غرفه نسمه .... لم تصدق "نسمه" نفسها بعد موافقه "حسن" على إستكمال دراستها وعودتها لجامعتها مرة أخرى. إرتدت ملابسها وحملت حقيبتها، لكن قبل خروجها من الغرفه نظرت نحو صورة والديها تحدث والدتها وتشكى إليها كما لو كانت معها تحدثها حقاً. "أخيرًا يا ماما "حسن" رضى أكمل دراستى ... بعد طبعاً ما "حنان" كانت أقنعته أنى كفايه عليا كده !!! .... أنا مش مصدقه نفسى .... وحشتيني أوي يا ماما .. كان نفسي تبقى هنا وتدافعي عني ...
"حسن" بيظلمني جامد أوي ومش عارفه ليه ؟؟! .... بس المهم دلوقتي أروح الجامعة وسط أصحابي اللي وحشوني ... وأخلص دراستي وأخد شهادتي بقى .... وساعتها هشتغل وأخلص من تحكم "حسن" و"حنان" فيا ..... بس لحد ما ييجي الوقت ده مش لازم حد يحس بأني عندي المشاكل دي .... أنا دايماً قوية ... مينفعش أحس منهم بالكسرة أو الشفقة عليا ... بنتك قوية يا ماما .. وحفضل قوية زيك ....
خرجت من المنزل متجهه لجامعتها سيراً على الأقدام، فجامعتها قريبة إلى حد ما ولا داعي لاستقلال أي وسيلة للمواصلات للوصول إليها. كانت تتلهف لمقابلة أصدقائها، فجميعهم تعرفت عليهم خلال الثلاث سنوات الماضية لدراستها بالجامعة ما عدا صديقتها المقربة "أحلام" فهي صديقتها منذ المرحلة الثانوية.
كانت تتعمد دوماً ألا تخبرهم بمشاكلها مع أخيها وزوجته، فهي لا ترضى بشعور الشفقة بديلاً عن الصداقة والمحبة النابعة من القلب، كما أنها ليست كثيرة الشكوى وتفضل الكتمان عن الثرثرة الفارغة التي لن تفيدها بشيء. الجامعه ... بعد غياب لشهور طويلة لم تلتقي أحداهن، اقتربت منهن "نسمه" بإشتياق كبير.
رسمت على وجهها ابتسامتها العذبة لتقبل على صديقاتها بوجه بشوش كعادتها دوماً، ذلك القناع الجميل الذي يوارى خلفه كل ما يدور بحياتها بعيداً عنهن، قناع يخفي حزنها الدائم ووحدتها المقيته. قناع يخفي ما تتعرض له حتى عن "أحلام" أقربهن إليها، حيث تركت لهم الظاهر فقط بأنها فتاة رقيقة جميلة ضاحكة الوجه لا تبالي ولا تشعر بأي مشكلات أو هموم بحياتها. الكافيتريا .... هتفت "نسمه" بإشتياق. "وحشتوني أوي يا بنات ...
وقفن جميعاً يحتضنون "نسمه" واحدة تلو الأخرى. بسعادة حقيقية اقتربت منها "دنيا"، تلك الفتاة الرومانسية الحالمه التي تنظر إلى الدنيا من منظور وردي للغاية. فتاة وحيدة والديها مدللة للغاية، تحمل وجه طفولي بريء وملامح مشرقة سعيدة بابتسامة عذبة. تعشق الاهتمام وتدقيق التفاصيل، لهذا لديها حب وشغف غير معقول بصحتها والعناية ببشرتها وتألقها، دوماً تهتم بعناية بشرتها وشراء العديد من مستحضرات التجميل.
عقبت "دنيا" على تأخير "نسمه" مردفة بضحكة صافية. "نسمه" ... !!! إيه التأخير ده كله ..؟!! .. إحنا افتكرنا إنك مش جايه .... ؟!! أجابتها نسمه بدبلوماسية محاولة منها لإخفاء السبب الحقيقي بداخلها. "وأنا أقدر برضه ... بس هو أول يوم دراسة بيبقى فيه لخبطة عندنا في البيت ... أنتوا عارفين بقى الأولاد الصغيرين ولاد أخويا ودوشتهم الصبح ... فتحت "أحلام" ذراعيها واعتلت ثغرها ابتسامة واسعة برؤيتها لصديقتها الحميمة.
"المهم إنك جيتى .... "أحلام" ... فتاة نحيلة نوعا ما ذات بشرة حنطية وعيون سوداء واسعة، قوية الشخصية وتعتبر نفسها قائدة تلك الصحبه مسيطرة دوماً عليهن جميعاً، دوماً قراراتها صائبة وتنبههم على الدوام للصواب بحياتهن حتى لا يقعن بأي خطأ. تعمل كمصححة لتصرفاتهن بكل خطوة يخطونها. "استكملت "أحلام" حديثها الموجه لـ"نسمه" التى حضرت للتو. "كنا لسه بنتفق كلنا على حاجة .. بس قوليلى الأول .. أنتى وراكى حاجة النهارده ... ؟؟؟
باستغراب بالغ تساءلت "نسمه". "حاجة ..حاجة إيه .... لا معنديش حاجة ... بتسألي ليه ... ؟؟؟ حركت "أحلام" كتفيها برفعهما ثم أهدلتهما مرة أخرى قائلة. "أبداً قلنا بما إننا طول الإجازة مشفناش بعض ... ممكن نخرج سوا النهارده ونقضي بقية اليوم مع بعض .. أصل أنتوا وحشتوني أوي .. وعايزين نرغي كتير مع بعض ... على الفور كانت إجابة "سحر" تسبقهن جميعاً. "يا ريت ... "سحر" ...
رفيقتهن الرابعة، فتاة مميزة للغاية سمراء جذابة، تتحلى بقوة وشجاعة استطاع والدها زرعها بها وبأختها الصغرى "سمر". طالما كانت "سحر" واضحة محددة لأهدافها وتحقيق ذاتها، غير عابئة بكل المغريات لفتاة بسيطة بعمرها، فصبت كل اهتمامها بدراستها والتفوق بها أولاً ولا شيء آخر سيحيدها عن طريقها. لها طريقتها المميزة والساخرة من الأمور كافة ولا تقبل التهاون ولا فرض الرأي مطلقاً.
زاغت عينا "نسمه" بارتباك شديد، فهي لن تستطيع قضاء الوقت معهم فعليها العودة مباشرة بعد الجامعة لتردف برفض مغلف بابتسامة. "معلش أعذروني أنا .. مقدرش أتأخر .. أنتوا عارفين أخويا بيرفض خالص إني أتأخر بره البيت بعد معاد الجامعة ... كتفت "أحلام" ذراعيها مردفة بضيق. "طب والحل ؟!! .. بجد عايزين نقعد سوا ونعرف أخبار بعض ... طيب أقولك حاجة !! ... إحنا ممكن نيجي نقضي اليوم عندك في البيت طالما أخوكي مش عايزك تخرجي بره البيت ....
إيه رأيك ... هوى قلبها بتخوف، فأخيها وزوجته لن يرحبا أبداً بهن وسيظهروا وجههم القبيح لهن وستخجل للغاية إذا حدث ذلك، فهم لا يطيقونها فكيف سيرحبون بضيوفها لتجيب بتلعثم. "اا.... طبعاً ..اا .. تشرفوني ... بس للأسف .... أنا هنزل مع مرات أخويا النهارده رايحين للدكتور ... تعجبت "أحلام" من حديث "نسمه" لتردف بعدم فهم. "أنتي مش كنتي بتقولي إنك مفيش وراكي حاجة النهارده ... ؟!!!!!!
"أصلي نسيت موضوع الدكتور ده خالص .. معلش بقى نعوضها مرة تانية إن شاء الله ... "على راحتك ... حزنت "نسمه" كثيراً لكذبها على صديقاتها، لكنها لم تجد مبرر مقنع لرفضها لزيارتهم لها، فما ستقول لهم؟!! أن أخيها وزوجته بالكاد يستقبلانها بالبيت، فكيف عندما يأتين لزيارتها .. ؟!! لن يقبل "حسن" وزوجته هذا إطلاقاً. فى مكان آخر من الجامعه ..... وقف "وائل" أمام بناية من أربعة طوابق بالجامعة يرتدي كنزة زرقاء تعكس ملامحه الهادئة.
شاب قمحى طويل القامة ذو وجه محدب بسيط للغاية، ذو شخصية ضعيفة غير قادر على اتخاذ القرار بمفرده، لا يحبذ الظهور مطلقاً لكنه بالنهاية طيب القلب هادئ الطباع. وقف مهللاً بسعادة طاغية مرحباً بقدوم صديقه الذي افتقده لسنوات طويلة. "عمر باشاااااا ... نورت الدنيا يا أخي ... واحشني يا جدع ...
أقبل "عمر" تجاه "وائل" وقد اتسعت ابتسامته لترحيب "وائل" الحار به حتى ظهرت غمازتيه القويتين اللاتي أكسبته طلة مميزة للغاية لتألق بشرته القمحية بوسامة جعلته يشعر بالفخر وربما بالغرور لما يدركه تماماً من جاذبيته التي لا تقاوم. أردف "عمر" بسعادة لرؤية "وائل" بعد هذا الغياب الطويل. "أنت اللي واحشني جدااا ... ياااه ..حاسس إني بقالي كتير أوي بعيد ...
زفر "وائل" لطول الفترة التي غابها "عمر" عنه، فله سنوات يدرس بعيداً بجامعة المنيا. "المهم إنك حولت .... وأخيراً هنبقى سوا من تاني ... "اه والله .. طمني عنك وعن أخبارك .... ؟!! "لا .. مش قبل ما أعرف كل أخبارك الأول .... رفع "عمر" ذراعيه يمدهما جانبه بثقة. "زي ما أنت شايف أهو ... زي ما أنا ... عقب "وائل" بإطراء شديد يقصده حقاً لشدة حبه لصديقه المميز. "باشا طول عمرك ...
التف "عمر" يتطلع إلى أرجاء الجامعة من حوله بإعجاب شديد. "بس جميلة الكلية هنا ... مختلفة شوية عن جامعة المنيا ... "أكيد .. إلا قولي أنت ساكن فين ... ؟؟؟ "أخدت شقة إيجار فترة الدراسة .. أنا ماليش في سكن الطلبة ده ... ضرب "وائل" كفه بذراع "عمر" مؤكداً حديثه، فـ "عمر" ليس من هؤلاء الطلبة راغبي السكن بالمدن الجامعية، فهو ثري للغاية ولا يرضى بغير مستوى سكنى مميز يليق به. "إنت هتقولي !!!! ...
بعدين هي سنة وتعدي وناخد الشهادة وخلاص ... "فعلاً .. لولا تعب جدي انت عارف مكنتش جيت القاهرة خالص ... "المهم إن انت جيت وأخيراً بقينا مع بعض من تاني ..... نظر "وائل" في ساعته مستطرداً بجدية تامة. "المحاضرة هتبدأ .. يلا أحسن نتأخر ... "ماشي .. يلا بينا ... توجه جميع طلاب الفرقة الرابعة نحو مدرج "د". استمعوا جميعاً للمحاضرة بحماس كما هو الحال بأول يوم دراسي. بعد إنتهاء المحاضرة ....
خرج جميع الطلاب من المدرج منقسمين إلى مجموعات كعادتهم. توجه أحد الشباب نحو مجموعة الفتيات محاولاً بدء حديث معهن خاصة "نسمه" التي أراد التودد إليها بصفة خاصة. "حمد الله على السلامه ... عاش من شافكم ... زمت "سحر" شفتيها باستياء وهي تتفوه بنبرة متمللة لم تخجل من إحراج هذا المتطفل مرة أخرى. "أنت تاني !!!! ... ما قولنا لك قبل كده حل عنا ... ولا هي سيرة كل سنة ..؟؟!!!! نحى وجهه عن "سحر" ناظراً نحو "نسمه".
"أنا موجهتلكيش كلام ... أنا بكلم الآنسة .." بضيق شديد ردت "نسمه" عليه، كاد صوتها أن يحتد بشكل كبير مردفة. "لو سمحت قلت لحضرتك قبل كده تبعد عننا وشوف لك حد تاني أحسن ... "ليه بس كدا !!!! .. ده أنااا ...... لم تنتظر "نسمه" توضيح مقصده لتهتف بضيق وهي تنظر تجاه صديقاتها. "معلش يا بنات .. أنا ماشية سلام .... اتجهت "نسمه" إلى خارج الجامعة على الفور لتهتف "دنيا" ببقيتهم. "يلا بينا يا بنات إحنا كمان ... اتأخرنا ...
سارت الفتيات برفقة بعضهن البعض إلى خارج الجامعة يقضين بقية اليوم سوياً. عمر و وائل .... لم تكن تلك المشادة بعيداً عنهما ليتابعا رد فعل "نسمه" المبالغ فيه تجاه زميلهم ليتابع "عمر" تعقيبه باستياء من رد فعلها قائلاً. "مالها دي ... ؟؟؟ هو عمل إيه يعني ... بيتكلم معاها عادي !!! .. مأجرمش يعني ... !!!! بتقزز بالغ أجاب "وائل" على صديقه "عمر" ليجذب بحديثه انتباهه بشدة. "دي !!! ... مش عارف أقولك إيه ؟؟؟ . ...
أنا السنة اللي فاتت كنت حموت و أكلمها ... كنت متعلق بيها جداً .. بس .... !!! بفضول شديد استكمل "عمر" حديثه. "بس إيه ... أنت حاولت تكلمها بجد ... "حاولت مرة .. أينعم المرة دي صدتني برضه ... زي الأخ "زياد" كده .... بس بعد كده عرفت حاجات خلتني أبعد وما أحاولش أكلمها تاني ... "حاجات إيه ... ؟؟!!! "عرفت إنها بتعمل منظر بس كده على الناس هنا ووسط أصحابها ... إنما هي تعرف شباب كتير جداً ....
منهم "أحمد" و "هيثم" و "ماجد" !!!! ... إللي يصدمك بقى .. إنها تعرف أكتر من واحد في نفس الوقت ... !!! اتسعت عينا "عمر" بصدمة وهي يتعجب بنفور من شخصية تلك الفتاة السيئة. "يااااااااه !!! ده إيه دي ؟!! ... هو فيه كده .. ؟!! يعني مش واحد وبعدها غيره ... ده إيه الجبروت ده ... !!! "زي ما بقولك كده ... عشان كده بعدت عنها ... أنا ماليش في الكلام ده ... هي كانت عجباني اه ... وكنت ناوي أكلم أهلي ونتقدم لها ...
بس بعد إللي عرفته ... أكيد لأ طبعاً متنفعنيش .... قوس "عمر" شفتيه باستياء مردفاً. "لا تنفعك .. ولا تنفع غيرك ... بس تعرف ... واحدة زي دي لازم تتعلم الأدب ..... مع إن شكلها ما يدلش على كده ... !!!!! "فعلاً معاك حق ... شكلها بريء كده .. عشان كده بيتخموا فيها .... "مش بقولك عايزة تتعلم الأدب من أول و جديد .... تمعن "وائل" بصديقه باستغراب قبل أن يستفهم منه عن مقصده. "قصدك إيه ... ؟!! هتعمل إيه يعني ... "مش عارف ...
بس هلاق فكرة أكيد ... بالطريق .... تأبطت "أحلام" ذراع "دنيا" وهي تميل على أذنها قائلة. "أنا مش فاهمه هو فيه إيه ؟!! ... هو كل يوم واحد ناطط لنا كده عايز يتكلم مع "نسمه" ... ؟!!! "المشكلة أنهم مش فاهمين أنها مالهاش فيها خالص ... أردفت "سحر" تؤكد حديث "دنيا". "اه والله .... البت دي مش لايقة على الجامعة .... تحسيها لسه طفلة بريئة كده ... نفت "أحلام" حديث "سحر" موضحة لهن. "طفلة إيه بس !!! .. مش للدرجة دي ...
هي بس مترفهة ومدلعة ومش عايزة تتكلم مع حد .. تلاقيها مستقلياهم ماهم صحيح مش من مستواها ... !!! نهرت "دنيا" صديقتها قائلة برومانسيتها الحالمه. "لا يا "أحلام" ... عمرنا ما حسينا منها كده ... رفعت "أحلام" كتفيها وأهدلتهما بدون فهم. "يمكن !!! ... المهم قررتوا تروحوا فين ... ؟؟؟ ولا أقولكم تعالوا عندي أحسن ...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!