صعدت "سحر" سلم المستشفى برفقة "دنيا" وهي تتذمر للغاية وتعالت تقاسيم الضيق فوق وجهها لتلوم "دنيا" بشدة. "أنا مش عارفة انتي هبلة ولا على نياتك ولا إيه. بقى بعد كل اللي عملته مع نسمة وطلعت السواد اللي جواها ده كله، لسه عايزة تزوريها وتطمني عليها. انتي غريبة أوي! تملك طبع "دنيا" الرومانسي عليها مردفة باستعطاف لقلب "سحر" تجاه "أحلام" التي كانت صديقتهم ورفيقتهم طوال الأربع سنوات الماضية.
"هي غلطت، بس مش هنقتلها يعني. وهي في محنة دلوقتي، أقله نطمن عليها بس." زفرت "سحر" بضيق وهي تضرب كفيها ببعضهما. "وأنا اللي كنت فاكرة نسمة لوحدها اللي هبلة. أراهنك زمانها هي كمان هتقولك مسامحاها. أنا عارفاها." "خلاص بقى خليكي طيبة أمال. خلاص وصلنا، أوضتها أهي." داخل غرفة "أحلام"...
استلقت "أحلام" بجبيرة كاملة لجسدها كله مثبتة بوضع لا تستطيع الحراك مطلقاً. ظلت تنظر تجاه السقف بألم بالغ. لم تدري "سحر" أو "دنيا" إن كان هذا الألم نفسياً أم جسدياً. تبادلتا النظرات بإشفاق على حالها الرث فمن يستطيع الشماتة بهذا الموقف. حتى "سحر" التي لا تسمح لقلبها بالتدخل بما يتطلبه عقلها نهائياً أشفقت حقيقة على حال صديقتها فما بينهما عشرة سنوات طويلة. تقدمت "دنيا" نحو "أحلام" تطمئن على أحوالها. "إزيك يا أحلام؟
عاملة إيه دلوقتي؟ مالت "أحلام" بطرف عينيها تجاه "دنيا" لتتساقط دمعة حزينة غير مصدقة لقدومهما لزيارتها بعد ما حدث. "دنيا... سحر!!! أنا مش مصدقة إن انتوا جيتوا تزوروني!!! رغم أن "سحر" قلبها رق لها ولما حدث لها، لكنها تظل خائنة للصداقة لتصطنع التجهم والضيق قائلة. "آه طبعاً بعد اللي قلتيه وعملتيه في نسمة!!!! لكزتها "دنيا" بمرفقها بقوة فهذا ليس الوقت المناسب التفوه بعبارات التأنيب تلك. "سحر بعدين بقى!!!!
تطلعت "أحلام" لصديقتها "سحر" قائلة بندم بالغ. "أنا ندمانة والله يا سحر. أنا غلطت متزعلوش مني." "مش إحنا اللي زعلانين منك. نسمة هي اللي المفروض تعتذري لها." "أنا عارفة إني غلطت في حقها كتير. وهي متستحقش مني كده أبدًا. أنا لازم أشوفها وأستسمحها ويا ريت تسامحني." برأفة شديدة عقبت "دنيا". "إن شاء الله تسامحك. انتوا المفروض أقرب اتنين لبعض." "تفتكروا ممكن تسامحني؟ ساعدوني وخلوني أشوفها. أنا حاسة إن كل ده حصلي بذنبها."
"استغفري ربنا بقى. وإحنا بس نوصل لها هنخليها تجيلك." "يا ريت." بعد انتهاء زيارتهما لـ"أحلام" لامت "دنيا" "سحر" بشدة. "مكنش له لزوم الحدة دي يا سحر. هي فيها اللي مكفيها." "والله أنا كده. متبقاش عاملة كل ده وأحسسها إن كل حاجة عادي. حتى لو نسمة سامحتها، برضه هيبقى جوايا إنها عملت كل ده فيها ومش حقدر أنساه مهما حصل." "إحنا خلاص كلها أيام ونمتحن ومحدش يعرف هنشوف بعض تاني ولا إيه." "لاااااا....
كله إلا إحنا هنفضل أصحاب على طول." "طبعاً يا أختي." *** عمر... استقل "عمر" القطار المتجه إلى المنيا للعودة إلى جده الحاج "صالح" ملبياً لرغبته في التعرف بابنه عمه التي توصلوا إليها بعد غياب طويل. مرت الساعات الثقيلة فلم يكن سفره ما يود فعله بل كان يفضل البقاء للبحث عن حب عمره الوحيد. كم هي قاسية الحياة لتجبره لترك ما يحب لأجل من يحب. *** في المساء...
وصل "عمر" وسط ترحيب حار من الحرس والعاملين قبالة البوابة الخارجية. اتجه نحو الداخل بحديقة البيت الكبيرة، يتوسط الأشجار والورود المزروعة على جانبي الطريق الداخلي المؤدي إلى البوابة الزجاجية للبيت. كان "صالح" يجلس بالمقعد الخيزران بالحديقة تلك جلسته المعتاد عليها، ليبتسم فور رؤيته لحفيده المحب يقترب نحوه. "عمر!!!
حمد الله على السلامة يا ابني. راجل وقد كلامك. لو مكنتش جيت كنت عرفت إني غلطت في تربيتك. إنما أنا ربيت راجل قد وعده وكلمته إن العيلة أهم." "رغماً عني حبيبتي أبتعد عنك يا قطعة زمردتي، رغماً عني أسافر مجبراً لإرضاء جدي، لكنني سأعود لإيجادك ووقتها لن أتركك ثانية. تضعين من يدي فقط أجدك ولن أجد سواكِ بديلاً يا بعيدة عن عيني لكنك بداخلي." ابتسم "عمر" ابتسامة مزيفة ليخفي حزنه بداخله.
"طبعاً يا جدي. أنا عمري ما أقدر أكسر كلامك. ولا أرفض طلبك أبداً." "اقعد يا ابني ارتاح." جلس "عمر" بصمت فوق المقعد المقابل للجد "صالح" الذي كان متحمسًا للغاية يتحدث بسعادة تلقائية كمن ردت به الروح مرة أخرى بلم شملهم جميعًا. "أنا مش مصدق إن العيلة اتلمت خلاص. ولقينا بنت عمك." "صحيح يا جدي. لقيتها إزاي؟ "هي جت هنا. كانت بتسأل على أبوها الله يرحمه. ياااه شفت الدنيا." "الحمد لله. الحمد لله يا جدي."
تعجب "صالح" من ردود "عمر" المقتضبة وكأنه يحمل ثقل بقلبه لا يود الفصح عنه. "مالك يا ابني حالك مش عاجبني بقاله فترة؟ تنهد "عمر" بضيق وقد فاض به الكيل ليظهر عكس ما بداخله ليردف بهدوء. "عندي مشكلة. بس متشغلش نفسك بيها يا جدي أنا هحلها إن شاء الله." زاد "صالح" فخرًا بحفيده الغالي القادر على مواجهة مشكلاته وحلها بنفسه. "مش بقولك راجل. أكيد ابن أحمد سليمان راجل يعتمد عليه مش محتاج مساعدة من حد. مش أي كلام."
ابتسم "عمر" ابتسامة باهتة تجاه جده وهو يدور بعينيه متسائلاً. "أمال فين بنت عمي أسلم عليها؟ "زمانها نازلة. هي بعد الغدا طلعت ترتاح شوية. زمانها جاية دلوقتي." *** نسمة...
ارتدت "نسمة" فستان طويل أزرق اللون ولملمت شعرها بصورة أنيقة. بمعنى أدق استعدت بصورة رسمية للغاية لمقابلة ابن عمها المنتظر وصوله. فجميع العاملين اليوم يحضرون كل شيء على أكمل وجه لمقابلة ابن العم هذا فهو الوريث الوحيد لهذا الجد الثري ذو النفوذ. توترت "نسمة" من مقابلة ابن عمها فهي لا تعرف عنه الكثير سوى ما يترائى في مخيلتها عن ابن العم الصعيدي الفذ.
خرجت من غرفتها عابرة الممر الطويل الذي يمر بغرفة الجد "صالح" وفي نهاية الممر الغرفة التي كانت تُحضر اليوم لاستقبال ابن عمها اليوم. هبطت السلم المنحني وقبل أن تصل إلى نهاية الدرجات رأت جدها الجالس في الحديقة فقد كانت البوابة الزجاجية الكبيرة مفتوحة على مصراعيها والأضواء الكاشفة توضح من كان يجلس وبوضوح.
تيبست "نسمة" مكانها ويدها ممدودة للحاجز الجانبي للسلم وكل قدم موضوعة على درجة مختلفة أثناء هبوطها. تثلجت أطرافها وشعرت بالدماء الساخنة تدور برأسها. علت خفقات قلبها صعوداً وهبوطاً من أثر رؤيتها له. تمعنت أكثر وأكثر. إنها ليست مخطئة. "هو....... هو..... !!!!!
جالت بنظرها بتشتت حولها ولم تستطع إكمال طريقها. استدارت بسرعة رافعة طرف فستانها الطويل لتركض بعجالة شديدة صاعدة درجات السلم بسرعة هي نفسها لا تتخيلها. فكل ما سيطر على تفكيرها أن تركض وتبتعد حتى لا يراها أو يلمحها "عمر".
دلفت غرفتها بسرعة وأغلقت الباب بقوة من خلفها وهي تستند عليه بظهرها بصدر ناهج بقوة وعيناها جاحظتان عن وسعهما. تنفست بصعوبة وأحست فجأة بدموع ساخنة تنهمر من عينيها. لتبدأ قواها في الانهيار. أرمت فوق فراشها تخبئ وجهها بوسادتها لتعلو شهقاتها غير مصدقة وواعية لما يحدث ذلك معها فقد ظنت لوقت قليل أنها قد بدأت منعطف جديد بحياتها، استقرت بوجود جدها، شعرت للحظات أنها قد بدأت تنساه وأن وجوده لا يؤثر بها. ليظهر هو الآن ليهدم كل شيء وكل حلم شعرت بتحقيقه، فحتى حلم العائلة والسند جعله مستحيل بوجوده.
"يعني (عمر) ... هو ابن عمي!!!!!! أنا ليه ضعيفة كده؟ أنا ليه مش قادرة أمسك نفسي لما شفته؟ ليه كل حاجة رجعت من الأول؟ كأنه لسه جارحني دلوقتي. كأن قلبي لسه مكسور دلوقتي من كلامه. كأني لسه.... لسه بحبه ومش قادرة أنساه لحد دلوقتي؟ "يعني هو من دون كل الناس اللي في الدنيا يطلع هو ابن عمي!!!! وأكيد هيفرح لو شافني مكسورة كده قدامه. لا... لا يا (عمر) مش هسمح لك تجرحني تاني. أو تشوفني مكسورة تاني. لاااااااا... *** في الحديقة...
"صالح" بسعال قوي فما زال لم يتخطى مرضه وعلاجه. "أنا كنت قاعد مستنيك عشان تشوف بنت عمك بس مش قادر أقعد هنا أكتر من كده أنا هطلع أوضتي أرتاح." "خلاص يا جدي. اطلع أوضتك ارتاح أنت وأنا هعمل بس مكالمة تليفون وأستناها هنا." "أعمل أنت مكالمتك الأول ونشوف." نهض "عمر" من جلسته مخرجاً هاتفه محاولاً الاتصال بـ "وائل" ليسأله إذا كان هناك أي أخبار عن "نسمة" وعن البحث عنها. دلف "صالح" إلى داخل البيت مناديًا "عبد القادر".
"يا عبد القادر... "أيوه يا حاج... "ابعت حد يشوف الست نسمة منزلتش ليه... "حاضر يا حاج... *** بغرفة نسمة... سمعت طرقات على باب غرفتها أحاطت جسدها بسرعة بغطائها متصنعة النوم لتطل بعد عدة دقات "سعيدة" من خلف الباب قائلة. "يا ست نسمة... يا ست نسمة... ابتلعت ريقها بغصة دون أن تظهر ذلك لتجيب بهمهمة. "همممم... "الحاج صالح بيقولك مش هتيجي؟
ربما لأن صوتها امْتَنَع عن الخروج من حنجرتها فظهر ذلك بأنها تغط بالنوم وبصوت ناعس أجابتها. "مش قادرة. تعبانة شوية وعايزة أنام." "ماشي يا ست... لم تجادلها بل انصاعت لرغبتها فورًا لتبلغ زوجها "عبد القادر" بذلك والذي بدوره ذهب مباشرة للحاج "صالح" يبلغه بتعب الست "نسمة". تسند "صالح" صاعدًا نحو غرفته فقواه أصبحت لا تمهله الانتظار والبقاء أكثر من ذلك فهو ما زال متعب للغاية لكنه نظر نحو "عبد القادر" قائلاً.
"لما يرجع عمر بيه قوله إني عايزه في أوضتي ضروري." "حاضر يا حاج... صعد بعدها "صالح" تجاه غرفته جالسًا بإسترخاء فوق فراشه بإنتظار "عمر" بعدما ينهي مكالمته التي انشغل بها. *** نسمة...
بعد أن تركتها "سعيدة" دفعت الغطاء عنها ثم نهضت جالسة للحظات قليلة قبل أن تتجه نحو زر الإضاءة وتغلقه لتصبح الغرفة معتمة للغاية. تسللت ببطء نحو الشرفة مقتربة من حافة سور الشرفة، جلست على الأرض تنظر من الفراغات التي تتوسط هذا الجدار الحديدي للشرفة وهي تنظر نحوهم.
تحرك جدها متجهاً نحو الداخل بينما جلس "عمر" على أحد المقاعد يتحدث بالهاتف. ثبتت عيناها الغائمتان تجاهه وهو يجلس أمامها بحزن منكسر، علت ضربات قلبها الذي كاد يندفع خارج صدرها من قوة ضرباته. فيا لعجب الأقدار ها هي اليوم تجلس بعيداً عنه تراه ولا يراها. فاليوم يوم الوداع الأخير. كم كان وسيماً حزيناً دون أن تعلم سبب حزنه القاتم ذاك؟
كم تأثرت لرؤيته بمثل هذا الحزن في عينيه العسليتين. ضغطت بقوة بأسنانها لتغلق شفتيها بإحكام حتى لا تخرج شهقاتها الحزينة لوداعه. نهضت مسرعة لداخل غرفتها مرة أخرى قبل أن ينتبه لها. غطت فمها بكفها تمنع صوت بكائها التي لم تعد تحتمل ألمه القابض بصدرها. اشرأبت برأسها وهي تمسح دموعها بكبرياء قائلة لنفسها محاولة التحلي بالقوة التي لا تمتلكها إطلاقاً.
"أنا مينفعش أتكسر تاني قدامه. ومينفعش أقابله. لأنه هيفهم إني لسه بحبه. أنا أساساً مينفعش أتعامل معاه أصلًا." لتهوي جالسة فوق الفراش بملامح تعيسة للغاية. "أنا مينفعش أقعد هنا. هيتعامل معايا إزاي؟ كبنت عمه يعني زي أخته. أكيد لأ طبعاً. كواحدة ميعرفهاش. أكيد لأ طبعاً. كحبيبته....... إستحالة طبعاً. أنا لازم أمشي من هنا. لازم أروح أعيش مع خالتي. معنديش حل تاني. لازم أقول لجدى دلوقتي وأسافر الفجر قبل ما (عمر)
يحس بيا أصلاً." *** عمر... مسح وجهه بكف يده بإحباط تام وهو يستكمل مكالمته التي طالت كثيرًا مع "وائل". "يعني برضه ملقتش حاجة!!!!! معلش يا وائل. أنا معتمد عليك لحد ما أرجع. أنا جاي بكرة على طول. مع السلامة." أغلق "عمر" الهاتف بحزن ليجد "عبد القادر" منتظره ليبلغه رسالة جده إليه. "الحاج صالح تعب ومستنيك فوق في أوضته يا بيه." "ماشي يا عبد القادر." صعد "عمر" لغرفة جده عامًا أن يخبره بسفره في الصباح فعليه العودة للبحث عن
(زمردته) الغائبة و (بسمته) الضائعة وحياة فؤاده من جديد. قبل أن يطرق باب غرفة جده سمع صوته يسعل بقوة بصورة مخيفة للغاية أصابته بقلق بالغ على جده. دفع الباب مسرعًا نحو الداخل للحاق به ليجده ممددًا فوق فراشه ووجهه شاحب للغاية ليتساءل بتخوف. "مالك يا جدي إيه اللي حصل. أنت كنت كويس من شوية؟ "يلا حسن الختام بقى يا ابني." "لا يا جدي بعد الشر عنك. إحنا منساويش أي حاجة من غيرك." "طب ناولني يا ابني الدواء ده مش قادر آخد نفسي."
ساعد "عمر" جده بتناول الدواء ليستريح قليلاً. "الحمد لله." "جدي أنت شكلك تعبان أوي. إحنا لازم نروح للدكتور تاني. أنت بدأت ترجع زي الأول." "بص يا ابني. الواحد مش بياخد أكتر من عمره. المهم دلوقتي. اقعد جنبي عشان عايزك في موضوع مهم." *** نسمة...
ارتدت "نسمة" شال كبير غطى وجهها بالكامل وقررت التسلل نحو غرفة جدها لتبلغه بقرارها بالسفر ثم تعود لتجهز نفسها قبل أن يشعر بها "عمر" من الأساس. فتحت باب غرفتها بهدوء حتى لا تصدر أي صوت متسللة بخفة على أطراف أصابعها حتى وصلت لغرفة جدها وقبل أن تطرق الباب وجدته مفتوحاً وسمعت صوت "عمر" وجدها بالداخل يتحدثان. فقررت العودة إلى غرفتها والمجيء بوقت آخر بعد خروج "عمر". بصوت واهن استكمل "صالح".
"أنا عايزك في حاجة مهمة بخصوص بنت عمك." "بنت عمي!!! خير يا جدي." "أنا حاسس إني خلاص نهايتي قربت. وعايز أطمن عليكم. ده أنا ماليش في الدنيا غيركم. انتوا أقرب ولادي." "قصدك إيه يا جدي؟ "اسمعني يا ابني ومتقاطعنيش. أنا خلاص حاسس إني هموت والبنت دي يتيمه واتبهدلت كتير ولازم نضمن لها عيشه كريمة ومحدش يبهدلها تاني. ولقيت إن أحسن حل إن انتوا تتجوزوا." وقف "عمر" بصدمة وقد اتسعت عيناه بذهول قائلاً بحدة. "إيه!!! نتجوز!!!!!!
لا يا جدي. أوعدك إنها هتبقى في عيني وحآخد بالي منها. إنما جواز لأ." "اقعد كده واهدى بس. إيه اللي يمنع بس يا عمر؟ جلس "عمر" محاولاً التقليل من انفعاله حتى لا يغضب جده مبررًا له لماذا يرفض زواجه من ابنة عمه. "أنا هقولك يا جدي إيه اللي يمنع. اللي يمنع إني بحب واحدة تانية وعايز أتزوجها." "مين دي اللي أنت عايز تتجوزها؟ وإمتى ده حصل؟ وهي يعني أحسن من بنت عمك في إيه؟
"جدي اسمعني ومتحطنيش بين نارين. أنا مقدرش أرفض لك طلب. بس أنا بحب واحدة. بحبها أوي." لم يشعر "عمر" بنفسه إلا وترك العنان لبكائه الحار هذه المرة أمام جده القوي. لكنه يعلم أنه لن يستضعفه أو يشمت به. فقط لأنه منه. "صالح" وقد رق حالًا لـ"عمر". "أنت بتبكي يا ابني. للدرجة دي بتحبها؟ "للدرجة دي وأكتر يا جدي. واللي مؤثر فيا أوي إني ضيعتها كمان من إيدي." "ضيعتها!! أنا يا ابني مش فاهم حاجة."
"هحكيلك كل حاجة يا جدي. لما رحت الكلية السنة دي مكنش يهمني حاجة غير أنت ودراستي. وطبعاً قلت بما إنك حتغيب كتير مسافر للعلاج إني أحول القاهرة تاني مع زمايلي. لما رحت لفت نظري إن فيه بنت الكل بيتكلم عليها كلام مش كويس وإنها أخلاقها مش كويسة وبتتكلم وتصاحب مع شباب. فبالتحدي بس. قلت أشربها من نفس الكأس يمكن تفوق وتتعلم الدرس." عقص "صالح" وجهه ممتعضًا ليردف بلوم. "يعني يا ابني ملقتش غير واحدة بالأخلاق دي!!!!!!
"استنى بس يا جدي. أنا فعلاً كنت فاكر كده بس لما قربت منها لقيتها غير كده خالص. حبيتها أوي. لدرجة إني نسيت كل الكلام اللي سمعته عنها وعن سمعتها. لحد ما في يوم واحد جالي وقالي إنها ناوية تكمل اللعبة اللي بتلعبها عليا وتفهمني إن أهلها غاصبين عليها الجواز. المهم أنا للأسف صدقته واتعاملت معاها بمنتهى القسوة وجرحتها أوي وسبتها. لكن عرفت بعد كده إنها معملتش أي حاجة من دي. وإن صاحبتها هي اللي عملت فيها كل ده وهي اللي كانت مطلعة عليها كل الكلام ده عشان غيرانة منها. وحاولت تفرق بيني وبينها."
"لا حول ولا قوة إلا بالله." "المشكلة إني مش لاقيها خالص. دورت عليها في كل مكان وقلبت الدنيا عليها اختفت. حاسس إني هموت يا جدي. أنا عاوزها ومش عايز حد غيرها." "بس يا ابني كل اللي بتقوله ده مش كفاية. فيه حاجات تانية أهم من الحب والحاجات دي عشان تفتح بيت. وأنت شايف بنت عمك أهي ملهاش حد في الدنيا. نديها يعني للي يستغلها ويطمع فيها. ولا إحنا أولى بلحمنا." "بالله عليك يا جدي ما تعيد اللي عملته تاني مع عمي!!!!!!
أديك شايف اللي حصل بعدها. أنا كمان مقدرش أستغنى عن اللي بحبها دي. أنا بس ألاقيها وأراضيها. أنا مش عايز أي حاجة من الدنيا غيرها." لِيعيد "صالح" حديثه بإستنكار. "ومالك ومالك عمك يروح للغريب؟!!!! يرضيك أموت وأنا مش مرتاح. أنا حاسس إني بودع خلاص يا ابني." "كفاية يا جدي. أنا مش ناقص ضغط كمان. كفاية اللي أنا فيه."
"والله يا ابني لو عليا وعايز ترضيني تتجوز بنت عمك. ولو مُصر روح اتجوز اللي أنت بتحبها. وسيبني في تعبي وقلقي عليها في تربتي لما أموت. ما أنا سايبها في الدنيا من غير ضهر ولا سند. يعني مش كفاية حرمتها من أبوها. كمان هسيبها للدنيا تبهدلها لوحدها." أحنى "عمر" رأسه في انكسار فقد وقع فعلاً بين نارين. نار قلبه وحبه المتيم "بنسمة" ونار إرضاء جده الذي يعلم فور رفضه للزواج بابنة عمه فربما يتأثر وربما قلبه لن يتحمل ذلك.
لم يجد "صالح" بُد من ترك "عمر" يفكر بقراره لبعض الوقت. "سيبني شوية يا ابني أرتاح. وأنت فكر كويس في الكلام اللي قلتهولك ده ورد عليا." "حاضر... ترك "عمر" جده ليهبط مرة أخرى إلى الدور السفلي جالساً بمفرده بالحديقة فربما يجد حل للورطة التي وضعه بها جده. لكنه لن يقبل استبدال "نسمة" بأي من كانت حتى لو هي ابنة عمه وشريكته في الميراث. فهو لا يكترث بالمرة للمال، كل ما يريده هو الاستغناء بـ "نسمة" عن الدنيا كلها.
قرر "عمر" السفر للقاهرة فباقي على الاختبارات النهائية فقط يومان ولابد أن يجد "نسمة" فقلبه لا يريد غيرها. *** في الصباح... استقل "عمر" القطار مثقلًا بحمله الثقيل الذي يفكر به. بينما طلب الحاج "صالح" من السائق الخاص أن يوصل "نسمة" إلى القاهرة استعدادًا للاختبارات فقد اتفقت مع جدها أنها سوف تمكث هذه الأيام لدى خالتها أم "ريم".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!