الفصل 12 | من 51 فصل

رواية عشقت إمرأة خطرة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
20
كلمة
3,466
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

قضى "زيد" ليله في شرفة غرفته مخلفًا وراءه كومة من أعقاب السجائر. ومع بزوغ الشمس، اتجه للداخل. رأها كما هي، نائمة بعمق وتتشبث بابنته. المشهد لم يعتده؛ وجود امرأة في فراشه بعد وفاة زوجته الأولى، بعد كل هذه السنوات، لم يألفه أبدًا. لكنها كسرت حاجزًا كبيرًا كان يضعه لنفسه منذ سنوات طويلة.

أحيانًا ينتابه الشك من تصرفاتها ويجزم أنها متعمدة. وأحيانًا ينتابه شعور أنها طفلة لم تُربَّ جيدًا، ونشأتها مع زوجة أبيها دون توجيه جعلها منفلتة الأخلاق، متسيبة لأبعد حد، وتحتاج بشدة لإعادة تأهيل وتربية. وهذا هو الأرجح بالنسبة له.

ابتسم بخبث واستدار نحو باب الغرفة ليغلقه تمامًا بالمفتاح، ثم سحبه من مكانه ووضعه في جيبه. اتسعت ابتسامته الخبيثة وهو متجه نحو الفراش. جلس في الجهة المقابلة لها، بجوار مريم، وانزلق بهدوء ليلتف تجاههما. في البداية كان يفكر في معاقبتها بهذا الشكل، لكن بدأت رهبة كبيرة تجتاحه بلا رحمة فور رؤيته أمام عائلة صغيرة كادت أن يملكها لولا معاندة القدر.

أغمض عينيه ليسيطر على سيل مشاعره الذي انتابه، وحاول تهدئة نفسه ليخمد نيرانًا اشتعلت في جسده بالكامل. عض طرف شفته بقوة ليهدأ ويتظاهر بالنوم، ليتركها هي تستيقظ أولًا. لم يمر الكثير من الوقت حتى فتحت "صبا" عينيها، ثم أغلقتها من جديد، لتفتحها من جديد بقوة أكبر عندما رأت "زيد" بمقابلها. انتفضت كالملسوعة من مكانها وحركت رأسها بسرعة كبيرة في المكان لتدرك أنها قضت ليلتها بالكامل في غرفة "زيد". تنحت عن الفراش

بسرعة وهي تتمتم داخلها: ـ يادي الليلة السودة، أنا إزاي نمت هنا؟

على أطراف أصابعها خطت نحو الباب وكتمت أنفاسها لتدير المقبض، خشية من إصدار أي صوت يجعلها تتواجه مع "زيد" الذي بلا شك سيحرجها على فعلتها. لكنها عادت للصدمة عندما أدركت أنه لا أمل من فتح الباب. حاولت عدة مرات حتى تأكدت أنها وقعت داخل المصيدة. التفتت لتتحرك نحو الطاولة القصيرة التي بجوار "زيد" لتبحث عن المفتاح بهدوء حتى لا يستيقظ، لكنها لم تكن تعلم أنه يتابعها خلسة ويضحك بداخلها على حرجها وتوترها.

مالت بجذعها لتبحث عنه، لكن يد "زيد" كانت الأسرع في الإمساك بمعصمها. شهقت بفزع من مباغته وسارعت ترجوه: ـ زيد بالله عليك خرجني من هنا. ظل متمسكًا دون أن يطرف له جفن من قلقها ويدها التي ترتعش أسفل يده، تعلق بها. نهض من مكانه ليجلس فوق الفراش ويسألها بمكر: ـ ودي تيجي بذمتك؟ هو دخول الحمام زي خروجه؟

تراجعت للخلف وجاهدت تخليص يدها من يده، لكن قبضته كانت فولاذية حول معصمها. نهض من مكانه لتتراجع هي تلقائيًا. ضمت حاجبيها بقلق من نظراته الغامضة وسألت بفزع: ـ إيــــه؟ هتعمل إيــه؟

كاد أن ينفجر في الضحك ويخرب كل شيء، لكنه تماسك حتى يرهبها لأقصى درجة حتى تنتهي من استهانتها بتصرفاتها، فليس الكل هنا "زيد". توقف عندما التصق ظهرها بالباب وكأن العالم انتهى واختفت الأرض من أسفلها. من جانبه، هو كان ينجذب إليها بشكل أكبر ويقترب دون إرادة. عينه كانت تتجول بدهشة ونهم في تفاصيلها. بات كل شيء خطيرًا حولها.

وقفز الشيطان بينهم، كاد أن يدفعه لأمر جنوني بالفعل. كاد أن ينجرف ويقلب اللعبة إلى حقيقة. فاعصرت عينها لتستيقظ من هذا الكابوس وتمتمت بنبرة متوسلة: ـ يارب أكون بحلم، يارب يارب. ـ زيـــــــــــد؟ سحب أنفاسه بسرعه وأجفل فور سماع والدته تناديه من خلف الباب وتسأله: ـ إنت ما روحتش الشغل إنهارده؟ أدرك أنه سيقع في مصيبة إن كشف أمرهم. تعالت طرقات والدته مع إلحاح تام للإجابة: ـ زيد إنت ما بتردش ليه؟

رفع طرف بنانه نحو فمه ليشير لها بالسكوت وحركت رأسها بالقبول ووضعت يدها أعلى فمها لتضمن أنها لن تخرج أنفاسها. ونيسه إن علمت بما حدث لن ترحمها. تحمحم زيد ليرد بنبرة طبيعية: ـ أيوا يا أمي. قالت ونيسه بإقتضاب: ـ افتح الباب يا زيد عايزاك.

زاغ بصره من طلبها وازدادت صبا توتراً ولوحت له بالنفي مع التأكيد، لكنه كان مجبراً. والدته معتادة أن غرفته باستمرار مفتوحة. حرك رأسه أن لا فائدة، فأمسكت بيده حتى تمنعه، لكنه حرك رأسه ليطمئنها مستمراً بإشارته نحو فمه لها بالسكوت. أخرج المفتاح من جيبه ووضعه بمكانه وأراده ليفتح الباب قليلاً مخفياً نصف جسده ويده ممسكة بصبا بجواره خلف الباب تواجه مع والدته بثبات وهو يسألها بنبرة مستفسرة: ـ في حاجة مهمة؟ أجابت ونيسه

وقد اتضح عليها الضيق: ـ إنت روحت جبت مقصوفة الرقبة صبا امبارح ليه؟ اتسعت عين صبا فوراً ذكر اسمها، بينما زيد يحاول أن يرد بثباته المعتاد حتى لا يثير شكوكها: ـ أنا روحت لعمتي عشان مريم وهي أصرت تيجي معايا. تأففت ونيسه بزنق وأظهرت هذا عبر إطلاقها سباباً لاعناً: ـ جاتلها مصيبة من تحت الأرض ربنا يخلصنا منها زي ما خلصنا من أمها. كادت صبا أن تدق الأرض من أسفلها، لكن زيد ضغط على معصمها لتهدأ. أضافت ونيسه بحنق:

ـ المهم أخوك بلال حط عينك عليه وحذره ممنوع يجى جنب البت دي ويقعد عاقل زيك. ظهرت ابتسامة واسعة على وجه صبا لمحها زيد بطرف عينه وفهم أنها سخرية تامة. فقاطع زيد والدته وهتف: ـ حاضر ممكن تسبيني أرتاح شوية قبل ما مريم تصحى. حركت ونيسه رأسها بالقبول وقبل أن تستدير سألته: ـ إنت مش رايح الشغل إنهارده ولا إيه؟ أجاب قائلاً: ـ هروح بس متأخر شوية عن إذنك. تركته ونيسه وأغلق الباب فوراً ليلتف لصبا التي سرعان ما زجرته:

ـ شــــوفـــت أمــــك. رد عليها مغتاظاً: ـ إي شوفت أمك دي ما تحسني ملافظك. ونيسه لو عرفت إنك كنتي بايته في أوضتي هتقيم عليكي الحد. هتفت بتعصب من إلقاء اللوم عليها ناسية نفسها: ـ ولو عرفت إن ابنها قفل الباب عليا ومش عايز يخرجني من الأوضة هتعمل فيه إيه؟ أجفل من تعصبها وشعورها دوماً بالاحقية في الرد حتى وإن كانت مخطئة: ـ الصبر من عندك يارب.

فتح الباب لينظر بالخارج حتى يتأكد أن الممر خالٍ وآمن لخروجها، ثم عاد ليدفعها للخارج قائلاً: ـ إتكلي على الله قبل ما أرتكب جريمة فيكي. هرولت سريعاً نحو غرفتها كالمجنونة، لكن لسوء حظهما أن رأى بلال خروجها من غرفة زيد، وهذا أثار بداخله شكوكاً غير بريئة، فأخرج هاتفه ليسجل هذا. في مكتب فايز الواصل تهلل وجهه فور رؤية حكيم وعامر يدخلان إليه، فقد علم من تعابير وجوههم أنه وصل على غايته.

ولج حكيم بوجه بشوش يصافحه بحرارة قائلاً: ـ اخبارك يا جاج. ابتسم فايز وهو يرد عليه: ـ الحمد لله. اخباركم إنتوا. صافحه عامر ومال إلى يده ليقبلها هاتفا: ـ سيدي وحبيبي يارب تكون بخير. مسح على رأسه بلطف وابتسامة الرضا تتسع على ثغره: ـ بخير يا عامر. جلسوا في مقابله وانتظر فايز سماع ما يريده بفارغ الصبر، لكن بثبات وجلد لم يجعله حكيم ينتظر وتحدث متمهلاً:

ـ دلوقتى يا حاج عشان ما نحرجكش جينا لك هنا في المكتب بعيد على الدار عشان لو رفضت ما نحسش بحرج يعني لا لينا ولا ليك، مع إني والله أشهد لك إنك عمرك ما رديتني في طلب ولا أحرجتني. اكتفى فايز بابتسامة وحرك رأسه بهدوء وتريس رغم تحفزه للموضوع. استرسل حكيم وهو يوزع نظراته بين عامر وفايز بابتسامة لطيفة: ـ كنا جايين نطلب إيد صبا بنت ابنك حسين لـ عامر ابني. لجم فايز ضحكته الفرحة وسكت قليلاً ليستمع باقي حديثه بصمت:

ـ طبعاً حقها هتاخده وزيادة واللي تؤمر بيه حضرتك والباشمهندس حسين ورأي حضرتك الأول والأخير. وزع نظراته بينهم دون أن يعلق حتى أثار في نفوسهم القلق وبدأ الشك يغزيهم من احتمال رفضه. أخيراً نبث فم فايز بعد مدة لا بأس بها من الصمت قائلاً برؤية: ـ عامر دا زين الشباب وأنا متوقع منه إنه هيصون بنت خاله. بالنسبة ليا أنا ما أرفضوش أبداً، لكن أبوها لازم ناخد رأيه. سعد عامر بإثنائه عليه، فهب من مقعده ليقبل يده شاكراً:

ـ الله يخليك لينا يا جدى. حصل فايز على ما يريد وجاءه العريس المنتظر دون أن يعرض عليه. مسح على رأسه بحنو ورضا وهو يقول: ـ كبرت يا عامر وتاني أحفادي هشوفه عريس وهشوف عياله. ربنا يبارك فيك يا ولدي. كلامه كان يسقط على قلب عامر بالسعادة، فثناء جده عليه غير أي ثناء ممكن يلقى عليه مع حبه وفخره بجده القليل منه كثير. نفس الشعور كان من جانب حكيم بدأ يستبشر بالقبول، فإن رضي فايز لن يجرؤ أحد على الرفض.

انتهت مقابلتهم وغادروا مكتبه ليعبث هو بأزرار هاتفه بحثاً عن رقم ولده حسين ليزف إليه الخبر. بالنسبة له عامر مناسب جداً قريب بما يكفي له ليأتمنه على صبا، إضافة أن حفيدته البعيدة ستصبح إلى جواره للأبد، وأيضاً سيطمئن عليها بعيداً عن زوجة والدها. ـ أيوا يا حسين. أجابه حسين بسعادة للاتصال: ـ أيوا يا حاج دا إيه النور اللي هل عليا دا. هتف فايز بسخرية: ـ والنور دا كان مستني أتصل عليه من يوم ما رميت بنتك عندي وإنت ما بتصلش.

أسرع حسين بالتبرير مرتبكاً: ـ الشغل ما بيرحمش والله يا حاج. قطع عليه فايز الحرج هادراً بجدية: ـ خلاص قصروا. إيه رأيك في عامر ابن أختك بثينة عريس لصبا؟ صمت قليلاً وهو يحاول استيعاب الأمر فسأل بدهشة: ـ هو عامر كبر إمته؟ هدر فايز ساخراً: ـ من وقت ما بطلت تيجي عندنا. قال حسين مبراراً: ـ هو بإيدي يا حاج الشغل و..... قاطعه فايز من جديد هادراً بصرامة: ـ موافق على عامر ولا لاء؟

لم يسمح حسين لنفسه بالتفكير، أخيراً ستنهي أزمة ابنته وسيرتاح باله من ضغط زوجته وضغط ابنته المستمر بالعودة ورفض زوجته رعايتها، فتهلل قائلاً برضاء تام: ـ هو إنت هتختار حد وحش برضوا يا حاج، بس خلي بالك بنتي وأنا عارفها مش هتوافق بسهولة. هتف فايز دون اكتراث: ـ طالما موافق سيبها عليا. إحنا في الحاجات اللي زي دي ما بناخدش رأي حد، بنعمل الصالح. سلم حسين زمام الأمر كله لوالده: ـ اللي تشوفه يا حاج. أخبره

فايز قبل إنهاء المكالمة: ـ الإجازة الجاية بتاعتك هتكون قراية الفاتحة. لدى صبا كانت تجلس مع مريم وتلاعبها كعادتها وبدأت نجلاء تتركهم معاً لعدم حاجتهم إليها واندماجهم التام معاً. مشطت شعرها ورفعته لأعلى وبدأت تغرقها بالقبل لجمالها الذي يبرز بالاهتمام. سألتها: ـ نعمل إيه بقى إنهارده؟ تصنعت التفكير لتشاركها معها، فأشارت مريم بطرف بنانها للأعلى وهي تقول: ـ فووو فووو.

حاولت صبا فهمها ومع تكرار إشارتها وكلماتها التي تفهم بصعوبة، نابت عنها صبا قائلة: ـ نطلع فوق. أما فكرة أنا ما طلعتش ولا مرة فوق. يلا بينا.

قفزت وهي تلتقطها إلى أحضانها وتركض بها مستخدمة إشارتها في الاتجاه المؤدي نحو الأعلى. وطأت قدمها ذاك المكان المفتوح واتسعت عينها من روعة ما رأت. الأرض تفترش بالنجيلة الخضراء بامتداد واسع والألعاب الكبيرة التي تصطف على كلا الجانبين من شبكة للقفز وأرجوحة، وأيضاً مسطحات مائلة للتزلج وركن هادئ بكرسي فوقه ورود وإلى جانب آخر مسبح مضغوط بالهواء. انطلقت بجنون وحماس ترفع ذيل عبايتها وتطلق ساقها للرياح وهي تقهقه عالياً

بفرح وسعادة قائلة: ـ إيه الحلاوة دي؟ عالم ديزني دا كان مستخبي عني فين؟

بدأت بأدة القفز وتبعتها مريم لتقلد جنونها ومرحها وكأنها وجدت نصفها الآخر. تعالت ضحكاتهم معاً حتى أحدثت ضجتهم وصوت ضحكاتهم العالي انتباه زيد الذي كان يجلس في الطرف يعمل بصمت وإلى جواره كومة من أعقاب التبغ ومخططات كثيرة لعمله. كان متمدداً بأريحية فاعتدل بارتباك، مسح على وجهه مندهشاً من حضورها المباغت وعفويتها الطاغية في التعامل بحرية وكأنها في العالم لوحدها. تابعها مدة قصيرة ثم التف وكأنها غير موجودة. الشئ الوحيد الذي جعله يقلع عن غضبه عليها هو سعادة مريم معها وضحكاتها التي كادت تنعدم في الفترة الأخيرة. حاول التركيز فيما يفعل، لكن نداء مريم ما جعله يلتف رغماً

عنه عندما نادته: ـ بابا. رمى نظرة تجاهها فرآها تقبل نحوه بخطوات سريعة وسعيدة. لاحظ أيضاً تصنم صبا وثبوتها في مكانها بخجل. ضم ابنته إلى أحضانه وأشار لها برأسه لتقترب، لكنها كانت مترددة تماماً في الإقبال إليه بعد ما حدث بينهما صباحاً، فأشار بطرف بنانه ليحسها على القبول، وبالفعل استجابت متجاوزة قلقها ورهبتها منه وحرجها. أشار لها بالجلوس فور جلوسها، فحدث صبا بلطف وهو ينظر باتجاه ابنته ويداعبها أطراف أصابعها:

ـ إي طلعك هنا يا مريومه؟ تقطعت إجابة مريم، لكنها كانت واضحة: ـ صاصا نلعب هنا مع بعض مع بعض. ظهرت السعادة في عينه وهو يستمع إلى كلماتها الجديدة على مسامعه والتي كاد يفقد الأمل في سماعها. اعتدل في جلسته وسألها غير مصدق: ـ إي بتقولي إيه؟ كررت مريم دون خوف: ـ صاصا نلعب صاصا حلوة. ضحكت صبا على كلماتها وكأنها رأت لتو بناء شاهق من صنع يدها لترد عليها بفرح: ـ أنتي اللي حلوة. مريم حلوة. قلدت أسلوبها لتضحك مريم

بصوت عال وتكرر كلماتها: ـ أنا حلوة بابا أنا حلوة. ضمها إلى صدره وهو يقول فرحاً: ـ إنتي أحلى مريم في الدنيا. الجوه المفعم بالحب والضحكات كان يريح مريم ويمنحها الأمان الذي كانت تفتقده بعد وفاة والدتها والذي جعلها تدخل في صمت طويل وحالة نفسية معقدة بدأت بالانتهاء بعد حضور صبا واهتمامها بالتلاشي. التفت لصبا ليسألها بامتنان: ـ اطلبي اللي إنتي عايزاها وأنا هعملهولك. نظرت له صبا دون فهم ولاحظ هو ذلك، فوضح قائلاً:

ـ عشان اللي عملتيه مع مريم أنا ملاحظ التحسن اللي وصلتلوا من وقت ما قربتي منها. كان عرضه سخياً للغاية ومغرياً. نظرت له بتمعن لتسأل بتوكيد: ـ أي حاجة أي حاجة؟ نظر لها بثقة وهو يرد عليها بعزة: ـ عندك شك إني ما أقدرش أنفذ؟ بحثت في ذاتها ما أكثر ما تحتاجه، ما الذي من الممكن أن يقدمه لها شخص مثل زيد وبدقيقة واحدة من التفكير تأكدت أن زيد خصيصاً من الممكن أن يمنحها أكبر شيء تحتاجه، خاصة في هذه الفترة. تعجب من صمتها فهتف هو:

ـ أيه صعب للدرجادي ولا مش محتاجة حاجة؟ لم تتردد في طلب ما تحتاجه، لعل ذلك يعينها على العيش في هذا المنزل للمدة القادمة: ـ عــــايــــــزه حــــمــــايــــه؟ طلبه بالفعل جعله يرمش رغماً عنه. نفض رأسه بدهشة من طلبها، فنظرت له بعمق وتحدي واستفزته قائلة: ـ إيه ما بتقدرش؟ اشتم أنفاسه وهتف واثقاً: ـ إنتي بتطلبي الحماية من زيد الواصل وإنتي أصلاً في حمايته. فلو عايزة حماية مشددة يبقى ليكي اللي إنتي عايزاه.

تلاعبت بحاجبيها وهي تتحدث إليه شكرا أوى كان من السهل على "زيد" التقاط بساطتها وسهولة رضائها. التقط هاتفه من أعلى الطاولة ليعبث به قليلا، ومن ثم وضعه على أذنه قائلاً: ـ اتنين بيتزا كبار من فضلك ابعتهم على قصر فايز الواصل. انتبهت إلى حديثه فاتسعت عيناها. أزاح الهاتف عن أذنه ليسألها بجدية: ـ عايزة حاجة تانية؟ عادت ابتسامتها الطفولية تفقز على وجهها ونفضت رأسها. أخفى ابتسامته وأضاف: ـ هات كمان أربعة شاورما فراخ ولحمة.

وضع هاتفه على الطاولة وأضاف محذراً: ـ خلي بالك الحاجات دي ممنوعة منعا باتا تدخل القصر. لو "ونيسة" لمحتها هترميها برا. هتفت بامتعاض: ـ ليه يعني؟ هي كل حاجة لازم تتحكم فيها؟ مط شفتيه وأخبرها الإجابة: ـ هي ما بتحبش حد يكسر قوانينها ومش بتحب الوجبات السريعة. عادت إلى تذكرتها أنها في حمايته وهدرت وهي تعتدل في جلستها: ـ بس طبعاً الكلام ده ما يمشيش عليك.

ابتسم ساخراً من شعورها بالقوة التي تستند عليها دون وضع حساب لقوة "ونيسة" سيدة المنزل. هدم أحلامها وقال: ـ لأ إزاي؟ كلام "ونيسة" في اللي يخصها بيمشي على الكل، حتى على جدي فايز نفسه. صعقت من إجابته وانتابها القلق من أنه قد لا يستطيع حمايتها منهم. فهتفت بقلق: ـ يعني إيه؟ إنت طلعت فوتوشوب ولا إيه؟ أومال كبير والكل بيعملك حساب؟ تذكر أن يعاتبها عن ما فعلته به أمس. فمال بجذعه وأشار لها أن تميل هي الأخرى، فأطاعته. همس مدعياً

الحنق: ـ بذمتك الكبير كان هيسمحلك تلعبي في وشه بالفلاتر زي ما عملتي امبارح؟ عضت طرف شفتها فوراً لتحبس ضحكاتها. ما إن مرت أمام عينيها صورة التي التقطتها في غفلة منه. تراجعت عنه وقررت الهرب من أمامه. انطلقت نحو "مريم" لتزف إليها الخبر هاتفة بسعادة: ـ مريومة هنتغدى النهاردة بيتزا وشاورما.

لم تفهم مريم قصدها، لكن قفزت تهلل معها وتركض وراءها. على الأرجوحة لم يكن شيء قليل لدى "صبا" أن تتناول طعامها المفضل أمام كل ما تصنعه "ونيسة" ولم تستسيغه أبداً. وفي منفى هذا شيء كهذا بالتأكيد سيفرحها. لدى "مها" جلست إلى جوار "رشدي" أخيها وقدمت إليه بعضاً من قطع الكيك. لكنه لم يكن يريد أياً مما تقدمه. فصاح غاضباً: ـ ما تقول لي جايباني على ملا وشي ليه يا مها؟ هتفت بابتسامة باردة: ـ الجو بتاعك جالها عريس وأبوها موافق.

قفز من جلسته كمن صعق: ـ أوعى يكون قصدك على "صبا". مطت شفتيها ببرود وحركت رأسها بالإيجاب. ليزداد انفعالاً ويمسك بجانبي رأسه: ـ لااااا دا أنا أروح فيكوا في داهية. وقفت إلى جواره وهتفت بانفعال مشابه لانفعاله كي تردعه: ـ جرى إيه يا "رشدي"؟ هو اللي خلقها ما خلقش غيرها. لم يكن في وعيه لإدراك أنها ليست النهاية. لكن جن جنونه لشعوره أنها ستفلت من بين يده. بعد مدة طويلة قضاها في محاولة رمي شباكه عليها دون فائدة.

لذا هدد بيمين معظم حاد: ـ يمين بالله يا "مها" لو ما أقنعتي أبوها بالجوازة دي لأكون مسيح دمها. مش بعد كل ده تضيع كده من إيدي. دا أنا قاعد لها بقالي سنين زي البيت الوقف. طوت "مها" يدها إلى صدرها وأبدت عدم الاهتمام وهي تهدر: ـ سيح يا رشدي دمها. هي كده كده ما تلزمنيش. أطبق كفيه على ذراعيها وجحظت عيناه مهدداً إياها: ـ طيب إباكي ما تسعدينيش وأنا أخسرك كل فلوسك اللي معايا. دفعت يدها عنه وصرخت به: ـ إنت بتهددني يا رشدي؟

أجابها بتحدي سافر: ـ أيوه بهددك. كدا كدا الفلوس اللي عندي ما عندكيش إثبات عليها. ويا كدا يا تساعديني في إن الجوازة دي ما تتمش. مسحت وجهها بضيق ولعنت غباؤها في إعطائه مالها دون إيصال أو حتى إثبات للمتاجرة به ومضاعفته. فكرت قليلاً أنه لن ينفذ تهديده، لكن غضبه ما دفعه لهذا. لكن عليها الاحتياط وأخذ الحذر حتى لا تخسر أخيها وتفقد مالها:

ـ رشدي أنا مش هاخد على كلامك ده وبرضه ما عنديش حيلة تمنع الجوازة دي. البنت كبرت وسبق ورفضتك وأنا ضغطت عليها ووديتها البلد عند جدها وبرضه ما اترجعتش. الموضوع كله خرج من إيدي. لم يستوعب كل ما قالته. يريد تنفيذ غايته ولو بالقوة، لكنه لان معها ليقول بنبرة خبيثة: ـ برضه إنتي مش هتغلبي. دا أنا أخوكي حبيبك. زفرت أنفاسها بضيق. فلم يكن في رأسها أي حيلة لتستخدمها في السيطرة على "صبا". سألها بمكر: ـ حسين اِتبقى له قد إيه ويرجع؟

أجابت باقتضاب: ـ شهرين. حرك رأسه وهتف متأملاً: ـ يبقى لسه قدامنا وقت. "في غرفة زيد"

اتجه نحو خزانته يقطر الماء من خصلات شعره المجعد الطويل المترمية بعشوائية فوق جبهته. يرتدي شرشف ذو أكمام ناصع البياض. عقلة يفكر بشرود كعادته. يبدو منفصلاً عن الحياة كأن جسده يخطو على الأرض ورأسه شارد في السماء. فتح خزانته وإذا به يتفاجأ بجسد آخر متكور بأرضية الخزانة. اختفت دهشته عندما تحقق من ماهيتها وصر على أسنانه في محاولة لكبح غضبه الذي ظهر جلياً من صوته الساحق بين أسنانه متسائلاً: ـ إنتي بتعملي إيه هنا؟

حدقتاها البنية التي تراقصت داخل مقلتيها كشفت عن عدم تعمدها ذلك وأنها واقعة في مأزق يجعلها تختبئ في خزانته. رغماً عنها هذا ما جعله يهدأ نوعاً ما. مد رأسه ليسألها بلطف أقرب للطفولة جسدتها نبرته الهامسة: ـ هاا بتعملي إيه هنا؟! ازدرقت ريقها أثر ما تعرضت له من إحراج. أبداً لم تتعمده وما يخجلها أكثر هو السبب. ومع استمرار سوداوية عيناه بالنظر تجاهها بفضول وتكهن. إجابته "صبا" بارتباك:

ـ أنا كنت بلعب مع مريم استغمايه واستخبيت هنا. لا يعرف كيف أضحكته من داخله على طفولتها المتأخرة. رغم ذلك لم يبدُ أي تأثر على ملامحه المتهجمة طول الوقت وكأنه خلق عبوساً. لكن حقاً كان يقهقه بداخله. ابتعد من أمامها ليسمح لها بالخروج قائلاً وهو يشير لها ببرود: ـ بعد كدا ابقي استخبي في حتة تانية. مش ضروري في الأوض وبالذات في الدولايب.

نهضت متعجلة. ومع تعجلها اصطدمت رأسها بحامل الملابس المعدني. تأوهت بصوت منخفض خشية من الشماتة المتوقعة. وعوضاً عن الحرج الذي انتابها من الموقف برمته صاحت بعصبية عليه: ـ لي يعني مانلعبش في الأوض؟ ما البيت كبير ولا هي تحكمات وخلاص؟ رفع حاجبيه متعجباً من عنادها الذي يستفز من أتفه الأسباب. وطالعها ببرود متسائلاً: ـ معقول مش فاهمة ولا بتستغبي؟ تهجم وجهها وهي ترد عليه بطريقة هجومية تكاد تصل للتشابك بالأيدي: ـ إيه بستغبي دي؟

وإيه يعني لما ألعب وآخد راحتي مع مريم؟ هو أنتم هتحجروا علينا؟ سبق وقولنا إن ده بيتي زي ما هو بيتك. وماحدش ليه يقولي إنتي هنا بتعملي إيه ولا ما تجيش هنا و...... فاض به من حديثها المستفز وثرثرتها الكثيرة والتي من فرط سرعتها تكاد لا تفهم وكأنها لغة مختلفة عن كل لغات العالم. قاطعها بجدية وعينه تقدح شراراً:

ـ وسبق وقولنا برضه إن البيت فيه شباب ولازم تراعى تصرفاتك. ما ينفعش تدخلي أوضهم وتستخبي في دولايب. ولا هتحطي نفسك في موقف بايخ زي اللي إنتي فيه دلوقتي وبتكابري. انتهى وكعادته يفحمها. تفهمه متأخر ودوماً يكون محقاً. لم تجرأ حتى على الاستمرار بالنظر إلى عينيه. فرت هاربة من أمامه بل من الغرفة بالكامل.

لم تتابعها عيناه واكتفى بإرشاد صوت خطواتها بالمغادرة. زفر أنفاسه على مهل ليرتب ما بعثرته هي بحضورها واستفزازها وطفولتها. كل وقت يمر وهي معهم تحت سقف واحد تثبت أنها لن تمر مرور الكرام. ستفعل ما لم يفعله أحد. وإن لم تفعل فقد تركت ذكريات وبصمات لا تمحى في أركان هذا البيت المظلم. كل يوم يتأكد أنها امرأة لا تُنسى، امرأة خطرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...