الفصل 3 | من 52 فصل

رواية عشقت كفيفه الفصل الثالث 3 - بقلم رنا هادي

المشاهدات
23
كلمة
3,182
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

وصل أمير وسارة إلى المشفى. أمير كان يمسك بمرفق سارة يحثها على السير، لكن سارة ثبتت مكانها في الأرض وتحدثت بنبرة جادة لكنها مهزوزة من بكائها: _إحنا ليه جينا المستشفى؟ لم يتعجب أمير من كونها علمت أنهما بالمشفى، لأنه يعلم أن حواس المكفوفين أقوى من الإنسان العادي. لكنه لم يجبها. وعندما طال صمته، اعتقدت هي أنه قد تفاجأ بكونها عرفت أنهما بالمشفى. ابتسمت بألم وقالت وهي تسير معه:

_متستغربش إني عرفت إننا في مستشفى، مش معنى إني كفيفة أكون مش حاسة باللي حواليا. أنا عرفت من ريحة البنج والمطهرات... من الريحة. ده غير كان فيه أول ما دخلنا حد بينادي على دكتور. أمير بجدية وهو يتحدث بنبرة صوته الصارم التي تجعل جسدها يرتجف ويقشعر: _مستغربتش حاجة. أنا عارف إن إنتِ، والناس اللي كفيفة زيك، بتكون بقيت الحواس عندهم قوية.

ابتلعت بصعوبة تلك الغصة التي تشكلت في حلقها، بسبب كلامه الجارح لها الذي يسمعها لها للمرة الثانية. يقوم بأذيتها نفسيًا. لكنها تجاهلت وحاولت تجاهل تلك الآلام التي تسببت بها كلماته الجارحة في قلبها، وسألته عن أخيها ولماذا أتى بها إلى المشفى. ليخبرها أمير بمختصر عن أن أختها قد أُغمي عليها وهي بالجامعة. فانفجرت سارة بالبكاء وشهقات بكائها تعلو، وأمير لا يعلم ماذا يفعل لها ليهدئها:

_اهدى. هي كويسة، أكيد ما فيهاش حاجة. ده مجرد أُغمي عليها، ما فيهاش حاجة يعني. إنتِ بس اقعدي هنا وأنا هروح أسأل الاستقبال. بس متتحركيش لحد ما أرجعلك، فاهمة؟ أومأت له سارة بصمت وهي تشعر بغصات بكاء تتصاعد مرة أخرى إلى مقلتيها، وهي تشعر بالتيه والضياع والعجز وعدم معرفتها لما يدور حولها.

ذهب أمير إلى الاستقبال تاركًا سارة بمفردها، يحيطها ظلامها. تتذكر أيامها الصعبة التي قضتها في المشفى، تذكرت مكثها بها لمدة لا بأس بها، تنتقل من عملية إلى أخرى بأمل استرداد بصرها، ولكن بلا فائدة. أعادها من شرودها ذلك الصوت الأنثوي الذي طالما ما كانت تمقته وتنْزعج من سماعها له: _إيه ده سارة الصياد! مش معقول! ***

كان يجلس على أحد مقاعد حديقة المشفى، ينفث سجائره بغضب وكأنه يخرج بها غضبه من نفسه. إلا أن جاءت هي وسحبت السيجارة من فمه وألقتها أرضًا، ثم دعست عليها. نظر إليها بغضب، لكنه تفاجأ بأنها نفس الفتاة. وهمس بصوت لم تسمعه هي: _إنتِ. تولين بصوت رقيق وهي تنظر إلى عينيه مباشرة، ليفتتن مالك بفيروزتها الساحرة، لتتحدث برقة:

_غلط تشرب سجاير وأنت متعصب. غلط أصلًا تشربها بصفة عامة. وبعدين إحنا في مستشفى حضرتك. مهما كان غضبك أو ضيقك اللي بتطلعه في السجاير دي مش هيفيدك ولا هيضيعه. بالعكس هيزيد. وبعدين متخافش عليهم. هما حاسسين بتعبك معاهم. أوعى تضعف، أنت سندهم وقوتهم. خليك دايما قد ثقتهم فيك. أنت بتحاول تسعدهم ومتحسسهمش إن فيه حاجة ناقصاهم. وأنت بتعمل كل اللي تقدر عليه وزيادة. أنت بتحبهم وهما كمان بيحبوك.

وذهبت بهدوء كما أتت، تاركة مالك مصدومًا ومتفاجئًا من حديثها هذا، وكأنها تعرف عنه كل شيء. وخاصة تحدثها عن ملك وسارة وبما يحاول أن يقدمه لهما وإسعادهم وأن لا يشعرهم بيتمهم. ولكن ما لبث إلا أن ابتسم، وأسعده حديثها هذا. وعاد إلى الداخل مرة أخرى، لكن بحال عكس ما خرج عليه، وكانت ابتسامته تزين ثغره، وكأن كلماتها تلك انعشت فؤاده وأعادت له ثقته في حب إخوته له، وعاد هو أيضًا.

بينما هي ذهبت من أمامه بخطوات مسرعة تحاول حبس تلك الدموع التي تهدد بالهطول، إلى أن وصلت إلى مكتبها. وما إن أغلقت الباب، انفجرت بالبكاء وهي تحدث نفسها بقلبها: _يارب قلبي بقى... معدش مستحملة... يارب يارب أنا بحبه بس مش هقدر. كبريائي بيغلبني عن إني أكلمه وأعترفله. يارب حنن قلبه عليا. ***

كان يراها من بعيد وهي تبكي بصمت. لم يتحمل قلبه رؤية دموعها. فكان في صراع بين قلبه الذي يحثه على الدخول إليها وطمأنتها وأخذها بين أحضانه ليخفف عنها، فهو لا يحتمل أن يراها وهي تبكي.

بينما كان عقله ينهر قلبه ويطلب منه المغادرة وبسرعة، فهي منذ قليل كانت تحضن رجلًا آخر، ومن يعلم فمن الممكن أن يكون زوجها، خطيبها، أو حبيبها. اتركها واذهب قبل أن تتعلق بها أكثر من ذلك وتستيقظ على كابوس أنها امرأة متزوجة وستلقب بلقب "حب المعلم لتلميذته المتزوجة". ارحل يا عدي ارحل.

وما كاد أن يرحل حتى رأى ذلك الشاب الذي كان يجلس معها صباحًا في كافتيريا الجامعة يهم بالدخول إلى غرفتها وهي بمفردها. وفورًا تصاعدت الدماء الشرقية في عروقه، واقترب هو مسرعًا يدلف إلى الداخل دون حتى استئذان. ***

كانت ملك تبكي بصمت، فهي تعلم أنها السبب في أمر سارة، فهي التي تركتها بمفردها وتشعر بالذنب عليها. وبجانب ذلك أن مالك أيضًا غاضب منها، فهي تعلم أنها قد عصت أوامره واستمعت إلى سارة بأن تأخذها إلى النادي ثم تأخذها إلى المنزل قبل انتهاء دوام مالك. وهو لا يحب أن يتركهما في النادي بمفردهما، وخاصة سارة بسبب ظروفها بكونها كفيفة.

شهقت ملك بصدمة وهي ترى آخر من تتوقعه أن يأتي إليها في المشفى. ارتبكت ملك ولم تجد كلامًا يخرج من لسانها، وكأنه قد عُقد. وكان كذلك الأمر عند عدي، الذي تفاجأ من ما فعله: إلى هذه الدرجة وصل به الأمر أن يغار وهو لا يجمعه به أي صلة إلى الآن. تحمحم عدي محاولًا أن يخرج صوته طبيعيًا: _أحم... أحم. إزيك يا ملك، عاملة إيه دلوقتي؟ ملك وهي تمسح دموعها كالطفلة: _شكر يا دكتور. أنا الحمد لله. ليقول عدي بحرج وهو يشعر بالتوتر

من كونهما بمكان واحد: _ينفع أقعد معاكي شوية؟ لتجيبه ملك بتأكيد وهي تومئ برأسها له: _آه اتفضل. جلس عدي على مقعد بجانب فراشها، ينظر إلى عينيها مباشرة في جو يسوده الصمت من الطرفين، إلى أن قطع هذا الصمت دخول مروان بعد أن طرق الباب الذي كان عدي تاركه مفتوحًا. ليرحب بعدي، ثم يلتفت إلى ملك يسألها: _ليه كنتِ بتبكي يا... يا ملك؟ ارتبكت الأخيرة من كلامه: _لا مفيش حاجة. أنا كويسة، مش بعيط.

اقترب مروان يمد أنامله يمر بها فوق وجنتيها، يزيل بقايا دموعها بحنان ورقة وبطء، وهو يشعر بنعومة بشرتها تحت أنامله، وهو يقول: _أومال دي إيه؟! ارتبكت ملك أكثر من حركته، لتمسك يده تبعدها عن وجهها وتقول بارتباك وخوف من نظرات عدي التي كادت أن تحرق مروان: _لو سمحت يا مروان مش ينفع كده. مروان بابتسامة جذابة جعلته جميلاً: _مش ينفع. كنتِ بتعيطي ليه يا ملك؟ ليقول وهو يرجع خطوة للوراء: _طب هروح أجيب لك حاجة تشربيها عشان تهديكي.

ثم خرج من المكان، لتتنهد هي بثقل وهي تغمض عينيها. لتنتبه على سؤال عدي وهو يقول بحدة: _إنتِ تعرفي الشخص ده يقربلك حاجة؟ لتقول بهدوء: _هو اللي ساعدني لما وقعت الصبح، وهو اللي جابني. يومئ لها رأسه بتفهم، ثم أردف قائلًا باهتمام: _ينفع أعرف بتبكي ليه؟ تلألأت الدموع في عيني ملك وهي تحدثه، ولا تعلم لماذا هو الذي تحدثه:

_أخويا زعلان مني يا دكتور. وسمعت كلامه وخلت أختي لوحدها في النادي ونسيتها، ومعرفش إيه اللي حصلها خلا حد يكلم أخويا يقوله إن أختي منهارة في العياط وعاوزة ملك أو مالك. وأنا السبب في كل ده. عدي بابتسامة بلهاء وفي داخله أمل عاشق أن تكون حبيبته من نصيبه: _الشخص اللي كان معاكي من شوية ده هو أخوكي صح؟ مش جوزك؟ ملك باستغراب لسؤاله لتقول بنفي واستغراب من تلك الابتسامة التي يحاول إخفاءها: _لا، ده مالك أخويا وأنا مش متزوجة.

عدي بفرح وهو يهتف بنفسه: _هيهيهيهي مش متجوزة، مش متجوزة! والبنت طلعت أخوها. جوووول جووول! وحياتك عندي يا ملك لأخليكي تحبيني وزي ما بحبك كده وتكوني من نصيبي. جووول! طلعت مش متجوزة، أووف هم وانزاح من على الواحد. يلا الحمد لله. _يا دكتور إنت سرحت. نادتها عندما لاحظت صمته الذي دام وهو ينظر إليها بنفس تلك الابتسامة التي لا تفهمها. ليجيبها عدي بابتسامة عاشقة وهو يقول بعشق ونبرة صوت رخيمة:

_لا معاكي. بصي يا ملك، أخوكي زعلان عشان خايف عليكي انتي واختك، مش عشان حاجة تانية. وإنتي كان لازم تستأذني الأول. لتقاطعه هي بصوت باكي وهي تشعر بارتفاع غصات البكاء في حلقها: _بس هو زعلان مني. ليجيبها عدي بهدوء وقلبه يحدثه أن يذهب إليها ويأخذها بين ذراعيه يهدئها، لكنها ليست حلاله: _لا، هو واخد موقف بس عشان بعد كده تسمعي الكلام. لتردف ملك ببراءة وهي لا تشعر بما يعصف بداخلها من مشاعر تجاهها: _يعني هو مش زعلان مني؟

ليقول بمرح كي يخفف من حزنها وندمها: _لا، أنا اللي هزعل لو ما وقفتيش عياط. مسحت ملك دموعها كالطفلة بكف يديها وهي تبتسم له وتقول بأدب: _شكرًا ليك يا دكتور. كلامك ريحني حقيقي. شكرًا جدًا. ابتسم لها عدي بحب، وظلوا جالسين يتكلمون بشتى المواضيع، وهو يضحكها وهي تضحك معه. *** _إيه ده سارة الصياد! مش معقول! كانت فتاة نحيفة، تضع مكياج صارخ على كامل وجهها وتتحدث بمياعة.

بينما سارة ظهر الغضب على معالم وجهها، وقد علمت من التي تقف أمامها من نبرة صوتها. فتحدثت سارة بنبرة حادة جامدة: _عاوزة إيه يا مريم؟ لتردف مريم بخبث وهي تدعي الرقة: _أبدًا يا سو، ده أنا شفتك قاعدة لوحدك، قولت يمكن توهتي ولا حاجة ومش عارفة تروحي مكان. لتقول سارة بغضب مكبوت: _لا، كتر خيرك. مالك معايا. لتردف مريم بخبث ونظرات شماتة توجهها إلى سارة: _اممم. مش تباركيلي صح؟ تجاهلتها سارة ولم ترد. فاكملت مريم:

_مش أنا ومصطفى خلاص خطوبتنا الأسبوع الجاي. إنتِ عارفة بقى مصطفى مش بيعرف يعمل حاجة لوحده وعاوز اللي يساعده. ضربة قاضية أصابت قلبها مرة واحدة، لتحاول سارة كبت دموعها التي تخفيها نظارتها السوداء ورسمت ابتسامة باهتة على وجهها وهي تقول بسخرية لازعة لمريم: _طب والله كويس إنك عارفة إنك هتكوني خدامته. استشاطت مريم غضبًا وكانت تهم بالرد عليها، إلا أن جاء مالك مقاطعًا إياها: _سارة، اللي مقعدك هنا لوحدك، وفين أمير؟

سارة وهي تشكر الله لمجيء مالك وتخليصها من تلك الشمطاء المتعجرفة التي تدعى بمريم: _كويس إنك جيت بسرعة وديني عند ملك، عاوزة أطمن عليها. لا هنا بقى خانقة أوي. استدارت مريم ذاهبة من أمامهما، وهي التي كانت تنوي إحراج سارة وجعلها تشعر بالنقص، إلا أنه أصبح العكس. فرد سارة البسيط عليها جعلها تستشيط غضبًا، والأكثر عندما أخبرتها بكذبة خطوبتها هي ومصطفى حتى تجعل سارة تعلم بأنها أفضل منها، لكن سارة كان لها رد آخر.

بينما مالك وهو يمسك بيد سارة يتوجهان إلى غرفة ملك، يسألها بحذر: _سارة، مش دي مر... قاطعته سارة بنبرة مهزوزة من أثر كبتها لدموعها: _هي. وبعد إذنك مش عاوزة أتكلم في الموضوع ده. ليصمت مالك احترامًا لرغبة أخته، لأنه استشعر نبرتها المهزوزة بسبب غصات البكاء التي تحبسها بداخلها. لكنه لم ينس أمر بكائها في النادي، لكنه قرر الحديث به عندما يعودوا ثلاثتهم إلى المنزل. ليردف مالك بنبرة حنونة: _يلا هندخل يا سارة، متعيطيش، ماشي؟

سارة بنبرة منخفضة من أثر البكاء: _احضني يا مالك قبل م... ولم تكمل حديثها، وكان قد سحبها مالك بين ذراعيه وهو يمسد على ظهرها بحركات دائرية. بينما سارة انفجرت في البكاء بين أحضانه وهي تتذكر كلام تلك المتعجرفة بأمر خطوبتها هي ومن كان حبيبها. لكنه كان وما زال حبيبها، كيف ستتقبل فكرة أنه سيكون لغيرها. تفاجأ مالك من دموعها الكثيفة، وأخذ يهمس لها بكلمات مهدئة إلى أن هدأت. فأبعدها مالك عنه برقة وحنان وهو يحيط

وجهها بيده ويمسح دموعها: _فيه إيه يا قلبي؟ .. ليه الدموع دي كلها؟ .. أوعى يكون اللي اسمها مريم دي عملت لك حاجة أو... قاطعته سارة وهي تمسك يده التي تحيط وجهها وقالت بصوت حاولت جعله هادئًا قدر الإمكان: _لا، محدش عملي حاجة. بس أحداث اليوم كانت طويلة وأنا... وأنا مستحملتش. لم يصدق مالك ما قالته، لكنه أردف بنبرة حنونة وهو يمسح دموعها: _طب خلاص متعيطيش. أنا أهو معاكي، متخافيش. مفيش حاجة مستاهلة. حاولت سارة رسم ابتسامة، إلا

أنها خرجت باهتة مهزوزة: _يلا ندخل لملك. ليتحدث مالك وهو ينظر إلى باب الغرفة التي تقبع بداخلها ملك: _الباب مفتوح أصلًا. خطوتين ونوصل. يلا، امشي. ودلف الاثنان إلى الداخل، وتفاجأ مالك برؤيته عدي وملك يضحكان. فكان عدي قد أخبرها بشيء مضحك. مالك بصوت حاد قوي: _مين ده؟! وإيه اللي بيحصل هنا؟! *** كان أمير يسير بخطوات مسرعة أشبه بالركض وهو يتمتم بحنق وضيق من نفسه ومن ما حوله: _أووف يا أمير إزاي أسيبها كل ده لوحدها وأنسها...

بس كله بسبب الرغي اللي عمال يكلم في التليفون على المناقصة. أكيد فكرة إني سيبت...

ثبت بمكانه وهو يرى مكانها فارغًا، لا تتواجد به. التفت حول نفسه ليراها، لكنه لم يجدها. شعر بالضياع. ألف سيناريو وسيناريو، جميعهم قد خطروا بباله في تلك اللحظة بأبشع الصور. أخذ يسأل عليها الموجودين في المكان، لكن بلا فائدة. لا يريد أن يهاتف مالك. هل يخبره أن أختك كانت معي، ولكني ذهبت وتركتها بمفردها لأكثر من نصف ساعة، وعندما عدت لم تكن موجودة. وقف في نصف المشفى وهو يلتف حول نفسه، يشد خصلات شعره بعنف إلى الوراء. إلى أن وصلت إليه رسالة عبر

الواتساب من أخته مضمونها: "أمير محتاجك جنبي. تعالي."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...