في غرفة يعمها الظلام، تجلس هي وحيدة. تنزل دموعها في صمت، لتذكرها هذا المشهد الأخير الذي جمعهم. كانت تجلس في غرفتها ليدخل إليها أخوها مالك. يجلس بجانبها فوق الفراش. مالك بحنان أخوي: حبيبتي، مصطفى كلمني وقال إنه عاوز يقابلك. هو مستنينا في الكافيه اللي بنقعد فيه. سارة بفرحة: بجد! أخيرًا رجع. ثم قامت من مكانها وجاءت لتسير، إلا أنها تعثرت وكادت أن تسقط. إلا أن مالك قام بإسنادها قبل وقوعها وجعلها تستعد للخروج.
وبعد أقل من ساعة، وصلت هي ومالك إلى الكافيه. ما إن رآهم مصطفى حتى اتجه إليهما. مصطفى بجدية: بعد إذنك يا مالك، عاوز أقعد معاها لوحدنا. أومأ له مالك في صمت وذهب ليجلس على طاولة أخرى. بينما سحب مصطفى يد سارة واتجه بها على طاولته. استمر الصمت بينهما للحظات. قطعه هو بسؤاله وهو يتحدث بتوتر: تشربي حاجة؟ لتهز سارة رأسها بالنفي. استمر الصمت بينهم لبضع دقائق أخرى، ثم بدأ هو الكلام.
مصطفى بجدية وهو يخفض رأسه: سارة، أنا عارف إن اللي حصلك ده قضاء وقدر، وإنك مالكيش علاقة بيه. بس أنا مش هقدر أكمل معاكي وأنت... أنا آسف، بس أنا ظروف شغلي بتخليني أسافر كل شوية. وأنا عاوز أكبر الشركة بتاعتي وأخليها مجموعة شركات عالمية. بس انتي هتعطليني لو كملت معاكي. قاطعته سارة بصوت مخنوق من أثر الدموع: يعني إيه؟! مصطفى بجدية: يعني من الآخر، أنا مش هقدر أكمل العلاقة دي. ده غير إن أهلي مش موافقين عليها من الأول.
سارة ببكاء: انت بتعايرني بحاجة مليش علاقة بيها؟ مصطفى بضجر مصطنع: وأنا مش هربط نفسي بواحدة مش قادرة تخدم نفسها. هتخدمني أنا إزاي؟ لتنهض سارة بكبرياء وهي تمسح دموعها: وأنا مش خدامة عندك عشان أخدمك. والحمد لله إن ربنا كشفلي حقيقتك. لتفيق من شرودها في الماضي على دمعة تنزل من عينها فوق يديها. لتصبح تلك الدمعة اليتيمة بكاءً حارًا. بكاء على حالها وتلك الحياة القاسية، وعلى حبيبها الذي خذلها في أكثر وقت احتاجته به.
وما زالت ذكرياته تداهمها، تلك الذكريات التي لا تأبى الخضوع أو الاستسلام عن الرحيل من مخيلتها. *** في صباح يوم جديد. في الجامعة. كانت ملك تقف هي وصديقاتها في حديقة الجامعة يتحدثون بمرح. إلى أن جاءت صديقتهم عبير تخبرهم وهي تنظر إلى ساعة يدها: يا خبر! فاضل عشر دقايق ومحاضرة دكتور عدي تبدأ. لتتحدث ملك وهي تسير معهم: تمام، اسبقوني أنتم وأنا هروح التواليت وأجي وراكم.
لتردف عبير بمرح: بسرعة بس، لهركليز يمنعك من الحضور لآخر السنة خالص. ابتسمت بخفة ولم تجبها. بينما وهي تسير، إذ بقدمها تتعثر في شيء لتقع على الأرض. ولسوء حظها، كانت قد بدأت المحاضرات ولم يكن يوجد أحد ليساعدها. جاءت ل تنهض ببطء حتى لا تؤلمها قدمها. لتجد شابًا يتجه إليها بسرعة يساعدها في النهوض. ليسألها الشاب بهدوء: انتِ كويسة؟ لتجيبه بخفوت وهي تعقد حاجبيها من الألم: الحمد لله. وشكراً لك.
وذهبت من أمامه كما كانت تسير بتعرج. ليتجه إليها ذلك الشاب ممسكًا مرفقها ويقول بقلق: انتِ رجلك بتعرج؟ مينفعش تمشي عليها على الأقل دلوقتي. تعالي ارتاحي في كافيه الجامعة. لتتحدث ملك بصوت مختنق: بس أنا عندي محاضرة ولو... ليقاطعها وهو يقول بجدية: انتِ مش في طب؟ لتوما برأسها وهي تقول بتأكيد: أيوه، طب سنة تالتة. ليردف هو بابتسامة: بسيطة. وأنا سنة خامسة. هاتِ بس المحاضرة وأنا هشرحلك. لتنظر له ملك بتردد. لا تعلم ماذا تفعل؟
لكن قدمها تؤلمها. لتقول بتعب واضح: شكراً. الموضوع مش مستاهل. بعد إذنك. لتتجه بالسرعة التي أسعفتها قدمها لتسير بها إلى المدرج وهي تتحمل ألم قدمها. وعندما دلفت، وجدت الدكتور قد بدأ المحاضرة. ملك بهدوء وهي تحاول كتم تعبها: أنا آسفة يا دكتور. عدي بهمس لنفسه وهو ينظر إليها: انتِ تاني. ليكمل بجدية: أنا قولت مفيش حد بيدخل من بعدي. ملك بخفوت وهي تكاد تبكي من الحرج: أنا آسفة ب... قاطعها عدي بحدة ولم يلاحظ تلك
الدموع الحبيسة في مقلتيها: أنا قولت مفيش حد بيدخل ورايا. لتزفر ملك الهواء بتعب وهي تلتفت تخرج من القاعة. لتسير ببطء وتجلس في الكافيه وحدها. تغمض عينيها بتعب وقدمها تؤلمها. "منعك من حضور المحاضرة؟! " كان ذلك سؤال نفس الشاب الذي ساعدها منذ قليل. لتفتح عينيها ببطء وهي تنظر إليه مطولًا. لتوما برأسها وهي تسأله: انت معندكش محاضرة؟ ليهز رأسه بالنفي وهو يقول: تسمحين أقعد معاكي؟ لتنظر هي حولها باستغراب: الكافيه فاضي...
قاطعها وهو يجلس: أنا عاوز أقعد هنا. لم تعقب ملك على ما قاله. لتنظر إلى اللاشيء. بينما هو أخذ يعبث في هاتفه إلى أن قطع هو الصمت بسؤاله وهو ينظر إليها: لسة رجلك بتوجعك؟ لتردف بهدوء: لا. الحمد لله أحسن. ليمد يده كي يصافحها وهو يقول بابتسامة: أنا مروان محي. سنة خامسة طب. لتصافحه ملك بابتسامة: تشرفت. وأنا ملك أحمد. سنة تالتة طب. لتسحب يدها بخجل. ليبتسم عندما لاحظ خجلها. ليقول: بس أنا أول مرة أشوفك.
ملك ببساطة: عادي. أنا أصلًا نادرًا لما باجي وأقعد هنا في الكافيه.
ليومئ لها مروان وهو يحدثها بمواضيع كثيرة ومختلفة. ليستطيع مروان بروحه المرحة التي لاحظتها ملك أن يجعلها تضحك من قلبها. ليمر بهم الوقت إلى أن انتهت المحاضرات وبدأ الطلاب في المجيء إلى الكافيه. وهما ما زالا يتحدثان. ولم ينتبه أحد إلى ذلك الذي النار تكاد أن تخرج من مقلتيه وهو يراها تضحك بتلك الطريقة مع شخص غريب. كان يريد أن يسحبها ويعنفها على جلوسها مع ذلك الشخص، لكن لا يستطيع. فمكانته كمعيد لها بالجامعة تمنعه. بالإضافة
إلى أن أغلب الطلاب أصبحوا متواجدين. ليقف وهو في صراع بين قلبه الذي يحثه على الذهاب إليها ولكم وجه ذاك الذي يجلس أمامها ويضحك معها. وعقله الذي يطالبه بالتعقل وبأنه إلى الآن لا يوجد له حكم عليها. فهي ليست زوجته أو خطيبته. وهنا دق قلبه
كالطبول وهو يهمس لنفسه: "بس هي حبيبتي ومش هسمح... قاطع حديثه مع نفسه وصراعه الداخلي هو رنين هاتفه. وكان المتصل إحدى الممرضات في المشفى التي يعمل بها. لتخبره الممرضة بوجود حالة طارئة وأنهم يحتاجون إليه. ليذهب سريعًا باتجاه سيارته ويستقلها ويتجه إلى المشفى. بينما ما زال يفكر في ملك والشخص الذي كان يجلس معها. *** بينما ما زال مروان وملك يتحدثان في مواضيع كثيرة ومختلفة. لتتحدث ملك وابتسامة
واسعة تزين ثغرها الصغير: يعني انت بجد طلعت تجري في الغيط وانت حافي؟ ليتحدث هو بجدية وهو يحرك يده لكي تتخيل المشهد. وهو يسردها
مرة أخرى ويقول بتأكيد: يا بنتي، أنا كنت واقف قدام باب البيت في البلد عند عيلتي. وكنت واقف حافي. بمعنى أصح، كنت لسه صاحي من النوم ومش شايف قدامي. لقيت حاجة بتخبط في رجلي وتلف حواليا. بصيت لقيت بعيد عنك حمار لونه أسود متخبي في شكل كلب أسود. وحشتيني. أنا بصيت عليه وبصيت قدامي وهوب رجلي بقت بتسابق الريح وهو بيجري ورايا ويهوهو. لا عارف زئير الأسد، أهو شبهه.
لتضحك ملك وهي تتخيله وهو يركض. وهو بذلك الطول اليافع وذلك الجسد العضلي الممتلئ بالعضلات. لتقول بمرح: يا خسارة الطول والعضلات. حاول جاهداً كتم ضحكته وتلك الابتسامة. وقد نجح في ذلك. وما إن جاء ليجيبها، جاءت صديقتها عبير وهي تبتسم ابتسامة بلهاء في وجه مروان. لتنتبه عندما قامت ملك بقرصها في ذراعها وهي تنظر إليها بتحذير. لتقول عبير بعد أن تنحنحت لتخرج صوتها طبيعي قدر
الإمكان وهي تنظر إلى ملك: إحنا كدا خلصنا محاضرات. مش هنروح ولا إيه؟ لتقول ملك وهي تنظر إلى الساعة في هاتفها: يا الوقت عدى بسرعة. يلا بينا. من ثم التفتت إلى مروان الذي يتابع حديثها هي وعبير في صمت. لتقول بهدوء ورقة: شكراً جداً يا مروان. بجد على وقفتك معايا. ليقول مروان بابتسامة: إحنا خلاص بقينا صحاب. مفيش بينا الكلام دا.
لتوما له برأسها وهي تبتسم له. وما إن نهضت من مكانها حتى أطلقت آه ممتلئة بالألم وعادت للجلوس مرة أخرى وهي تغمض عينيها بألم. لينتفض مروان من مكانه يقترب منها وهو يقول بقلق: تعالي، هوديكِ المستشفى. شكلك جالك التواء. لتقول ملك بألم وهي على وشك البكاء: مش قادرة أدوس عليها. لتردف عبير باستغراب: هو حصل إيه ومالها رجلك؟ ليقول مروان وهو يأخذ حقيبتها
ويمسك ملك من مرفقها: وقعت. تعالي سنديها معايا لحد العربية عشان مش هينفع أشيلها. لتساعدها بالفعل وهي تمسك مرفق ملك من الناحية الأخرى، وياخذانها بالفعل إلى المشفى. *** في شركة الشهاوي. كان أمير ومالك للتو يخرجان من اجتماع استمر لثلاث ساعات متواصلة دون فاصل. بعد انتهاء الاجتماع، خرج أمير مرهقًا بعض الشيء وخلفه مالك. كاد مالك أن يذهب، إلا أن استوقفه أمير قائلًا: بشمهندس مالك، عايزك في مكتبي.
ذهب مالك مع أمير إلى مكتبه وجلسا معًا. وبدأ أمير الحديث. أمير بهدوء وجدية: أنا عايز أشكرك على مجهودك الرائع اللي بتبذله في الشركة والصفقات، رغم إنك لسه جديد هنا. مالك بثقة وجدية: ده واجبي وواجب أي مهندس مكاني. أمير: يا ريت كل... إلى أن قاطعه رنين هاتف مالك. اعتذر منه مالك، فسمح له أمير بالرد. مالك وهو يتحدث: نعم يا ملك. انتِ مش عندك محاضرة دلوقتي؟ أجابه صوت ذكوري: حضرتك صاحبة الفون؟ دلوقتي في المستشفى.
ليقاطعه مالك بفزع: إيه!! ملك؟ أنا أخوها. في مستشفى إيه؟ أنا جاي حالًا. نظر مالك إلى أمير الذي كان يتابع حديثه باهتمام. فأردف مالك بخوف وقلق: أسف يا أمير بيه، بس أختي في المستشفى ولازم أروح لها حالًا. بعتذر منك. أمير يتفهم: اتفضل. ربنا يطمنك عليها. وذهب مالك إلى الجامعة ليرى أخته. بعد خروج مالك من مكتب أمير، دلفت السكرتيرة الخاصة بأمير.
إيمان بعملية: أمير بيه، كده الاجتماعات في الشركة النهارده خلصت. مش فاضل غير مقابلة حسان المحامي الخاص لشركة عتمان بيه. وده الاجتماع هيكون في النادي. أمير بإيماءة: تمام. ماشي. أنا هروح دلوقتي وأبقى ابعتيلي التفاصيل الخاصة بالاجتماع على الإيميل. وذهب مباشرة دون الاستماع إلى ردها. ***
وصل مالك إلى المشفى التي أعطاه له من حدثه. ليسأل الاستقبال عن غرفتها. لتدله إحدى الممرضات عن غرفتها. وما إن دلف إلى الداخل غرفة، وجد عبير معها. مالك بلهفة: ملك، عاملة إيه؟ عبير وهي تنظر إلى ملك والمعلق في يدها المحلول: وقعت في الجامعة، فجبناها هنا وطلع عندها التواء في رجليها. لتفتح ملك عينها ببطء وهي تنظر إليه. مالك وهو يدنو منها: انتِ كويسة يا حبيبتي؟ ابتسمت ملك بألم: الحمد لله. متقلقش عليا.
ليحتضنها مالك بحب أخوي. وكل هذا تحت أنظار عدي، الذي لحسن حظه أنهم أتوا إلى المشفى التي يعمل بها. لكنه شعر بالضيق من مالك. وكم تمنى أن يذهب ويلقنه درسًا لن ينساه أبدًا لكونه قريبًا منها. وقبلها كانت تضحك مع ذاك الشاب في الجامعة، وهي حبيبته. توقف تفكيره عند تلك النقطة. أهي حبيبته؟ أيعقل أن يحبها بهذه السرعة؟ لكن من ذلك الشخص الذي كان معها في الجامعة؟ ومن هذا الذي معها في الداخل؟ أيعقل أن يكون زوجها؟
وبعدما أدرك أنه من الممكن أن تكون زوجته، تملكه الحزن وغادر ليكمل عمله. *** يمكن للجميع أن يحبك حين تُشرق شمسك، أما ساعة عواصفك وبردك يَظهر من يحبك حقًا. تجلس كعادتها. ففي الصباح تأتي بها أختها إلى النادي بدون علم من أخيها مالك، لأنه يرفض تركها بمفردها. لكنها تأتي حتى تضيع الوقت وهي تنتظرهم. فمالك يعمل بشركة الشهاوي، وملك ما زالت تدرس في كلية الطب.
تنهدت سارة وهي تفكر بحياتها السابقة. وكم كانت لا تخلو من النشاط والحياة. كم كانت تكره العتمة وتكره الجلوس لفترات طويلة. كانت تحب التحرك والتعرف على الناس. تذكرت ذلك الشخص الذي كانت تدعوه (بحبيبها) . كيف تركها في مصيبتها وتعبها وتخليه عنها؟ تتذكر ذلك الحادث الذي فقدت بسببه أعز ما تملك. فقدت والديها ونظرها. فقدت نور عينها. انتشلها من أفكارها ذلك الصوت: _هو الجميل قاعد لوحده كده ليه؟ ده حتى يبقى عيب في حقي. ***
ويعوضك الله، عوضًا يليقُ بقلبك، كأنه يخبرك بأنَّ دروب الأمل لا تندثر. وصل أمير إلى النادي ودلف بثقة وكبرياء ليس بجديد عليه. ذهب إلى مكانه المعتاد. لكن ما لفت انتباهه هو رؤيته لتلك الفتاة التي اصطدمت به قبل أمس تجلس في مكان ليس ببعيد عنه. أخذ يتمعن النظر عله يكون خاطئًا وأنها ليست هي نفسها. لكنها هي. هي من يفكر بها منذ أن رآها بين أحضان شخص آخر. ليشعر بالغضب لمجرد الذكرى.
همس أمير لنفسه وهو يفكر: وأنا لحد إمتى هفضل كده؟ ليه هي؟ لأ، البنت الوحيدة اللي قابلتها وفي أجمل منها بيترموا تحت رجلي. فوق يا أمير. مش دي اللي أنت تبص لها أو تفكر فيها. فوق. امبارح كانت في حضن واحد قدام الناس كلها. وقبلها جت وخبطت فيك عشان تاخد بالك منها. دي أشكال من بتوع اليومين دول. سيبك منها وركز في شغلك. انتشله من تفكيره وحديثه بينه وبين نفسه
هو صوتها العالي وهي تهتف: ابعد إيدك يا حيوان. ثم قامت من مكانها ورجعت إلى الوراء بضع خطوات. ولا تعلم أنه يوجد طاولة خلفها. فاصطدمت بها. فقام الشخص الذي كان يجلس على الكرسي الذي اصطدمت به يقول بغضب: إيه! انتِ عمية مبتشوفيش؟ سارة بنبرة مهزوزة: أنا آسفة جدًا. وأنا فعلًا عمية. إلى أن أمير جاء في لمح البصر وأمسك ذلك الرجل من ملابسه ووجه له لكمة أطاحت برأسه إلى الجهة الأخرى وهو يقول بغضب
شديد وعيون تطلق الشرر: لا مش عمية يا روح أمك. ثم انقض عليه في اللحظة التالية يلكمه بكل ما أوتوا من قوة حتى صرعه أرضًا. وانتفض يمسك الشاب الذي كان يزعج سارة بالكلام. هتف أمير بنبرة وحشية شرسة: عاوز تمسك إيدها صح؟ هز ذلك الشاب رأسه بالنفي وهو يرتعب خوفًا من شكل أمير المخيف. انقض عليه أمير يلكمه أيضًا. تجمهر حولهم العديد من الناس يشاهدوا ذلك الصراع دون تحرك من أحدهم. لتدخل لفض ذلك الاشتباك بما في ذلك حرس النادي.
تحرك من فوق ذلك الشاب التي تملأ الدماء وجهه وثيابه. اعتدل في وقفته يحاول إصلاح هيئته بغرور. ليخرج هاتفه يقوم بالاتصال بحارسه الشخصي الذي ينتظره بالخارج. ليحدثه بنبرة آمرة: هات الرجالة وتعالى عندي في النادي. هتلاقي اتنين معدومين العافية. هتاخدهم المخزن تروقهم من تاني. بعد كده ترميهم قدام أي مستشفى حكومي. بس سبلي واحد بس عشان يسوق العربية.
من ثم يغلق الخط دون الاستماع إلى الطرف الآخر. ويلتفت حوله يبحث بعينه عنها. ليجدها تقف في مكان بعيد بعض الشيء وتبكي بشدة وصوت نحيبها أثر به. ليركض إليها سريعًا يهتف بقلق وعينيه تتفحصها من أن يكون قد أصابها مكروه: مالك؟ ليه بتبكي كده؟ اهدى، صدقيني أنا جبتلك حقك. شهقت سارة بصدمة ووضعت يدها على فمها وهي تتذكر ذلك الصوت وتذكرت كلماته الحادة لها: "انتي عمية ما تفتحي مش شايفة قدامك". أفاقت عندما
سمعته يقول بنبرة قلقه: طب في أي حاجة حاسة بيها تعباكي؟ أوديكِ مستشفى؟ تحدثت بصوت متقطع وما زالت تبكي بشدة: ع... عاوزة مالك و... وملك. أمير بهدوء: طب اهدى طيب وأنا هجبهملك. سارة ببكاء: أنا عاوزهم ييجوا ياخدوني. عاوزة أمشي. أمير بجدية: طب معاكي نمرتهم أو تعرفي مكانهم؟ سارة ببكاء: ٠١٠٤...... ده رقم مالك. تعجب أمير لأن ذلك الرقم هو نفسه رقم مالك الذي يعمل لديه في الشركة. فأنردف بتساؤل من أن يكون حبيبها أو خطيبها
أو أي شيء من ذلك القبيل: مالك الصياد يقربلك إيه؟ سارة بلهفة: انت تعرفه؟ بالله تتكلمه يجي ياخدني من هنا. هو أخويا. بس ميعرفش إني هنا. بالله تتكلمه ييجي. أنا خايفة قوي. أمير وهو يمسك يدها ليجلسها على إحدى المقاعد وهو يشعر بنصل حاد ينغرز بقلبه وهو يراها بذلك الانهيار. بجانب ندمه على حديثه السابق لها وهو يتذكر كلماته السامة لها وتفكيره بها بالسوء منذ قليل. وهو يفكر بندم أنها عندما اصطدمت به لم تكن تراه لأنها كفيفة.
: متترجنيش ولا تعيطي. واهدي. وأنا هكلمه ييجي. ابتسمت له سارة وهي تمسح دموعها: شكراً لحضرتك. افتتن أمير في ابتسامتها الجميلة. وكم تمنى في تلك اللحظة أن يخفيها داخل أحضانه وينتقل حزنها له ولا يشعرها بالحزن أو العجز. لكنه عنف نفسه على تفكيره هذا وقام بالاتصال بمالك وهو يتجنب النظر إليها. *** الله يعلم ما في صدورِنا وهذه أعظَم مُواساة. في المستشفى.
كان مالك ينظر إلى ملك التي يرتسم على ملامح وجهها التعب والألم. كان يتحسس جبينها ويمسح شعرها بيده وهو يتحدث بنبرة حنونة وحب أخوي: كده يا كوكي تقلقيني عليكي.
ملك بألم وبكاء: أنا آسفة. بس لما وقعت اتحملت على رجلي عشان ألحق المحاضرة. بس الدكتور منعني إني أدخل عشان اتأخرت. فاستنيت عبير لحد ما خلصت وجت. ولما جيت أقوم وجعتني أكتر. فجبتني هي ومروان على هنا. الدكتور حرجني قدام زمايلي يا مالك. أنا خايفة ميدخلنيش المحاضرة بتاعته تاني. أنهت كلامها وهي تبكي بشدة. ترتمي داخل أحضان أخيها تتمسك به.
حرك مالك يده على طول ظهرها بحركات دائرية مهدئة لها. أبعدها عنه قليلًا ليحاوط وجهها بيديه وهو يمرر إبهامه على خديها المحمرين. قائلًا بجدية حنونة: عنيكي الحلوة دي مش عاوزها تبكي عشان حد. طول ما أنا عايش، بكرة هروح بنفسي للجامعة وأشوف إيه حكاية الدكتور ده. وخلي حد يتجرأ يبصلك بصة. وحياتك عنده، لكون دفنه مكانه. انتِ بس متفكريش في حاجة غير دراستك. عاوزك تبقي الدكتورة ملك. ركزي في حلمك وبس يا حبيبتي.
سندت ملك رأسها على كتف أخيها وهي تتشبث به بقوة. وكم هدأت كلماته تلك فؤادها وأشعرتها بالاطمئنان. تمتمت بحب أخوي: أنا بحبك أوي أوي يا لوكا. ربنا يخليك ليا يارب وميحرمنيش منك انت ولا سارة. ثم أكملت بفزع وكأنها تذكرت شيئًا: احيه يا مالك سارة. سارة لوحدها في النادي. المفروض أكون روحت لها من بدري. مالك بعصبية خفيفة: نعععم! أنا مش قولت مية مرة إنها متروحش الزفت لوحدها ولا ل...
قاطع كلامه رنين هاتفه والذي كان المتصل لم يكن سوى أمير. أجاب مالك بعد أن سمح بدخول بعض الأكسجين إلى رئتيه: أيوه يا أمير بيه. أمير بجدية: مالك، أنا عارف إن أختك في المستشفى وتعبانة وإنك معاها. بس أختك التانية في النادي وبتعيط وعاوزك تيجي لها. انت أو حد اسمها ملك. مالك بفزع: ليه؟ إيه اللي حصل لها؟ طب هي كويسة؟ حد عمل لها حاجة؟ أنا جاي حالًا. بس بعد إذنك خليك معاها لحد ما أجي أنا.
أمير بسرعة: اهدى بس كده. ولا خليك أنت وأنا هجيبها المستشفى عندك. مالك باستغراب: أفندم؟ أمير: قصدي إنك متنفعش تسيب أختك التانية لوحدها في المستشفى. أنت بس قول لي أنت في أنهي مستشفى وأنا هخلي السواق يوصلها لعندك. مالك بقلة حيلة فهو لا يستطيع ترك ملك وحدها ويذهب: في مستشفى ****. أمير بجدية: مسافة السكة. متقلقش عليها. والف سلامة على أختكم.
مالك بجدية: شكراً لحضرتك بجد. بس بالله لو حصل أي حاجة بلغني. ولو رفضت إنك توصلها، أرجوك متضغطش عليها وأنا هاجيلها على طول. لو سمحت. أمير: تمام. "ملها سارة يا مالك؟ " كان ذلك سؤال ملك لمالك الذي أجابها بعصبية خفيفة: منهارة في النادي ومش عارف إيه اللي حصلها. وكل ده بسبب عدم سمعان الكلام. أنتِ وهي. وخرج من الغرفة بعصبية حتى يهدأ من غضبه. ***
دقة قلب قوية، وجع خفيف، غير مؤلم لحد المرض، يتوسط صدري عندما أفكر بك. وكأني على وشك السقوط من مكان مرتفع. وجع خفيف لكني أحبه.
كان عدي يتابع مالك وملك منذ أن أتوا إلى المشفى. فهو لم يستطع أن يتركها ويذهب حتى لتكملة عمله. وكم تألم عندما رآها تحتضن مالك وتعترف بحبها لشخص آخر. شعر بتلك اللحظة بقبضة تعتصر قلبه. كم ود أن يذهب إلى ذلك الشخص الذي يراه يهدئها هكذا ويلكمه لكمة تطيح بصف أسنانه التي يبتسم بها لها. كيف يحق لذلك الشخص أن يحتضنها هكذا؟ كيف لمعشوقته أن تحب غيره؟ مهلاً، هل هي معشوقته؟ متى؟ وكيف؟ لا لا هذا ليس بصحيح!
إذا لماذا عندما يراها قلبه يخفق بتلك الطريقة؟ لماذا حزن عندما رأى شخص آخر يحتضنها؟ لماذا تمنى أن يكون مكان مالك؟ لماذا شعر بنار داخل صدره عندما رأى ذلك الشخص تضحك معه في الجامعة؟ كيف يحق لشخص آخر لمسها أو الاقتراب منها غيره؟ هل من الممكن أن يكون زوجها؟ أخذ عدي يطرح على نفسه العديد من الأسئلة ولكن بلا إجابة. أو بالاصح، هو لا يريد لتلك الأسئلة إجابة. لكن ما يعلمه بشدة أن ملك أصبحت معشوقته الصغيرة. ***
خرج مالك من غرفة ملك قاصدًا أن يخرج إلى الحديقة، ولكنه توقف عند هذا المشهد. فتاة جميلة ورقيقة تهدي طفلًا صغيرًا شيكولا. وكانت تقبله وتضحك معه. لا يعرف لما أعجب بها وظل ينظر إليها. وبعد ذلك رحل الطفل مع والدته. من ثم دلفت تلك الفتاة إلى إحدى الغرف. فذهب هو الآخر ولم يطل النظر. *** هذه الحياة تحتاجُ إلى قوّة هائلة من الصبر، إلى ركن شديد لا يتزلزل، إلى طاقة جبّارة تعين المرء لإحتمالها. ولا شيء يفعل ذلك كاليقين بالله.
بعد أن أغلق أمير الخط مع مالك، عاد بنظره إلى تلك التي منذ كان يفكر بها بسوء. وجدها شاردة تبكي بصمت وعيونها الخضراء يحيطها الاحمرار من كثرة البكاء. شعر بألم في صدره وكأن صخرة فوقه وهو يراها بذلك المشهد من الحزن. يعلم ما تفكر به من عجز وبأنها غير قادرة على فعل أبسط الأمور لنفسها. تحدث أمير بصوت هادئ: أنا كلمت مالك وهو مش هيعرف ييجي. فأنا هوديكِ عنده. هو مع أخته. سارة بقلق وخوف: ليه؟ هما فين؟ أمير بهدوء وهو لا يريد
أن يخبرها بأنهم في المشفى: في مكان بعيد عن النادي. فهيتأخر. فـ أنا اقترحت عليه إن أوصلك لعنده. بس هطلب الأول... أوبرا.
أومأت له سارة بصمت وهي تشعر بأن شيئًا قد حدث لأحد من أخوتها. لكن لا تعلم ما هو. تنهدت بألم وهي تقف من مكان جلوسها. بينما أمير لا يعلم لما لم يخبرها بأن مالك يعمل لديه بشركته. والآن لا يريد أن يوصلها بسيارته. هو كان ينوي أن يجعل سائقه هو من يوصلها. لكنه تذكر أنه أعطاه ذلك الأسبوع إجازة لأن زوجته قد أنجبت. وإذا انتظر سائق آخر ليأتِ إليه قد ينتظر إلى ساعة أخرى. ليضطر هو بتوصيلها بعد أن أرسل رسالة نصية إلى إيمان مساعدته الشخصية لإلغاء الاجتماع.
ليذهب الاثنان في رحلة صامتة. لكن لا تخلو من اختلاس أمير بعض النظرات لها. بينما هي كانت تستند على زجاج السيارة مغمضة العينين. *** يعذبني أنكِ لستُ بجانبي ولكنني أتجاوز كل هذا كلما نظرت لعينيكِ وأنا أتصفح صوركِ بهاتفي.
في بيت يبدو عليه الثراء، يستيقظ مصطفى من أحلامه كعادته على صوت صياح آتٍ من خارج غرفته. تنهد بألم. وهو يضغط على عينيه بقوة رافضًا تقبل فكرة استيقاظه أو التحرك من الفراش. تنهد بثقل قبل أن يقرر النهوض، فأمامه يوم طويل عليه قضائه. دلف إلى المرحاض يغتسل ثم يخرج يؤدي فرضه ويستعد للذهاب إلى العمل. وقبل خروجه من غرفته، فتح هاتفه على صورة لفتاة ويأخذ يحدثها وكأنه أمامها ليست غير صورة. أخذ يتحدث بألم
ودموع حبيسة داخل مقلتيه: وحشتيني. وحشتيني أوي يا حبيبتي. أنا عارف إني جرحتك وسيبتك في أكتر وقت كنتي محتاجاني فيه، بس كان لازم أعمل كده. أنا آسف يا حبيبتي. أنا آسف. ووعد مني هجيبلك حقك من كل اللي ظلمك. وأولهم أنا. بس اديني وقت وهرجعك لمكانك الطبيعي معايا وجمبي في حياتي وفي بيتنا اللي حلمنا نبنيه سوا. وعد مني يا قلبي، هصلح اللي زمان عملته. بحبك وهفضل أحبك العمر كله. انت مكانك في قلبي يا سارة.
•••من قال "أن البعيد عن العين بعيد عن القلب".. عفواً، فـ مكانه الوحيد في القلب. *يتـبـــــــــــــــــــــــع الفصل الثالث*
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!