مر أسبوعان وأكثر، وإلى الآن لم يأتِ أمير. لم يهتم الأغلبية لتأخره بالعودة، بينما هي تكاد تموت قلقًا عليه، فهو قد أخبرهم أنه يومان وسيعود، وإلى الآن لم يأتِ أو يحدثهم. لكن ما طمأن فؤادها قليلًا اتصاله بأخيها وإخباره أنه تأخر لظروف ليست بإرادته. لكن صوتًا ما بداخلها يخبره أنه يوجد أمر آخر، لتبدأ الشكوك والتساؤلات بداخلها.
حاولت أكثر من مرة أن تهاتفه، لكن شجاعتها تختفي ما أن يأتي بمخيلتها أنه من الممكن أن يغضب ويثور عليها ويتهمها بأنها كاذبة وأنها خدعته، وهذه الأمور. لتشعر بالغيظ منه ومنها، محدثة نفسها بغضب طفولي: "بقى أنا مستنية كل دا وهو ولا هنا، ولا حتى سأل فيا. هو أنا مش وحشته زي ما هو واحشني؟ لتكمل بقلق وهي تضع يدها فوق بطنها المنتفخ: "معقول يكون مش عاوزني من أصله وهو متحجج بالسفر عشان مش عاوز يقابلني؟
لتشعر فجأة بالألم أسفل بطنها، لتتجه تجلس فوق الفراش بتعب وشعور من الحزن يتملكها من أن أتت ببالها هذه الأفكار. ***
يقف خلف نافذة الشرفة يتطلع إلى زخات المطر وهي تسيل فوق الزجاج، يفكر فيما مضى وما هو قادم. يخشى العودة، لأول مرة بحياته يشعر بذلك الخوف. الخوف من المجهول، ولا يعرف ماذا عليه أن يفعل. يفكر بيأس أنه من الممكن أن تطلب منه الانفصال، أو أن تتهمه وتلومه. كيف له أن يقف أمامها وينظر إلى عينها، وهو أكثر شخص قام بإيذائها، هو من تسبب بقتل طفله قبل أن يعرفا بوجوده.
لكن ورغم هذا، إلا أنه مشتاق إليها حد الموت، يريد أن يذهب إليها في الحال، يشبع شوقه لها، يأخذها وينصرفا إلى مكان بعيد لا يوجد به غيرهما، وتكون قد سامحته على ما فعله بها. ولكن كيف؟ كيف لها أن تسامحه، وهو لا يستطيع أن يسامح نفسه؟ يتأكله الندم. لأول مرة بحياته يخشى من المواجهة.
يغمض عينيه بتعب ويتجه ليلقي بجسده فوق الفراش. ليظل على حالته للحظات، وينهض فجأة يبحث عن هاتفه، وما أن وجده قام بالاتصال على أخته، لياتيه الرد بعد لحظات. "حبيبي عامل إيه؟ وحشتني أوي يا أمير. إيه مش ناوي ترجع؟ ليجيبها بصوت متعب، لكن حاول صبغه بالجدية: "أنا كويس الحمد لله، بس عاوز أعرف... قاطعته هي من الطرف الآخر قائلة بنبرة هادئة: "سارة مش كده؟ قلقان صح؟ ليجيبها بنبرة خافتة: "أيوه." لتكمل بنفس نبرتها الهادئة:
"هي كويسة، وعلى فكرة هي اللي عاوزة تقابلك ومستنياك لحد دلوقتي." ليردف بقلق وهو يتحسس جبينه: "طب متعرفيش... يعني إنها هتكلمني في إيه؟ عاوزة تكمل ولا لأ؟ فهماني؟ لتشعر بالشفقة وهي ترى أخيها لأول مرة هكذا، نبرته القلقة وتوتره الواضح من مجرد الحديث عن ذلك الأمر عبر الهاتف. "مش عارفة والله، هي مش بتكلم قدامي عن الموضوع ده. هي أصلاً أغلب الوقت في أوضتها ومش بتتكلم كتير، أنت أكيد عارف طبعها." ليهمس لنفسه بالم:
"يا ريتني فهمته من زمان." "بتقول إيه؟ مش سامعة؟ ليتنفس بعمق قبل أن يردف قائلاً بتهرب: "المهم، قوليلي أنتِ عاملة إيه؟ وحبيب خاله عامل إيه؟ لتبتسم بسعادة وهي تجيبه: "كويسة الحمد لله. عاوزة أقولك على حاجة." أنهت جملتها وهي تضحك بسعادة، ليشعر هو بسعادتها، ليجيبها بحماس مفتعل حتى لا تحزن: "شوقتيني أعرف. في إيه؟ "في توأم في الطريق." ليهتف بسعادة وفرحة لأخته الصغيرة:
"مبروك يا روحي ألف مبروك، إن شاء الله يكونوا ذرية صالحة. أنا هبقى عم مالك. هباركله." لتهتف بقوة مقاطعة حديثه: "لا أوعى يا أمير، والله أزعل منك." ليعقد ما بين حاجبيه باندهاش قائلاً: "ليه؟ هو مالك ما يعرفش؟ لتجيبه بغيظ تولدت لديها ما إن تذكرت ما يفعله مالك بها، وهي تحرك قدمها بعصبية: "أيوه ومش هقوله. البيه مانع عني أي نوع من أنواع الكافيين والشبيسيات، وكل الأكل الجاهز ممنوع يدخل البيت أصلًا."
ليضحك هو على تفكيرها الطفولي، ليحاول منع نفسه من الضحك ما إن هتفت اسمه بعصبية، ليجيبها بهدوء قدر الإمكان: "يا حبيبتي، مش أنتِ دكتورة وعارفة إن الحاجات دي غلط على البيبي؟ جاءت لتجيبه، لكن ما أخسره هو رؤيتها لسارة وهي تخطو بتعب متجهة إليها، لتنهض في اتجاهها لتسندها، هاتفه بها بقلق وما زالت تضع الهاتف فوق أذنها. "سارة، انتِ كويسة؟ لتجيبها سارة بدموع وهي تمسك بطنها بحماية: "تولين، أنا بنزف. وديني المستشفى بسرعة."
لتشهق بفزع وهي تتجه إلى غرفتها بسرعة لتأتي بمفاتيح سيارتها: "إيه؟ طب استني هطلع أجيب المفاتيح ونروح المستشفى. اهدى بس." ليردف أمير بقلق وهو يستمع إلى أختها، ولكنه لم يستمع إلى حديث سارة: "تولين، سارة مالها؟ في إيه؟ لتجيبه بقلق وهي تعود إلى سارة بعد أن أخذت مفاتيح سيارتها والفيزا الخاصة بها التي لم تستخدمها منذ أن تزوجت: "سارة بتنزف، هروح بيها المستشفى. أنت كلم مالك يحصلنا على هناك. يلا سلام."
ولم تعطيه فرصة للرد وأغلقت الخط، بينما هو كاد قلبه يتوقف من القلق، ليقوم سريعا بحجز أول طائرة إلى مصر بعد نصف ساعة، التي تليها بعد 6 ساعات، ليحجز في التي ستقلع بعد نصف ساعة.
وفي أقل من خمس دقائق كان قد جهز حقيبته وغادر الجناح، ليأخذ سيارة من الفندق وينطلق بها إلى المطار. ورغم أن الطريق من الفندق إلى المطار ما يقارب النصف ساعة وأكثر، إلا أنه وصل في ثلث ساعة، وقام بكل الأمور المتعلقة للسفر، لينهي كل هذا في الوقت المحدد.
وبعد نصف ساعة كان أمير بطريقه للصعود على متن الطائرة، وهو يلعن نفسه على تفكيره الغبي الذي طالبه للهروب وتركها، وأن هذه المرة الثانية التي تتعب وتذهب للمشفى ولا يكون معها، ليدعو أن تكون بصحة جيدة وأن لا يصيبها شيء. *** "مبروك يا عريس." هتف بها حازم بسعادة وهو يعانق صديقه مروان، ليردف مروان بابتسامة واسعة: "عقبال ليلتك يا حازم." "يارب أنا وأنت." ليكمل بمرح وهو يغمز له:
"بس الصراحة أنت فاجأتني، أنا عمري ما كنت أتخيل إنك تتجوز حبيبة، ده أنت ما كنتش بطيقها." ليردف مروان بابتسامة وهو يعدل من خصلاته: "مش عارف إيه اللي حصل، بس فجأة حبها اتزرع في قلبي من وقت أول ما شفتها لما كانت عندنا هي وأهلها. حسيت إن أول مرة أشوفها." ليربت حازم على كتفه قائلاً بخبث: "أحسن حاجة في كل ده إنك طلعت مسيطر وهتخلوا كتب كتاب كمان." ليضحك الآخر بصخب قائلاً من بين ضحكته: "هو أنا زي حالاتك ولا إيه...
"يا عم الحمد لله إني خطبتها، ده أبوها كان رافض المبدأ لحد ما تخلص وتشتغل." قاطعه الآخر بنبرة ساخرة ولكن بها شيء من الحزن المفتعل، وهو يعقد ما بين حاجبيه بضيق حقيقي، فحماه العزيز والد فتون خطيبته، كان يرفض أن تتم الخطبة وليس سببًا به أو شيئًا كهذا، بل كان رافضًا المبدأ من الأساس، وكانت حجة أنه يريدها أن تهتم بدراستها أولاً وبعد أن تتخرج تفكر في تلك الأمور.
ولكن مع إصرار حازم وكونه لم يستسلم، فبعد أن رفض والد فتون، جعل أمه تتحدث مع والدة فتون لتقنعها، وبالفعل خلال شهر كان قد تمت خطبة حازم وفتون، ولكن كان شرط والدها أن الزفاف سيكون بعد تخرجها، ليقبل به حازم حتى وإن كان يريد أن يتم الزواج بعد تخرجه، ولكن ليس باليد حيلة كما يقولون.
في نفس الوقت، كانت حبيبة تجلس تحت يد خبيرة التجميل التي تزينها من أجل هذا اليوم، التي ستتم خطبتها ويعقد قرانها بمن نال قلبها، من كانت تدعو الله بكل سجدة صلاة أن يكون حلالها ونصيبها في الدنيا، وقد استجاب الله لها. لتخرجها من تفكيرها هي تلك التي تقوم بتزيينها: "ما شاء الله يا آنسة حبيبة، بشرة حضرتك مش محتاجة حاجة." لتشعر الأخرى بالسعادة وهي تستمع إلى كلمات تلك السيدة: "ربنا يخليكي، تسلمي."
لتعجب تلك السيدة بأدبها ورقتها، لتردف قائلة: "إحنا كده خلصنا المكياج، اتفضلي البسي الفستان عشان نلف بعدها الطرحة." لتومئ لها حبيبة وهي ترى تلك السيدة تغادر ومعها باقي الفتيات المساعدة لها، لتنهض هي بخفة تتجه نحو الفستان المعلق. ابتسمت بخفة فور تذكر تزمر أمها على هذا الفستان، فقد كان فستانها هادئًا ورقيقًا، لتتنهد بسعادة وتبدأ في تبديل ثيابها بحذر حتى لا تخرب زينة وجهها.
وبعد مرور عدة دقائق، كانت تنظر إلى نفسها في المرآة بعد انتهائها من كل التجهيزات، لتمر لحظات وتستمع إلى طرق على الباب، لتسمح للطارق بالدخول، وكانت أمها التي أدمعت ما إن رأتها، لتقترب حبيبة معانقة إياها قائلة بحنان: "بتعيطي ليه يا ماما بس دلوقتي؟ مش طول عمرك نفسك تشوفني العروسة؟ لتجيبها أمها بابتسامة وهي تمسح وجنتيها:
"دي دموع الفرحة. مش مصدقة يا بيبو إن خلاص هيجي واحد وياخدك مني. ربنا يجعله زوج صالح ليكي ويكون سندك ويراعي ربنا فيكي." لتؤمن هي على حديث أمها وتقبل وجنتيها بحب، لتتحدث بمرح وهي تبتعد عنها: "قولي إنك زعلانه عشان مش هتلاقي حد يغسلك المواعين بعد كده." لتضحك أمها، لتردف بتذكر: "نسيتني، أنا كنت جاية ليه. العريس والماذون وصلوا، يلا عشان تطلعي مع بابا."
ولم تكد تكمل جملتها حتى وجدت منصور يدلف إلى الغرفة وعلى وجهه ابتسامة وعينيه تلمع بالحنان، لكنها لا تخلو من تلك اللمعة الحزينة، فوحيدته ستتزوج وتنتقل لبيت آخر، لكن هذه هي سنة الحياة. لتقترب هي منه معانقة والدها بحب، ليربت هو على ظهرها ويطبع قبلة رقيقة فوق رأسها، لتبتعد عنه بعد لحظات. ليردف قائلاً بحنان: "مبروك يا قلب أبوكي." لتجيبه بابتسامة رقيقة: "الله يبارك فيك يا حبيبي."
ليتجه ثلاثتهم إلى الخارج، حيث الجميع متواجد ويتجهوا نحو المكان المخصص لعقد القران، وما إن رآهم مروان حتى نهض من مكانه وابتسامة واسعة تزين ثغره، ليفتتن بجمالها الهادئ بذلك الفستان الرقيق، وما زادها جمالا هو حجابها الرقيق الذي جعلها تشبه الملائكة.
ل يجلس منصور أمام محي وبجانبه حبيبة التي تجلس أمام مروان، وكانت تنظر بخجل إلى الأرضية وهي تشعر بالتوتر من هذا الموقف، بالإضافة إلى أن مروان ينظر لها من حين لآخر. لتبدأ مراسم عقد القران، وما إن جاء الدفتر أمامها شعرت بتنفسها يزداد بمعدل غير طبيعي، لتلتفت بنظرها إليهم، تجد مروان ينظر إليها باستغراب وحاجب مرفوع كونها تأخرت في التوقيع، لتتنهد بطول وهي تمسك القلم توقع. وبعد لحظات أنهى المأذون بجملته الشهيرة:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
وما إن أنهى جملته انطلق صوت الزغاريط والمباركة بين الجميع. وما هدأ الوضع قليلاً وغادر المأذون، اقترب منها وابتسامة سعيدة على وجهه، فها هو الآن بعد كل ما فعله وكل من تعرف عليهم من بنات، إلا حبيبة لها تأثير عليه مختلف، دقات قلبه هذه ليست بالطبيعية، ما إن يراها حتى ملك لم يشعر معها بما يشعر به الآن. خطر بباله للتو أنه من المؤكد أن الله قد سخر له ملك حتى تكون سببًا في توبته، ليكون بالزوج المناسب لحبيبة. تلك الفتاة التي لم يكن يتحمل رؤيتها لدقيقة واحدة، الآن هي زوجته ويشعر بالسعادة ما إن ينظر إليها.
لتنظر هي له بخجل، ليشعر هو وقتها بامتلاك العالم، فقد كافأه الله بعد توبته. ليتجها معًا إلى المكان المخصص لهم ليقوما بتلبيس الدبل لبعضهم في جو يسوده السعادة والحب. *** وصل كلا من سارة وتولين إلى المشفى، كانت الأخيرة قد بدأت اتصلت بالمشفى حتى يستعدوا لقدومها بسارة، وما إن وصلا استقبلهم فريق طبي. لتنتظر تولين خارج الغرفة التي دلفت بها سارة، كون هذا التخصص ليس تخصصها. لتمر دقائق ويأتي مالك الذي ترتسم فوق ملامحه القلق.
ليردف بقلق: "تولين، سارة مالها؟ حصل إيه؟ أمير كلمني، قال لي إنها بتنزف. من إيه؟ لتمسك ذراعه تحثه على الجلوس بجانبها وهي تقول بنبرة هادئة: "اهدأ حبيبي، إن شاء الله مفيش حاجة تقلق. هو أمير كان بيكلمني في التلفون وفجأة لقيتها جاية بتقولي أنا بنزف، قولت لامير يقولك وأنا جيت بها على هنا ولسه محدش بلغنا بحاجة."
ليشعر مالك بالقلق على أخته، ليستند بمرفقيه فوق ركبتيه وينحني برأسه محيطها بكفيه، لتربت تولين على ظهره بحنان. لتمر عدة دقائق مرت عليهم كالدهر، لتخرج الطبيبة التي كانت مع سارة، لينهض كلا من مالك وتولين. وقبل أن يتحدثا سبقتهم الطبيبة قائلة بهدوء وعملية بنفس الوقت:
"مدام سارة الحمد لله كويسة. النزيف كان بسبب التوتر والزعل، فعمل انقباض للرحم وده السبب. يا ريت تبعد عن أي ضغوطات نفسية طول فترة الحمل، وهتفضل تحت الملاحظة 24 ساعة تجنبًا لو حصل حاجة." ليردف مالك بجدية وهو لا يعلم ما سبب حزن أخته أو توترها: "طب ينفع ندخل نشوفها دلوقتي؟ "أكيد، بس يا ريت لو تستنوا شوية تكون فاقت والمحلول يكون خلص." ليومئ لها مالك، لتتركهم الطبيبة، ليلتفت هو إلى تولين ينظر إليها باستفهام،
لترفع هي كتفيها ببراءة: "والله ما أعرف حاجة، الموضوع زي ما قولتلك." ليردف بتفكير: "طب هتكون زعلانة من إيه؟ "ممكن تكون خايفة لاحسن أمير ما يجيش أو متوترة من المواجهة." لينظر لها مالك وهو يعقد حاجبيه ويعودا للجلوس مرة أخرى حتى يسمح لهم بالدخول لرؤية سارة. لتمر نصف ساعة ويدخلان، بعضها يجدها تتسطح فوق الفراش ويبدو على ملامحها التعب. ليجلس مالك عند طرف الفراش قائلاً بعتاب: "كده تقلقينا عليكي؟ لتبتسم بخفة:
"حصل خير حبيبي، أنا الحمد لله كويسة. وعلى فكرة مراتك دكتورة شاطرة." ليعقد الآخر حاجبيه بمرح يريد إغاظة زوجته: "وهي إيه دخلها بالنسا؟ وبعدين أنا أوقات كتير بنسى إنها دكتورة." لتقاطعه تولين قائلة بغضب طفولي: "ودا ليه إن شاء الله؟ مش دكتورة أنا ولا مش دكتورة؟ ها؟
ولم تكمل جملتها حتى وجدت ملك تليها ديما ومعهم حازم شقيق ديما الأصغر، وبعدهم بلحظات إلياس وتيم ومعه زوجته سيدرا اللذان أقام زفافهما في ألمانيا ثم نقلوا جميع متعلقاتهم إلى مصر. ليبدأ الجميع في الحديث مطمئنين على سارة، وبعد مدة قليلة جاءت إحدى الممرضات لتضع محلولًا آخر لسارة بعد انتهاء الأول.
ليتحدث الجميع مع بعضهم، مالك والياس وتيم، ثلاثتهم فوق الأريكة يتحدثون في مواضيع مختلفة، بينما الفتيات يجلسن حول سارة، تارة يضحكن على مناوشات ديما وملك، وتارة يتحدثن عن أمور مختلفة. ليمر الوقت بهم جميعًا غير منتبهين للوقت الذي مضى، فبعد مرور أكثر من 5 ساعات وجدوا شخصًا يدلف إلى الغرفة، ليعم الصمت المكان، ينقلون ببصرهم بينه وبين سارة التي تنظر باستغراب إليه، لم تتعرف إليه. لكن ما صدمها هو صياح حازم: "هو أنت أمير؟
أنا افتكرت إنك مش هتيجي تاني." لتشهق سارة بصدمة وهي تضع يدها فوق فمها وتنقل بصرها إلى أمير بنظرة لم يفهمها الآخر، لكن عينيه كانت تتحدث بما لا يستطيع نطقه، بينما ملك أرسلت شرارات غضب بعينيها إلى حازم الذي لم يهتم وأخرج لها طرف لسانه بطفولة. لتردف تولين وهي تنهض باتجاه أخيها عندما طال صمت الجميع واندهاشهم: "حمد الله على سلامتك يا حبيبي، تعال ادخل."
ليرحب أمير بالجميع برأسه ويجلس في زاوية بعيدة عنهم بعض الشيء، يشعر بالتوتر والقلق ولا يعلم ماذا عليه أن يفعل. لتمر دقائق قليلة حتى نهض تيم تتبعه سيدرا متحدثًا بالإنجليزية حتى يفهمه جميع المتواجدين كونه لا يعلم كيف يتحدث باللغة العربية. "هيا، نحن سوف نذهب الآن. اعتني بنفسك سارة، أتمنى أن تكوني بصحة جيدة."
ليتجه ليصافح أمير بابتسامة جادة، وسيدرا تقبل الفتيات مودعة إياهم، من ثم يغادرا. ليشعر إلياس بأن الجميع في حالة صمت، ليبدأ في الحديث عن سوق العمل، ليندمج ثلاثتهم، هو وأمير ومالك. وبعد مدة لا بأس بها، يعتذر إلياس للمغادرة ويأخذ معه ديما وحازم، وأيضًا ملك فضلت الذهاب معهم، وكونها سوف تطمئن على أختها من مالك وتولين عبر الهاتف، ليظل بالغرفة سارة وأمير ومالك وتولين.
لتردف تولين بذكاء وهي تريد أن تساعد أخيها في أن ينفرد بزوجته حتى يتحدثا بشكل هادئ ويحلا جميع المشاكل بينهم: "مالك، ينفع تيجي معايا؟ عاوزة أسأل الدكتورة على حاجة." ليومئ لها مالك وقد فهم نيتها. لم يبقَ في الغرفة غير أمير وسارة، لينهض أمير ببطء يجلس على إحدى الكراسي الموضوعة بجانب الفراش. ليظل الصمت عدة لحظات بينهم، إلى أن تحدث أمير قائلاً بارتباك: "ا.. أنا أنا مش عارف أقول إيه."
لتجيبه هي بهدوء وقد تألم قلبها لرؤيته بتلك الحالة، فقد كان نحيفًا بصورة ملحوظة، بالإضافة إلى تلك الهالات التي تحيط عينيه من شدة إرهاقه، تكاد لا تصدق بأن هذا هو أمير، فقد كانت معتقدة أنه كما وصف لها مفتول العضلات ووسيم، هي لا تنكر وسامته وجاذبيته، لكن ملامحه مرهقة. "قول اللي أنت حاسه." لينظر إليها وهو يحاول منع نفسه من يلقي بنفسه بين ذراعيه ويبكي كما يبكي الأطفال لأمهم:
"ندمان، مشتاق، فرحان إنك عايشة، زعلان على ابني اللي مات، غضبان، بس عذرك." لينظر إليها بدموع حبيسة قائلاً بتخبط، لأول مرة تسمع نبرته هكذا، وهي التي طوال الفترة التي عاشتها معه كانت نبرته قوة وباردة ولا يتأثر بشيء، والآن هو يبكي أمامها يحدثها عما بداخله من حزن، لتشعر بتمزق قلبها. "اللي أنا عملته مش سهل، واستحالة إنك تسامحيني بالسرعة دي، بس إنكم كلكم تخدعوني وتكدب... مش عارف."
لتشعر هي بالارتباك منه، فهي لم تتوقع أبدًا أن يعاملها بتلك الطريقة ويحدثها بهذا الهدوء، فقد كانت تتوقع أنه سوف يصرخ ويتهمها بالكذب وهذه الأمور. "أنا مش قادرة أسامح. أيوه، أنا قدرت أتخطى الموقف وأتعايش مع اللي حصل. بس مش هقدر أتقبل إن واحد اتهمني في شرفي ومد إيده عليا لحد ما بقيت بين الحياة والموت، ومع ذلك سابني غرقانة في دمي. قولي أنت، في حد هيقدر يكمل حياته مع شخص كده؟ تقبل أنت إن مالك يعمل في تولين كده؟
ليبتلع هو تلك الغصة التي تشكلت بحلقه مجيبًا إياها بنبرة متألمة، لكنه حاول صبغها بالبرود: "أنا مش هدافع عن نفسي ولا أدي لنفسي مبررات. أنا عاوز ابني لما... قاطعته هي قائلة بقوة وهي تضع يدها فوق بطنها بحماية: "قبل أي حاجة، البيبي هيعيش معايا، وده موضوع غير قابل للنقاش. استحالة أخلي ابني يعيش مع واحد ما عندوش قلب، كفاية واحد راح." ليغمض عينيه بألم:
"حرام عليكي. أنا ربنا وحده اللي عالم بحالي. أنتِ عاوزة إيه وأنا هعملهولك." "أنا مكنتش هقولك إن أنا لسه عايشة ولا إنني حامل، بس مالك أول ما عرف إني لسه عايشة، قالي إنك لازم تعرف. غير كده، أنا كنت كملت حياتي في ألمانيا." ليردف الآخر بتساؤل: "معنى كده إن مالك مكنش يعرف إنك عايشة من الأول؟ لتحرك رأسها بالنفي، تكمل بجدية:
"لا، محدش كان يعرف. مالك عرف بعد ما سافر ألمانيا بأسبوع تقريبًا. بس من وقت ما عرف وهو كان عاوز يبلغك، مش عارفة ليه، بس قدرنا نقنعه إن نستنى لحد ما الأمور تظبط هناك... لتكمل بعدها بارتباك وبراءة: "بس... بس أنا كنت فاكرة إنك هتزعق وتتعصب لما تعرف إن أنا كذبت وإني سافرت وأنا حامل وكده." ليبتسم بألم على تخيلها الطفولي، ليردف قائلاً بمرارة:
"أنا كان ممكن أعمل كل اللي بتقوليه وأكتر، بس لو كنت أمير القديم. مش أمير بتاع دلوقتي، اكتشفت حقيقته وإنه وحش، إنسان من غير مشاعر، خلا من أوهام سبب في إنه يخرب بيته اللي كان لسه بيتبنى." ليتنهد بتعب، فلا يعلم لماذا تحدث بتلك الطريقة، لم يظهر نفسه بهذه الصورة أمامها، حقًا لا يعلم. لتردف قائلة بارتباك: "هو إيه اللي المفروض يحصل دلوقتي؟ لينظر إلى عينها بنظرة حزن يسودها لمعة الحب:
"أنا محتاجلك يا سارة. أنا آسف على كل حاجة عملتها غلط في حقك. تعالي نبدأ من جديد." لتخفض رأسها تفكر للحظات، وبعدها تنظر إليه وهي تحرك رأسها بالنفي قائلة بأسف: "مش هقدر. على الأقل الفترة دي. أنا كل ما أسمع صوتك أفتكر صريخك فيا. لا، مش هقدر. امشي يا أمير. امشي."
لينهض من مكانه ببطء يشعر بتثاقل جسده، وكأن مشاعره تجمدت. يبتسم لها بحزن، ليقترب منها مقبلاً أعلى رأسها، ليهمس لها باعتذار وهو يبتعد عنها، من ثم يغادر الغرفة بهدوء. وما إن خرج انفجرت هي بالبكاء، لا تعلم هل ما حدث هو الصواب أم العكس، ولقد حدث عكس ما كانت تتصور.
بينما أمير يسير إلى الخارج بخطوات متثاقلة، وكأنه أصبح جسدًا بلا روح، ملامحه جامدة، إلا عينيه التي كانت تلمع بالدموع، فقد خسر حبيبته وعائلته وصديقه أيضًا، وكل شيء. فرغم أن عائلته تحدثه، لكن ليس كالسابق، فجده أصبح دائمًا ما يخلق مشاكل معه، وتولين على الحياد لعدم حدوث مشاكل بينه وبين عائلة زوجها. أما الصديق فقد رحل مستغلاً تلك الفرصة التي أتته ويهاجر البلد.
ليته يستطيع فعل ذلك، لكن لن يقدر، فقلبه وعقله هنا في حبيبته، من خطفتهما.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!