلت هذا التوسل لمليون مرة سابقاً لكنه لم يستجيب، لذا ستغير اللهجة تماماً بأخرى هادئة: _أنا شفت جدو وطنط ونيسه وعمو عماد وكمان زيد وبلال ويحيى وعمتوا بثينة والحمد لله كلهم بخير.

بس أنا عايزة أروح لطنط منى، مش حاسة إني هقعد هنا للصبح، الحقيقة إني مش مرتاحة معاهم. جن جنونه، فهو يشعر أنها دائماً خارج السيطرة وكل شيء يلومها على عدم تحقيقه. فصاح بها معنّفاً: _صبا اقعدي عاقلة، انتي ما عدتيش صغيرة عشان كل شوية تنطليلي بمشكلة. قاطعته لتوضح شيئاً: _يا بابا افهم، هما هنا مش بيحبوني و... قاطعه بصوته الصارخ المشحون بالغضب: _هو كل الناس وحشة وانتي اللي كويسة؟

كل الناس غلط وانتي اللي صح. "مها" كانت بتشتكي منك، عريس ورفضتي، حتى الدراسة فشلتي فيها وقعدتك عند جدك لحد ما أرجع من السفر مش عاجباكي؟ انتي ما بقالكش يومين يا بنتي. حرام عليكي كدا، ماحدش عارف يتعامل معاكي. هتفت بنبرة متشنجة: _يابابا افهمني، أو على الأقل وديني تاني البيت مع طنط مها. ضحك ساخراً وأخبرها بضيق: _طنط مها تعبت معاكي، انتي لا بتسمعي كلامها ولا حتى بتبطلي عند في أخوكي.

تعرف أن كل هذا افتراءات، لكن قررت عدم الدفاع عن نفسها. لقد اكتفت من تكذيبه لها طوال السنوات الماضية، ثم إنها كبرت بما يكفي لتعلم أن الكلمة الأولى والأخيرة لـ "مها". سايرته قائلة: _خلاص، أنا حرمت، هقعد طول النهار عند طنط منى ومش هروح إلا على النوم، بس ورحمة أمي بلاش هنا.

كان مستاء من ذكر اسم خالتها الذي تلح بزيارته، ثم أن زوجته حذرته كثيراً من عودة ابنته باستمرار في أوقات متأخرة بدافع القلق وزيادة إلحاحها أصابته بالشك أكثر تجاه ابنته، فحسم الأمر بزمجرة غاضبة: _كفاية، انتي ورحمة أمك مافيش خالتو منى، مافيش تنطيط على السكك، إوعك يا صبا تعملي مشاكل. عندك كفاية مشاكل، أرجوكي.

اكتشفت أنه لن يفهمها ولن يستمع لها وسيظل للأبد ظالمها. نظمت أنفاسها، فهي لا تملك أي شيء لإقناعه أكثر من دعوة باسم والدتها. وقد فشلت بالنهاية. لم يجد من جانبها سوى الصمت. فأردف: _ممكن أروح أشوف شغلي بقى؟ ولا هنفضل في لعب العيال دا لصبح. أجابت باقتضاب: _مع السلامة يا بابا. أغلق الهاتف دون انتظار أي شيء، كعادته، لن يتأثر ولن يتعاطف ولن يظهر أي مشاعر أبوية تسر خاطرها.

اتخذ قرارك في بقائها هنا كي ترتاح زوجته، وعندما يخص الأمر زوجته فعلي الجميع السلام حتى يفنى السلام.

لم تبكِ ولم تتأثر، اعتادت اتخاذ الأمور بسلاسة. فتحت هاتفها لتسلي نفسها وتحاول تضييع الثلاث شهور في الوله. فليمر الوقت كي تعود أرضها بسلام. أضافت إلى هاتفها جهاز مضيء ووضعته على حامل وفتحت الكاميرا واستخدمت هاتفها الأكبر في تشغيل إحدى الأغاني الصاخبة، هكذا تدفن مشاعرها وتستمد طاقتها لمواجهة هذه الحقائق المرة والحياة الصعبة، وبدأت بالتمايل أمام الكاميرا.

كالعادة، أغاني تمجد المطرب، وترضي هذا التقليل والتهميش الذي تتعرض له، كما أنها تضرب على وتر أن الكل سيئين، مخادعين، يظلمون، وهي البريئة في وسط مدينة الذئاب.

اندمجت في الرقص وإبداء الحركات العشوائية على الكلمات غير المتناسقة والغير هادفة بالمرة. تركت شعرها يتمايل مع جنون جسدها. كانت تشعر أنها تطير، لا ترى أي أحد، كأنها تتناول جرعة مخدرة مفرطة تمحي كل ألمها وتأخذها إلى السحاب. تركت هاتفها يسجل لحظات جنونها لترها في أوقات أخرى وتقنع نفسها أنها أسعد امرأة على وجه الأرض. جامدين ومافيش إلا إحنا. جامدين حلوين ومافيش إلا إحنا.

قاطع هذا الجنون طرقات الباب. نظمت أنفاسها وحركت يدها على خصلاتها المتهدلة بعشوائية ولم تهتم تماماً بكيف تبدو، أيّاً من كان ستفتح له، لم تهتم بهم جميعاً طالما ستعيش معهم مدة طويلة. لن تتغير من أجل أحد، وإن كان للمنزل قوانين فهي أيضاً لها قوانين ولن تغيرها من أجل أحد. سحقا للجميع.

فتحت الباب بعصبية لتجد "بلال" بوجهها. اتسعت عيناه وهو يراها بهذا الشكل، شعرها العاري والمشعث حول وجهها وحبات العرق المنتشرة على جبهتها وكذلك عنقها المرمرى الطويل. مرر عينه عليها بدهشة، متفاجئاً مما يرى، بنطالها القصير وكذلك النصف العلوي الضيق. رأت بوضوح نظرات الذئب الجائع في عينه. وقتها تفهمت وجهة نظر "زيد" بأنه لا ينفع مع عائلة بهذا الانغلاق رؤيتها بهذا الشكل. لملمت شعرها بيدها وعقصته للأعلى وهي تسأله

لتقطع هذه النظرات المطولة: _في حاجة يا بلال؟ ازدرد ريقه محاولاً السيطرة على نفسه وهتف بتوتر: _أنا ااا مش عايزك تضايقي من ماما و... قاطعته كي لا تطيل الوقوف معه: _خلاص موضوع وانتهى، ما تقلقش، أنا بطولش في زعلي. رمقه بنظرة ثاقبة وسأل وهو يدقق النظر في وجهها: _اومال شكلك عرقان وبتنهجي، انتي تعبانة؟ مطت شفاها مبتسمة بسماجة وهي تنفض رأسها قائلة: _خالص، أنا كنت بعمل تمارين. ابتسم وهتف متفهماً:

_اهه، أنا كمان بحب أعمل تمارين وبنزل الجيم أحياناً مع زيد. حافظت على ابتسامتها السمجة وهي تحاول غلق الباب: _برافو، شيء عظيم. وعندما أوشكت على غلق الباب نهائياً وضع يده ليدفعه قائلاً بتعجل: _بقولك أنا عايز أتكلم معاكي. توقفت عن غلق الباب وتعمقت بالنظر إليه وسألته بدهشة: _هنتكلم في إيه؟

شعر بالتعرق فجأة. لم تكن "صبا" البنت الوحيدة التي يتعامل معها، لقد كان في جامعته الكثير من الفتيات، لكن هي تحديد لم يرى بجمالها وبهذا التحرر وبهذا القرب. أجاب بارتباك: _يعني اهو تغيري جو بدل ما انتي قاعدة في الأوضة كدا ليل مع نهار. كان أول شخص يدعوها للخروج من هنا. ورغم أنها لم ترتاح له، لكنها أحبت هذا كثيراً فهتفت بحماس: _تقصد تخرجني برا؟ أنا موافقة جداً، سيبني ثواني أجهز.

أومأ لها بسعادة لقبولها بهذا، لوح لها، لكن عقله مازال مندهش من سرعة قبولها، معجباً أكثر أنه سيخرج مع أجمل امرأة بالمدينة وسترى الفتيات الذين انشغل فكرهم بزيد فقط أنه حصل على الأجمل منهم ويثير غيرتهم بها. وهي التي لم تشبههم لا شكلاً ولا مضموناً، سينتقم من هوسهم بزيد الذي جعله دوماً هامشاً ويفاجئهم بالمرأة الأجمل والأخطر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...