الفصل 13 | من 22 فصل

رواية عشقت خيانتها الفصل الثالث عشر 13 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
19
كلمة
3,798
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18

اليوم التالي. الجامعة. بمعده محطمة وواهنه، جلست نسمة برفقة صديقاتها بالكافيتيريا تنتظر الوقت المناسب لتطلب منهم مساندتها يوم الخميس بحفل خطبتها المزعوم. لم تعد تتحمل رؤيته مرة أخرى، وعليها منذ هذه اللحظة ألا تخطو الجامعة مرة أخرى سوى بحضور الاختبارات فقط. فستطوى صفحة "عمر" تماماً وتحاول التأقلم مع تلك الحياة المقيته الجديدة التي ستعيش بها.

مع تجاذبهن لأطراف الحديث، نظرت أحلام نحو نسمة للحظات قليلة ملاحظة صمتها وشرودها، لتتساءل باهتمام. "مالك يا نسمة؟ "وشك أصفر كده ليه؟ وضعت دنيا ذراعها فوق كتف نسمة قائلة. "أنتي لسه تعبانة؟ بسكون غريب أجابتهم نسمة بوجهها الشاحب بدون إبداء أي مشاعر أو اهتمام يذكر. "عادي. أنا جاية بس عشان أعزمكم على خطوبتي يوم الخميس الجاي. عايزاكم تبقوا معايا." ربما تفاجأت دنيا من ذلك الخبر الغريب، لكنها أردفت بحالمية. "خطوبتك؟ "على مين؟

"عمر؟ استكملت نسمة ردها بجمود عجيب. "لأ، عمر خلاص. انتهى من حياتي." اعتدلت دنيا ناظرة نحو نسمة بغير تصديق. "أنتي بتقولي إيه؟ إيه اللي حصل؟ لم تكن دنيا وحدها هي المهتمة بمعرفة ما حدث، بل أنصتت كل من أحلام وسحر باهتمام بالغ لسرد نسمة لما حدث مع عمر. كانت تعيد ما حدث بينهما بالأمس مرة أخرى، لتشعر بأن كل حرف تتفوه به وكأنها تشعر به مرة أخرى للمرة الثانية. فكان سردها لما حدث مؤلم للغاية.

انهمرت دموعها بلا توقف بصمت واهن، لتشعر بالدوار يتملك منها. فهي لم تتناول شيئاً منذ الأمس. أغتاظت سحر بشدة من تصرف عمر بخسة ونذالة معها، لتهتف بضيق. "اهدّي حبيبتي، متزعليش نفسك. ده ميستاهلكيش." زفرت أحلام بضيق معقبة على حديث نسمة. "أهو اللي أنا كنت خايفة منه حصل. بس أنتي وافقتي ليه على الجوازة دي بس؟ أمسكت نسمة برأسها الذي أخذ يدور بقوة. "كل حاجة في الدنيا خلاص مبقاش ليها طعم ولا أي لازمة. وهو زي غيره، مش فارقة."

"أنتي بتعاقبيه ولا بتعاقبي نفسك بس؟ "مش عقاب. بس خلاص معدتش حاسة بأي حاجة حلوة في حياتي. فمش فارقة زي ما... ولم تنهِ نسمة جملتها لتهوي على الأرض غائبة تماماً عن الوعي. التف الطلاب حول زميلتهم يحاولون إفاقتها، حين وقف أحدهم يبعد الآخرين عنها، وأخرى تلوح لها بكتاب لتعطيها بعض الهواء المنعش لها.

أمسكت دنيا بحقيبتها الممتلئة بأدوات التجميل خاصتها، وأخرجت زجاجة عطر نفاذ، لتجثو إلى جوار نسمة الساجية أرضاً تحاول إفاقتها، فأخذت تساعدها باستنشاق هذا العطر. بعد عدة دقائق. أفاقت نسمة بوهن مستندة إلى أحلام التي حاولت رفعها إلى الأعلى، لتحيط بها سحر من الجانب الآخر، ليتجهوا جميعاً لمنزل نسمة المتعبة، فلن يتركوها بهذا الوضع مطلقاً.

على بعد خطوات منهن، جلس وائل يتابع نسمة ووجهها الشاحب وبكائها الفاطر للقلوب حتى سقوطها أرضاً مغشياً عليها. كم تعجب من أن تلك هي الفتاة التي لفتت أنظاره يوماً بابتسامتها التي تزين وجهها دائماً، ولم ير حزنها قط. *** شقة حسن. ساعدت الفتيات نسمة بالوصول إلى البيت وصعدوا معها إلى الأعلى ليطمئنوا عليها أولاً قبل تركها وعودتهم إلى منازلهم مباشرة.

دلفت الفتيات بغرفة نسمة لتلقي بجسدها خائرة القوى فوق الفراش طالبة منهم تركها لتستريح، فلم يجدن بد من الذهاب مستأذنين بالانصراف. كان كل ذلك على مرأى من حنان، لكنها كانت كالعادة غير مهتمة إطلاقاً بما حدث، فتركتها بمفردها في غرفتها حتى حل المساء. *** في المساء. مر وائل بـ عمر دون أن يبلغه مسبقاً أنه سيأتي لزيارته، فوقف ببابه يطرقه ليرى تفاجؤ عمر من قدومه إليه بتلك الساعة المتأخرة. "وائل! "تعالى، ادخل."

"إيه يا ابني أنت حابس نفسك ولا إيه؟ "لأ أبداً، عادي." "مجتش ليه الكلية النهارده؟ "ما أنا قلت لك مش جاي." جلس وائل بغرفة المعيشة بأريحية شديدة وهو يمد ذراعه فوق ظهر الأريكة. "اللي أنت بتعمله ده مش حل." أغمض عمر عينيه بتملل واضح ليفتحهما ببطء وهو يردف بنبرة يائسة. "أنا لا عايز أحل، ولا أربط. أهم يومين يعدوا وجدي ييجي وخلاص." "طب تعالى نخرج نتمشى شوية." "لأ ماليش نفس. لو عايز تخرج أنت براحتك عادي."

"أنا بس مش عايزك تحبس نفسك كده." "متقلقش عليا، مش هتجنن يعني." نظر عمر تجاه وائل يريد أن يسأله عنها، لكنه تردد بذلك، ليتفوه ببعض الكلمات المبعثرة دون ترتيب. "آآآ... وائل... هو... يعني... !!! "مالك بتتلجلج ليه كده؟ حسم عمر أمره بالنهاية بألا يسأل عنها، وعليه التحلي بالقوة لنسيانها. "مفيش، كنت بس عايز أسأل. عملتوا إيه النهارده في الكلية؟ استطاع وائل بفراسة ماكرة فهم ما يرمي إليه عمر، وأنه يريد أن يسأل عنها.

"عملنا إيه النهارده؟ "ولا بتسأل عليها؟ لم يستطع عمر منع لهفته حين أطرق وائل لسيرتها أمامه. "هي جت؟ "جت... بس... كانت تعبانة أوي يا عمر. أنا عمري ما شفتها كده. لدرجة أنها أغمى عليها والدفعة كلها كانت بتفوقها." نهض عمر من مقعده وقد زاغت عيناه بتخوف، ليهتف بتلهف واضح. "إيه؟ أغمى عليها؟ ليه؟ وهي عاملة إيه؟ "البنات روّحوها. بس عايز نصيحتي بالوضع اللي أنا شايفه ده، واللي أنت عامله في نفسك ده والحبسة اللي أنت فيها...

أنت كده مش حتنسى. متسألش عنها تاني، عشان تقدر تنساها." جلس عمر مرة أخرى بحزن عميق. "تفتكر حقدر؟ أجابه وائل بلامبالاة وفتور تام. "أنت لسه في أول حياتك، وكل حاجة بتبقى كبيرة وتصغر بعد كده. أنت بس محتاج شوية وقت. وزي ما قلت لك، تبعد عنها ومتسألش عليها." "ححاول."

هو بالفعل يتمنى نسيانها، لكن ذلك صعب، صعب للغاية. فكلما حاول إشغال عقله عنها، دق قلبه لها واشتاق إليها ولرؤيتها. لم يستطع منع طيف ابتسامتها الرقيقة من أن تتبعه أينما كان، وكأنها مرض عضال لن يستطيع التخلص منه بسهولة. *** مرت تلك الأيام الثقيلة للغاية بهمومها الكبيرة فوق قلوبهم حتى حل يوم الخميس. بيت حسن.

حضرت الفتيات مبكراً ليساندوا صديقتهم بهذا الوقت الصعب عليها، فحتى لو وافقت على تلك الخطبة، إلا أنهن يعلمون جيداً أنها لا تطيقه ولا يسكن بقلبها سوى عمر. ارتدت نسمة فستان أسود طويل ذو ياقة عالية، ويعلوه جاكيت قصير أبيض اللون ذو أكمام طويلة. لم تجد سوى اللون الأسود معبراً عنها بتلك الليلة.

وضعت لها دنيا القليل من مساحيق التجميل لخبرتها العالية بهذا الشأن الذي تعشقه كلياً، فاليوم أرادت إخراج روح خبيرة التجميل من شدة عشقها لهذا المجال.

بدت نسمة ساحرة للغاية، فقد استطاعت دنيا إبراز لون عينيها العسليتين بوضوح. لكن مع جمالها المبهر، إلا أنها تعيسة للغاية، محطمة الفؤاد، فاليوم سترتبط بإنسان لا تعرفه، حتى أنها لا تدرك ملامحه جيداً، فلم تره إلا مرة واحدة ولم تتمعن به. لكنها تدرك تماماً أنها لا تحبه، فقلبها يدق لشخص آخر لا يستحق هذا الحب. لم تكن تدرك مدى حبها له إلا بعد جرحه لها بصميم قلبها.

جلست بحجرتها مع صديقاتها تتصنع الابتسام كعادتها، فقد أصبحت بارعة في ارتداء هذا القناع، لكن من يتعمق في عيونها بالطبع يدرك تماماً تلك النظرات التي يملؤها الألم والحزن. جلست بصمت تنتظر وصول العريس وكأنها تنتظر جنازتها اليوم. التفت صديقاتها حولها مدركين ما بداخلها بخلاف تلك الابتسامة الواهية المتكلفة فوق محياها، يدركون تماماً أنها حزينة للغاية وليست سعيدة على الإطلاق كما يراها البعض.

أخذن يتبادلن النظرات بتحسر، فليس بيدهم شيء يقومون به سوى مساندتها اليوم وبقائهم إلى جوارها. علت الأصوات المهللة بالخارج وسماع أصول التبريكات والتهاني إعلاناً بوصول العريس المنتظر. سحبت نسمة نفساً عميقاً تمنع به تلك الدموع التي وقفت بجفنيها من الهطول، فعليها التحلي بالقوة والمضي قدماً، فقد سبق السيف العزل ولم يعد هناك رجعة بقرارها.

نظرت نحو صورة والديها المعلقة بالغرفة، تتمنى لو أن يخرجوا منها لإنقاذها مما فعلته بنفسها ومن حياتها الكئيبة للغاية. كانت كمن تستنجد بهم ليخلصوها من كل المآسي التي تشعر بها. نهضت نسمة من فوق فراشها الذي كانت تجلس عليه، لتحاوطها صديقاتها، لتتحرك ببطء تجاه غرفة الصالون حيث يتواجد العريس جالساً بانتظارها. فور خروجها، علت أصوات الاحتفال بمجيء العروس. انبهر الجميع من جمالها الهادئ.

ليتقدم محمود نحو نسمة، مقابلاً إياها بابتسامته العريضة قائلاً. "مبروك يا عروسة، ما شاء الله زي القمر." هزت نسمة رأسها في صمت، ثم جلست على المقعد المجاور له. نظرات حنان وحسن المتبادلة تعلن انتصاراً قاما به، وعلت وجوههم ابتسامة فرحة لوصولهم لمبتغاهم بخطبة نسمة لهذا الثري الذي سوف يغدق عليهما بالنقود والهدايا لهذه الزيجة.

وقفت الفتيات إلى جوار نسمة يحاولن الابتسام ليشعرونها ولو بلحظة من السعادة والفرحة بصديقتهم، لكن أين الفرحة من قلبها المكسور. بعد قليل من الوقت، تعالت الزغاريد لخروج حنان بصينية أنيقة مزينة بصورة ملفته للغاية، ووضع عليها قطع من المشغولات الذهبية الثمينة كشبكة للعروس. اتسعت عيون الجميع ما بين منبهر وحاقد بغير تصديق لتلك الكمية الهائلة من المصوغات والمجوهرات باهظة الثمن، والتي سوف يقدمها العريس للعروس اليوم.

مالت أحلام على أذن نسمة تهمس بإنبهار شديد غير مصدقة لما تراه بأعينها. "واو! كل دي شبكة؟ ده أنتي حظك من السما يا نسمة. يا أختي انسي بلا حب بلا وجع قلب. دي الشبكة تنسيكي الدنيا بحالها." رفعت نسمة وجهها تجاه صديقتها تتمنى لو كانت تستطيع الشعور بما تهمس به أحلام حقاً، لكنها لم تكترث يوماً للمال، فكل ما كانت تتمناه هو قلب محب. همست نسمة بانكسار حزين. "أنتي شايفة كده؟ ولا كنوز الدنيا كلها تعوضني عن كسرة قلبي يا أحلام."

زمت أحلام شفتيها وهي تطالع سحر ودنيا بقله حيلة، فلن تستطيع تغيير نظرة نسمة للأمور بتقبل ما هي مقدمة عليه، ليلتزمن جميعاً الصمت متصنعات الابتسام لخطبة نسمة. بسعادة تامة، ألبس محمود وحنان تلك المصوغات لـ نسمة احتفالاً بخطبتهما، حتى انتهت تلك الدقائق القابضة للأعصاب، ليردف محمود وسط ابتسامة لم تختف عن ثغره. "مبروك يا نسمة." "شكراً." "إيه مفيش مبروك؟ "مبروك."

"عارفة أنا أكتر واحد محظوظ في الدنيا كلها عشان قمر زيك يكون من نصيبي." نكست نسمة وجهها إلى الأسفل متصنعة الخجل، لكنها أرادت الهروب بأي اتجاه آخر بعيداً عنه، فهي تعلم حقاً أنها إذا رفعت عينيها نحوه فسيدرك تماماً مدى حزنها وتعاستها. كم تمنت تلك اللحظة التي ظلت تحلم بها كثيراً، لكن ليس هو المقصود، بل كانت تتمنى وجودها إلى جواره هو فقط، لم تظن أنها ستزف يوماً لسواه.

امتلأت عيناها بالدموع التي غشت مقلتيها بتعاسة، فقد شعرت بأنها قيدت بأغلال سميكة وليس بمصوغات مبهرة كما يراها الجميع، تمنت لو أنها تستطيع الهرب والفرار من كل شيء، خاصة من هذا الشخص الذي يجلس إلى جوارها.

مر الوقت بصعوبة حتى طلب العريس الانصراف مستأذناً من الجميع، ليتبعه بقية المدعوين بعد مباركتهم لها بزواج سعيد، لتبقى جالسة لبعض الوقت بمقعدها حتى اقتربت الفتيات منها يتلفتون تجاه بعضهن البعض بحيرة، لا يدركون ما عليهن فعله، أيباركون لها مثلما بارك لها الجميع، أم يواسونها على حزنها وانكسار قلبها، ليسلمن عليها بحرارة وينصرفن بهدوء، لتنتهي تلك الليلة أخيراً.

دلفت بعد ذلك إلى غرفتها لتبدل ملابسها بآلية دون أي مظهر من مظاهر السعادة التي كان من المفترض أن تشعر بها كل فتاة بليلتها الخاصة. جلست بطرف فراشها وهي ترفع كفها ناظرة لهذا المحبس الذهبي الذي خنق إصبعها معلناً ارتباطها بشخص غريب، ليزيد من انقباض قلبها. تراجعت إلى الخلف قليلاً لتتكور على نفسها ممسكة أرجلها بذراعيها، تاركة العنان لتلك الدموع الحبيسة للانطلاق. *** المطار.

تأكد عمر من موعد الطائرة وهو ينظر بساعته أثناء وقوفه بصالة الانتظار، متلهفاً لتلك الطائرة القادمة من لندن والتي ينتظر لقاء جده الغالي بعد غياب طويل للعلاج. بعد حوالي نصف ساعة، بدأ الركاب بالخروج من صالة الوصول، لينتبه عمر نحوهم متفحصاً تلك الوجوه باحثاً عن مصدر الطمأنينة الخاصة به.

بعد فترة وجيزة، وقعت عيناه عليه وهو يراه يتحرك بواسطة أحد المقاعد المتحركة، فمع كبر سنه لم يعد يستطيع التحرك بصورة جيدة، وأضطر لاستخدام هذا المقعد المتحرك حتى لا يجهد القلب في الحركة. حاوط صالح اثنان من المرافقين مرتدين الحلل السوداء قد اصطحبهما برفقته طوال فترة علاجه. اقترب منه عمر على الفور بخطوات مستعجلة يرحب بعودته سالماً إليه. "جدي، حمد الله على السلامة." "عمر، تعالى حبيبي. أخبارك إيه يا غالي يا ابن الغالي؟

"ماشي الحال. المهم صحتك أنت؟ "بخير يا ابني طول ما أنت بخير." "مدحت جه بالعربية بره، يلا بينا نطلع." أمسك عمر بمقبض المقعد المتحرك ليدفع جده إلى خارج المطار. تقدم نحو سيارة جده السوداء ذات الماركة العالية قادمة خصيصاً إليه من المنيا لتقله. استقبله مدحت ذراع صالح الأيمن ومدير شركاته بغيابه، مصافحاً الجد بحرارة يتحمد الله على وصوله بصحة ومعافاة بعد علاجه.

أنزل صالح قدميه من فوق المسند الحديدي أرضاً فور وصوله بالقرب من السيارة، ليدلف بعدها إليها ببطء وتروٍ جالساً بالمقعد الخلفي، مشيراً إلى عمر ليجلس إلى جواره. تحرك مدحت بالسيارة متخذاً طريق الخروج من المطار، حينما تساءل الجد. "أنت ناوي تيجي معايا المنيا ولا حتقعد هنا عشان الجامعة؟ ارتسمت ابتسامة باهتة على ثغر عمر مجيباً إياه. "لأ يا جدي، أنا جاي معاك." "على بركة الله. يلا يا مدحت، اطلع على الطريق."

سافر عمر بصحبة جده إلى بيتهم بالمنيا، متمنياً أن يكون هذا البعد كافياً للنسيان. *** أسبوع مر ثقيل الوقت على كل من عمر ونسمة، فقد ظن عمر بوجوده مع جده في البيت الكبير بالمنيا أنه سوف ينسى أو على الأقل يتناسى ما حدث مع نسمة. لكن ذلك لم يزده إلا حزناً وتعاسة على فقدانه أغلى حب بحياته، لكن ما فعله كان أفضل له، وقد استطاع كسب نفسه من غدرها وكذبها. *** نسمة.

لم تخطُ خطوة واحدة خارج البيت منذ يوم خطوبتها، فقد آثرت عدم الذهاب إلى الجامعة، حتى توقفت عن الذهاب لعملها بمكتبة العم متولي. بعد ما حدث بينها وبين عمر وقرار خطبتها الخاطئ كلياً، فقدت حقيقة متعة الحياة. أصبحت تقضي الوقت بآلية شديدة، وما عليها سوى أن تأكل وتشرب وتساعد زوجة أخيها دون حتى مناقشتها بأي شيء مطلقاً، سواء هي أو أخيها حسن، فقد شعرت بأن طاقتها قد نفذت وانتهى كل شيء. *** الجامعة.

أخذت دنيا تعبث بالخاتم الذهبي الذي ترتديه بإصبعها بتملل وهي تتنهد بضيق، فقد كانت تظن أن تلك القصة الحالمه الرومانسية يجب أن تنتهي نهاية أفضل من ذلك، فنسمة كانت تحب عمر حقاً من صميم قلبها، حتى هو كان يظهر دوماً عشقاً واهتماماً بها، فماذا حدث؟ لم يتغير عمر إلى هذا الحد؟ قطعت شرودها بتساؤل. "هي نسمة حتفضل حابسة نفسها في البيت كده ومش حتيجي خالص ولا إيه؟

أجابتها سحر بعملية فائقة، فيجب على نسمة أن تفيق مما حدث ولا تضيع دراستها، فهي أهم شيء بالحياة. "والله ما عارفة. ده إحنا حتى عندنا امتحان أعمال السنة يوم الأحد الجاي وهي متعرفش." تفكرت أحلام لوهلة لتعقب على حديثهم. "طب نروح لها البيت نقولها ولا إيه؟ "المفروض نروح والله. نقولها على الامتحان ونطمن عليها برضه." "خلاص بعد ما نخلص المحاضرة نبقى نعدي عليها." *** وائل.

بعد غياب عمر، اقتصر وائل جلسته على بعض الأصدقاء ولم يحاول التحدث لأي من الفتيات، خاصة دنيا التي قد أثارت انتباهه بشدة بالفترة الأخيرة. أخرج هاتفه محاولاً الاتصال بـ عمر ليطمئن على أحواله بالمنيا بعد قضاءه هناك أسبوعاً كاملاً. "إيه يا عمر الغيبة دي؟ "عادي، هو فيه حاجة مهمة يعني؟ "عندنا امتحانات يوم الأحد الجاي، حتيجي ولا إيه؟ "الأحد؟ يعني كمان ثلاث أيام. حاجى والأمر لله." "أنا مش عاجبني حالك يا عمر."

"متقلقش عليا. عموماً أنا حاجى بكرة القاهرة وأجي على الامتحان يوم الأحد، مش ححضر السبت تمام." "تمام. لما توصل بكرة كلميني أجيلك نقضي اليوم سوا." "إن شاء الله. سلام." "مع السلامة." *** بعد انتهاء المحاضرة، اتخذت الفتيات طريقهن لبيت نسمة الذي أصبح معلوماً بالنسبة إليهم أخيراً. قابلتهم حنان ببرود شديد وقد ارتسمت على ملامحها علامات ضيق بالغ فور رؤيتهم. ابتسمت أحلام بخفة وهي تسأل حنان عن نسمة. "مساء الخير. نسمة موجودة؟

أجابتهم حنان بوجه ممتعض من وجودهم. "ممم... أي خدمة؟ "إحنا أصحابها في الكلية... وكنا عايزين نطمن عليها." "طيب." ثم نادت حنان لـ نسمة صارخة باستهزاء. "يا نسمة... كلمي... ضيوف!!!! تعجبت نسمة من ندائها، فمن هذا الذي يريد رؤيتها. نظرت من خلف حنان بوجه شاحب وابتسامة باهتة نحو صديقاتها. "تعالوا اتفضلوا."

تطلعت الفتيات ببعضهن البعض وسط نظرات حنان النارية نحوهم، ليدلفوا إلى الداخل مع شعور متعاظم بداخلهن أنهم غير مرحب بهم على الإطلاق. ضاقت دنيا حاجبيها بإشفاق على حال صديقتها الرقيقة. "مالك حبيبتي؟ "مفيش حاجة، ما أنا كويسة أهو." نهرتها سحر بقوة، فعليها أن تواجه الحياة بتحدٍ وقوة، فالضعيف بهذا الزمن يتلقى كل الصفعات وعليها التحلي بالقوة. "مينفعش اللي أنتي عاملاه ده. أنتي اخترتي، يبقى تنسي وتكملي." "بحاول."

أنهت أحلام حديثهم بعجالة، فعليهم الانصراف فوراً، فهي لا تشعر بالراحة بسبب زوجة أخيها تلك. "المهم عشان إحنا عايزين نمشي. فيه امتحان يوم الأحد مهم لازم تيجي وتحضري بقى." "مش عايزة أجي." "أنتي حتضيعي السنة ولا إيه؟ بصي لنفسك ومستقبلك بقى. اللي حصل ده مش آخر الدنيا يعني." "ححاول طيب." "ماشي. إحنا حنمشي دلوقتي مرات أخوكي شكلها عايزة تقتلنا. باي."

أنهين تلك الزيارة السريعة لعدم شعورهن بالراحة، لتتجه كل منهن إلى بيتها وينقضي يوم آخر. ويبقى للأحداث بقية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...