تحميل رواية «عشقت فتاة المصنع» PDF
بقلم صفاء حسني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هو إنتوا متأكدين العزومة دي تبع المعرض؟ أنا على باب الله ومش معايا فلوس، مش عايزة أتحط في موقف محرج. ابتسمت بنت تانية شعرها ملفوف طرحه صغيرة وقالت بنبرة طيبة: يا بنتي إهدي! مدام نهال بنفسها قالت إنكم تعبتوا في رص الملابس وعرضها، وإن دي عزومة عشان تشكركم. يبقى كلي وانتي مطمّنة. يا زينب. ارتسمت ابتسامة صغيرة على وش زينب، مدت إيدها على العيش وبدأت تاكل وهي حاسة إن قلبها بيتطمن. وبعد لحظات، اتفتح الباب الخلفي للمطعم، دخل شاب في حدود التلاتين، طويل، لابس قميص بسيط بس شكله أنيق. عيونه لفتت على المكان...
رواية عشقت فتاة المصنع الفصل الأول 1 - بقلم صفاء حسني
هو إنتوا متأكدين العزومة دي تبع المعرض؟
أنا على باب الله ومش معايا فلوس، مش عايزة أتحط في موقف محرج.
ابتسمت بنت تانية شعرها ملفوف طرحه صغيرة وقالت بنبرة طيبة:
ـ يا بنتي إهدي! مدام نهال بنفسها قالت إنكم تعبتوا في رص الملابس وعرضها، وإن دي عزومة عشان تشكركم.
يبقى كلي وانتي مطمّنة. يا زينب.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على وش زينب، مدت إيدها على العيش وبدأت تاكل وهي حاسة إن قلبها بيتطمن.
وبعد لحظات، اتفتح الباب الخلفي للمطعم، دخل شاب في حدود التلاتين، طويل، لابس قميص بسيط بس شكله أنيق.
عيونه لفتت على المكان لحد ما وقعت على ترابيزة البنات.
بخطوات واثقة قرب وقعد معاهم كأنه واحد منهم.
البنات اتبادلوا نظرات استغراب، وزينب رفعت حاجبها بخوف ممزوج بدهشة.
زينب رفعت عينيها وقالت بحدة:
ـ إنت رايح فين يا عم إنت؟
ابتسم الشاب وقال ببرود:
ـ هقعد معاكم... عندكم مانع؟
فى نفس المطعم الفخم، على نهار النيل أنواره خافتة والمزيكا هادية بتعزف نغمات كلاسيك.
الترابيزات متزينة بالورد الأبيض والكاسات اللمّاعة.
دخل مؤمن ببدلته الرسمية، ملامحه فيها فرحة غريبة ممزوجة بعزيمة.
قام زياد واقف، فتح دراعاته وحضنه:
ـ يا راجل! أخيرًا النور رجع لعيونك ورجعت مكانك الطبيعي.
ضحك مؤمن بخجل وهو بيربت على كتف صاحبه:
ـ وحشتوني يا ولاد... والله الإحساس إن الواحد يلبس بدلة الشرطة تاني لا يوصف.
جلس معاهم كريم مختار، راجل في التلاتينات، أنيق لكن عيونه فيها لمعة مريبة كأنه شايل سر.
رفع الكاس وقال:
ـ نخب الرجوع الكبير! مبروك يا بطل.
ابتسم مؤمن وهو بيهز راسه:
ـ لسة البداية... وأنا ناوي أثبت إني ما رجعتش عالفاضي.
فى داخل المطعم يفصل ما بين الخارج زجاج شفاف يفصل ما بين الموجودين فى الداخل والخارج.
كانوا البنات لابسين بسيط، باين عليهم التعب بس عينيهم مليانة فرحة.
الترابيزة عليهم أطباق سخنة والريحة مبهرة.
قامت زينب واقفة بسرعة، صوتها عالي:
ـ إنت بتهزر صح؟! تقعد فين يا جدع إنت؟ غور من وشي!
اتحولت ملامح الشاب من البرود للغضب:
ـ أغور فين يا ختي؟ مش إنتي جاية برجليكي معاهم؟
زينب بصت للبنات حواليها وقالت وهي مرعوشة لكن واقفة بقوة:
ـ برجلي إيه يا روح أمك! أنا قلبي مش مطمّن من ساعة ما بعتنا صاحب المصنع للمعرض ده.
بس كنت بقول: لا يا بت... مش للدرجة دي، ده شغل حلال. بس طلع ظني في محلّه.
ضحك الشاب بسخرية وقال:
ـ الله ينور عليكي! إنتي زعّرجت معاه... فبعتك ليا.
عيون زينب لفت حوالين المطعم، وقعت على ترابيزة فيها زجاجة حاجة ساقعة.
مشيت بخطوات سريعة، مسكت الزجاجة، وخبّطتها بقوة على الترابيزة لحد ما اتكسرت.
رجعت بخطوات ثابتة، وحطت حافة الزجاجة المكسورة على رقبته:
ـ ورّيني بقى... هتعرف تقرّب مني إزاي؟
المطعم اتقلب هرج ومرج، صوت صريخ وكراسي بتتحرك.
في الناحية التانية، انتبه كريم مختار وزياد ومؤمن للّي بيحصل.
ابتسم كريم مختار ابتسامة مريبة وقال وهو بيبص لمؤمن:
ـ واضح الشغل جاي بيجري عليك يا مؤمن.
ضحك مؤمن وهو بيعدل كرسيه:
ـ لا يا عم... مش من الدار على النار بسرعه. اخد نفس.
زياد ضحك وهو بيبص لمؤمن وقال:
ـ يا عم إنت الوحيد اللي لابس ميري... وهتعرف تمسكهم.
إنت ومختار امسكوا الشباب دول، وأنا هشوف حكاية البنت.
ضحك مختار وقال وهو بيهزر:
ـ قول كده من الأول... الله يسهله يا عم.
ابتسم زياد وقال بهدوء وغمزة:
ـ محدش بيفهمني صح غيرك... قصدي "غلط"!
أنا من أمن الدولة، وطبعًا مش عايز أظهر في الصورة.
بس شمّيت إن الموضوع كبير... مش مجرد شاب بيتنطط على بنات.
قرب زياد من مؤمن وقال بجدية:
ـ لمّ الموضوع يا مؤمن... ولمّ الشباب.
عندك وأنا هخلّص البنت دي، وأفهم منها إيه اللي بيحصل.
وافتح محضر رسمي... وهجيبلك البنت تمضي عليه.
ابتسموا التلاتة مع بعض، وقالوا في صوت واحد كأنها كلمة سر:
ـ استعنا بالله.
وفي اللحظة دي، كانت زينب ثابتة مكانها، إيدها متشنجة ماسكة نص الإزازة المكسورة، وحطّاها على رقبة الشاب اللي عرقه نزل من الخوف.
بصّت له في عينيه وقالت بحزم:
ـ أنا هوريك... إن الله حق.
لما شافوا الشباب معلمهم مهدد، قاموا بسرعة يحاولوا يقرّبوا يدافعوا عنه.
لكن زينب رفعت الإزازة المكسورة أعلى وقالت بصوت عالي مليان تحدي:
ـ إللي يقرب مني... أقتله! ليكم مفهوم؟
وقفوا لحظة مترددين، بس واحد منهم اتشجع ومد إيده عشان يمسكها.
فجأة، اتفتح باب المطعم واقتحم مؤمن ومعاه مختار، ومؤمن رفع الكرنيه بتاع الشرطة وصوته جهوري:
ـ شرطة! لمّوا كل الشباب دول... والبنات كمان!
على طول أمن المكان اتحرك وساعد الشرطة، اتلم الشباب واتمسكوا واحد واحد، لكن البنات كانت فلسفت.
شافهم مومن ضحك وسابهم، وبنفسه شدّهم بقبضة قوية.
في اللحظة دي، زينب كانت لسه واقفة متشنجة، قلبها بيدق بعنف.
وهي بتهرب من دوامة الكراسي والصرخات، حسّت بإيد شدّتها من وسط الزحمة.
اتلفتت تلاقي زياد بيجرّها بسرعة لبرا.
صرخت بصوت عالي وهي بتقاوم:
ـ إنت مين؟! إيه اللي بتعمله؟ تسحبني كده ليه؟ إنت منهم صح؟
لكن زياد بسرعة كتم بؤها بإيده وهو بيبص بعصبية:
ـ يا بنتي المجنونة!
شدّها زياد بسرعة بعيد عن عيون الناس، وقال لها بصوت منخفض لكنه مليان عصبية:
ـ إنتي مجنونة! مش خايفة الشرطة تمسكك؟
هزّت زينب راسها باعتراض عشان يشيل إيده من على بوقها، وبعد ما حررت نفسها صرخت:
ـ أخاف من الشرطة ليه إن شاء الله؟! هو أنا عملت حاجة؟
ضحك زياد بهدوء مستفز:
ـ مش كنتي لسه هتقتلي الراجل قدام عيون الظابط؟
لو ما لحقتكيش كنتِ دخلتي في سين وجيم واتهموكي بالشروع في قتل!
زينب بصت له بعناد، صوتها عالي ومليان قهر:
ـ يموت ولا يتحرق... قال إيه بعتني لواحد واطي! وصاحب المصنع ده ليه؟ رُوقي معايا بقى!
ابتسم زياد بخبث وقال:
ـ هو ده الكلام الصح. لازم تعرفي مين اللي حفرلك الحفرة دي ويتحاسب.
مش تقتلي واحد وتروحي في داهية.
قرب منها شوية وقال بهدوء أكتر:
ـ تعالي معايا... أوصلك، واحكيلي إيه اللي حصل. وأنا هساعدك.
لكن زينب رفعت صوتها وهي بترجع خطوة لورا:
ـ أنا أعرف أحل مشاكلي بنفسي! مش عايزة حد يساعدني.
يلا وسّع السكة... أنا مش ناقصاك.
زياد وقف ثابت في مكانه وهو شايف زينب بتمشي بعصبية بعيد عنه.
هز راسه وقال بينه وبين نفسه:
ـ عنيدة...
لكن فجأة لمحت عينه كام شاب من نفس المجموعة اللي كانوا مع الراجل، ماشيين وراها بخطوات سريعة، عينيهم متثبتة عليها كأنهم مش هيسيبوا لها فرصة تهرب.
شد زياد نفسه بسرعة، جرى على عربيته اللي كانت راكنة جنب المطعم.
شغّل الموتور وهو بيراقبهم، ولما قربوا من زينب، وقف بالعربية قدامها فجأة.
فتح الباب الجانبي بعصبية وأمرها بصوت عالي:
ـ اركبي بسرعة!
زينب وقفت مصدومة، بصّت وراها لقت الشباب قربوا منها جدًا، قلبها دق بخوف.
رجعت تبص لزياد بعناد وهي مترددة.
متقلقش أنا أعرف أتصرف معه.
صرخ زياد وهو ماسك الدركسيون بقوة:
ـ يا بنتي اركبي! مش وقته عناد... دول هيلحقوكي!
في اللحظة دي، اتاخدت زينب بالصدمة، ولسه واقفة بتفكر...
زياد بص لها بنرفزة وزعق:
ـ أقسم بالله... لو ما ركبتي دلوقتي، أنا مش مسؤول!
خليهم يستفردوا بيكي براحتهم... سلام!
ولف مفتاح العربية كأنه هيمشي.
قبل ما يحرك، زينب فتحت الباب بسرعة ورمت نفسها جوه الكرسي.
بصّت له وهي متحفزة وقالت:
ـ أعمل حسابك... أنا مش خايفة. وأعرف أظبطهم، بس مش وقتهم.
الأول أروح لبتاع المصنع.
ضحك زياد بخفة وهو يحرك العربية:
ـ حاضر يا ست البطلة.
وطول الطريق، زينب مش ساكتة، صوتها عالي والشتيمة شغالة:
ـ أقسم بالله... لأندمكم! تلعبوا مع زينب؟ يا ناس يا خجر... أنا هوريكم زينب تعرف تعمل إيه.
ـ مدام نهال... وصاحب المصنع... والبنات دول! هتندموا إنكم فتحتوا معايا الموضوع ده!
وزياد سايق ومبتسم في سرّه، بيسمعها وهي بتشتم وتتوعد.
ابتسامته مش بس تهكم، كان فيها إعجاب غريب بعنادها.
وفعلاً بعد شوية وصلوا قدام المصنع...
في القسم...
مؤمن واقف بصرامته، لابس الميري، وعينيه فيها حزم.
قدامه الشباب قاعدين صف واحد، إيديهم متكلبشة، والعرق نازل منهم من رهبة الموقف.
رفع صوته وأمر:
ـ لمّوهم كلهم... وتكتب في المحضر: "بلطجة في مكان عام".
أخدوهم واحد واحد على التحقيق.
مؤمن قاعد على المكتب، قلمه بيخبط بيه على الدفتر بإيقاع ثابت.
دخل أول شاب، قعد قدامه، ومؤمن رفع عينه وسأله بهدوء مخيف:
ـ يعني... المعلم بتاعكم ما تحرّش بالبنت؟
الشاب شدّ ضهره وقال بثقة:
ـ لا يا فندم! المعلم جاسر رجل صالح... مالوش في الكلام ده.
ابتسم مؤمن ابتسامة صغيرة ساخرة وكتب كلمتين في المحضر.
أمر بدخول التاني... سأله نفس السؤال:
ـ المعلم متحرّش بالبنت؟
بنفس النبرة، وبنفس الثقة:
ـ لا يا فندم! ده المعلم جاسر... محترم وما يعملش كده.
دخل التالت والرابع... الرد واحد، نفس الكلام.
كأنهم متفقين قبل ما يدخلوا القسم.
وقف مؤمن، لف حوالين المكتب وهو ماسك المحضر بإيده، وبص للشباب نظرة طويلة وقال بسخرية:
ـ كله بيقسم إن المعلم "ولي من أولياء الله الصالحين"!
طيب... نشوف بقى الحقيقة فين.
مؤمن كان لسه واقف قدامهم، صوته مليان سخرية وهو بيقول:
ـ كله بيحلف إن المعلم "رجل صالح"! طب فين باقي الكلام؟ كان قاعد معهم ليها.
سكت الشباب وبصوا لبعض، لكن واحد منهم اتشجع وقال:
ـ يا باشا... هو بس كان بيدفع فلوس، تعِابهم في المعرض.
مؤمن ضيّق عينه، قرب منه وقال:
ـ بيدفع فلوس لمين؟
رد الشاب وهو متلخبط:
ـ للبنات اللي كانوا بيرسّوا الملابس... يقولهم "ده حقّكم".
دخل شاب تاني في الكلام بسرعة وكأنه عايز ينقذ الموقف:
ـ أيوه يا فندم، المعلم جاسر... ما يحبش حد يتعب من غير مقابل.
ابتسم مؤمن ابتسامة جانبية وهو بيكتب في المحضر:
ـ جاسر... ولا بيرشوكم بالفلوس عشان تسكتوا؟
سكتوا الشباب كلهم، نظراتهم فضحت إن في حاجة مش طبيعية.
مؤمن رفع صوته وقال بصرامة:
ـ تمام... نكتبها زي ما هي.
"المعلم بيدفع فلوس للبنات عشان شغلهم في المعرض". ولسه التحقيق ما خلصش.
وصلت زينب قدام المصنع، لقت البوابات مقفولة.
وقفت تبص بغيظ، شخت برجليها على الأرض:
ـ اتأخرت، وقفل بدري... ابن الحرام فاكر نفسه هيهرب مني! بس والله... هوريها.
مشت وهي بتنفس بصوت عالي، تحدف الزلط برجليها وتزق طوب على الأرض، غضبها ماشي قدامها.
من بعيد، زياد واقف مسنود على عربيته، بيتابعها بعينه من غير ما يقرر يدخل. ابتسامته فيها مزيج من قلق وإعجاب بعنادها.
بعد شوية وصلت للحارة بتاعتها.
الجو ضلمة شوية... والشارع فاضي غير من لمبات النيون المكسّرة اللي منورة نص نور.
وقفت لحظة، قلبها دق بسرعة لما سمعت حركة وراها.
التفتت، لقت الشباب اللي كانوا مع المعلم سبقوها للحارة، متقسمين على الجنبين، بعيونهم القذرة مثبتة عليها.
أحدهم قال بسخرية:
ـ هي دي اللي فاكرة نفسها أسد؟
ضحك التاني:
ـ النهارده بقى المعلم هيعرف يربيك.
بدأوا يقربوا منها خطوة ورا التانية...
وفجأة ــ
رواية عشقت فتاة المصنع الفصل الثاني 2 - بقلم صفاء حسني
دخلت زينب الحارة، عيونها متجهة للأمام، قلبها بيخبط بسرعة.
لقيت الشباب واقفين قدامها.
واحد منهم بتمسخر وقال:
ـ إنتي فاكرة نفسك إيه؟ تجرحي المعلم بتاعنا، تجيبي له البوليس وتتهربي… ونسكتلك ده اللي بعدك يا حلوة!
صفرت زينب صفرتين حادّتين، زي صفارة حرب، وبدأت تضرب أول واحد بالشلوط اللي ماسكه في إيدها:
ـ هو إنتو فاكرين زينب تخاف منكم يا شوية رعع؟!
الشباب اتجمدوا شوية من قوة عينيها وحركتها.
فجأة نزلت البنات من كل مكان، ماسكات الحلل والسكاكين والعصي، بيجرو وراهم ويخوفوهم لدرجة الشباب خافوا وجروا بعيد.
زياد كان واقف بعيد على بعد شوية، مستغرب وبيفكر:
ـ هي زعيمة عصابة ولا إيه حكايتها؟ أنا مالي… أهم حاجة أفهم هما عايزين منها إيه.
وهو يتابعها من بعيد.
في نفس الوقت، مؤمن وصل بيته مرهق من يوم طويل، وفتح الباب، استقبله مراد، حياة، وإيمان بابتسامات دافئة، وبطنها أقدمها على وشك ولادة.
وقف مؤمن وسط الأجواء الدافئة، قلبه خفّ من التعب كله، وحس إن كل الهموم راحت لحظة ما شافهم.
قعد على ترابيزة الأكل، ورايحته قدامه كل حاجة بيحبها، ابتسم لنفسه وهو مرتاح لأول مرة من فترة طويلة.
***
يتصل زياد بمؤمن عشان يعرف إيه اللي اتقال في التحقيقات.
رد مؤمن وهو بياكل:
– يا ابني أنا لسه داخل وباكل آخد نفسي… طيب… وإيه، إنت ليه بعتلي رسالة أخلّي سبيلهم؟
ابتسم زياد وقال له:
– إنت تعبان وانت مكانك… ما بالك لو سافرتي اسكندرية، هتعملي إيه؟
انصدم مؤمن وقال لنفسه:
– هي من اسكندرية أصلاً؟
هز رأسه زياد وقال:
– أنا انصدمت… لم سألتها أوصلك فين؟
زينب ردت:
– على المصنع في اسكندرية… افتكرت اسكندرية إلا في مدينة السلام.
فلاش باك:
– أوصلك فين عشان أطمن عليكي؟
– نزلنا في عبود أو محطة مصر.
استغرب زياد وقال:
– مش فاهم… محطة مصر ليه؟
تنهدت زينب وقالت:
– أنا من اسكندرية يا آخين… طبيعي أركب القطر أو عربية… عايزة أوصل قبل ما المصنع يقفل وأحسبهم… وأكيد نوجة وفلة سبقوني هناك.
تنهد زياد وقال:
– أمر الله… أوصلك اسكندرية.
شهقت زينب وقالت:
– هو أي… حكيتك يا أخ… إنت فاعل خير أو ملاك نازل من السما!
ضحك زياد وقال:
– مش ممكن أكون… دعوة ولديك… آه صحيح عندك أهل.
صفقت زينب وقالت:
– طبعا… ليه؟ شكلي بنت شوارع؟! لا… موخذ لي أمي وأخويا طالع ثانوية عامة، ولولو أنا عايزة أصرف عليه عشان يدخل الجامعة… مكنتش جيت الشغلانة ده.
سألها زياد:
– مش ممكن الشخص ده تابع الست إلا كنت شغالة معاها؟
نفخت زينب وقالت:
– ما هو تابعها… هو ده اللي أقهرني… إنه شفته في المعرض مركز معايا… لكن مدقتش… لكن متصورتش إنه يكون بالبجاجة ده.
سألها زياد:
– ليه… هو طلب منك إيه؟
نفخت زينب وسألته:
– هو إنت شايفني ازاي يا آخين بالله عليك… ومتضحكش عليا؟
ابتسم زياد وقال:
– شايفك بنت جداعة.
ابتسمت زينب وقالت:
– الله يجبر بخاطرك… يعني مش بنت لموخذ صح.
مفهمش زياد وقال:
– يعني إيه؟
تنهدت زينب بخجل:
– يعني مش بنت سهلة… بتتواعد الرجال.
انصدم زياد وقال:
– هو كان عايز منك كده؟
هزت راسها زينب:
– آه… قالي بالحرف الواحد: "إنتي عزلجت مع محمد… لكن معايا هتكون ملبن".
نفخ زياد بحرقة ومش فاهم ليه، وقال:
– يا ابن الكلب… والله يستاهل اللي عملت فيه… عشان كده أنا أوصلك لاسكندرية… اعتبرني أخوكى.
رفعت راسها زينب للسما وقالت:
– يارب… يكون أخو زيك كده… مالي مركزه ويريحني أنا وأمي من الشقا… وصلني… وأول ما أوصل هناك أحسابك… آه… هتاخد نص اللي طلع لي… لكن الحمد لله إن رجعت سليمة.
طلب منها زياد:
– طيب ممكن تشاركني وتحكي ليا إيه إلا حصل من وقت ما جيت لحد ما ظهر الشاب.
بدت تحكي زينب.
فلاش باك:
لما اتصلت مدام نهال بالمدير، قالت له:
– جهّز لي البضاعة وابعتها مع بنات شاطرة… وروني الزبائن أصحاب محلات “فافى استر” و”نجوم” و”ناس علوى”… مش عاوزة بنات سكة… عايزة بنت تكون "روني" وتتكلم بلباقة مع الزبائن.
المدير ابتسم وقال:
– فيه واحدة كده بس… إنتي عارفة… أي بنت يشوفها جاسر، يدخل دماغه يصطادها، والبنت دي مش سهلة.
ابتسمت نهال وقالت:
– خلي يشرب… أهم حاجة شغلي، مليش علاقة بشغلك مع جاسر… وتوقيع البنات عشان تديور الشقق المشبوهة.
يقفل المدير التليفون مع نهال، ويقف في مكان واضح لكل الموجودين:
– النهاردة هنسلم شغل مدام نهال، ومحتاجة ٣ أو أربع بنات يرسوا البضاعة ويبعوها معاها.
فيه بنات راحت قبل كده وفهمت الفولة ورفضوا يروحوا، وفي بنات تانية سكتت متكملتش، وعيونهم مليانة حزن.
وقفت نوجة وفلة وسألتا بصوت مرتجف:
– المعرض فين يا مدير؟
رد المدير:
– المرة دي في القاهرة… ولازم يحضر ناس علوى خلاص.
البنات نفخت، كانوا بيفكروا يروحوا، وقالوا لبعض:
– يا سيد المرسي… ده سفر من إسكندرية للقاهرة… لا أنسى!
بعد مشاورات كتير، وزينب مركزة في الخياطة، قرب منها المدير وهمس لها:
– إيه رأيك يا زينب؟ تروحي إنتِ… شاطرة ومش بعيد. مدام نهال تاخدك وتشغلك معاها في أتيليه كبير، وتتعلمي التزيين.
زينب قعدت تفكر شوية وقالت:
– اشمعنى إني أنا اللي بتسألها؟
رد المدير بابتسامة:
– أنا سألت الكل يا زينب، بس بجد مستخصر لو متروحيش… هتستفيدي كتير. إنت شاطرة وواعية، وأسلوبك حلو في الأخد والعطاء… يعني هتعرفي تسوقي البضاعة كويس… خصوصًا إنت اللي مخيطها.
زينب قعدت تفكر شوية وسألت البنات:
– مين معايا؟
ردت نوجة وفلة:
– طبعا معاكي… ده فرصة حلوة وقرشها حلو.
رجعت زينب البيت وقالت لأمها وأخوها:
– شوفي يا أمي… في سافري للقاهرة، معرض كبير… محتاجين نسلم البضاعة وكمان نبيعها في المعرض. كله هيخلص في يوم واحد وهرجع في المساء.
أخوها سألها بدهشة:
– إنتِ واثقة في المدير يا زينب ولا لأ؟ إحنا مش ناقصنا… وكيفنا خيره وشره؟ ولولو، إنك مصممة تنزلي تشتغلي وتخليني أكمل دراستي… ماكنتش سبّتك.
ضمت زينب أخوها الصغير وقالت له بحنية:
– مانت بتشتغل في الإجازة كل سنة يا سعيد، وشاطر… والسنة دي أنت ثانوي عامة، عاوز تدخل الجامعة وتتخرج وتشتغل في شركة. أما الدبلوم… أخرك سواق تيكتوكة أو شغال في ورشة أو مصنع… زي مستقبلك في العلم. والله، ماكنتش هاروح غير يطلع قرشين حلوين أشيلهم ليك لدروسك.
نزلت دموع الأم وبوجع، وقالت وهي تمسح دموعها:
– شيلت الهم من بدري يا بتي… ربنا يعوضك على كل تعبك… خير.
تاني يوم، كانت عربية النقل مستنية قدام المصنع. تم تحميل البضاعة، وركبت البنات مع بعض فوق العربية، والسواق بدأ يسوق من الإسكندرية للقاهرة.
خلال الطريق، بعد ساعات من الغناء مع بعض، أو الأكل والشرب، مع مرور ساعتين وهم متعبين شويه، وصلوا أخيرًا أمام محل فخم في القاهرة.
ظهرت مدام نهال: ست في أول الأربعينات، طويلة القامة، شعرها مسحوب للخلف وناعم، لابسة بدلة شيك بلون كريمي، وعينيها فيها حدة وذكاء. ابتسامتها كلها ثقة وسيطرة، وكل حركة فيها حازمة ومرتبة، تبين إنها سيدة الأعمال اللي الكل بيحترمها.
زينب: وقفت وسط البنات، شعرها الأسود الطويل مربوط نص نص، عيونها مركزة وذكية، جسمها رشيق وملابسها عملية لكن مرتبة، فيها لمسة من الجرأة والثقة بالنفس.
نوجة: قصيرة شوية، شعرها بني فاتح مموج، عيونها فيها فضول ودهاء، دايمًا مبتسمة بخفة لكن حذرة في تصرفاتها.
فلة: أطول من نوجة، شعرها أسود قصير ومتموج، ملامحها حادة وبتبين إنها سريعة الملاحظة، وبتحرك جسمها بسرعة، حذرة ومتيقظة لكل حركة حواليها.
الكل وقف يراقب المحل، والإحساس بالهيبة في الجو، مدام نهال وقفت قدامهم وقالت:
– أهلا بيكو يا بنات… يلا بينا نبدأ الشغل، هوريكم كل حاجة خطوة خطوة.
***
دخلت زينب مع نوجة وفلة جوه المحل الفخم، والأرضية لامعة، والحوائط مزينة بلوحات فنية وأرفف مليانة البضاعة.
مدام نهال وقفت عند طاولة كبيرة مليانة عينات، وقالت لهم:
– يلا يا بنات… أول حاجة هوريكم إزاي نرتب البضاعة بشكل جذاب للزبائن.
زينب كانت مركزة، عينها تلمع بالفضول والتعلم، وحركتها سلسة وطبيعية، كل خطوة محسوبة.
نوجة نظرت حوالين المحل، بتفكر في كل تفصيلة صغيرة، وابتسامتها خفيفة لكن عيونها حذرة، دايمًا مستعدة لأي موقف.
فلة كانت واقفة جنب الرفوف، بتحرك جسمها بسرعة، تلمس كل قطعة وتراجع ترتيبها، وكأنها عايزة تتأكد إن كل حاجة في مكانها الصحيح.
مدام نهال ابتسمت وقالت:
– شوفوا يا بنات… السر في البيع مش بس في البضاعة نفسها، السر في الطريقة اللي بتقدموها بيها. الطريقة في الكلام، في الابتسامة، وفي التركيز على الزبون.
زينب ركزت على كل كلمة، وعينها تلمع بالحماس.
نوجة وفلة كانوا يتابعوا تعليمات مدام نهال بعناية، وبدأوا يحسوا بالمسؤولية الحقيقية لأول مرة.
***
أخدت مدام نهال البنات على المعرض، ومعاهم شوية من البضاعة، وركبوا عربية ملاكي فخمة جدًا.
بعد نص ساعة تقريبًا، وصلوا على المعرض.
لما دخلوا، كان جاسر واقف دارع اليمين لمدام نهال، وليه شغل تأنّي وكمان رجال كتير، كلهم أمن في المكان، بيرقبو كل اللي داخل أو خارج.
دخلت البنات مع مدام نهال، وعين جاسر وقعت على زينب، ينبهر بيها ويحاول يقرب.
قربت منه نهال ومدّت إيدها على صدره بدلال وقالت:
– بلاش ده… بحذرك، هتروح في داهية لو اتعملت معاها.
ضحك جاسر وقال:
– مفيش بنت بتعزلج معايا.
رواية عشقت فتاة المصنع الفصل الثالث 3 - بقلم صفاء حسني
ضحك جاسر وقال:
– يعني بذمتك، حد يقدر يشبع منهم؟ المهم عشان ما أبوظش ليك المعرض، أنا هأتفرج عليها وأشوف نظامها، وانتي بعد ما يخلص، اعزميهم في المطعم بتاعي، وأنا هاتصرف.
ضحكت نهال بسخرية وقالت:
– براحتك… مدير الفرع في إسكندرية، محمد، مقدرش عليها… وهي الحماية للبنات هناك، وقليل اللي يقدر يوقعهم بسببها. لو فكرت تلعب، هتكون نهايتك. النوع ده يطلق عليه "أحسن من الشرف"، مفيش بصوت الدقين.
ضحك جاسر وقال
– يبقي فرجت!
وضحكوا شوية، والجو في المعرض كان كله حركة وحماس.
بدأت البنات يرصوا الملابس ويقفوا في أماكنهم مع شوية بنات تانين، لكن زينب شدت الأنظار بخفة دمها وروحها الحلوة، وأسلوبها الجذاب.
وقفت زينب قدام الرفوف، شايلة ابتسامة وعيونها مركزة، وأول زبونة قربت:
– مساء الخير… أنا عايزة أشوف البضاعة الجديدة.
زينب ابتسمت وقالت:
– أهلاً بيكي… تعالى أوريك حاجة تناسبك. دي القطع دي جديدة جدًا ومميزة.
الزبونة ابتدت تمسك وتتفحص، وزينب شرحت لها كل حاجة بحيوية وود:
– القطعة دي معمول لها شغل يدوي كويس، وكمان خامتها ممتازة… هتحسي بيها مختلف لما تلبسيها.
جا زبون تاني، شاف الحركة وحاول يقرب:
– هي الأسعار إزاي؟
زينب ردت بثقة:
– الأسعار مناسبة جدًا، وده السعر النهائي… ومش هتلاقي أحسن من كده في المعرض.
ابتدت الناس تتجمع حواليها، تعجبها طريقة الكلام والدلال والخفة اللي فيها، وكل واحدة بتسأل سؤال، زينب تجاوب بابتسامة وتهتم بكل تفاصيلها.
نوجة وفلة كانوا واقفين جنبها، يساعدوها أحيانًا، لكن كله مركز على زينب، لأنها جذبت الكل بطبيعتها، والزبائن كانوا يخرجوا راضيين ومبسوطين من تعاملها.
زينب قالت لهم:
– خلي بالكم، التنظيم ده أهم حاجة… كل قطعة لازم تكون في مكانها، والزبائن لازم يحسوا إنهم في مكان مرتب.
نوجة وفلة كانوا جنبها، كل واحدة فيهم بتنظم رف أو ترتب البضاعة، وكلها حماس وطاقة.
مدام نهال وقفت بعيد شوية، ابتسمت وقالت لنفسها:
– دي فعلاً شاطرة… ده اللي أنا كنت محتاجاه…
ناس كتير من أصحاب المحلات والزبائن ابتدوا يقربوا منها، ويعجبوا بأسلوبها في التعامل، وكل اللي معاها بدأ يتابع حركتها بعناية.
قربت منها مدام نهال وقالت:
– أنا سمعت عنك كتير… لكن متصورتش إنك بالشطارة دي. أنا عاوزة أبعَتلك البضاعة تاني، وكل مرة عاوزك مع البضاعة… ولو تقدري تيجي تعيشي في القاهرة، تاخدي راتب حلو… فكرِي فيها كويس.
رجعوا زينب والبنات من المعرض، والكل كان تعب شوية لكن راضي عن اليوم. دخلوا جوه المكان اللي هيشتغلوا فيه، وابتدت زينب تنظم كل حاجة مع نوجة وفلة.
جلست زينب مع نهال وقالت له بابتسامة:
– بصراحة، اليوم كان ممتاز… البضاعة اتباعت والناس كانت مبسوطة.
ابتسمت نهال وقالت :
– مبسوطة إني اتعرفت عليك و مركزة كده… فى شغلك وكان ممتاز، وأنتِ ونوجة وفلة عملتوا فرق كبير..
ابتسمت مدام نهال من بعيد وقالت:
– برافو عليكم… شغلكم واضح إنه مدروس، وكل خطوة محسوبة.
وزعت عليهم الفلوس وقالت
– في مطعم حلو أنا عازمكم فيه.
كانت العربية ماشية في الطريق، وابتدى الجو كله هدوء، وكان زياد بيسمعها وبعد كده سكتت.
سألها زياد :
– اشغلي أغنية!
بصت له زينب وقالت:
– بص على الطريق يا آخين عشان نوصل بسرعة ؟ إحنا مش طالعين رحلة وأنا مش عارفة… قلبي مش مرتاح لك. ووقعتني فى الكلام وجي تقولي نشغل اغانى على العموم أنا معي بقي الزجاج… لو حسيت إنك هتلعب بديلك.
ضحك زياد على أسلوبها وقال:
– هو إنتي مصممة تروحي السجن بأي طريقة؟ واضح إنك وش سجون.
نظرت له زينب وقالت:
– هزراك تقيل… على فكرة، شغل أي حاجة وخلصني.
انصدم زياد من كلامها، وقال
– على فكرة… أنا مش السواق بتاعك… ولا شغال عندك… أنا ساعدك لله… لكن لو اتقل أدبك.
قطعت حديثه وكملت زينب:
– انزلك هنا… ووريني شطرتك… هتوصل إزاي؟ صح مش هتقول كده. وافر كلامك… يتنزلني لتشغلي أي حاجة، وسبني أفكر أتصرف إزاي مع النوار دول … اقسم بالله هسلمهم للشرطة بإيدي.
ابتسم زياد، وكان عايز يفتح معاها أي حوار، ففتح الرديو، وجت أغنية.
خليك فاكرني
يا اللي بجمالك وبعيونك دول أسرني
خليك فاكرني
وإن حس قلبك يوم بقلبي إبقى زورني
خليك فاكرني
يا اللي بجمالك وبعيونك دول أسرني
خليك فاكرني
وإن حس قلبك يوم بقلبي إبقى زورني
دا إنت في عينيا، كل اللي ليا
فرحة شبابي، والدنيا دي
دا إنت في عينيا، كل اللي ليا
فرحة شبابي، والدنيا ديا
أول ما شفتك
لمست قلبي بنظرة واحدة نسيت جراحه
لقيتك إنت
أجمل حكاية حب نسيتي اللي راحه
ما تغيبش عني
وخلي قلبك لو ناديته يجيني تاني
دا إحنا اللي بينا
الحب كله عمر مر معاك ثواني
دا إنت في عينيا، كل اللي ليا
فرحة شبابي، والدنيا ديا
خليك فاكرني
يا اللي بجمالك وبعيونك دول أسرني
خليك فاكرني
وإن حس قلبك يوم بقلبي إبقى زورني
دا إنت في عينيا، كل اللي ليا
فرحة شبابي، والدنيا ديا
خليك فاكرني
أول ما سمعتها زينب، بدأت عينيها تدمع، والجو كله اتغير…
– الأغنية دي…… فكرتينا ب أحداث حصلت فى طفولتي
وكانت عيونها مليانة شجن.
زياد بص لها وقال بهدوء:
– طب خلاص… امسحى دموعك… الطريق طويل وأنتي محتاجة كل تركيزك.
وصلت زينب اسكندرية، ونزلت من العربية، وبابتسامة شكر لزياد، مدتله إيدها ومعاها شوية فلوس:
– خد يا أخويا… ده تعبك معايا وده أقل حاجة أقدّمها ليك.
ابتسم زياد وقال:
– لأ… والله مش محتاج فلوسك… المهم تكوني وصلتِ سليمة.
نفخت زينب وقالت:
– يا عم… أنا مش عايزة أكتر من كده… ده تعبك مش صغير… بس على الأقل مش عاوزة دين لحد أو حتى صغيرة.
ضحك زياد وقال:
– خلاص بقي المرة الجاية المهم … خلي بالك على روحك… أهم حاجة تكوني بخير.
– ربنا يخليلك أخوك… أو اقولك قول ل أخوكى دول من أخوك زياد المهم مش عاوز أكون معاكي وانتى بتحسابهم.
هزت راسها بالرفض
– لا شكرا جدا أنا هعرف أتصرف معهم في المصنع وما تقلقش عليا.
فضل متابعها لحد ما وصلت الحارة.
كل ده الا حصل معها وبراقبها دلوقتي.
رد مؤمن:
– والله برافو عليك عرفت قرار الموضوع.
– وزينب طلعت جدعة أهي، عايز أفهم إيه في دماغك.
سمعت إيمان بيتكلم عن بنت كانت قاعدة… وشوية حسيت بغيرة جواها لكنها كتمتها، وبتحاول تلهي نفسها وماشي رايح جاي بتشيل حاجة وتحط حاجة… ومنتبه مؤمن ليه.
كمل مؤمن كلامه مع زياد وبدأ يشرح له إيه المتوقع يحصل بكرة، وهو متابعها وقال زياد
– هنام في العربية قدام الحارة صعب ارجع القاهرة قبل ما اطمنى.
استغرب مؤمن اهتمامه وسأله:
– هو الموضوع إيه؟ إعجاب من أول نظرة ولا في حاجة في دماغك؟
ضحك زياد:
– اعمل تحرياتك… وبكرة أكلمك. سلام.
مومن خلّص المكالمة، قرب من إيمان بهدوء، حضنها من ورا وابتسم:
مومن: "نفسي أفهم… بتدوري على إيه رايحة جاية؟ مش المفروض ترتاحي شوية؟"
إيمان بصّت له بصمت، مدت إيدها ولمست وشه كأنها بتتأكد إنه قدامها.
إيمان (بصوت واطي مرتجف): "هو إنت فعلًا معايا… ولا أنا بحلم؟ ساعات كتير بحس إني لسه هناك… في سوريا… بين الخيام… وخايفة أصحى من الحلم ده."
مومن اتأثر بكلامها، مسك إيدها وأقعدها قصاده، صوته بقى مليان صدق:
مومن:"أنا عارف كل حاجة يا إيمان. من أول ما عرفتك والدنيا اتقلبت بسرعة…عارف حكاية حياة ومراد… إزاي جم عن طريق نقل الجنين من رحمك لرحم غيرك.
عارف إزاي جُوّزنا بسرعة، وإزاي قضينا شهور في إجراءات النقل، ورجوعي للشغل للشرطة. واجراءت تركي للنيابه
عارف تعبك وقت وامتحاناتك، ولما روحت المستشفى… ولما عرفنا إنك حامل لكن الحمل خارجي، وإنهم فاكرين إنك سقطت… مع إن الجنين اتنقل واتزرع.
عارف خوفك… عشان متخسريش الطفل.
وصحتك إلا اتأثرت من السم
وفاكر كمان خوفنا من سؤال حياة ومراد الكتير، واستشارة الدكتور النفسي اللي قال نستنى لحد ما يكبروا.
كل ده مأثر عليكي… وأنا فاهم. غير هرمونات الحمل والضغط اللي إنتي شايلها.
بس عايزك تصدقيني… أنا معاكي. وبحبك. حتى لو كان عندك شك بسيط قبل جوازنا… دلوقتي لا، بعد العِشرة دي… أنا مش بحبك بس، أنا بعشقك يا إيمان.
إنتي عدّيتي عليّ سنة كأنها عمر… مع كل التعب ده… عمرِك ما اشتكيتي. عمرِك ما قصّرتي لا في حقي ولا في حق البيت ولا الأطفال.
وساعات أنا اللي بسأل نفسي… إزاي؟ إزاي بتقدري تشيلي كل ده؟"
إيمان بلعت ريقها بصعوبة، عنيها دمعت:
إيمان: "عارف يا مومن… ده بالظبط السبب اللي مخليني ضايعة.
إنك دايمًا بتقارن… الأربع سنين اللي قبلي بالسنة اللي معايا.
أنا بشوف المقارنة دي في عينيك… حتى لو ما بتتكلمش.
وممكن كمان أكون زي ما بتقول… محمّلة على نفسي زيادة… عشان إنت ما تلاقيش فرصة تشتكي مني."
مومن سكت لحظة، عينيه اتغرغرت دموع وهو ماسك إيدها بإصرار:
مومن: "إيمان… أنا يمكن بغلط وأقارن، بس والله عمري ما كنت أقصد أوجعك.
اللي فات خلاص… واللي معايا دلوقتي إنتي.
أنا مش عايز غيرك… ولا محتاج غيرك.
إنتي أمي وأختي وحبيبتي ومراتي… وكل حاجة ليا."
إيمان حاولت تسحب إيدها، لكنه مسكها بقوة أكتر، قرب وشه منها:
مومن (بحزن): "إوعي تفكري يوم إني … هقارن بينك وبين حد ممكن بفتكر عشان الوم نفسي ازى الحقيقة كانت ظاهرة قدمى ومش بشوفها
أنا لو لقيت نفسي بعمل كده… بيكون غصب عنى لكن مش معني كدة إنك تحملي فوق طاقتك
لأن إنتي بالنسبالي مش مجرد سنة، إنتي عمري اللي ابتدى من جديد."
دموع إيمان نزلت غصب عنها، حاولت تخفيها وهي بتبتسم بخجل:
إيمان: "طب ما تقوليش الكلام ده غير لما تلاقي دموعي… عشان أصدق."
مومن مسح دموعها بإيده بحنان:
مومن: "دموعك دي أغلى من الدنيا كلها عندي. ولو عليّا… أعيط مكانك ألف مرة، بس ما أشوفش عينيكي حزينة."
إيمان غلبها شعورها، حطت راسها على صدره وهي بتهمس:
إيمان: "أنا مش عايزة غيرك… حتى لو الدنيا كلها ضدي.
خلي بالك مني يا مومن… أنا مش قوية زي ما باين."
مومن حضنها بقوة، صوته مختنق:
مومن: "وأنا عمري ما هسيبك.
وعد مني… مش هقارن تاني، مش هفكر في اللي فات.
اللي باقي ليا في الدنيا… هو إنتي."
إيمان وهي لسه في حضنه، رفعت راسها تبص له في عينيه…
إيمان (بهمس مرتبك): "طب قولها تاني… قولي إنك بتعشقني."
ابتسم مومن وهو ماسك وشها بين إيديه، قرب شفايفه من ودنها وقال بهدوء:
مومن: "أنا مش بحبك بس يا إيمان… أنا بعشقك."
ابتسمت وهي مغمضة عينيها، دمعة فرح نزلت على خدها، فمسحها بطرف صباعه، وباسها قبلة طويلة وهادية مليانة شوق.
طلعت زينب وهي بتنفخ، والبنات معها. بعد ما هربوا الشباب وسألت واحدة منهن:
– فيه إيه يا زينب؟ الشباب دول كانوا عايزين إيه، ولد الحرام دول؟
قعدت زينب وقالت:
– مين يعرف البت نوجة والبت فلة؟
ردت بنت وقالت:
– أنا أعرفهم يا أبلة زينب… بس ليه؟
ابتسمت زينب وقالت:
– تعرفي تجيبيهم ليا من النجمة على المصنع يا رحاب؟… عشان حاسة إن البنات دول وراهم حاجة. من أول ما وصلوا المصنع عندنا، وحاسة إن في حاجة مش طبيعية بتحصل. ولو ظني في محله… يبقى البنات دول بيبيعوا أخواتنا البنات وبياخدوا تمنهم فلوس.
استغربت بنت تانية اسمها هبة وقالت:
– بتبيع بنات المصنع إزاي؟ وضحّي انبي.
وضحت زينب:
– شوفي يا هبة… من يوم ما اتغير الرجل الطيب وطلع على المعاش، جه واحد بدل منهم وأنا مش مرتاحة ليه… نظرته وحركاته مع البنات، والبنت اللي تتأخر… يجي يسامحها… وبعد كده البنت تختفي من المصنع أو تنكسر ومحدش يطلع لها صوت. وحاسة إن البت نوجة وفلة بيساعدوهم… والنهاردة كنت هكون الضحية.
انصدمت البنات، وبنت منهن قالت:
– بعد الشر! إحنا من غيرك كلاب السكك تقطع فينا… إحنا بنعتبرك أختنا وأمنا.
قامت رحاب وقالت:
– من النجمة يبقى أقدمك يا أبلة… ومتكتفينش… حتى لو في بطن أمهم، هنجيبهم.
ابتسمت زينب وقالت:
– تعرفي لو جبتلى نوجة وفلة ليك جائزة عندي؟
حدّقت رحاب فيها بدهشة وإصرار:
– أيوه يا أبلة… نقدر. بس عايزين خطة نمشي خطوة خطوة.
زينب شدّت ضهرها وقالت بثقة:
– أول حاجة… نحدد مكانهم دلوقتي. بعدين البنات اللي معايا هيمشوا معايا سرّ… ونقرب منهم بدون ما يحسوا بينا.
هبة رفعت يدها وقالت:
– وأنا كمان يا أبلة زينب. نقدر نتابع أي حركة ونبلغك أول بأول.
زينب ابتسمت وقالت:
– تمام… من النهاردة أي حاجة مش طبيعية، نوقفها على طول. نوجة وفلة مش هيعرفوا يلعبوا بينا تاني.
رحاب والبنات كلهم اتجمعوا حواليها، عيونهم مليانة عزيمة:
– متخافيش يا أبلة… إحنا وراكِ.
في الليل، زينب مع رحاب وهبة وعدد من البنات، اتحركوا بهدوء من الحارة، كل واحدة ماسكة عصا أو مصباح صغير، عيونهم على الطريق قدامهم.
زينب همست:
– خلي بالكو… أي صوت غريب، نوقف فورًا ونختفي في الظل.
رحاب ردّت وهي ماسكة مصباح:
– تمام يا أبلة، إحنا جاهزين.
وصلوا عند المصنع القديم اللي كانوا حاسين إن نوجة وفلة موجودين فيه، ووقفوا على مسافة، يراقبوا الحركة من بعيد.
هبة همست:
– شايفة حد؟
زينب رفعت صوته شويّة:
– لا… لسه. بس خليكم مركّزين… أي حاجة غريبة، نتصرف.
وفجأة، ظهر ظل رجلين يتحركوا بسرعة في الساحة الأمامية، والبنات تجمدوا للحظة.
زينب همست وهي تضغط على يد هبة:
– ده أكيد نوجة وفلة… ركزي معايا… وهدّئي قلبك.
رحاب همست وهي تبتسم بابتسامة حزينة:
– يا أبلة… النهاردة هنوقفهم مرة واحدة… ومفيش حد هيقدر يضر حد تاني.
زينب أومأت برأسها بثقة:
– يلا نبدأ… خطوة خطوة… وبلاش أي ضوضاء.
كانت نوجة وفلة مستخبين في المصنع، بعد كل اللي حصل… عارفين مصيرهم المتوقع وما توقعوش إن زينب هتدور عليهم. البنات راحوا بيوتهم، لكن أهلهم لما سألوا عنهم، اتصلوا وقالوا:
– طلعين رحلة…
بس أول ما قربت زينب والبنات من المصنع، سمعوا نوجة وفلة بيتكلموا مع مدير المصنع:
نوجة:– قولتلك بلاش… زينب نابها أزرق ووعي جدا… مش زي البنات التانيين.
لكن المدير صمّم إنه لازم زينب تدخل.
سأله المدير:
– إيه اللي حصل بالتفصيل؟
رواية عشقت فتاة المصنع الفصل الرابع 4 - بقلم صفاء حسني
قبل ما المدير ونوجة وفلة يكملوا كلامهم…
زينب دخلت من الخلف مع البنات.
إشارة صغيرة منها، والبنات رشوا شطة على عيونهم فجأة، الصريخ ملأ المكان.
"آآآه! إنتى بتعملي إيه يا مجنونة؟!" قال المدير.
زينب وقفت قدامه بثبات، وضحكت بسخرية:
"هو إنت لسه مشُفتش الجنان على أصوله… اصبر عليا."
شدوه ورموه على كرسي، وربطوه بحبال غسيل لحد رجليه، وفضل يحاول يفك نفسه وهو يصرخ.
زينب بصوت حاد:
"إنت سهرتني صبحية… ولازم أفهم منك. كان عايز منى إيه الشاب ده؟ وإيه حكاية إن أنا عزلجت معاك فبعتني ليه؟ انطق!"
المدير وهو بيدعك عيونه من الشطة ويحلف:
"والله ما أعرف حاجة! أنا كل تعاملي مع مدام نهال… ماليش علاقة بجاسر."
زينب رفعت حواجبها بدهشة، وقالت بحدة:
"مين جاسر ده؟ آه… تقصد الشاب اللي تابعكم! إوعى تلعب بديلك… براحتك، بكرة البنات هتيجي ونفهم الفولة كلها. ولسه قدامك ساعتين على الفجر يشقشق."
فعلاً البنات فضلوا يحرصوا المكان طول الليل. وزينب بتنظمهم:
"معلش يا بنات… كل واحدة تقوم تصلي لوحدها، عشان الناس دي مش مضمونة. اللي تخلص صلاة تقعد مكانها."
وبالفعل… واحدة ورا التانية صلوا ورجعوا مكانهم، لحد ما نور الصبح بدأ يبان من الشباك.
وزياد، من بعيد، واقف متابع كل حاجة… من غير ما يتدخل.
إيمان كانت نايمة على السرير، ومؤمن جنبها، فجأة شد وجع قوي في بطنها. شهقت وحطت إيدها على جنبها، وصوتها اتقطع.
إيمان (وهي بتصرخ):
"آااه يا مؤمن… بطني!!"
صحى مؤمن مفزوع، قام بسرعة وهو مش عارف يمد إيده فين ولا يعمل إيه:
"إيمان! مالك؟! أعمل إيه؟ أجيب ميه؟ أوديك المستشفى دلوقتي؟!"
دموع إيمان نزلت من شدة الوجع وهي ماسكة في إيده:
"اتصل… اتصل بماما يا مؤمن… بسرعة."
جرى على الموبايل واتصل. كانت سعاد بتقوم تصلي الفجر، أول ما شافت رقم مؤمن ردت بسرعة:
"خير يا ابني؟"
مؤمن (مستعجل):
"ألو… طنط سعاد، إيمان تعبانة أوي!"
رجع لها مرتبك وهو بيطمنها:
"اتصلت بطنط سعاد… جاية فورًا."
هزت إيمان رأسها وهي بتئن:
"وكمان… كلم ماما منى… هتزعل لو ماعرفتش… وخلي بالك من حياة ومراد يا مؤمن… لو حصلي حاجة."
ابتلع مؤمن ريقه، الدموع في عينيه:
"حاضر يا حبيبتي، بس إوعي تقولي كده… إنتي هتكوني بخير."
فتح الموبايل واتصل بمنى. كانت نايمة، سمعت التليفون فرفضت وهي مش شايفة الرقم. رجع يتصل تاني، المرة دي ردت وهي لسه نص نايمة:
"آلو؟"
سمعت صريخ إيمان في الخلفية فانتفضت:
"مالها بنتي؟!"
مؤمن (مرتبك):
"تعبانة… احتمال تولد!"
صرخت منى في التليفون:
"إوعى تتحرك من غيري يا مؤمن! أقسم بالله لو مشيت بيها قبلي… هيكون ليا معاك زعلة كبيرة."
هز رأسه وهو ماسك الموبايل:
"حاضر… حاضر يا طنط منى."
زاد الألم أكتر، وإيمان بدأت تصرخ وتبكي:
"الوجع مش طبيعي… هات… هات شنطة البيبي بسرعة… يمكن تكون ولادة."
جرى مؤمن ناحية الأوضة وهو مش عارف يسيطر على توتره، قلبه واقع بين إيديه، وهو بيدور على شنطة البيبي.
فتح مؤمن الباب بسرعة، ولقى سعاد واقفة ومعاها ابنها حسن (16 سنة). أول ما دخلوا، جريت سعاد على إيمان اللي كانت على الكنبة، متشنجة من الوجع.
سعاد (بقلق):
"قربت يا قلبي… استحملي شوية."
دموع إيمان نزلت وهي بتبص لأمها:
"مش عارفة يا ماما… بطني بتتقطع… والوجع مش عارفة أحدده فين."
سألت سعاد بسرعة:
"فين حياة ومراد؟"
إيمان بصعوبة ردت:
"نايمين جوه."
سعاد بصت لحسن:
"يا حسن، أقعد مع ولاد أختك لحد ما نرجع من المستشفى."
هز حسن رأسه بتأكيد:
"تمام يا ماما… ماتخافيش."
في اللحظة دي دخلت منى بسرعة، أول ما عينها وقعت على سعاد حسّت بغيرة مكتومة، بس خبّت إحساسها. قربت من إيمان، خدت منها شنطة البيبي وهي بتلوم مؤمن بنبرة عتاب:
"بعد كده يا مؤمن، تسجل اسمي عندك ماما… عشان أول واحدة تفتكر تتصل بيها."
مؤمن اتلخبط، حس بالإحراج، وحمد ربنا إن إيمان قبل كده نبهته يتصل بمنى، وإلا كان ممكن ينسى.
منى سألت بتركيز:
"فين حياة ومراد؟"
ردت سعاد بهدوء:
"حسن جوه معاهم."
منى اتنرفزت:
"لأ طبعًا… مينفعش! مش ينفع هسيبهم مع ابن اللي كان هيقتل بنتي. هات الأطفال يا مؤمن معانا، وأنا هكلم عماد ييجي ياخدهم يقعدوا عندنا أو عند والدتك."
وش سعاد اتغير، وزعل باين في كلامها وهي بتعاتب:
"عيب يا مدام منى… حسن أخو إيمان، وبيحبها… ماتحسيبش أي طفل بذنب أهله."
الجو اتوتر أكتر، وإيمان وسط وجعها بدأت تبص لهم برجاء، عايزة تهدي الموقف.
فجأة، وسط صوت الجدال والشد بين سعاد ومنى، صرخت إيمان بأعلى صوتها من الألم:
"حرام عليكم… أقسم بالله حرام! سنة كاملة عايشة في العذاب… شايلة اتهام منك ليها وحزنها، وخوف يفضل مطاردني. بقيت أخاف أطلب حاجة من أي حد عشان ما أشوفش الخناق ده!"
انحنت على بطنها، وصرخت تاني بصوت يقطع القلب:
"خدني يا مومن على المستشفى… سيبهم يتخانقوا مع بعض! اتصل ب ولدتك تخد بالها من أولادي… مدام ربنا كاتب عليا أتحرم دايمًا من أحبابي!"
السكوت غطّى المكان للحظات، كل العيون راحت لإيمان، دموعها ووجعها كسّروا أي كلام.
مؤمن اتلخبط، دموعه نزلت وهو بيشيلها بسرعة.
"حاضر يا حبيبتي… استحملي، هنروح المستشفى دلوقتي."
منى وسعاد اتبادلتوا نظرات صعبة، بس مافيش وقت للعتاب… الوجع كان أقوى من أي خناق.
مع بداية يوم العمل، فتحت زينب باب المصنع عشان البنات يدخلوا، وكلهم كانوا مستغربين إنها اللي بتفتح الباب بنفسها.
قفلوا بنتين الباب ورا آخر واحدة دخلت، وقفت زينب قدامهم وهي ماسكة محمد ونوجة وفلة مربوطين:
"أنا عاوزة أعرف… ماسك إيه عليكم ابن الرفضة ده؟ انطقوا، محدش يخاف. أنا وعد منى… هجيب حق كل بنت انغدر بيها، بس لازم تكونوا معايا. أول حاجة… هنمضي على تنازل من إدارة المصنع، وكلنا هنكون مسؤولين عنه، وبعد ختم الدولة المصنع هيبقى بتاعنا. وبعدين… هنروح بيه على السجن، وكل واحدة هتقول حصل معاها إيه."
البنات اتشجعوا وبدأوا يتكلموا. قامت بنت من آخر الصف وقالت بصوت بيرتعش:
"لما روحت مع الزفته فلة ونوجة… وبعد ما خلصنا، ودّوني مطعم. واحد جه يحاسبني على الحساب وبعدها اتعزمنا على عصير. شربت… وبعدها ما افتكرتش حاجة. يومين فوقت… لقيت نفسي نايمة في بيتنا. وبعد كده… جاتلي رسايل فيديو… وأنا برقص وبخلع هدومي… وواحد بيعمل معايا علاقة! والله العظيم ما فاكرة حاجة!"
وقعت البنت على الأرض منهارة، جريت عليها زينب تشيلها وتسندها. بصت في عينيها بحدة وسألت:
"إسمه إيه الزفت اللي بيحطوا في المشروب؟"
رفعت البنت عينيها بصعوبة، دموعها نازلة وقالت وهي مخنوقة:
"مش عارفة"
زينب (بصوت عالي):
"خلاص! من النهارده مفيش خوف. إحنا مش ضحايا… إحنا اللي هنخلص الحساب بإيدينا."
واحدة ورا التانية تحكي، والجو كله مشحون بالغضب والدموع.
سادت لحظة صمت تقيل في المصنع، البنات كانوا باصين لبعض، الخوف والكسوف مسيطر على وشوشهم.
زينب بصتلهم بصرامة:
"يا بنات… السكوت مش هيجيب حقنا، بالعكس! هيخليهم يتمادوا أكتر. كل كلمة هتتقال هنا هتبقى سلاح في إيدنا قصادهم. عايزاكم تواجهوا الحقيقة… عشان محدش يقدر يضحك علينا تاني."
رفعت إيدها بنت تانية، صوتها كان متقطع:
"أنا… لما كنت في المعرض… واحدة من البنات قالتلي مدام نهال عايزة تشوفك. روحت معاهم. دخلت أوضة شبه المكتب… لقيت شاب مستنيني هناك، قفل الباب. افتكرت إن في شغل… لقيته بيقولي اشربي العصير. حسيت بدوخة… فوقت لقيت هدومي متقطعة… ولما حاولت أصرخ، قالي لو اتكلمتي… الفيديو هيوصل لكل الناس، حتى لأهلك!"
انفجرت البنت في بكاء، وزينب جريت عليها وحضنتها:
"إحنا كلنا معاكي… ولا فيديو هيخوفنا بعد النهاردة."
قامت بنت تالتة، عينيها كلها دموع:
"أنا كمان حصل معايا نفس الشيء… شربت، وبعدها ما افتكرتش حاجة. بس أنا… أنا اتجوزت من شهرين، وجوزي أول ما شاف الفيديو… طلقني."
خيم الصمت من تاني، دموع البنات نازلة وزينب واقفة زي الجبل قصادهم.
زينب (بحزم):
"خلاص! إحنا عرفنا لعبتهم… الروهيبنول، الابتزاز، التهديد. لكن من النهارده… هنقلب الطاولة عليهم. المصنع ده بتاعنا… والأوراق هتتغير، وكل بنت هنا هتكون شاهدة. واللي عملوا فينا… هيتحاسبوا واحد واحد."
"محمد – وهو مربوط – بدأ يصرخ ويحلف:"
"أنا ماليش دعوة! كله من مدام نهال وجاسر! أنا عبد المأمور!"
زينب قربت منه بخطوات تقيلة، عينيها كلها نار:
"عبد المأمور؟ ولا عبد الشيطان؟… هتتكلم… وهتفضح كل حاجة… غصب عنك."
---
اقتربت زينب بخطوات بطيئة، إيدها على دقن محمد وبتجبره يرفع وشه:
"عاوزة أفهم… إيه المقابل؟ إيه اللي كنتوا عايزينه من كل واحدة؟ وليه التهديد ده؟ انطق يا محمد."
محمد تنفس بسرعة، عينه بتتهرب يمين وشمال، وأخيرًا استسلم:
"الموضوع مش بس فيديوهات… إحنا كنا بنمسك عليهم حاجة. بعد ما نصورهم… نطلب منهم يشتغلوا في شقق مشبوهة. لو رفضوا… التسجيلات تطلع على النت، وعلى الدارك ويب."
"قالولي… رد محمد"
"اسمه الروهيبنول… بيجيبوه من واحد تبع جاسر. أول ما البنت تشرب… تِغيب عن الدنيا."
"تكون صاحي وتعمل كل حاجه لكن بيمحى ذكرياتها لمدة يومين وبعد كده يبنجوها تنام يوصلها البيت"
اتصدم الكل، وبدأت البنات يبصوا لبعض بذهول. في عيونهم كان الرعب والغضب مختلطين.
شهقت البنات، بعضهم غطوا وشوشهم من الصدمة.
زينب (بعصبية):
"إنتو مختارين الضحايا ازاي يا محمد؟! قول… بتختاروهم على أي أساس؟"
ابتلع ريقه محمد، صوته بيرتعش:
"المصنع… فيه كاميرات مخفية… خصوصًا جوه أوضة تبديل الملابس. كل بنت جديدة تيجي الشغل… بيتعمل لها ملف كامل: صورها، فيديوهاتها، أسلوبها… وبعدها نقرر مين ينفع يتبعت القاهرة. هناك… الزبون بيكون مستنيها. بحجة المعرض أو مقابلة شغل… يبدأ السيناريو."
انفجرت فُلة بصوت عالي:
"يا ولاد الكلب! نفس الا اتعمل معايا يا زينب ومن وقتها طلبوا منى أكون مع البنت الا يقع عليها الاختيار ومكنتش ينفع ارفض عشان هدودنى يبلغوا أهلي لكن مكنتش اعرف من أول يوم إحنا متراقبين زي الغنم!"
زينب رفعت إيدها تهديهم، بس عينيها مليانة غضب.
"سالتهم نوجة وفله بتشتغلوا من إمتى معهم"
"اتكلمت نوجة بعد ما حصل معايا كده أنا وفلة لما روحني تم تهدين وبعد كده بقوا يدفعوا فلوس وكان المطلوب نروح على المطعم البنت تشرب العصير ويطلب منى نختفي ويتصل بينا بعدها بيومين نأخد البنت ونروحها على البيت أو إلا ترفض تروح المطعم بتروح على المكتب بحجة تقبض فلوسها"
نفخت زينب:
"يعني باختصار… المصنع مش بس مكان شغل… ده مصيدة للبنات! تسفروهم وتبهدلوهم وترجعوهم مكسورات عشان تسوقوهم زي بضاعة؟!"
محمد نكس راسه، عاجز عن الكلام.
---
انصدم زياد وهو متابع من بعيد… اللي عملته زينب سهل عليه المهمة كلها، وشكّه طلع صح من أول يوم شافها.
البنات واقفين حوالين زينب، عيونهم مليانة خوف وضياع.
قامت بنت وقالت بصوت مكسور:
"طب وإحنا هنعمل إيه دلوقتي يا زينب؟"
تنهدت زينب وبصت في عيونهم واحدة واحدة، صوتها فيه قوة:
"المصنع ده بقى بتاعنا… بتاع كل بنت شرفها ضاع واتسوامت عليه. هناخد منه تنازل رسمي، والمصنع هيتسجل باسمنا كلنا. من النهارده محدش يقدر يقرب مننا."
وفعلاً… جابت ورق كان جاهز من قبل، حطته قدام محمد المربوط.
محمد حاول يرفض… لكن الحبل مش سايبه، والزيت الحارق من الشطة لسه مولّع في عيونه، مفيش مهرب.
مضى على التوكيل بالبيع والشراء.
زينب سلّمت الورق لبنت من الحارة معاها محامية صغيرة السن لكن جريئة.
"روحي على الشهر العقاري… سجّلي كل حاجة بأسماء البنات."
كتبت المحامية أسماء البنات وبطاقاتهم واحدة واحدة… ورجعت بعد ساعات متصلّة:
"خلصت… المصنع اتسجل باسم البنات رسمي."
ابتسمت زينب لأول مرة من يومين وقالت:
"خلاص… بقى عندنا سلاح قانوني."
وبعدها أخدت محمد وفُلة ونوجة مربوطين، والبنات كلها معاها، وطلعوا على القسم.
الظابط أول ما شاف المشهد… اتصدم.
راجل مربوط قدامه زي المجرمين، جنبه اتنين ستات بيعيطوا، وخلفهم بنات بالعشرات باين على وشوشهم الألم.
"إيه ده؟ مين دول؟"
زينب وقفت قدام المكتب بكل ثقة، رفعت صوتها:
"دول المجرمين اللي كانوا بيشغلوا البنات في الدعارة بالغصب… ودول البنات اللي ضاع شرفهم بسببهم. وكل بنت هنا عندها حكاية وهتقولها بنَفسها."
وبالفعل… بدأت البنات واحدة ورا التانية يحكوا قصصهم.
كل كلمة كانت نار بتحرق قلب الضابط وهو بيكتب في المحضر.
ولما خلصت آخر بنت كلامها… الباب اتفتح فجأة.
دخل زياد بخطوات ثابتة، عينه كلها إعجاب وانتصار.
زينب كانت واقفة وسط البنات، لسه مخلصة كلامها… فجأة الباب اتفتح.
دخل زياد بخطوات واثقة، طلع من جيبه كرنيه، وأول ما الظابط شافه وقف بسرعة وأدى له التحية.
الصدمة ضربت قلب زينب…
"إنت… إنت ظابط؟!"
بصّ لها زياد بحدة خفيفة، وأشار لها تسكت.
"مش وقته الكلام دلوقتي."
قعد دقائق بيتكلم مع الظابط، وبعدها أخد قرار سريع… محمد اتسجن فورًا، الاعترافات كلها اتكتبت، وتم إرسال قوة للمصنع تجيب الكاميرات المخفية.
وبعد ساعة، الظابط دخل لزينب وقال لها:
"تعالي معايا."
دخلت معاه أوضة جانبية… قلبها واجعها ومخنوق من المفاجأة. أول ما شافت زياد واقف مستنيها، انفجرت.
"هو إنت ظابط؟! طول الوقت وإنت بتضحك عليا؟!"
ابتسم زياد ابتسامة هادية، كأن الصرخة دي كانت متوقعة:
"أنا أكبر من كده… أنا مش مجرد ظابط، أنا بشتغل في وحدة كبيرة في الشرطة، شغلنا نوقع الشبكات دي. المهم مش أنا دلوقتي… المهم إنتِ."
قعد زياد على الكرسي، عينيه مثبتة في عيونها، صوته هادي لكنه مليان ثِقَل:
"من أول قضية بنت انتحرت في الإسكندرية… وبعد الكشف عليها اكتشفنا إنها مش بنت. الكل افتكر إنها غلطت مع واحد وانتحرت، لكن لما وصل تليفونها واتحللنا التهديدات اللي كانت عليها… شكّيت. مكملش أسبوع… بنت تانية برده انتحرت. الملف كله اتجمع عندنا، ولما بدأنا التحريات… لقينا إن البنتين كانوا قبل الانتحار في القاهرة، وشغالين في مصنع ملابس. من هنا الخيط بدأ يتضح… بس مكنش عندي كل التفاصيل. فضلت أتابع، وأدور… لحد ما شوفتك إنتِ في المطعم. وقتها قلبي قالي إن شكي مش هيخيب. أكيد فاكرة اللي حصل… لحد النهارده."
وقف لحظة، أخد نفس عميق وبص لها بامتنان:
"لكن إنتِ… عملتِ اللي أنا ماقدرتش أعمله شهور. إنتِ سهّلتِ عليا المهمة كلها."
زينب، واقفة بشموخ، ودمعة صغيرة محبوسة في عينها، رفعت راسها بثقة:
"أنا وعدت البنات… والوعد دين. مهما حصل… الحق لازم ييجي."
سكتت لحظة، وبصت له بعيون كلها تحدي:
"بس فيه فرق بيني وبينك يا حضرة الظابط … إنت شايفها قضية. أنا شايفاها حياة… ودم… وكرامة."
تنهد زياد:
"عايزك معايا نكمل القضية ده."
زينب فتحت عينيها بدهشة، قلبها وقع:
"أكمّل القضية إزاي إنشاء الله؟!"
زياد اتنهد وهو بيعدل جلسته:
"اللي أتمسك… معترفش على حد. خايف. وكل اللي وقعناهم ناس صغيرة… أدوات مش أكتر."
بدأت زينب تفهم المقصود، ملامحها اتغيرت:
"يعني عايزني أكون مخبرة؟! أدوّر على الباقي؟ افتح الله… أنا مش بتاعت لعب دي."
زياد وقف فجأة، بقوة وصوت مليان حزم:
"مش بمزاجك يا زينب! أول ما محمد يعترض في النيابة… هيعترف إنك اللي ربطاه وأجبرتيه على التوقيع. وقتها… هتبقي إنتِ في ورطة مش هتعرفي تطلعي منها."
قرب خطوة منها، عينيه مركزة في عينيها:
"أنا مش بهددك… أنا بقولك الحقيقة. يا تكمل معايا للآخر وتطلعي بطلة… يا إما تلاقى نفسك متهمة."
زينب عضت شفايفها بعصبية، دموع الغيظ نزلت وهي بتبص له بحدة:
"أنا وعدت البنات إني أجيب حقهم… مش عشان أبقى لعبة في إيد الشرطة!"
زياد هدي صوته، بس عينيه فضلت قوية:
"ومش هتقدري تعملي ده لوحدك. الحرب دي أكبر منك… وأكبر مني كمان. بس سوا… نقدر نهدم الشبكة دي."
رواية عشقت فتاة المصنع الفصل الخامس 5 - بقلم صفاء حسني
"لا طبعًا… مش موافقة أكون مخبرة ولا أبيع نفسي للخطر. أنا عملت اللي أقدر عليه وخلص."
ظهرت على ملامح زينب التوتر. نظر لها زياد ثم بدأ في الضحك بسخرية وهو مائل على الكرسي:
"خايفة من الخطر؟ حضرتك لو خرجت من هنا لوحدك… يا هنلاقي جثتك في البحر، يا مرمية من فوق عمارة. أنتي عرفتِ كتير… ومش هيسيبوا اللي يتحدى معلمهم يعيش. قبل ما توصلي بيتك، كانوا هيكونوا بلطجية مستنيينك… ما بالك دلوقتي؟ بعد ما كتبتي المصنع باسم البنات وسجنتي واحد من رجالتهم؟"
تجمدت زينب للحظة، قلبها بيخبط، بصّت له بعيون مليانة قلق:
"طب إزاي هتضمن تحميني؟! وإنت لسه بتقول بنفسك ممكن يكونوا مستنينّي برة؟"
كمل زياد بثبات:
"لأ، في فرق كبير. فرق بين واحدة ماشية في الشارع من غير رقابة… وبين واحدة الشرطة بتتابع كل خطوة ليها. اسمعي كلامي. مش بس هتكوني محمية… أنتي هتكوني من فريقي. وصدقيني، أنا مش بضحك عليك وكمان يكون ليك راتب."
زينب بغضب وهي بتقوم واقفة:
"انت فاكرني كل همّي الفلوس؟!"
زياد هز رأسه بهدوء:
"مقصودش كده. المكافأة اللي بتكلم عنها مش فلوس وبس… ده تقدير. انتي لو ساعدتيني نوصل للرأس الكبيرة… هكون سبب إن الشبكة دي تقع، وهترقّى، وأنتِ هتاخدي مكانك معانا. هتكوني بطلة… وأمك وأخوك هيفتخروا بيك. فكري… كام مصنع، كام ورشة، كام بنت ضاع شرفها. لو وقفتي… اللي ضاع ضاع. لو كملتي… هتنقذي مئات."
اتنهدت زينب، وملامحها اتحولت من الغضب للحيرة، ما بين خوفها الحقيقي… وبين إحساسها بالمسؤولية تجاه البنات.
(بتكلم نفسها بصوت واطي)
"هو عنده حق… أنا ماكنتش متخيلة الموضوع يوصل لكده… ولا يكبر بالشكل ده. لو ماكنتش جريئة شوية… وقدرت أواجه الشاب اللي حاول يوقعني… كنت أنا كمان دلوقتي ضحية زي باقي البنات. قد إيه في بنات زيي… بيروحوا يشتغلوا عشان يساعدوا أهلهم… وفي الآخر بيتحولوا لفريسة؟ قد إيه في بنات بيسافروا من بلد لبلد عشان الفلوس… ويقابلوا وحوش زي الناس دي؟ يمكن مش هقدر أوقف الدنيا كلها… ولا أقدر أحمي كل البنات… بس على الأقل… لو الشبكة دي وقعت، والإعلام مسك القضية واتكلم عنها… الناس كلها هتفتح عينها… هتكون قضية رأي عام… ساعتها أي بنت هتخلي بالها… وأي أم وأب هيخافوا على عيالهم."
(زياد قاعد على الكرسي، متعصب ومرهق، صوته عالي)
"كفاية بقى! دوختيني معاكِ طول الليل… أنا منمتش من امبارح. أنا محتاج أرجع القاهرة دلوقتي. إنتِ معايا… ولا أعتبر نفسي كنت غلطان وأمشي؟"
(زينب وقفت قدامه، عنيها ثابتة فيه، وابتسامة صغيرة بدأت تطلع على وشها كأنها خدت قرارها)
"معاك… بإذن الله. بس على شرط."
(زياد يضيق عينيه وهو مركز معاها)
"شرط؟ إيه تاني يا زينب؟"
زينب بهدوء وابتسامة واثقة:
"لمّا أخويا ينجح… ويقدّم في كلية الشرطة… تقبله. أنا عارفة كل حاجة بتمشي بالواسطة… وأنا عاوزة الواسطة دي لأخويا."
(زياد يتنهد، يبص لها بنص غضب ونص اندهاش، كأنه مش متوقع الشرط، لكنه برضه شايف قد إيه هي مصرّة ومش بتهزر.)
(زياد يضحك ضحكة قصيرة فيها سخرية)
"إنتي فاكرة نفسك بتساومي ظابط مباحث في نص قضية دولية؟"
(زينب تقرب خطوة، تبص له بثبات وبدون خوف)
"مش مساومة يا بيه… ده وعد. أنا بخاطر بحياتي عشان البنات دي، وعشان البلد دي. أقل حاجة أخويا يلاقي فرصة يعيشها بشرف… مش زي العفن اللي إحنا بنطارده."
(زياد يسكت لحظة، يبص لها بإعجاب وإحساس إنها قوية، لكن متضيق من لمضيتها وبعدين يقول بنبرة هادية لكن جادة)
"تمام يا زينب… بس افتكري إن ده وعد… والوعد دين."
---
فجأة، وسط صوت الجدال والشد بين سعاد ومنى، صرخت إيمان بأعلى صوتها من الألم:
إيمان بدموع ووجع:
"حرام عليكم… أقسم بالله حرام! سنة كاملة عايشة في العذاب… شايلة اتهام منك ليها وحزنها، وخوف يفضل مطاردني. بقيت أخاف أطلب حاجة من أي حد عشان ما أشوفش الخناق ده!"
انحنت على بطنها، وصرخت تاني بصوت يقطع القلب:
"خدني يا مؤمن على المستشفى… سيبهم يتخانقوا مع بعض! اتصل بطنط سعاد تخد بالها من أولادي… مدام ربنا كاتب عليا أتحرم دايمًا من أحبابي!"
السكوت غطّى المكان للحظات، كل العيون راحت لإيمان، دموعها ووجعها كسّروا أي كلام. مؤمن اتلخبط، دموعه نزلت وهو بيشيلها بسرعة.
مؤمن بصوت مكسور:
"حاضر يا حبيبتي… استحملي، هنروح المستشفى دلوقتي."
منى وسعاد تبادلتا نظرات صعبة، بس مافيش وقت للعتاب… الوجع كان أقوى من أي خناق. اتجمعت سعاد ومعاها حسن، ومنى قدام باب الشقة، كل واحدة عايزة تمسك إيمان وتاخدها بطريقتها. مؤمن وقف بينهم، عينيه مليانة غضب وقلق:
مؤمن بحزم:
"كفاية! إيمان مش ناقصة… أنا مش هسمح إنكم تخلوا لحظة زي دي تبقى ساحة خناقة. لو وجودكم هيعمل حرب نفسية لإيمان… والله أخدها وامشي من هنا. أروح محافظة تانية وأبعدها عنكم كلكم… حتى أولادي، أخدهم وأبعد."
سكتوا الاتنين، وفضل صوت أنين إيمان هو المسيطر.
مؤمن بصوت مكسور لكنه ثابت:
"فكّروا… عايزين تكونوا أمهات حقيقيين لإيمان؟ يبقى تهدوا… وتقفوا جنبها بجد، مش ضد بعض."
بصّت له منى بغيظ مكتوم، وسعاد دموعها قربت تنزل، لكن ماحدش رد. مؤمن حمل إيمان بهدوء، وحطها في العربية، مسك إيدها وهو بيطمنها:
مؤمن بحنان:
"مسافة السكة يا حبيبتي… استحملي."
إيمان كانت بتبكي من الألم وتردد بصوت مبحوح:
"يا رب… يا رب."
مؤمن كان واقف قدام العربية، ماسك باب السواق بإيده وعينه حمراء من السهر والقلق:
مؤمن بحدة:
"قلت كفاية! أنا هاخد إيمان وأوصلها المستشفى، مش عايز خناق ولا حد يزيد وجعها بتوتره."
منى نفخت بقوة، صوتها مليان عصبية:
"هو إحنا غرب يا مؤمن؟! أنا أختها، ولما أختي تولد مش هكون معاها؟! تعالِ يا سعاد، سيبه في حاله… أنا معايا عربيتي وسواق، ونروح وراهم."
سعاد ردت بهدوء يحاول يبرد الموقف:
"يا جماعة مش وقته. البنت بتتألم، وكل دقيقة بتفرق."
لكن منى ما سكتتش، لمست ذراع سعاد:
"تعالي معايا يا سعاد. العربية جاهزة والسواق تحت. وصحي الأولاد يا حسن يجهزوا، ييجوا معانا… يمكن يفرحوا بختهم أو أخوهم اللي جاي."
مؤمن لف لهم فجأة، صوته عالي لأول مرة:
"مش هينفع! إيمان مش محتاجة زحمة ولا دوشة حواليها دلوقتي. لو شايفين نفسكم عايزين تفرحوها… استنوها هنا وادعولها. لو وجودكم هيولّد حرب نفسية، يبقى أنا آخدها وولادها ونمشي بعيد… حتى لو سبت البيت ده وروحت محافظة تانية!"
سكتوا لحظة، وصوت صراخ إيمان من جوه العربية قطع الجدال:
"كفاية بقى… أنا بموت من الوجع!"
ساعتها سعاد بصت لمنى وقالت بصرامة لأول مرة:
"نركب وراهم بالعربية بتاعتك… من غير صوت، من غير مشاكل. أهم حاجة نوصل قبل ما يحصل لها حاجة."
منى عضت شفايفها، ووافقت وهي متوترة:
"ماشي… بس أوعى تفتكرني هسيبها لوحدها جوه العمليات."
ركبوا بسرعة، وطلع موكب العربيات ناحية المستشفى… الجو كله توتر وقلق.
كانت إيمان نايمة فى العربية ، والوجع بدأ يزيد بشكل غريب… مش زي أي مرة قبل كده. وجعها مش متوزع على بطنها كلها زي الولادة الطبيعية، لكن مركز أكتر في جنب واحد، بيشد كأن حد بيغرس سكين. لكن ملامحها كانت بتتغير كل ثانية:
إيمان وهي بتصرخ:
وشها شاحب جدًا، عرق بارد نازل على جبينها، تنفسها متقطع، وبتقول بصوت واطي وهي شبه منهارة:
"حاسّة بدوخة… الدنيا بتسود قدامي."
"بطني… مش قادرة… الوجع في جنبي، بيقطعني…!"
مؤمن حاول يطمنها:
"يمكن الطلق بدأ…"
وصلوا المستشفى، جري بيها مؤمن مع طقم التمريض، الكرسي المتحرك جه بسرعة.
ممرضة:
"غرفة الكشف بسرعة!"
دخلت دكتورة شابة، بسرعة لبست الجاون، وبدأت الكشف. ملامحها اتشدت من القلق. الدكتورة كشفت بسرعة، وشها اتغير وقالت بحزم:
"دي مش ولادة عادية… دي حالة حمل خارج الرحم. الجنين مثبت برّه الرحم، وده سبب النزيف الداخلي. لو ما دخلناش عملية قيصري حالًا حياتها في خطر."
سعاد انهارت:
"يعني إيه يا دكتورة؟!"
الدكتورة أوضحت بسرعة:
"الحمل ده بيحصل لما البويضة تثبت في قناة فالوب بدل الرحم. القناة مش مهيئة تتحمل نمو الجنين، وده بيعمل انفجار ونزيف داخلي. لو اتأخرنا… النزيف ممكن يهدد حياتها فورًا."
إيمان وهي بتبكي من الوجع:
"أعملوا أي حاجة… بس خلّوني أعيش عشان أولادي."
رواية عشقت فتاة المصنع الفصل السادس 6 - بقلم صفاء حسني
دخل الدكتور شايل علبة صغيرة مليانة أدوات طبية.
بصّت زينب بخوف على الطقم اللي في إيده، ووقفت مكانها متراجعة.
زينب (بتوتر): إيه ده كله؟!
الدكتور بابتسامة هادية: كرسي واسع هنا... نامي عليه وارفعي كُمك عشان أركّب الجهاز في دراعك.
زينب اتجمدت مكانها، وبصّت لزياد بحدة.
زينب: ليه إن شاء الله؟!
زياد اتنهد وهو بيحاول يسيطر على عصبيته: عشان نركب ليكي جهاز متابعة. الدكتور هو اللي هيركبه، في ذراعك، صغير مش هتحسي بيه.
قلبها بدأ يدق بسرعة، وملامح الخوف بانت أكتر.
زينب (بصوت عالي شوية): لا طبعًا! أنا بخاف من الحقن أصلاً... وسع كده! أنا مش لعبة في إيدكوا.
الدكتور ضحك بخفة، وكأنه بيتعامل مع طفلة: متخافيش... مش هتحسّي بحاجة، زي لسعة ناموسة وخلاص.
زياد فجأة صوته اتغيّر، حاد ومليان جدية: فاكر إنها بتخاف دى بتخوف بلد بحالها! نامي على الكنبة وبطلي دلع يا زينب.
اتسعت عينيها من نبرة صوته، وبصّت له بغيظ ودموع صغيرة لمعت.
زينب: أنا مش بدلع! أنا فعلاً بخاف... من وأنا صغيرة وأنا أغمى عليّا من الحقن!
الدكتور حاول يلطّف الجو بابتسامة: بصي، خدي نفس عميق... وغمضي عينيكي، وأنا أوعدك مش هتحسي بحاجة. وإلا نجيبلك كريم تخدير، إيه رأيك؟
زينب عضّت شفايفها وترددت، قلبها بين الرعب وإصرار زياد اللي بيضغط عليها. بتبص له بريبة وهي مشدودة الأعصاب.
زينب (بتوتر): إيه ده يا باشا ؟! إنت بتقول كبسولة في ذراعي؟! طب ما ... التليفون معايا. ليه توجعني؟!
زياد ابتسم ابتسامة صغيرة فيها سخرية: لو التليفون وقع منك؟ أو اتكسر؟ أو خَدوه منك؟ هنوصلك إزاي ساعتها؟
زينب رفعت صوتها وهي متضايقة: طيب في هدومي! يعني لازم تشكشك في جسمي؟! أنا مش عروسة لعبة في إيدك!
زياد غمض عينه لحظة كأنه بيكتم عصبيته، وبعدين بص لها بجدية: لو حطناه في هدومك هيتكشف أول ما يفتشوك... الشبكة دي مش لعبة. الناس اللي وراها دمّهم بارد، وأول حاجة بيعملوها يفتشوا أي واحدة قبل ما يدخلوا معاها أي شغل. إنتي عارفة لو لَقوا الجهاز... هيعملوا فيك إيه؟
صمتت زينب لحظة، قلبها بيرتعش لكن عينيها متحدية.
زينب (بصوت واطي): وأنا ماليش رأي؟ أنا موافقة على إني أساعدك، بس مش أكون حقل تجارب.
زياد قرب منها خطوة، صوته منخفض لكن مليان قوة: هو ده الضمان الوحيد لحياتك يا زينب. لما أقولك إحنا هنوصلك في أي وقت... يبقى لازم أكون واثق إني هقدر أعمل كده. الكبسولة صغيرة، مش باينة، وهتحميكي أكتر من أي سلاح.
بصت له زينب بعصبية وهي عاضّة شفايفها: يعني حياتي هتبقى مربوطة بحاجة مش حتى بإيدي...!
زياد رد وهو ثابت: حياتك دلوقتي مربوطة بينا وبين شجاعتك. اختاري: يا أمان كامل... يا خطر مميت.
زينب عضّت شفايفها وترددت، قلبها ما بين الخوف اللي بيشلّها وإصرار زياد اللي بيضغط عليها.
طلع الدكتور علبة صغيرة وفتحها قدامها، جاب كبسولة معدنية لامعة، ومعاها جهاز صغير تاني للأذن.
زينب (بصوت عالي وهي راجعة لورا): إيه كل ده؟! انتو ناويين تعملوا فيّا إيه؟!
الدكتور بهدوء: دي كبسولة صغيرة جدًا هتتحط في دراعك، تقدر تتابعك وتحدد مكانك في أي وقت. والجهاز التاني سماعة دقيقة، هتركبيها في ودانك عشان تفضلي على اتصال معانا طول الوقت.
عينها اتسعت أكتر، ودموع القلق بدأت تنزل.
زينب: كبسولة! في دراعي؟! لأ... مش ممكن! مش هلعب معاكم التجارب دي.
قرب منها الدكتور بخطوات ثابتة وهو ماسك الجهاز، فجأة زينب شهقت بصوت عالي وصرخت.
زينب: لاااااا! بلاش! ابعد عني!
زياد اتدخل بسرعة، شد الكرسي برجله وقرب منها وهو بيبصلها بحدة تخليها تتجمد مكانها.
زياد: هتفضلي تصرخي زي العيال؟! دي مش لعبة يا زينب. دي حياتك... وحياة ناس تانية هتتحمي بسببك.
زينب (بترتعش وصوتها مكسور): بس أنا... أنا بخاف... والله بخاف من أي حاجة تدخل في جسمي!
الدكتور بابتسامة مطمئنة وهو بيرفع إيده: بصي... ولا نقطة دم هتنزل. الموضوع أبسط مما تتخيلي.
زياد مال عليها بصوت واطي لكنه مليان تهديد: اختاري... يا الجهاز ده يركب دلوقتي... يا إمّا هخرج وأسيبك تواجهَي اللي برا لوحدك. عارفة كويس مصيرك هيبقى إيه.
طلعت زينب على الكرسي، كانت لابسة قميص أسود تحته بادي أحمر وبنطلون أسود. بدأت ترفع الكم والقميص، لكن البادي كان ضيق ومحبوس على دراعها، خلى الدم مايتحركش كويس.
الدكتور هز راسه باعتراض: لا... كده مينفعش. البادي ضيق وحابس الدم، ولو زرعت الكبسولة هينزل دم كتير. لازم تخلع البادي.
زينب فتحت عينيها بدهشة وصوتها عالي: إنت بتقول إيه!؟ إنت سامع نفسك كويس؟!
بصّت ناحية زياد مستنجدة، لكن الدكتور وجّه الكلام له.
الدكتور: مفيش حل تاني... يا يتخلع، يا منعرفش نركب الجهاز.
زياد نفخ بضيق، قام من مكانه واقترب منها بخطوات ثابتة.
زياد (بحدة): تعالي يا زينب... خليني أحلّها.
زينب بدأت تهز راسها بخوف: لا... لا تقرب! أنا هلاقي طريقة-
لكن زياد مد إيده بقوة، وبضغطة واحدة مزّق الكم بتاع البادي.
صوت القماش وهو بيتقطع ملأ الغرفة.
شهقت زينب، بصت له بصدمة ودموعها على وشها: إييييه ده! بوزت البادي الجديد! ده بـ150 جنيه... و بالعافية نزلت البياعة 20 جنيه عشان آخده!
بعد فصال زياد رفع حاجبه، ماسك بقايا الكم في إيده وهو بيضحك بسخرية: يعني حياتك كلها دلوقتي واقفة على 150 جنيه يا زينب؟
زينب (بتتنفس بعصبية): أيوه! يمكن هو أرخص من حياتكوا وألعابكم دي... بس بالنسبة لي تمن غالي! أنا بتعب عشان أجيب حاجة لنفسي.
الدكتور ابتسم بخفة وهو بيجهز الجهاز: يلا يا جماعة... نخلص أحسن ما البادي يبقى ضحية أخيرة.
زياد انفجر فيه الصبر وهو بيزعق: يا زينب... أنا هموت ونفسي أنام! ومش عارف مصيرك هيكون إيه! خلّصيني عشان أقدّمك حرب برا... إنتي مش فاهمة إنك بقيتِ في لعبة أكبر منك بكتير؟!لازم نتابعك يا زينب... واحتمال كبير ينقولك على القاهرة... وأنا مضطر أسافر وراكي وأفضل أراقبك... بالله عليكِ، تعاون معايا! ووعد... أجيبلك بادي غيره.
زينب رفعت راسها بعناد، دموعها لسه متعلقة في عينيها، وهزت راسها بالنفي: شكرًا... مش عاوزة تشتري ليا حاجة. أنا أخيطه... وأحافظ على تعبي زي ما هو.
زياد ضرب كفّه في الطاولة بضيق وهو بيشيح وشّه بعيد: إنتي بتعانديني ليه يا بنتي؟! ده حياتك على المحك!
التفتت زينب للدكتور وهي بتشد نفس طويل: يلا يا دكتور... ركب بسرعة وخلصني. وهو يروح ينام بقى، يمكن يروق من النكد.
ابتسم الدكتور بخفة وهو بيحضّر المخدر: ما تقلقيش، الموضوع بسيط.
اقترب منها، مسح مكان الحقن بمطهر، وقال بهدوء: خدي نفس عميق... مش هتحسي بحاجة.
شهقت زينب وهي بتغمض عينيها بإصرار: ركّب... وخلصني.
بدأ الدكتور يدخل الكبسولة في ذراعها بدقة... وزياد واقف يراقبها بعينيه، مزيج بين الغضب والإعجاب من قوة عنادها.
شعر زياد بخوفها الحقيقي، رعشة جسمها اللي بتنفض زي العصفور المبتل.
اتقرب منها بهدوء، مدّ كفه، وحط إيده في كفها التانية...
زينب ارتجفت، وبعدين بهدوء... بدأت تحس بحرارة إيده، كأنها بتسحب منها الخوف.
بعد لحظات... غمضت عينيها، تايهة بين خوفها وده اللي مش فاهمة ليه بيطمنها.
زياد فضّل يبص لها، يتأمل تفاصيلها الصغيرة... أول مرة يشوفها سايبة نفسها من غير ما تعاند أو تتحدى.
ساعتها ساب إيدها بهدوء، وحس بنفسه بيرجع ياخد نفسه.
الدكتور خلص جهاز الذراع، وانتقل على ودنها...
وفي اللحظة اللي دخل فيها الجهاز مرة واحدة، صرخت زينب من الوجع، ودموعها نزلت غصب عنها.
زياد رجع بسرعة، مسك إيدها بقوة، مسح دموعها بأطراف صوابعه.
قلبه اتقبض من وجعها، فكر يلهيها... يبعدها عن الألم.
بصّ لها بابتسامة خفيفة وسأل فجأة: هو... إنتِ حبيتي قبل كده؟
في غرفة العمليات.
إيمان على السرير، إيديها متشبكة في إيد مؤمن اللي بيبصلها وكأنه بيتعلق بيها.
مؤمن (بعينين حمرا من الدموع وهو بيقرب): أنا بعشقك يا إيمان... هتقومى بالسلامة، وهتكونى بخير... اسمعيني... أوعدك من هنا ورايح أنا اللي هعمل كل حاجة. أغسلك المواعين... أطبخ... وأنتِ كفاية عليكي الأولاد. بس بالله عليكي، ما تسيبينيش... مفهوم؟
إيمان بتنهّد، صوتها ضعيف: مش عارفة ليه يا مؤمن... بعد ما حسيت إني ارتحت... بقيت حاسة إن نصيبي مش مكتوب، وحاسة إني عايزة أنام... أنام نوم طويل.
مؤمن شد إيديها أكتر، صرخ وهو بيترجاها: إوعى... إوعى تنامى وتسيبيني يا إيمان. إنتي حياتي كلها.
دخل الدكتور ومعاه طاقم التمريض، بابتسامة هادية.
الدكتور: متقلقش يا أستاذ مؤمن... هي دلوقتي تحت تأثير المهدئ.
وبهدوء وهو بيحقن في ذراعها: نامت عشان المهدئ... مش عشان حاجة تانية. سيبنا دلوقتي نكمل الإجراءات.
خرج مؤمن متردد وخطواته تقيلة كأنه بيجر روحه معاه. وقف في طرقة المستشفى، رايح جاي، إيده على راسه وعينيه للسماء.
مؤمن: يا رب... يا رب قومها بالسلامة... خد من عمري وأديهولها.
في غرفة الانتظار.
سعاد قاعدة ناحية، ومنى في الناحية التانية. الجو كله توتر وسكون.
منى دموعها بدأت تنزل رغم محاولتها تخفيها.
سعاد قربت منها بهدوء، مدت إيدها ومسكها: عارفة... إنك بتكرهي حب إيمان ليا. يمكن حاسة إن بنتك الوحيدة بعيد عنك... ويمكن ساعات بتحسي إنك عايزينى اختفي من حياتها.
سكتت لحظة، دموعها بتنزل هي كمان، وكملت: بس والله يا منى... عندك حق. غصب عني. إيمان كانت ظهري وسندي... الحماية اللي وقفت معايا في كل حاجة. مش قدرت أستغنى عنها لحظة.
غرفة الانتظار - المستشفى.
الهدوء مش بيفصل غير صوت دعاء مؤمن من بعيد.
سعاد شدّت إيد منى فجأة، بصت لها بعينين مليانة دموع وبدأت صوتها يرتعش.
سعاد: فاكرة يا منى... وهي صغيرة... لما كنت بشتكيلك من جوزي اللي كان بيضربني؟ فاكرة وقتها مكنش ليا ضهر غير إيمان... هي اللي كانت بتحضني وتربط على ضهري؟ متنسيش كمان... لما جيت لحد عندك واترجيتك تساعديني... تخلي جوزك يدخل يمنع بنتي تتجوز وتسافر.
ابتلعت ريقها بصعوبة: فاكرة قلتلي إيه وقتها؟ قلتيلي... (ممكن لما تتجوز ترتاح من أبوها يا سعاد).
منى سكتت، راسها نزلت لتحت والدموع غلبتها.
سعاد رفعت صوتها وهي بتختنق: أنا وقتها اتصدمت... سألتك... لو بنتك إنتي تقبل تتجوز قبل ما تكمل 18 سنة؟ فاكرة ردك؟ قلتيلي... (ظروفنا مش زي بعض... وإنتي اللي اخترتي جوزك).
وقفت لحظة تلم نفسها، وبعدين واصلت: اترجيتك بالله... جوزك يعرف مسؤولين كبار كان ممكن يمنعوا السفر عشان كانت لسه قاصر. بس إنتي... اعتذرتي. وقلتي (عندي مشوار ضروري... نتكلم وقت تاني).
سعاد دموعها نزلت بغزارة: وقتها... إيمان عرفت باللي حصل... بصتلي وقالت: (ما تتذلّيش لحد يا أمي).
رفعت عينيها في وش منى مباشرة: إنتي عارفة... لو لحظة واحدة بس... فكرتي تعاملي بضميرك... مكنتش بنتك تبعد عنك النهاردة.
متجيش تلوميها على حبي ليها وحبها ليا.
منى قاعدة مكسورة، سعاد جنبها لسه ماسكة إيدها. فجأة يدخل عماد متوتر، صوته عالي.
عماد (بانفعال): إيه اللي سمعته ده يا منى؟! إيمان ؟! إمتى الكلام ده؟! يعني كنتي عارفة إنهم يجوزها ؟ ومبلغتنيش؟!
وقف قدامها وهو بيرتعش من الغضب: إزاي يا منى؟! إزاي سكتي؟! ده كان ممكن أعمل المستحيل وأجيبها… كنت على الأقل عرفت الحقيقة من بدري وأنقذت بنتك قبل ما توصل للي هي فيه دلوقتي!
منى انهارت فجأة، دموعها نزلت غصب عنها: آه… كنت عارفة… وكنت هقولك يا عماد… بس رهف منعتني. قالتلي: (لو دخلت في حياتهم… أبوها يموتنا يا ماما). أنا… أنا خفت.
دخل مؤمن على صوت الصريخ، وشه مصدوم وعينيه بتلمع من الدموع: إيه… إيه اللي بتقوليه ده؟! يعني إنتي كنتي عارفة؟! كل اللي حصل لإيمان… كل اللي اتعذبته… وإنتي ساكتة؟
منى بتنهار أكتر، صوتها بيتقطع: أنا مكنتش عارفة اللي هيحصل… والله ما كنت عارفة… وبعد كده جالي اتصال إن رهف اتضربت بالنار… حسيت الدنيا بتتهد… أنا وقتها اتجمدت، اتشلّت من الخوف… أقسم بالله مكنتش عارفة أعمل إيه!
عماد رفع إيده بعصبية وبعدين وقعها وهو منهار: إنتي ضيّعتِ بنتك يا منى… مش أنا. إيمان اتظلمت… بسبب سكوتك.
سكتت الطرقه، وصوت بكاء منى بيملى المكان.
ومؤمن رجع خطوة لورا، حاسس إن قلبه بيتقطع وهو بيبص ناحية غرفة العمليات: يا رب… يا رب ما تكتبش عليها نهاية زى ما انتقمت من إلا ظلمتها انصرها.
فلاش باك.
اتصل مهاب ب مؤمن، عينيه محمرة من البكاء، صوته متهدج.
مهاب: إحنا… كنا متابعين مع أحسن الدكاترة هنا. رهف دخلت العمليات… فجأة قالوا: (تسمم حمل). مش عارف إيه اللي حصل… كل حاجة كانت تمام… وفجأة ماتت.
مومن واقف مذهول: إزاي يعني؟! رهف كانت كويسة! تسمم حمل إيه؟!
مهاب بيتنهد، يمسح دموعه، صوته بينكسر: اللي ما تعرفوش يا مومن… إنها مش مجرد غلطة. دي كانت… كارثة متعمدة.
مومن (منهار، بيرتعش): كارثة إيه؟! اتكلم!
مهاب (يقرب ويبص على حاجه بعمق ويكمل كلامه ): في دكتور… من اللي كانوا جوه. أمه زمان ماتت في مستشفى بسبب حقنة شرج غلط حطتها لها ممرضة قريبتها، وأمه وقتها ،كانت تعبانة بسيط… وماتت. وبعد كده عرف انهم باعوا اعضها من يومها وهو شايل غل… شايل موت أمه جوا قلبه. الدكتور ده هو اللي قال رهف حالتها خطيرة… هو اللي أصر إنها تتحول هنا… وهو اللي خلص عليها.
مومن وقع على الكرسي ، مش قادر يستوعب، دموعه نازلة، يهمس: يعني… رهف اتقتلت؟! ده مش موت ربنا؟!
يغلق الهاتف ويظهر مهاب داخل غرفة : مهاب وهو واقف قدام جثة رهف، يبتسم ابتسامة باردة، يمد إيده يلمس جبينها، ويتمتم: نامي يا رهف… انتقمتي لي من غير ما تعرفي.
"أيوه يا رهف… أنا كنت الدكتور ده. أنا اللي خططت وقربت منك… لحد ما وثقتِ فيّ… حكيتِ لي كل أسرارك… حتى لما حسيتِ إني حبيب. وأنا؟ كنت بديكي منع حمل من وراكي… وأوهمتك إني بحافظ عليكي. لما وقعتِ في إغماءة… طلعتلك النتيجة إنك حامل… ورتبت مع زميلي كل حاجة. جبتك هنا… وخلصت عليك. زي ما عملوا في أمي… اتعمل فيكي. بس الفرق… إنك ضحكتي على نفسك وصدقتي حبي. دلوقتي… أخيرًا… أنا انتقمت."
يرجع مومن للواقع بيجري ناحية غرفة العمليات، وشه متوتر، عرق نازل من جبينه.
بدأ يخبط على الباب بعنف.
مومن (بيصرخ بانفعال): افتحوا الباب! اقسم بالله لو ما فتحتوش الباب هوديكم في داهية… أنا لازم أكون مع إيمان!
الكل واقف مذهول من انفعاله.
الدكتور الرئيسي يطلع بره للحظة، ينظر له بهدوء، ثم يتنهد: طيب… بس لازم تلبس ملابس التعقيم.
لقطة سريعة: ممرض بيساعد مومن يلبس اللبس الأزرق، الكمامة، الكاب، وهو إيده بترتعش.
غرفة العمليات.
إيمان نايمة على السرير، مغمضة عينيها، تحت تأثير البنج النصفي.
مومن يدخل… يقرب منها… يمسك إيدها ويقبلها هامسًا: أنا هنا يا إيمان… مش هسيبك أبداً.
الدكتور يبدأ الشغل… المشرط يفتح طبقة وراء طبقة… صوت الأجهزة بيدق… ومومن عينيه مليانة رعب، مش قادر يصدق اللي بيشوفه.
وفجأة… صرخة طفل تملأ الغرفة.
الممرضة تشيله بابتسامة وتقول: مبروك… ولد!
مومن عيونه تدمع، يبتسم، يشكر ربنا: الحمد لله… يا رب لك الحمد!
لكن الدكتور لسه مكمل… يوقف لحظة ويبتسم بخبث بسيط: واضح إن في مفاجأة تانية…
مومن مذهول: يعني إيه؟!
الدكتور: شوف بنفسك…
وبعد لحظات… يخرج طفلة صغيرة، صوتها ضعيف وهي تبكي. يمدها للممرضة اللي بترفعها قدام مومن.
الدكتور بابتسامة: الولد كان بره الرحم، لكن أخته لسه جوه. واضح قوي… عِرق الظابط موجود فيهم قبل ما يتولدوا.
مومن يضحك والدموع على خده، ياخد بنته في حضنه بحرص، يبص للولد اللي في إيد الممرضة، يرفع عينيه للسقف: الحمد لله يا رب… أديتني ابن وبنت في لحظة كنت حاسس إني هفقد كل حاجة.
الكاميرا تقرب على وش مومن وهو بيبكي ويضحك في نفس الوقت… والإضاءة تبين إنها لحظة ميلاد مش بس توأم… لكن ميلاد أمل جديد للعيلة كلها.
رواية عشقت فتاة المصنع الفصل السابع 7 - بقلم صفاء حسني
زياد ماسك إيد زينب، يحاول يلهيها عن الألم.
"هو إنتِ حبيتي قبل كده؟"
زينب تضحك بسخرية مُرّة، وعينيها فيها غصة.
"إحنا اللي زينا ملهوش في الحب يا باشا. حياتنا كلها شقى وتعب، وجري ورا لقمة العيش والكرامة. مش فاضيين للحب."
الدكتور يخلص تركيب الجهاز في ودنها.
زينب تتنفس بعمق، تعدل هدومها، تنزل كُم القميص وتشد بقايا كُم البادي من إيد زياد، وتحطه في جيب البنطلون.
تقول وهي واقفة:
"أنا خلصت أول خطوة. أخرج بقى."
تتحرك ناحية الباب، لكن زياد يقفها بإشارة إيده.
"استني. البنات مستنيينك برا. بلغناهم إننا بنحقق معاكي. كده المفروض."
زينب تبتسم ابتسامة هادئة، فيها تحدي.
"عيب يا باشا. أنا مش صغيرة. محدش هيعرف اللي حصل هنا غيري وغيركم. ولو حصل ونزلنا القاهرة؟ ساعتها أقولهم ببساطة: جالي شغل هناك. يارب بس نخلص الموضوع بسرعة عشان أركز في أكل عيشي."
زياد يثبت نظره عليها، معجب بدهاءها وثباتها.
أما هي، ترفع شنطتها، وتفتح الباب بخطوة ثابتة، كأنها بتقول: "أنا مش لقمة سهلة."
فتحت زينب الباب، أول ما خرجت اتلمّوا عليها البنات بقلق.
"خير يا زينب؟ في مشكلة؟"
زينب هزت راسها بابتسامة مطمئنة.
"لا يا بنات. كله تمام. كانوا بس بيسألوني عن اللي حصل في القاهرة وطلبوا مني أنزل هناك أحكي اللي شفته. بس اطمنوا. كل واحد هيتحاسب على اللي عمله. المهم دلوقتي نركز في المصنع."
اتبدلت ملامح البنات من القلق للفرحة. واحده منهم قالت:
"الحمد لله يا زينب، قلبنا كان هيقف من الخوف."
زينب بصوت فيه حزم وحنان.
"خلّوا بالكم. مفيش حاجة أهم من شغلكم وكرامتكم. المصنع لازم يفضل شغال وإحنا واقفين على رجلينا."
ضحكوا البنات وانبسطوا، وخرجوا سوا بخطوات مليانة أمل.
لكن… زينب فجأة لفت نفسها بخفة، عينيها وقعت على زياد.
كان واقف بعيد، بيتابع المشهد كله من غير ما يقول كلمة.
نظراتهم اتقابلت للحظة… نظرة فيها تحدي من ناحيتها، وشيء غامض من ناحيته، مزيج بين الإعجاب والقلق.
اللقطة تتجمد على عيونهم الاتنين… كأنها بداية لعبة شد وجذب.
وصلوا المصنع.
البنات دخلوا سوا فرحانين، ضحكهم يملأ المكان.
زينب كانت ماشية وراهم، فجأة رن موبايلها.
وقفت خطوتين قبل ما تدخل، بصت للشاشة وبعدين ردّت.
من جوه المصنع، صوت البنات بيضحكوا.
"أهو خلاص بقينا أحرار، هنشتغل ونثبت نفسنا."
خطت زينب خطوة بعيد عن المصنع، لان مفيش شبكة.
وأثناء حديث البنات…
اتفتح الباب الكبير، ودخل شاب طويل، عيونه سود بيلمعوا، لحيته خفيفة وصوته واثق.
"أنا صاحب المصنع الحقيقي."
البنات اتجمدوا مكانهم.
"بتقول إيه؟"
الشاب صاحب المصنع أكمل ووشه جدي.
"أنا صاحب المصنع. وصلي إشعار إن إلا التوكيل إلا كنت عمله للمدير العام، اتنقل النهاردة لقيته متنقلة باسم كذا بنت. ممكن أفهم إيه اللي بيحصل؟"
قامت بنت من الصفوف وقالت بعصبية:
"حضرتك بقي رئيس العصابة؟"
اتسعت عيونه بصدمة.
"عصابة إيه؟! أنتم اقتحمتوا مصنعي ونقلتوا التوكيل باسمكم!"
البنت تمالكت نفسها وبدأت تشرح.
"شوف حضرتك. محمد كان مشترك مع عصابة في القاهرة، وكانوا بيخدروا البنات ويبعوهم. وبعد كده انت فاهم الباقي. فلو انت مش منهم اختار بنفسك مين مننا يدير المصنع ويتواصل معاك."
انصدم الشاب، شهق وحط إيده على جبينه.
"إيه؟ إيه اللي بتقوليه؟ أنا كنت مسافر أجيب ماكينة حديثة عشان نطور في الشغل. مكنتش اعرف حاجة. أنا استفسر عن الموضوع لكن أهم حاجة دلوقتي، المصنع يشتغل. رشحوا لي مين؟"
ابتسمت بنت ثانية وقالت:
"زينب. شاطرة جدًا."
فى الخارج.
عند زينب.
رفعت الموبايل عن ودنها.
"ألو… ألو… مين؟"
مفيش صوت، بس الشبكة ضعيفة.
مشيت خطوتين زيادة لورا، لقت المكان أوسع وفيه هواء خفيف.
فجأة، صرخة ست كبيرة رجّت المكان.
زينب شافتها مرمية على الأرض، شعرها أبيض ووشها مجهد، بتتلوى من الوجع.
اتجمدت ثواني، وبعدين اندفعت عليها.
"يا ساتر. إنتِ كويسة يا حجة؟!"
في اللحظة دي، كان زياد بيتابع كل حركة من خلال شاشة الكمبيوتر، قلبه دق بسرعة.
ضغط على المايك.
"زينب! اقفي مكانك، إوعى تقربي!"
زمت شفايفها ولفت بعصبية.
"إنت بتقول إيه؟ الست واقعة ومش قادرة تقوم. وانت تقولي إوعى تقرب؟"
صوته جه حاد وواضح.
"الموضوع مش طبيعي، ممكن يكون فخ!"
زينب هزت راسها بعناد.
"انت شخص غريب يا باشا. أنا مش هسيب بني آدم يتوجع قدام عيني، حتى لو كان فخ زي ما بتقول."
وركعت جنب الست وهي بتحاول تساعدها تقف.
الست الكبيرة مدت إيدها ترتعش ناحية زينب. وعينيها فيها حاجة غامضة، كأنها بتخفي سر.
فجأة، الست طلعت بخاخة ورشت في وش زينب مادة غريبة.
صرخت زينب وحاولت تستنشق، لكن رجليها واهنة.
في اللحظة دي، ظهر شابين من الخلف، مسكوها بقوة.
فى المصنع.
كان الشاب صاحب المصنع وقف لسه مستني رد.
فجأة صوت صرخة مدوي برا.
جرى هو والبنات بره.
شافوا المنظر:
العربية السوداء الكبيرة والشباب بيزقوا زينب ويدخلوها جوه.
البنات بدأوا يصوتوا ويجروا ناحيتهم.
"زينب! زينب!"
الشاب اتنفض، عينه ولعت غضب.
"إيه اللي بيحصل هنا؟!"
العربية اندفعت بسرعة وسط صرخات البنات اللي بيحاولوا يلحقوها.
البنات واقفين مصدومين، أصواتهم متقطعة وعيونهم مليانة رعب.
واحدة منهم قالت بصوت مرتعش:
"أكيد واحدة فينا تبع العصابة! عارفين مكانها وخطفوها بسرعة كده إزاي؟"
الشاب صاحب المصنع تنهد، وجهه متحجر بس عينيه مولعة غضب.
"كفاية! كل واحدة ترجع المصنع فورًا. وأنا هتصرف."
البنات، رغم خوفهم، رجعوا ببطء جوه.
في مكان آخر – العربية السوداء.
زياد كان بيراقب من بعيد، ملامحه مش مريحة.
قال للظباط اللي معاه:
"اعملوا تحريات فورية عن الشاب ده. إيه علاقته بالمصنع وزينب. وأنا هتابع ورا العربية دي بنفسي."
هز ضابط راسه.
"تمام يا فندم."
فتح السواق الباب الخلفي، نزل واحد من الظباط بسرعة، اتقفلت العربية، وبدأوا يتتبعوا الإشارة اللي طالعة من الكبسولة المزروعة في ذراع زينب.
داخل المصنع.
الشاب واقف متوتر، ماسك تليفونه بإيد بتترعش.
"لازم ألحقهم بسرعة. وأبلغ الشرطة. بس الأول. الشغل مايتوقفش."
بص للبنات وسأل بصرامة:
"مين هنا الأقدر تدير وتتابع الشغل لحد ما أرجع؟ شحن المكنة. شحن القماش. والطلبات كلها لازم تخرج في معادها."
واحدة من البنات أشارت بتردد:
"مدام شيماء. أكبرنا وبتفهم كويس."
مد الشاب رقم تليفونه لشيماء.
"خدي. ده رقمي. أنا هبعتلك شرح مفصل بكل حاجة. أي مشكلة تكلميني فورا."
سلمها المسؤولية وخرج يجري، ركب عربيته، دق الدركسيون بعصبية وصرخ:
"ولاد الحرام! مش كفاية محمد؟ لازم يجروا على زينب كمان؟"
رفع الموبايل بسرعة، اتصل بحد.
"الو. رجالة جاسر مالهم بزينب؟"
المتصل رد ببرود:
"مين زينب؟"
اتغير صوت الشاب لزئير غضب.
"إنت بتهزر معايا؟ احكيلي كل اللي حصل بين محمد وجاسر من الأول للآخر. دلوقتي حالًا!"
المتصل اتلخبط وبدأ يحكي.
"بعد ما جاسر خرج من السجن. وعرف إن محمد اترفد واتسجن بسببها. بعت رجالة ياخدوها. دي أوامر."
الشاب شد نفسه من الكرسي ونفخ بغضب مكبوت.
"يا ولاد الحرام. أنا أغيب يومين تمشوا بمزاجكم؟ لا. المرة دي هربيكم بنفسي!"
داخل المستشفى عند مومن وايمان.
الدكتور بيخيط الجرح بهدوء، عرقه نازل من التركيز.
بعد لحظة رفع راسه، وابتسامة صغيرة ظهرت على وشه.
"الحمد لله. العملية نجحت. الأم بخير. والتوأم زي القمر."
مومن واقف قدام السرير، عينيه مثبتة على إيد الدكتور، بيتابع كل غرزة كأنه بيحسبها بنفسه.
قلبه بيدق بسرعة، لكن أول ما شاف الدكتور وهو بيقفل الجرح على خير، قال في سره:
"الحمد لله. ربنا ستر."
ويتذكر.
فلاش باك.
مومن بيتصل بوالدته قبل الولادة.
"أمي. إيمان دخلت تولد، وطنط سعاد وطنط منى معاها. ابعتلك حياة ومراد يقعدوا معاك."
الأم ابتسمت رغم قلقها.
"أكيد طبعًا يا حبيبي."
وقبل ما يدخل غرفة العمليات، اتصل بيها تاني.
"أمي بالله عليكي، خدي مراد وحياة وتعالي على طول. أنا داخل مع إيمان الولادة. بخاف يحصلها حاجة زي ما حصل لرهف."
الأم بصوت واثق.
"حاضر يا ابني. إحنا مسافة السكة عندك."
الواقع.
بعد وقت، وصلت الأم والأب المستشفى، قلوبهم مشغولة.
أول ما دخلوا سألوا عند الاستقبال.
"هو فين مومن؟ فين إيمان؟"
الممرضة بابتسامة مطمئنة.
"هما جوه في العمليات، ومومن واقف معاها."
إيد الأم كانت بترتعش من القلق، مسكت الموبايل واتصلت بمومن.
📞 رد بسرعة بصوت متوتر لكنه هادي.
"أنا مع إيمان يا أمي. ما تقلقيش. أهم حاجة تبقوا قريبين من باب العمليات. أول ما تولد وتبقى بخير، هبعتلكوا الأطفال مع الممرضة."
الأم بصت لوالده والدموع مالية عينيها.
"ربنا يقومها بالسلامة. إحنا في انتظاره."
باك.
الممرضة قربت من باب العمليات شايلة التوأم، لكن مومن رفع إيده وقال لها بهدوء وحزم.
"استني شوية لحد ما أطمن."
سحب الموبايل بسرعة، وبعت الرسالة.
📩 "الحمد لله ربنا رزقنا بتوأم، الممرضة طالعة بيهم استلموهم وخالوا عيونكم عليهم كويس."
وقف يتابع الشاشة بلهفة، قلبه بيخبط من القلق.
ثواني معدودة وجاله الرد.
👩🦳 أمه: "يا روحي الحمد لله 🙏. عيوننا عليهم من قبل ما يوصلوا. ربنا يحفظهم ويحفظك يا بني."
👩🦰 سعاد: "مبروك يا مومن 😭❤️ التوأم في عيوننا. إنت بس اطمن على إيمان وإحنا هنا."
ابتسم مومن لأول مرة من ساعة ما بدأت العملية، وغمز للممرضة.
"اتفضلي. خرجيهم دلوقتي."
خارج غرفة العمليات.
وفتحت الممرضة الباب بخطوات هادية، وخرجت وهي شايلة التوأم، عيون أم مومن وسعاد مليانة دموع فرح وهما بيستلموهم بحنان.
الممرضة طالعة شايلة التوأم. مراد وحياة.
صرخة فرحة سعاد قطعت الصمت.
"يااااه. نوروا حياتنا بجد!"
إيمان بدأت تفوق بهدوء، تتنفس ببطء وابتسامة ضعيفة على شفايفها.
شافت مومن واقف قصادها، عيونه كلها قلق وحب، مد إيده بسرعة ومسح على جبينها.
"إيمان. الحمد لله قمتي بالسلامة. التوأم زي القمر. نور حياتنا."
ابتسمت وهي بتغمض عينيها تاني.
"أنا حاسة إني ولدت دنيا جديدة. مراد وحياة."
مومن انحنى وقبل إيدها.
"وأنا وعدت. مش هسيبك أتحمل حاجة لوحدك تاني."
خرجت الممرضة من غرفة العمليات شايلة التوأم، وقبل ما تنطق بكلمة جريت عليها أم مومن وهي عيونها مليانة دموع، مدت إيديها بسرعة وخدت الطفل الأول فى حضنها، قلبها كان بيرتعش من الفرحة والخوف سوا.
أما سعاد، إيدها كانت مهزوزة لكن خدت الطفل التاني وضمتها كأنها بترد على سنين وجع وخوف، كأن البنت دي ولادتها ليها شخصيًا.
في اللحظة دي، جريت حياة ومراد (الكبار) لحد ما وصلوا، عيونهم متعلقة بالبيبهات الصغيرين.
وقفوا متحيرين، مش فاهمين بالظبط إيه اللي بيحصل.
سألت حياة ببراءة وهي مشيلة راسها لفوق.
"دول مين يا تيتة؟"
انحنت سعاد وقالت بابتسامة ودموع بتنزل من غير ما تسيطر.
"دول إخواتكم يا حبايبي. ربنا رزقكم بيهم."
اتسعت عيون مراد بدهشة وقال وهو مش مصدق.
"يعني دول هييجوا يلعبوا معانا؟"
ضحكت أم مومن من قلبها، وهزت راسها وهي تبص على أحفادها الأربعة، والدموع ماليه عينيها.
"أيوه يا روحي. دول عيلتكم كبرت، ومبقوتيش اتنين بس."
الكل كان باصص على التوأم، مفيش ثانية عايزين يرمشوا عشان ميضيعش منهم المشهد ده.
رواية عشقت فتاة المصنع الفصل الثامن 8 - بقلم صفاء حسني
أخذت إيمان نفسًا ثقيلًا وهي تفتح عينيها على نور أبيض باهر من لمبات العمليات.
رمشت عدة مرات، ونظرت حولها مرتبكة. أول ما وقع بصرها على مومن واقفًا بجانبها، ابتسمت ابتسامة ضعيفة جدًا.
بدأت إيمان تتحرك في السرير، صوتها لا يزال تايهًا وملخبطًا، والكلام يخرج منها بدون وعي. وهي تحت تأثير البنج، قالت بصوت متقطع:
– حياة… متجيش ورا المطبخ… أنا عاوزة أعمل الأكل… أبوكي لو ماكلش… يطلقني…
مومن كان جالسًا بجانبها، يمسك يدها، يضحك ودموعه تنزل من الفرحة والخوف الذي فات.
أكملت إيمان وهي مغمضة عينيها:
– مراد… لازم تتعلم تلبس هدوم… عارفة إنك صغير… بس أنا مش قادرة والله… هو أنا أعمل أكل إيه النهاردة؟ أكلم ماما سعاد أسألها؟… لا… ماما منى هتزعل… طيب حماتي… لا… هي مش بتحبني… ومش مصدقة كل اللي حصل… ومعتبراني خطفت الرجالة… وخطفت مومن من رهف…
ضحكة مكتومة خرجت من مومن، قلبه يتقبض عندما سمع اسم "رهف"، وانصدم أن إيمان سمعت مامته وهي تتكلمه وكتمت جوها.
تنهدت إيمان فجأة، وكلامها تشقلب أكثر:
– هو أنا في الجنة صح؟… ولا في البحر؟… الناس بتغرق… وإحنا هاربين… أنا شوفت الطفل اللي مات في البحر الأسود في تركيا… كان قدامي… مومن… جي على تركيا… ده بجد؟ أنا لازم أشوفه… وحشني أوي… هو أنا بقول إيه؟… هو أنا فين؟
مومن أمسك رأسه وضحك بحرقة، ضحك من خوفه عليها ومن كلامها العفوي:
– يا رب يا إيمان… إنتي شايلة كل ده في قلبك.
نظر إليها وهو يمسك يدها بقوة، قلبه يدق بسرعة:
– بحبك يا إيمان… وربنا يخليكي ليا وللعيال.
فتحت إيمان عينيها نصف فتحة، يبدو عليها أنها لا تزال تحت تأثير البنج، صوتها مبحوح وملخبط:
– أنا… كمان بحبك يا مومن… بس اسمع… انت بقى اللي هتربي العيال… أنا هطير فوق السحاب دلوقتي…؟
وبدأت تغني:
نظرة عيونه جامدة
صابتني بسهم صايب
جامد وبتاع مصايب
كان مالي أنا بالكلام ده
ضحك مومن أنا بتاع مصايب
كانت تكمل إيمان:
لو غاب وتقل عليّ
بتبوظ حالتي النفسية
وأتعب وآخد أدوية
وعيونه بشوفها بهدى
يا جماعة الولا مجرم خطير
خلاني أطير أطير أطير
فوق السحاب وده شغل كبير كبير كبير
ويا عيني الولا مجرم خطير
خلاني أطير أطير أطير
فوق السحاب وده شغل كبير كبير كبير
مخضوضة منه خضة
خلتني رايحة جاية
يا سلام لو جابلي وردة
كان إيه اللي هيجرى ليا
على طول تقلان عليا
والتقل عنده غيّه
عطشانة وهو مية
يروي احساسي وأهدى
يا جماعة الولا مجرم خطير
خلاني أطير أطير أطير
فوق السحاب وده شغل كبير كبير كبير
ويا عيني الولا مجرم خطير
خلاني أطير أطير أطير
فوق السحاب وده شغل كبير كبير كبير
مومن لم يعد قادرًا على حبس نفسه من الضحك، جالسًا بجانبها يمسك يدها بكلتا يديه، عيونه مليئة بالحب ودموع الفرحة تنزل غصبًا عنه.
قرب منها وقال وهو يمزح ليمشي معها في جوها:
– "أنا مجرم وخطير كمان… الشيخة إيمان بتسمع أغاني من إمتى؟"
ضحكت إيمان بنصف وعي وقالت بصوت متقطع:
– "أنا آه متدينة… لكن عادي… انت خطير… خطير أووي يا مومن."
حينها قلبه اتقلب، ضحك وهو ينظر إليها كأنه طفل وجد لعبته المفضلة، ودموعه نزلت أكثر وهو يهمس:
– "خطير عشانك إنتي بس… يا روحي."
– وهتطيّري فين يا قلبي؟ إنتي في المستشفى يا روح قلبي… ولسه مخلفة توأم زي القمر.
إيمان عيناها تتفتح وتغمض، ولسانها سايب على الآخر:
– توأم؟… يعني اتنين مرة واحدة؟ يا مصيبتي… طب إزاي يعني؟
ضحك مومن وقال لها:
– لا كدة أربع أولاد قولى الله أكبر.
أكملت إيمان:
– ما إنت الخامس يا حبيبي.
– أنا عاوزة بنت شبهك… وولد شبهي… شبه مين… هو أنا بقول إيه؟
مومن انفجر من الضحك، دموعه تنزل وهو ينظر إليها:
– والله إنتي أحلى هدية في الدنيا يا إيمان… مكنتش أعرف إنك دمك خفيف كده، اكتشفتك وإنت تحت البنج بتضحكيني. ودمك خفيف.
تنهدت إيمان وتقول بنعاس:
– بس أوعى… أوعى تتجوز عليا يا مومن… وتسبني زي ما جيت ليا وسبت رهف. هقوم أقطعك… إنت وهي فاهم؟
مومن ضحك جامد وقبّل يدها:
– أنا واضح اتذل كتير بالموضوع ده. حاضر يا ست الهانم… ولا أقدر أبص لغيرك.
وبعد لحظة نامت ثاني بهدوء، وتركت مومن ينظر إليها بابتسامة مليئة بالحب والامتنان.
وانتقلت لغرفة أخرى ومومن بجانبها لم يتركها. بعد وقت بدأت إيمان تفوق.
إيمان (بصوت مبحوح):
– مـ…ـومن؟
قرب منها بسرعة، أمسك يدها وهو يطمئنها:
– أنا هنا يا حبيبتي… الحمد لله، عدّت على خير.
دمعة نزلت من عينها بدون أن تشعر:
– العيال؟ هما بخير؟
مومن هز رأسه بسرعة، وابتسم ابتسامة مليئة بالفرحة والدموع:
– بخير يا روحي… زي القمر. ماما ومامتك سعاد أخذوهم، ومراد وحياة واقفين معاهم دلوقتي.
ابتسامة خفيفة ظهرت على وجهها، يدها ارتعدت وهي تحاول الضغط على أصابعه:
– الحمد لله… نفسي أشوفهم.
مومن قرب من وجهها، وطبطب على جبينها بحنان:
– هتشوفيهم حالًا… بس إنتِ ارتاحي الأول. أنا مش هسيبك لحظة.
إيمان غمضت عينيها من التعب، لكن ابتسامة هادية ظلت مرسومة على وجهها، وراحت في نوم خفيف مطمئنة أن كل شيء أصبح بخير.
مومن جلس بجانبها، عيناه معلقتان بها كأنه يشكر الله على كل نفس يأخذه.
راحت والدة مومن، الأمهات وسعاد ومنى، وعيونهم مليئة بدموع الفرحة.
مراد وحياة جريا نحوهما، عيونهما تلمع بالفضول والبراءة.
إيمان حاولت أن ترفع رأسها وهي تدور حولها بصوت ضعيف:
– فين… فين ولادي؟
ابتسمت منى وهي تدخل ووراءها اثنتان من الممرضات تحملان الأطفال ملفوفين في بطاطين بيضاء عليها رسومات صغيرة.
أول ما رأتهما إيمان، دموعها نزلت أكثر، بدأت ترفع نصف جسمها بمساعدة مومن وكانت غير قادرة. وبعد وقت ومحاولة، قدرت أن تجلس نصف جلسة.
أخذت الأول في حضنها بحنان وقالت بصوت يرتعش:
– ما شاء الله… ده ملاك!
وسعاد أمسكت الثاني، ضحكت والدموع تملأ عينيها:
– يا عيني… نسخة من مومن!
مراد وقف قريبًا، عيناه متعلقة بالبيبي الذي في يد جدته وقال:
– ده أخويا؟!
حياة مدت يدها الصغيرة لتتحسس البطانية وهي تسأل ببراءة:
– ودي أختي؟
ضحك الكبار رغم دموعهم، وكلهم هزوا رؤوسهم بالإيجاب.
إيمان دموعها نزلت غصبًا عنها، مدت يديها وهي تقول بصوت مكسور من الفرحة:
– هاتوهم… عايزة أشيلهم في حضني.
مومن بسرعة أخذ البيبي من أمه ووضعه على صدر إيمان، والبيبي الثاني تم تسليمه لها من سعاد.
إيمان احتضنت الاثنين كأنها تخاف أن يؤخذوا منها، دموعها تنزل، ونظرت لمومن:
– الحمد لله… دي حياتي كلها.
مومن أمسك رأسها ووضع قبلة طويلة على جبينها وقال:
– ربنا جمعنا بهم وببعض… ومش هسيب حد يقرب منهم طول ما أنا عايش.
اللحظة كانت مليئة بالدموع والضحك والدعوات… والكل يشعر أن هذه بداية حياة جديدة.
إيمان لا تزال تحمل التوأم على صدرها، دموعها تنزل بدون أن تقدر على إيقافها، ومراد وحياة واقفان بجانب السرير مبتهجين جدًا بوجود إخوة جدد معهم.
مومن ابتسم وهو يرى لمعة عيونهم وقال:
– تعالوا… تعالوا قُرّبوا من ماما.
أمسك يد مراد وحياة ووضعها برفق على يد إيمان التي تحمل البيبيات وقال:
– دي أول لمسة حب… عشان الغيرة ما تدخلش قلوبكم أبدًا. إخواتكم اتولدوا النهارده، وأنتم اللي هتختاروا أساميهم.
العيال ضحكوا بفرحة وصوتهم واحد:
– بجد يا بابا؟!
ضحك مومن وهو يومئ برأسه:
– طبعًا. مش بس كده، كل واحد فيكم ليه دور مهم.
نظر لمراد وقال:
– إنت يا بطل، وقت ما ماما تغير لأخوك، لازم تبقى واقف جنبها، تنولها الهدوم وتساعدها. ووقت الأكل كمان تساعدها.
وبعدين نظر لحياة:
– وإنتِ يا أميرة، تبقي سند لمامتك مع أختك… تساعديها وتخلي بالك منها.
الولدين هزوا رؤوسهم بجدية طفولية بريئة، وفرحانين بأن لديهم مسؤولية.
مومن أخذ نفسًا عميقًا وقال:
– بصراحة… أنا كنت ضد الفكرة دي من زمان، بس دلوقتي بقيت مجبر. رعاية أربعة أولاد على إيمان لوحدها ظلم… خصوصًا بعد العملية. فمحتاجين نكون كلنا مع بعض.
إيمان نظرت إليه باستغراب:
– تقصد إيه يا مومن؟
مومن:
– أقصد نشتري بيت كبير… نعيش فيه كلنا. مفيش مكان للتكبر ولا الحقد.، وكفاية خلافات، أحفاد القاضي محمد والنائب عماد لازم يتربوا في جو حب.
ونظر إلى الحجة سعاد وابنها معانا… وكل واحد ليه غرفته الخاصة. لكن كمان هنتجمع حوالين بعض في نفس البيت.
سكت لحظة ونظر للجميع بعين مليئة بالتقدير:
– أنا عارف ده مش سهل… وممكن يبان إني أناني. بس شغلي صعب، ممكن أغيب أيام أو أسهر. وإيمان مش هينفع تفضل لوحدها. هي استحملت شهور الحمل بتعب وصبر، من غير ما تشتكي، وكانت بتراعيني أنا والولاد… دلوقتي دورنا نرعاها ونقف جنبها.
الكل كان ساكت متأثرًا بكلامه. الأم دموعها نزلت وهي تهز رأسها:
– عندك حق يا مومن… اللمة دي هتخلي ولادنا يعيشوا في أمان وحب.
إيمان ابتسمت رغم ضعفها، نظرت للتوأم وقالت بصوت مبحوح:
– لو ده هيوفر لهم بيت دافئ… أنا موافقة.
الجو كله مليان هدوء، بس الفرحة واضحة في كل العيون. إيمان تحمل التوأم على صدرها، والتعب لا يزال باينًا على ملامحها، لكن ابتسامة صغيرة تنور وجهها.
مومن جلس بجانبها وقال لأولاده:
– خلاص يا أبطال… جه وقت أهم خطوة. إخواتكم لسه مالهمش أسامي. زي ما وعدتكم… أنتم اللي هتسموهم.
مراد وحياة نظرا لبعض، عيونهما مليئة بالحماس. حياة أمسكت يد أخيها وقالت بخجل:
– أنا نفسي أسمي البنت، "ملك".
ابتسمت إيمان، قلبها دق من فرحتها، وقالت وهي تنظر للبنت الصغيرة:
– ملك… اسم زي العسل، زيها بالظبط.
مومن ضحك وهو يهز رأسه:
– جميل جدًا. طب وإنت يا مراد؟ اخترت اسم إيه لأخوك؟
مراد رفع رأسه بفخر وقال بصوت واضح:
– أنا هسميه "مالك".
ضحك الكل، والدموع نزلت من عيون سعاد وأم مومن. إيمان بكت هي أيضًا وقالت:
– ملك ومالك… رزق من ربنا. يا رب يخليكم لبعض وما يفرقكم أبدًا.
مومن نظر لأولاده الأربعة وقال:
– من النهارده بقى… إحنا عيلة كبيرة. مراد وحياة، إخواتكم أمانة في رقبتكم. أنتم الكبار… وهما الصغيرين. بس كلكم قدامي زي بعض.
الكل تجمع حول السرير، اللمة دي خلت المستشفى كله يشع بالدفء.
الفرحة لا تزال تملأ المكان، أصوات الضحك مختلطة بدموع الفرح. فجأة، مراد نظر ببراءة لوجه مومن وقال:
– هو أخوي من ماما رهف كمان ييجي يعيش معانا؟
الكلمة وقعت كالصاعقة. المكان كله سكت. سعاد شدت نفسها خطوة للوراء، أم مومن يدها ارتعدت وهي تمسك "ملك"، إيمان قلبها اتقبض، عينها غرقت دموع فورًا بدون أن تتكلم.
إيمان أحست السكينة انسحبت من اللحظة. كلمة "ماما" كسرت بداخلها شيئًا، لأنها رغم حبها لهم، عمرها ما أخذت مكان رهف في قلوبهم. كانت تحاول أن تعطيهم كل حنان الدنيا… بس الحقيقة دي تطعنها كل مرة.
مومن حمل "مالك" من يد الممرضة واحتضنه جامدًا، وظل ساكتًا لحظة، دموعه تلمع، بس لم يستطع أن يبين ضعفه أمام أولاده.
نظر لمراد وحياة وقال بحزم هادئ:
– يا حبيبي… مفيش فرق بينكم وبين ملك ومالك. كل إخوات… كل عيلة واحدة. بس في حاجات أكبر منكم دلوقتي، ولسه هتفهموها لما تكبروا.
حياة أحست الجو تغير، قربت من إيمان واحتضنتها من جنبها وقالت بخفوت:
– ماما إيمان… إنتي أمنا برضه.
الكلمة دي كسرت الصمت. إيمان حاولت أن تبتسم وسط دموعها، مسحت على رأس حياة وقالت:
– يا رب ما يحرمني منكم…
اللحظة دي خلت الكل عاجزًا عن الكلام، كل واحد تايه في وجعه وتفكيره.
---
في طريق إلى القاهرة.
فضل زياد يتابع السيارة وراهم، وأبلغ عدة سيارات دعم لتكون معه عشان لو حاولوا يتوهوه.
كانت زينب غائبة عن الوعي، لا تشعر بأي شيء.
الكاميرات كانت لا تزال تعمل في غرفة المراقبة، وزياد جالس أمام الشاشة، عيناه مثبتة على المشهد الذي سجل لزينب وهي تقترب من السيدة العجوز قبل أن يتم خطفها. يده تمسك الكوباية بس الشاي برد منذ زمن، وهو غير قادر على إبعاد عينه.
الضابط المساعد دخل وقال:
– يا فندم… لسه محددين اتجاه السيارة، متجهة لطريق صحراوي.
زياد شد نفس طويل ورد بعصبية مكتومة:
– كنت متوقع كده… عايزين يضيعوا الأثر.
قرب الضابط خطوة وقال:
– حضرتك ليه مركز معاها للدرجة دي؟ يعني أي بنت تانية كان ممكن نقول مجرد طُعم أو ضحية.
زياد نظر إليه بنظرة حادة، بس لم يتكلم على طول. بعد لحظة قال بصوت واطئ:
– زينب مش زي أي حد… البنت دي عندها قوة وكرامة تخليها توقف جبل. ومش هسمح لحد يكسرها.
قطع كلامه صوت على اللاسلكي:
– عربية سوداء، رقمها مطابق للوصف، وقفت عند فندق – قريب من مطار القاهرة.
وصلت السيارة عند فندق كبير، دخلوا الجراج الداخلي.
تم نقل زينب بعربية صغيرة داخل المصعد الداخلي، وطلعوها لغرفة واسعة في جناح خاص.
داخل جناح جاسر.
فتح جاسر الباب بنفسه وهو مبتسم ابتسامة رضا:
– برافو عليكم يا شباب.
دخلت معه زينب وهي لا تزال غير واعية، وضعوها على السرير. جاسر طلع رزمة فلوس كبيرة وزعها على الشباب وقال:
– يلا انزلوا، خلي الاستعلامات يجهزوا لي أكل ومشروب.
خطة زياد.
في نفس التوقيت – خارج الفندق.
زياد كان جالسًا في السيارة، عيناه مركزة على مدخل الفندق. حوله أكثر من سيارة دعم موزعة.
نظر للمساعد وقال بصرامة:
– دي مش عملية عادية… جاسر نفسه جوه.
المساعد فتح عينه بصدمة:
– جاسر؟ بس ده…
قاطعه زياد:
– أيوه… يعني لو وقع النهاردة هنفتح ملفات كبيرة أوي. بس الأول… لازم أخرج زينب.
في نفس الوقت، كان زياد يراقب الفندق من بعيد.
أبلغ قوة الدعم التي معه أنهم يوزعوا أنفسهم حول المكان:
– محدش يتحرك غير بإشارتي… الهدف لا يزال بالداخل.
ولأنه يعرف أن الوقت يجري، اتفق بسرعة مع بنت من عناصره تدخل متخفية بملابس موظفات الفندق.
مهمتها: توصل الأكل والمشروب لغرفة جاسر، وتستخدم مادة الإفاقة التي معها لتفوق زينب قبل أن يلمسها.
داخل غرفة جاسر.
جاسر بدأ يخلع الكرافتة ببطء، ابتسامة غرور تملأ وجهه. بعد لحظات فك أزرار القميص ورماه على الأرض، وظل واقفًا بالبنطلون فقط.
اتجه نحو السرير، عيناه متسمرتان على زينب التي لا تزال بين الغيبوبة والصحيان.
جاسر نظر إليها وقال وهو يقترب:
– قلت لك… أول قطفة هتكون ليا.
ابتسم بخبث وأضاف:
– إنتي عندي دلوقتي، والشرطة اللي كنتي بتعتمدي عليهم بعاد. جيبتك وإنتي في دنيا تانية… وريني بقى مين ينقذك.
في اللحظة دي، خبط الباب. فتح الباب قبل أن يمد يده عليها، الباب خبط.
– تيك تيك تيك.
جاسر رفع صوته بنفاذ صبر:
– مين؟
صوت هادئ جاء من وراء الباب:
– خدمة الغرف يا فندم، الطلب اللي حضرتك بلغت الاستعلامات.
جاسر تنهد وضحك:
– آه صح… الأكل. طب ادخلي.
دخلت البنت متنكرة في يونيفورم الفندق، تحمل صينية فيها الأكل والمشروب. وقفت بثبات رغم قلبها الذي كان يجري.
جاسر مشغول يعدل وضعه على السرير، عينه مشغولة بزينب أكثر من التي دخلت.
البنت وضعت الصينية على الطاولة الصغيرة بجانب السرير. وبخفة، أخرجت من جيبها الأمبولة الصغيرة بمادة الإفاقة، وفتحت غطاء العصير بسرعة وهي تتكلم لتلفت نظره بعيدًا:
– اتفضل يا فندم… كل الطلبات جاهزة.
جاسر أشار لها بيده وهو يترك نفسه على الكرسي:
– سيبه وامشي.
اللحظة الحرجة.
قبل أن تتحرك، تقدمت خطوة نحو زينب بحجة أنها تعدل الصينية:
– حضرتك، ممكن أحط العصير هنا أقرب ليها؟
بدون أن يشعر، فتحت الأمبولة وسكبت نقطة صغيرة على منديل، ومررتها بسرعة تحت أنف زينب كأنها تمسح العرق من وجهها.
زينب فجأة بدأت تأخذ نفسًا عميقًا، جفونها ترتعش، ووجهها تغير.
جاسر لاحظ الحركة، وقف بسرعة وقال بحدة:
– إيه اللي بتعمليه؟!
البنت تراجعت خطوة وهي ترتبك:
– ولا حاجة يا فندم… كنت بمسح العرق بس.
جاسر عيناه ضاقت، ونظر لزينب التي بدأت تتحرك بخفة.
في نفس اللحظة – برا الفندق.
زياد استلم إشارة في السماعة من البنت:
– العملية نجحت… زينب بدأت تفوق.
رواية عشقت فتاة المصنع الفصل التاسع 9 - بقلم صفاء حسني
نظر مؤمن وإيمان إلى بعضهما في حيرة، فقررا تغيير الموضوع.
سأل مؤمن مراد: "مالك عايز ينام، إيه رأيك نروح نشتري له سرير؟ أصل إحنا كنا جايبين سرير واحد."
دخلت حياة وهي فرحانة وعينيها مليانة حماس، ومراد كان واقف متردد شوية بس مستمع.
"وأنا كمان أجي معاكم، عشان نجيب فراشة لونها بمبي لأختي ملك، وأفرشها على سريرها، وكمان ألعاب."
ابتسم مؤمن بحب وقال: "فكرة حلوة، يلا بينا."
مؤمن ابتسم وهو بيبص لهم وقال: "فكرة حلوة فعلًا… يلا بينا نشتري السرير والفراشة واللعب."
اقتربت حياة من ملك وإيمان شايلة ملك في حضنها، وكانت كلها حماس تقول: "أنا عايزة كل حاجة تبقى لونها بمبي، عشان ملك تحس بالراحة وتحب غرفتها."
مراد ضحك وقال: "طيب، بس مين هيركب العربية ونروح بيها كل الحاجات؟"
مؤمن أشار بحنية: "أنا وإنت… يلا بينا كلنا، ونخلي حياة وملك جزء من المغامرة."
حياة قفزت بحماس وقالت: "أنا أول واحدة تختار الألعاب!"
وطبعًا الجو كله مليان ضحك وفرحة، وكلهم متحمسين يجهزوا الغرفة لملك الصغيرة ويخلوها أحلى مكان بالبيت.
اقترب محمد منهم وقال: "أنا جاي مع أحفادي وابني… ممكن؟"
هزّوا راسهم حياة ومراد وهما فرحانين: "يلا يا جدو."
وفعلًا ترك سعاد ومنى واقترب من والدته، وقال لمؤمن بصوت ودي: "أرجوك يا أمي، خليك معاهم عشان ميمسكوش في بعض… وخالي بالك على الأطفال، عيونكم عليهم، إوعي تغفي لحظة."
نفخت الأم بضيق وقالت بسخرية: "على فكرة أنا مش ملزومة أكون هنا في وسطهم… وخصوصًا سعاد هنا، ستة كده مش من مستواي. وكمان أنا ببلع مراتك بالعافية، ولو حلف لي على المية تجمد إن رهف فيها كل اللي اتقال مش هصدق. البت متربية أقدمي فاهم… كبرت أقدمي، استحالة الفيلم اللي اتعمل ده!"
مؤمن اتنفس بعمق وقال بحزم: "تعالي معايا."
دخل بيها غرفة مستشفى فاضية، وقعدها على الكرسي، وطلع دفتر صغير من تحت المخدة وقال: "امسكي الدفتر ده… عشان تشوفي الطفلة الصغيرة اللي صعبانة عليك، وسعاد اللي مش عاجباكم، وكمان إيمان… أصدق ناس عرفتهم، مش مزيفين."
مسكت الأم الدفتر، عينيها فيها ريبة: "إيه ده؟ هو السنور جهزت كذبة تاني تشوه بيها رهف؟"
تنهد مؤمن وقال بوجع: "للأسف… لأ. رهف كانت حاطة الدفتر ده في أمانة بنك باسمي قبل ما تموت."
شهقت ياسمين، قلبها وقع: "إيه! إنت بتقول إيه؟ رهف ماتت إمتى؟ ومحدش بلغني!"
مؤمن بص لها، صوته فيه وجع وكبت: "أيوه يا أمي… رهف ماتت من شهور. وأنا الوحيد اللي كنت عارف. مكنش ينفع أقول لإيمان… نفسيتها كانت هتنهار، والحمل كله كان هيضيع."
إيدها بترتعش وهي ماسكة الدفتر، عيونها دمعت رغم الكبرياء اللي بيشد ملامحها.
مؤمن مد إيده على إيدها وقال: "كفاية ظلم لإيمان… وكفاية كره. سعاد اللي شايفاها مش من مستواكي، هي أكتر واحدة سندتني في وقت الشدة. وإيمان… أنضف من ناس كتير حوالينا."
دموع ياسمين نزلت غصب عنها، لكن بسرعة لفت وشها تخبيها: "سيبني شوية… مش قادرة أستوعب كل اللي حصل."
ياسمين قعدت على الكرسي، إيدها بتترعش وهي بتفتح الدفتر اللي ادهولها مؤمن. قلبها بيدق بسرعة، كأنها عارفة إن اللي جوه هيغير كل حاجة.
أول صفحة مكتوب بخط إيد رهف:
"لو بتقري الكلام ده يا مؤمن… يبقى أنا خلاص مشيت. سامحيني… وخلي ماما ياسمين تسامحني على كل حاجة عملتها. أنا كنت أنانية، كنت بخاف أخسرك، فأي بنت كانت بتقرب منك كانت بتكون نهايتها فظلمت ناس كتير حواليَّ. بس أكبر ذنب مش قادرة آخده معايا في قبري من غير ما أعترف بيه… أنا السبب في اللي حصل لبنت خالتك."
إيد ياسمين اتسمرت، دموعها نزلت فجأة وهي بتقرا: "أنا اللي ضيعت حياتها… أنا اللي كنت سبب موتها. يومها اتخانقت معاها عشان تبعد عنك عشان عرفت إنها بتحبك، وزقيتها بعصبية وأنا بطلب منها… وقعت، وأنا وقفت أتفرج وهي بتنزف. خوفت… هربت بدل ما أنقذها. وكمان ماهي البنت إلا في النادي اللي قربت منك هي كمان موتها أنا، أي حد كان بيقرب منك كنت لازم أخفيه عن حياتك."
ضحكت رهف بخبث.
ياسمين شهقت، مسكت الدفتر بقوة، دموعها مغرقاه: "يا نهار أسود… ده هي السبب في إعاقة سلمى!"
كملت تقرأ ودماغها بيلف: "أنا ظلمت إيمان كتير… كنت بغير منها، وبكره وجودها، وكنت بتعمد أخليها تحس إنها غريبة. وأنا اللي لعبت بعقل الناس حواليها… كل مرة كانت بتقع، أنا اللي كنت وراها. كل دمعة في عينها… أنا السبب. حتى مؤمن، أنا كنت عايزة أخده لنفسي بأي طريقة، حتى لو اتحرقت الدنيا."
"حتى كنت بزرع في عقل طنط ياسمين إنك تعرف بنات عليا وعشان كده دايما بتشتكي مني، حتى أول ما بدت الحقيقة تظهر قولت ليها ان طنط سعاد استغلت قربها من أمي وطلبت منكم ترجعوا بنتها عشان تخلي مؤمن يقع في حبها ومش بعيد يقول ليك كلام وحش عليا او انى مش ام الاطفال أنا مش كدة يا طنط. استغليت الفرصة عشان تكرهي ايمان وعارفة إنك هتكون الشوكة فى ظهرها ل موت عشان كده كتبت ليك يا مومن متفكرش انك انتصرت والحب انتصر انا راجعه."
رجعت ياسمين الورق بإيد بتترعش أكتر، عينيها بتغيم من الصدمة، وقلبها بيتقطع ما بين الغضب والوجع: "إزاي؟ إزاي يا رهف؟ وأنا بدافع عنها في وش الدنيا كلها… كنتِ فين وأنا بخلي نفسي عدوه لابني ومراته عشانك؟"
مؤمن واقف قدامها، عينه كلها حزن، وقال بهدوء: "كنت عارف يا أمي… عشان كده سكت. عشان كده استحملت. عشان كده… ما ينفعش تفضلي شايفة إيمان عدوتك."
في ممر المستشفى – بعد ما مومن ساب ياسمين
كان ماشي بخطوات سريعة، شاف أبوه محمد مستنيه في الكوريدور. مع الاطفال أول ما قرب منه مسك دراعه وسأله بصوت واطي بس فيه قلق:
محمد: إنت متأكد من القرار ده يا مومن؟ إنت عارف إنك كده بتحط النار جنب البنزين. أمك مش طايقة تشوف سعاد… ومنى عاملين زي الزيت والمية.
وقف مومن قدامه، خد نفس عميق وقال وهو بيحاول يبان ثابت:
مومن: عارف يا بابا… وعارف كمان إن الموضوع مش سهل. بس أنا مش بفكر في نفسنا… بفكر في العيال. أولادنا لازم يتربّوا وسط حب مش كره… لو فضل كل واحد في ناحية، الغيرة والحقد هيتزرعوا في قلوبهم من دلوقتي.
محمد هز راسه بضيق وقال: بس يا ابني، إنت بتغامر… والبيت الكبير اللي ناوي تجمع فيه الكل، هيبقى ساحة حرب مش بيت عيلة. إيمان ضعيفة بعد العملية… وممكن أي كلمة تكسرها.
ابتسم مومن ابتسامة متعبة وقال: أنا هكون جنبها يا بابا… ومش هسيب أي حد يجرحها. يمكن أبقى غلطان… لكن ده آخر حل. عايزين نبدأ من جديد… مش نفضل أسر متفرقة.
محمد وقف ساكت شوية، عيونه فيها مزيج من القلق والفخر، وقال أخيرًا:
محمد: ربنا يستر يا ابني… ربنا يستر. وبعد كده جاءت ليه فكرة اقترحها على مومن وكان سعيد وقال فكرة كويسة شوف الموضوع ده فى أسرع وقت وكلم عمى عماد.
فى غرفة الفندق – عند جاسر وزينب
بدأت زينب تفوق، عيونها بتفتح على ضباب، لقت جاسر واقف فوقها بيبتسم ابتسامة خبيثة.
جاسر (بغرور): فاكرة هتفلتِي؟ انسي… إنتي من دلوقتي بتاعتي، فاهمة؟
رفعت زينب راسها وبصت له بسخرية، ضحكة قصيرة خرجت منها رغم إنها لسه تعبانة:
زينب: بتاعتك؟! يا بابا فوق لنفسك. إنت فاكر إنك لما تجيبني بالطريقة دي… هخاف؟ ولا أصدق أي كلمة من لعب العيال بتاعك؟ تحلم يا جاسر. اللي أنا شُفتُه في حياتي… أكبر بكتير من كل تهديداتك.
حاولت تقوم من على السرير، مسك إيدها الشمال بعنف، شدها جامد لحد ما قميصها اتقطع جزء منه ومعاه البادي.
عيونها ولعت غضب وهي تصرخ:
زينب: إزاي تتجرأ تلمسني؟! أقسم بالله أعملك محضر يوديك في داهية.
انفجر جاسر في ضحكة سخيفة:
جاسر: محضر؟! لو خرجت من هنا أصلًا. هناك… في المطعم، حظك كان مع الشرطة، إنما دلوقتي… مين هينقذك مني؟
وقفت زينب بكل قوتها، إصرارها واضح في عينيها:
زينب: ربنا… وثقتي فيه… ونفسي.
دفعت جاسر فجأة بكل قوتها، وقع على السرير وهي وقفت رغم الدوخة اللي بتهددها. مدت إيدها ناحية الباب بخطوات سريعة.
لكن جاسر لحقها، مسكها بعنف من دراعها وقال وهو بيزوم:
جاسر: مش هسيبك… مش هتخرجي من هنا!
وفجأة… 🚪 الباب اتفتح باندفاع، دخل شاب طويل، صوته جه هادر:
الشاب: يا حيوان! إنت هتفضل وساختك دي لحد إمتى؟ صدقني أنا الغلطان… كان المفروض أدفنك في السجن من زمان!
جاسر اتجمد في مكانه، صوته اتلخبط:
جاسر: ع… عصام بيه! إنت رجعت؟ أنا… أنا كنت…
زينب لفت ببطء، شعرها الطويل الأسود كان مفكوك، اتحرك معاها بانسياب عفوي خلاها أجمل مما تتصور. بصت للشاب بعينين متحدية وقالت:
زينب (بتهكم): آهو إنت بقى… رئيس العصابة؟
---
انصدم عصام وهو واقف على باب الأوضة، عينه اتثبتت على زينب اللي شعرها سايب ووشها باين عليه الغضب والخوف في نفس الوقت.
زينب كانت بتتنفس بسرعة وصوتها عالي وهي بتزعق:
ـ إنت بقى اللي مشغلهم؟! يعني ملقتش غير أوسخ شغلانة تشتغل فيها؟ شرف البنات وعرضهم؟! اسفوخس عليكم… والله عيب عليكم الرجولة اللي بتتدعوا بيها!
جاسر واقف مصدوم، باصص ما بين عصام وزينب، لسانه اتلجم ومش قادر ينطق.
عصام تقدم خطوتين، عينيه سودة من الغضب، وصوته كان غليظ وهو بيزعق في وش جاسر:
ـ يا واطي… إنت امتى هتنضف؟! إنت مش راجل… ده أنا غلطان إني مرمتكش في السجن من زمان.
زينب وقفت تتحدى، رغم إن جسمها مرعوش، لكن عينيها كانت مليانة نار:
ـ مرمتهش في السجن ليه؟! ولا عشان إنت رئيس العصابة وهو تحت أمرك؟!
الكلمة وقعت زي الطلقة في المكان. الجو اتقلب، وعصام اتجمد للحظة… ملامحه اتغيرت وهو يبص لزينب، كأنها فجرت سر كبير كان مدفون.
جاسر بسرعة حاول يلم الموقف، وهو بيته stotter:
ـ لا… لا يا عصام بيه… دي بتخرف… كانت مرعوبة!
لكن عصام ما بصش له… كل تركيزه كان على زينب اللي واقفة قدامه، عينها بتترجف بس لسانها واقف زي السيف.
لحظة صمت تقيلة نزلت في الأوضة… عصام كان واقف عينه مليانة غموض، وزينب واقفة قدامه متوترة، قلبها بيدق بسرعة.
قال لها بصوت خشن لكن فيه وجع:
ـ إنتي… إنتي مش فاكراني؟ إنتي أكتر واحدة تعرفني… أنا كنت الحماية ليكم زمان. تفتكري ييجي يوم وتلاقيني بالوش القذر ده؟ أنا بدور عليكي من سنين… وكنت هتجنن يوم ما عرفت دار الأيتام اتحرق لما خرجت من السجن.
الكلمات وقعت زي صاعقة على ودنها. زينب اتجمدت مكانها، عينيها اتسعت وهي بتحاول تستوعب.
بصت له بشك وقالت بارتباك:
ـ إيه… إيه اللي بتقوله ده؟!
عصام من غير كلام، مد دراعه وكشف عنه. الوشم اللي محفور على جلده بان قدامها… رمز قديم هما كانوا عاملينينه سوا زمان في دار الأيتام.
اتجمدت أنفاس زينب، ودموعها اتجمعت في عينيها. رفعت كومها بسرعة، وورّت نفس الوشم اللي محفور على إيدها هي كمان.
صرخت بصوت فيه فرحة وصدمة:
ـ ظاظااا…! صح؟! أنا مش مصدقة نفسي… إنت عايش؟!
نزلت دمعة على خدها وهي بتكمل بصوت متهدج:
ـ أنا كنت فاكرة إنك مت… وكنت عايشة طول عمري بالذنب إنك اتسجنت بسبب أخويا… وبسبب موت…
صوتها اتكسر، وما قدرتش تكمل الجملة، وهي واقفة قدامه مرتبكة ما بين الفرح والوجع.
عصام كان بيبص لها بنظرة كلها غصة:
ـ آه… اتسجنت عشان جريمة ما عملتهاش… وكل اللي كان في بالي وإنا جوه إنك بخير.
---
زينب وقفت قدام عصام (ظاظا) والدموع محبوسة في عينيها، قلبها مش قادر يصدق. بصت له بارتباك وقالت بصوت متقطع:
ـ انت… انت عايش! خرجت من السجن…!
قربت خطوة، لكن عينيها وقعت على المكان حوالين، البنات المسجونات، والجو المليان قذارة. شهقت وصرخت بصوت مخنوق:
ـ وخرجت… بقيت مجرم محترف؟! وكمان بتبيع البنات الغلابة؟! يا خسارة… يا خسارة يا ظاظا!
صوتها اتكسر والدموع غرقت وشها. لفت بجسمها بكل قوة الإرادة اللي باقيالها، وخرجت من الأوضة بخطوات متخبطة.
نزلت السلالم بسرعة، بس رجليها كانت بتترعش. مش عارفة إذا اللي حاسة بيه ده من الصدمة، ولا أثر البنج، ولا خوفها اللي مسيطر عليها. كانت بتجر نفسها جرّ.
في نفس اللحظة، كان زياد بيراقب من بعيد، عينه عليها من أول ما خرجت. ولما شافها بتتهاوى على السلالم، قلبه وقع.
دخل الفندق بخطة سريعة، وخلقوا مشكلة وهمية مع الحراس عند الباب. صوت خناقة صغيرة شتت انتباه الكل.
في وسط الدوشة، سحب زياد زينب بسرعة، حضنها من وسطها وهي نص واعية.
خرج بيها من الباب التاني للعمارة، قلبه بيدق بسرعة، عينيه كلها خوف عليها.
وفجأة… جسمها انهار بين إيديه. فقدت الوعي تمامًا، ورأسها مالت على كتفه، وهو بيهمس بفزع:
ـ زينب! اصحي يا زينب!
---
كان قلب زياد بيدق بجنون، الخوف مسيطر عليه وهو شايل زينب بين إيديه. نزل بيها بسرعة على الجراج، فتح باب العربية، وحطها بحنان على الكرسي جنب السواق.
ركب وانطلق بأقصى سرعة من الباب الخلفي للفندق، كأن الدنيا كلها مطاردة وراه. إيده ماسكة الدركسيون بقوة، والتانية كل شوية تتهزّ على كتفها وهو يهمس بقلق:
ـ زينب… فوقي، بالله عليكي متسبنيش كده…
كانت عينيها نص مقفولة، جسمها مرمي عليه، أنفاسها ضعيفة. قلبه بيتقبض كل ما يشوفها كده.
لحد ما وصل لأقرب عيادة تبع رجالته. نزل بيها بسرعة، صوته متوتر وهو بينادي:
ـ دكتور! بسرعة… لازم تكشف عليها حالًا.
الدكتور استقبلهم بجدية، دخّلها الأوضة وفحصها بسرعة خلع لها القميص وكان واضح البادى الناحية مقطوعة نزعها الدكتور . وبعد دقائق، جهز ليها محلول وركب ليها الكانيولا.
التفت لزياد وقال بجدية:
ـ حرارتها عالية جدًا… واضح إن في جسم غريب دخل جسمها، يمكن عن طريق حقنة أو مادة في الوريد. ده اللي سبب الإغماء والحرارة المرتفعة.
زياد اتجمد مكانه، صوته متحشرج بالغضب والقلق:
ـ يعني حد سممها؟!!
الدكتور رفع عينه وقال:
ـ مش بالضرورة سم… لكن أكيد حاجة متعمدة، جرعة بنج أو مخدر قوي. لو ما لحّقناشها بسرعة كان ممكن يحصل مضاعفات خطيرة.
زياد مسك راسه بإيده، صدره بيتنفس بسرعة، عينيه كلها نار وانتقام:
وهو يلوم نفسه انه مصدقش انها بتتأثر من أي حاجه غريبة
ـ أقسم بالله ان كان بسبب المخدر اللي عمل فيها كده… هخليه يتمنى الموت وميلقهوش!
وبص لها وهي نايمة على السرير، وجهها شاحب لكن ملامحها لسه جميلة . مد إيده، مسك كفها بحنان، وقرب منها وهو يهمس:
ـ استحملي يا زينب… أنا هنا… ومش هسيبك تاني.
رواية عشقت فتاة المصنع الفصل العاشر 10 - بقلم صفاء حسني
بدت تفوق زينب بعد وقت، عيونها تتسع من الرعب والخوف، تتنفس بسرعة وتتحرك بعصبية.
"أنا فين؟!"
الممرضة حاولت تهديها بصوت هادي.
"متخفيش... إنتِ في أمان... حمد الله على السلامة."
زينب رفعت عينيها ونظرت لجسمها، لاحظت زرعها مكشوف والبادى مقطوع، وصرخت.
"إزاي في أمان؟! دراعي مكشوف... أنتم تابعين لـ جاسر صح؟! عملتوا في أيها... حد يلحقني يا رب... ساعدني..."
بدأت تحاول تتحرك بسرعة، يدها ترتجف. فجأة، سمعت صوت خطوة قوية خلفها، رنت اسمها.
"يا... إنت سامعني؟"
كان زياد واقف عند الباب مع الدكتور، سمع صوتها الرعبي ودخل على الفور. عينيه كلها خوف وقلق.
"زينب... هدي أعصابك... أنا هنا... مفيش حد هيأذيكي."
زينب نظرت له بعيون مليانة دموع وخوف، جسمها يرتعش.
"أنت... كنت فين ...؟"
زياد اقترب منها بهدوء، ماسك يدها بحنان.
"أنا موجود ... وا هحميكي... إهدئي... كل حاجة تحت السيطرة."
بدأت زينب تحس ببعض الأمان، رغم الرعشة اللي لسه مسيطرة على جسمها، بس صوت زياد وكلامه البسيط خلى قلبها يرتاح شوية.
زينب بصّت له بعينين مليانين دموع.
"تحمّني… والا تخليني أعيش إحساس كل بنت؟! حسيت إني ضايعة… كنت ممكن يتعمل فى زى البنات ! كنت ممكن أي حاجة تحصل!"
زياد ماسك يدها بإحكام.
"أنا فاهم شعورك… لكن كنا معاكي في كل لحظة، من إسكندرية للقاهرة."
زينب شهقت.
"يعني أنا كنت في العربية معاهم من إسكندرية للقاهرة وتقولي إنّي كويسة؟ ولو حد قرب مني، أو كشف جسمي، أو صورني… فين الأمان ده يا حضرة؟!"
بدأ زياد يوضّح لها بهدوء.
"يا بنتي… افهمي… الجهاز ده مش لعبة، ده فيديو بيصور أي حاجة وبنسمعها صوت وصورة… وكنت متابعك… وبعت واحدة عملت نفسها عاملة وفوقتك قبل ما جاسر يقرب منك."
زينب صرخت.
"وإيه يضمنلي إنك صادق في كل كلمة؟ مش ممكن تلعب بيا!"
ضحك زياد بسخرية، وعيونه مليانة دفء.
"ومش ممكن… أنتي كمان معهم وبتلعب معانا؟ شفتك وانتي بتتكلمي مع ظاظا، والقلوب طالعة من عيونك صح… وكل توترك ده عشان شفت حبيبي القلب… وبتلخوش عشان متكمليش."
زينب هزت راسها بعناد.
"فعلاً… مش هكمل… شوف غيري أو أتصرف… إنت بعيد عني… مفهوم؟ كفاية أوي كده!"
زياد ماسك زينب من درعها بعنف لكنه متحكم في صوته.
"دخول الحمام مش زي خروجه… وبت زيك مش هتبوظ شغلي! مفهوم؟"
"ليه بتهربي من ظاظا ده؟ وليه اتخنقتي لما شفته؟"
"آنتي مش صريحة معايا… سألتك قبل كده: حبيتي قبل كده؟"
زينب صرخت بعنف، عيونها مولعة بالغضب والصدمة.
"حب إيه وكلام فارغ إيه!"
"إنت فاكر أنا مش عاوزة أكمل عشان بحبه؟ لأ ياباشا… مش عاوزة أكمل عشان ميِتسجنش المرة التانية بسببي!"
"ولو حصل… وبقي مجرم… يبقى السبب عليكم أنتم!"
زياد صمت للحظة، صوته أصبح أهدأ لكنه لا يزال حازم.
"انا مش فاهم منك حاجه… بس أنا مش هسيبك الا أم فاهم"
زينب تنهدت بقوة، لكنها ما زالت متوترة.
"بس أنا… أنا مش عايزة اتكلم والا حد يتحكم في حياتي…"
زياد اقترب منها شوية، ماسك يدها بحذر.
"ومحدش هيسيطر عليك… غيري أنا ، مهما حصل. بس كونى صريحة معايا"
زينب حاولت تبعد يديها، لكن صوتها ارتجف.
"وبعدين؟ لو قلتلي الكلام ده… هصدقك؟"
زياد بخفة دم وحب ظاهر في عيونه.
"صدقي أو ما تصدقيش… المهم تعرفي الحقيقة. أنا موجود دلوقتي، ومش هسيبك لأي حد يلحقلك أذى."
زياد شاف العناد في عيونها، وابتسامة صغيرة ظهرت على وشه، لكنه كان جاد.
"طيب… أنا مش هضغط عليكي. بس عايزك تعرفي حاجة… أنا كنت موجود دايمًا، وكل خطوة كنت متأكد إنك هتكوني بأمان…"
زينب تنهدت بعمق، دموعها بدأت تنزل ببطء، لكنها بقيت عيناها مركزة عليه، تحاول تستوعب.
"يعني… مهما حصل… هتحميني؟"
ابتسم زياد بابتسامة دافية.
"أيوه… كل حاجة. حتى لو مش فهمتيها دلوقتي، هتشوفي قد إيه كنت حريص عليكِ من ورا الستار."
زينب كتمت أنينها، وقلبها بدأ يهدأ شوية، لكن صوتها كان مازال مليان توتر.
"وبعدين… إيه اللي هيحصل دلوقتي؟ أنا مش عايزة أي حد يقرب مني."
زياد اقترب منها خطوة بخطوة بهدوء.
"دلوقتي… نبدأ صفحة جديدة، من غير خوف، من غير أي تهديد… كل اللي عليا أعدك بيه، أمانك هو الأولوية."
"عايز تعرف ايه؟ تعرف ايه رغم إنك ممكن تعرف كل حاجه عنه."
ضحكت بسخرية.
"أكيد عملت تحريات وعرفت كل حاجه، صح؟"
تنهد زياد.
"أكيد عرفت، لكن عايز اعرف منك كل حاجه."
قطع حديثهم تليفون من بنت من المصنع. سمعت زينب تليفونها بيرن، جابته الممرضة لها من الجاكت.
"أوي يا سمر."
ابتسمت سمر.
"يعني طلع كلامه صح، انتي بخير وهو انقذك."
استغربت زينب وهى تنظر لزياد وسألتها.
"تقصد مين الا انقذني؟"
شاور زياد تفتح الاسبيكر. وفعلًا فتحت وسمعت سمر بتقول.
"صاحب المصنع، أستاذ عصام، وقت ما وصلنا كان موجود، وسألنا عن نقل الإدارة بتوكيل بتاعه من محمد لينا، واستغرب. ولما حكينا له إيه حصل، طلب منى نختار حد يتابع معه، وكنا مختارينك، لكن لم نسمع صوت صرختك، خوفنا عليك. وقتها رشح الست سعاد وطلع وراءك، ومن شوية اتصل بينا وطمنّي وطلب رقم تليفونك."
كانت مصدومة أنّه صاحب المصنع. طلب منها زياد تقفل المكالمة بسرعة.
"أنا كويسة وكويس ظهر صاحب المصنع، وأنا في المستشفى ولم أكن كويسة، هاجي."
قلقت سمر.
"طمنين في المستشفى ليه؟"
كان أخد زياد منها التليفون وقفل الخط.
"مش عارف ليه، حاسس إنك بتلعب بي. انطقي يا بت!"
انصدمت زينب وصرخت.
"بقولك ايه! أنا والا يهمني ظابط ولا مجرم، أنا بايع الدنيا وما فيها!"
"فأسلوب ظباط الشرطة ده معايا يجيب معاك عكسي، صدقني!"
"فبرحة على نفسك عشان أفهم، لأن راسي وجعتني من كل المفاجآت ده!"
طلب منها زياد بجدية.
"ابطلي الحبتين دول… واتكلمي… عايز أفهم كل حاجة."
"فاهمني… تعرفي ظاظا بتاعك ده من فين؟ وإيه اللي حصل عشان يدخل السجن؟ وليه مامتك دخلت السجن بتهمة الاتجار بالأعضاء؟"
انصدمت زينب، عيونها اتسعت وصرخت.
"إيه!؟ ماما بريئة!"
وقفت فجأة… اتبلت على نفسها من شدة الخوف والصدمة، وقلبها كان بيدق بسرعة. كل حاجة حواليها اتلخبطت، دموعها بدأت تنزل، وصوتها اتقطع من الرعب.
زياد لاحظ صمتها الطويل وخوفها، واقترب شويّة وقال بهدوء.
"عارفة إن الموضوع صعب… بس محتاجة تحكيلي كل حاجة، كل تفصيلة… عشان أفهم وأقدر أحميكي."
زينب تنهدت بعمق، لسه مرعوبة، بس قررت تبدأ تحكي…
"كل حاجة… من أول ما ظاظا دخل حياتي، لحد ما مامتك اتحطت في السجن… وكل اللي حصل…"
بدأت بالكلام بصوت متهدج، لكن واضح إنها بدأت تواجه الحقيقة، وكل كلمة كانت بتنزل كأنها تخفف شوية من ثقل الخوف اللي جواها.
زينب تنهدت بعمق وبدأت تتكلم بصوت مرتجف.
"أنا كنت عايشة أنا ومامي في محافظة المنصورة… ومامي كانت شغالة ممرضة. بعد ما بابا مات، كنا في دار أيتام… النظام هناك كان بيهتم بالأطفال… بيجيبوا لهم تعليم، أكل، شرب… وقت ما مامي كانت في شغلها، كنت بنام في الدار…"
وقفت شويّة، دموعها بدأت تنزل، ثم تابعت.
"مامي كانت دورها كبير في عمارة فيها أربع شقق… مكان للنوم، للتعليم، وللترفيه… وكان في ناس بتيجي تساعد وتتبرع للدار."
زياد واقف جمبها، صامت، مركز على كل كلمة بتقولها، عارف إنها هتكشف له جزء من ماضيها اللي مألمها.
زينب استجمعت نفسها وأكملت.
"يوم من الأيام، جه واحد من بلد… وشاف ولد عندنا اسمه جرجير، كان شبه ظاظا… كانوا توأم في الشكل… لكن ظاظا كان هربان من أهله… أو ضايع… مش فاكرة… شافوه في الشارع وجابوه للدار… لكن لما الرجل الكبير ده جه، خدوا جرجير… كنا فاكرين حد هيتبناه ويعيش معاه… لكن للأسف، خدوه عشان يموته…"
صدمة الموقف كانت واضحة على وشها، وعيونها مليانة دموع، وصوتها اهتز من الألم.
"كل اللي حصل بعد كده… كل حاجة… كانت بداية لعالم كله خوف… كل حياتي اتغيرت بعد اليوم ده."
زياد نظر إليها بجدية وسألها.
"عايزك تكلمي بصراحة… مات جرجير إزاي وليه اسمه جرجير، وإيه اسمه الحقيقي؟"
زينب تنهدت ببطء، وعيونها مليانة دموع.
"أطفال الدار سموه جرجير… عشان كرتون ظاظا وجرجير… وكانوا شبه بعض في كل حاجة، لكن في نفس الوقت مختلفين."
صوتها ارتجف وهي تتابع.
"وقت ما أخدوا جرجير… ظاظا انهار… كان بيشتاق له… وطلب من مامي تعرف أي حاجة عنه… مين اللي أخده… لكن المفاجأة… إنهم أخدوه وباعوا عشان ينقذوا روح … ابن الناس الكبيرة كان محتاج كلية… وكان عايش على واحدة بس، وفيها مشاكل…"
زينب توقفت، نظرت لزياد بعينين مليانة حزن.
"واختاروه لأنه كان أكتر واحد فينا صحته كويسة…"
كان قلب زياد بيتفطر وهو سامعها، والدموع بدأت تلمع في عينيه من قسوة اللي حصل، لكنه فضل ساكت يسمع كل كلمة.
طلب منها زياد برجاء.
"كلمي… كملّي إيه إللي حصل."
تنهدت زينب وقالت.
"لما ماما بحثت وعرفت ده… وقتها خافت علينا من الدار، وكمان خافت على باقي الأطفال، فاتفقت معانا إن نحاول نساعدهم يخرجوا من الدار. وفعلاً قدرنا بمساعدة ظاظا، وماما أخدتنا على بيت في البلد، وطلبت من ظاظا ياخد باله مني لحد ما تنقل أوراقها ونسافر مكان تاني."
"وفعلاً كان بيهتم بينا ظاظا، لكن الأكل والشرب اللي في البيت خلص، وماما اتأخرت بدل اليوم عشر أيام أو أكتر، وإحنا عددنا كبير وقتها. عمل اتصال ظاظا بولد كان بيلعب معه من سكان العمارة، وعرف منه إن الدار اتشمعت واتقبض عليهم بتهمة الاتجار."
"وطبعاً الناس انتقموا واتهموا ماما إنها معهم وبتساعدهم لأنها ممرضة، واتسجنت ماما فترة التحقيقات."
"ووقتها ظاظا خرج يشتغل هو وبوجي، وأولاد تأنى كان كلهم أعمارهم من 10 لـ 12 سنة، اشتغلوا في الأرض الزراعية مع الفلاحين عشان يطلعوا ليهم قرشين، وفهمهم إن إحنا كلنا إخوات، وكلنا عملنا وشم عشان يصدقوا."
"وفي يوم، أخوي كان جعان، وكان باقي الأطفال وأتأخر ظاظا… وكان رجل بتاع حلويات موجود في المكان. إحنا طلبنا منه كنافة أو بسبوسة أي حاجة لحد ما ظاظا يرجع."
"زعق فينا وقال: 'أنتم جيش! ولو حطيت المحل كله مش هتشبعوا… امشوا من هنا!'"
"وقتها الأطفال وأنا بتكلم معه وبترجّاه: 'والله يا عم مش عاوزة كتير، هات كيلو بس، وأخويا الكبير يديك حقه لم يرجع'."
"زعق وقاعد يبعدني عن المحل."
"بقي إخوتي ومنهم أخوي سرقوا صنية كبيرة وجريوا بيها على البيت… لمّا رجع عرف الرجل وبلغ الشرطة."
"وقتها ظاظا رجع وعرف باللي حصل، واتهم نفسه هو وبوجي، وأخدوا ظاظا كمان… وبعد كده بقي الأطفال، كل واحد من الخوف اتسجن، فهربوا… وهربت معهم أنا وأخوي، وركبنا القطر."
"فضل ماشي بينا أنا وشوية بنات. أم الأولاد، كل ما يشوفهم الرجل، إلا بيلم التذاكر ويزعق فيهم وينزلهم."
"ولما وصلنا اسكندرية، كان اتفرقنا نصفين أو أكثر… يعني هربنا من قلوب ميتة، خوفنا على أرواحنا، ووقعنا في التشرط والجوع."
"لما نزلنا اسكندرية أنا والبنات وأخوي، سالنا على شغل واشتغلنا في المصانع… من مصنع لمصنع، وأجرنا شقة نعيش فيها، وقسمنا الراتب على الإيجار والأكل."
"وبعد كده بسنتين، أمي وصلت لينا… كنت بقيت عندي 14 سنة، وأخوي في سن المدرسة وكان كمان أكبر، لكن الحمد لله أمي اتقدمت لنا، وبدأنا في الدراسة… وأنا وأمي بنشتغل والبنات اتعلمت وقتها أحمي نفسي."
"لكن للأسف الناس الوحشة بتاكل في الغلابة عشان هما مش بيشبعوا… ولو ظاظا بقي مجرم كبير، يبقي السبب إنكم حبستوا طفل عشان صنية كنافة!"
تركها زياد ترتاح وخرج وهو متأثر، يكتم حزنه وقهره عليها، وبلع ريقه واتصل بمومن، إلا ماسك قواضي الاتجار.
كان مومن في العربية مع أبوه، وبعد كده وصلوا لمول يشتري سرير وعربية أطفال وكل ما يلزم.
رن التليفون، رد عليه مومن وهو سعيد.
"زياد حبيبي والله فيك الخير… بس عرفت من فين إن إيمان ولدت؟"
شعر زياد بالإحراج، وصوته كان مكتوم من الحزن.
انتبه مومن وسأله.
"مالك يا زياد؟"
تحدث زياد بحزن وقهر.
"إحنا شغلتنا إيه في البلد دي؟ ازاي سنين مش عارفين نمسك الشبكات… ازاي ناس معروفة واسمها كبيرة لكن خط أحمر من أي حساب… ونجري ورا فتيفيت لحم بيرمهم لينا عشان نفرح بيهم ونحس إن إحنا عملنا إنجاز… وكل يوم ورا يوم الجريمة بتكبر وبيكون أكتر شرسًا وبجاحة."
طلب منه مومن يهدى وطلب منه يحكي إيه إلا مضايقة، ولما سمع مومن اتأثر لإنه عاش المأساة دي وشاف الجريمة بعينه. وفعلاً، للأسف، الصغار هما اللي بيتمسكوا.
طلب منه مومن يهدى وقال.
"أنا بأحقق في القضية دي، وابعت للمنصورة وكمان للبلد اللي إنت قلت عليها… لكن لازم تتحكم في عواطفك. أنا عارف إنك متأثر من اللي عاشته زينب، زي ما اتوجعت من اللي عاشته إيمان."
وللأسف، اكتشفنا إن كلهم بيشتغلوا لمصالح بعض، سواء كان رجال دين أو يدعوا الدين، أو رجال سياسة، والضحية الناس البسيطة.
اقنع زينب تعرف إن كان عصام معهم أو لا، عشان هتستفيد كتير لو عصام كمان اتعاون معانا.
تنهد زياد وقال.
"في أمل، ولا في الآخر الرأس الكبيرة هتِهرب خارج البلد والشغل اللي يدفعوه التمن؟"