في إحدى القاعات الفخمة كان يجلس كل زوج بجانب زوجته، ونصف القاعة رجال والنصف الآخر سيدات. كانت الحوريات الخمس يجلسن بجانب أزواجهن، وكل منهن بداخلها فرحة لا توصف. *** "هتفضل بصصلي كده كتير؟ أنا بتكسف... " قالتها حور بخجل عندما لاحظت أن أدهم لم يرفع عينيه عنها. رغم أنها لم يظهر منها شيء، إلا أنه يتطلع لها بحب وحنان. ابتسم أدهم على حديثها وقال بجانب أذنها:
"مهو بصراحة أنتِ جميلة جداً وتخطفى القلب وأنتِ لبسة الأبيض والنقاب زايدك جمال وعفة، سبحان الله." سرت قشعريرة بكامل جسدها بسبب اقترابه منها ومن حديثه الذي جعل قلبها ينبض بسرعة شديدة. وكان صدرها بأكمله ينبض من السعادة، وكست الحمرة وجنتيها، ولكنها حمدت الله بداخلها أنها ترتدي ستر العفة الذي أخفى تورّد وجنتيها كي لا يراهما أحد، حتى ذلك العاشق.
اعتدل أدهم في جلسته مرة أخرى وظل ممسكاً بيد حور، أو حوريته كما أطلق عليها هو. وكانت السعادة حليفته، ويحمد الله بداخله أنه رزقه زوجة مثل حور، وأنها السبب في هدايته ورجوعه إلى الله. *** على جانب آخر. كان يلح بشدة عليه كي يدخل إلى حفل الزفاف، ولكن هذا الأحمق لا يعلم كيف سيدخل بعد أن أذاهم كل هذا الأذى. وهو يشعر بالخجل، كيف سيرفع عينه بهم مرة أخرى. "يابني يلا، أنا سايب عروستي في الكوشة وجاي بتحايل عليك تدخل."
أردفت مالك بتلك الكلمات وهو يشعر بالغيظ الشديد من ذلك الرجل. "بجد مش هقدر يامالك، أنا ماليش عين أدخل وأبارك لهم بعد اللي عملته. أنا معرفش إزاي سمعت كلام أدهم وجيت، بس فعلاً مش قادر أدخل، مكسوف من نفسي أوي." قال عادل بحزن. ربت مالك على إحدى كتفيه قائلاً: "أنا فاهمك ياصاحبي، بس خلاص انسى. وكلنا عرفنا أنت عملت كدا ليه. وبعدين كلنا بنغلط، بس المهم نتعلم من غلطنا ونعتذر ونحاول نصلح على قد ما نقدر من الضرر اللي سببناه."
صمت لبرهة قبل أن يقول: "ها هتدخل معايا بردو ولا أبعتلك الفهد؟ ابتسم عادل وقرر أن يدخل مع مالك كي يبارك لهم على الزواج. *** قبل دقائق كان يجلس بجوارها وعينيه تبحث عن أخاه. فانتبه على صوت يعرفه جيداً، بل ويعشقه أيضاً. "مالك يا أسر بتدور على إيه؟ " قالت مريم باستغراب وبنبرة تساؤل. "معرفش مالك راح فين، طلب مني إني أنده لماما سمية تقعد جنب ريم عقبال أما يجي، ومعرفش بيعمل إيه كل ده." قال أسر وهو ينظر إليها.
أجابته بنبرة مطمئنة: "ممكن يكون بيعمل حاجة مهمة، متقلقش، خير بإذن الله." تمتم بخفوت: "يارب يستر." *** كانت تجلس على المقعد في ضيق شديد. كيف يتركها هكذا دون أن يخبرها أين سيذهب. "إن شاء الله مش هيتأخر، أكيد في حاجة مهمة خلته يخرج كده." أردفت سمية بتلك الكلمات عندما رأت علامات الحزن ظاهرة في عيني ريم، التي أجابتها بهز رأسها قليلاً بنعم وهي تتنهد بشدة.
فقامت سمية ووضعت يدها على يد ريم اليمنى وضغطت عليها قليلاً كي تطمئنها. فابتسمت لها ريم من تحت نقابها، ولكن مازال فؤادها قلقاً على زوجها وقرة عينها. عرفت الفرحة طريقها إلى وجه ريم واطمأن قلبها عندما وجدت مالك يدخل إلى القاعة، ولكنها لم ترَ من يرافقه. وقفت سمية وأفسحت الطريق لمالك كي يجلس في مكانه بجانب زوجته. "كده يامالك تسيب ريم وتقوم؟ دي كانت قلقانة عليك أوي."
أردفت سمية بتلك الكلمات بنبرة اللوم على ما فعله. فاليوم حفل زفافه، كيف يترك عروسته في يوم كهذا؟ حتى ولو دقيقة، فعليه أن يستمتع بكل ما يحدث في حفل زفافه لأنه يوم لن يتكرر ولن ينسى ذكراه أبداً. "والله يا أمي أنا كنت بحاول أقنع عادل أنه يدخل هنا عشان هو مكسوف من نفسه ومكنش ليا وش أدخل بعد اللي عمله، رغم إننا سمحناه." قال مالك بأسف. "طب صالح مراتك بقى عشان كانت قلقانة عليك وزعلت."
ألقت كلماتها وهي ترحل لتجلس في مكانها المخصص لها مع السيدات. عندما رحلت سمية، أمسك مالك بيد محبوبته وأردف بحنان وأسف: "أنا آسف." "أنا خوفت عليك، يكون بعد الشر حصلك حاجة. المفروض كنت تقولي طيب رايح فين عشان أكون مطمنة." قالت ريم وهي تنظر إلى الأرض.
جذب مالك يديها وقبلهما وهو ينظر لعينيها. قام الشباب يصفقون والبعض منهم يقوم بالتصفير. فتفاجأ مالك من فعل أصدقائه، بينما ريم خجلت بشدة ولم تعرف ماذا تفعل، فوضعت يديها على عينيها. *** اتجه عادل نحو أدهم كي يبارك له. ظل واقفاً أمامه لم يستطع أن يتفوه بكلمة، وكان يفرك يده بسبب خجله من ذاته على ما فعله. ولكنه تفاجأ عندما وجد أدهم يحتضنه بشدة، ولكن سرعان ما اشتد على احتضانه وأردف بندم: "آسف، سامحني."
ابتعد أدهم عنه وارتسمت ابتسامة على شفتيه تدل على مسامحته الكاملة له: "على فكرة أنا مسامحك ياعادل، وربنا يعلم إن نيتي صافية من ناحيتك." بادله عادل الابتسامة وأردف بسعادة حقيقية شعر بها أدهم: "مبارك عليك الجواز، ربنا يرزقك الذرية الصالحة يارب ويبعد عنكم كل شر والمشاكل." "اللهم آمين يارب، وتعقل أنت كمان وتتجوز." قال أدهم بابتسامة. "لما أمي تتكلم وعد أتجوز. المهم أطمن عليها واختي ترجع من برا."
ربت أدهم على كتفه كأنه يرسل له رسالة اطمئنان بأن كل شيء سيكون على ما يرام. "إن شاء الله... أكمل بمشاكسة: "مش هتروح تبارك لبقية الشباب ولا عايزينى آخدك من إيدك وأوديك زي العيال الصغيرة؟ ابتسم عادل على حديث أدهم وتركه وذهب للشباب كي يبارك لهم. بارك لهم وجاء لكي يبارك إلى محمود.
"أنا آسف يا مدام ياسمين على اللي أنا عملته، بس الغضب والانتقام عموني. أتمنى تسامحيني وتكوني صافية من ناحيتي." أردف بتلك الكلمات وعينيه تنظر للأسفل، وكان خائفاً بشدة من عدم مسامحتها له. ولكن تنهد براحة عندما سمعها تقول: "أنا مسامحاك، لأن اللي حضرتك مريت بيه مكنش سهل أبداً بالمرة إن حد يعيشه. ربنا بيسامح، أنا مش هسامح، وربنا يشفي والد حضرتك." ابتسم عادل على مسامحتها له، بارك لمحمود مرة أخرى وذهب كي يرى والدته. ***
كان يقف كل زوج برفقة زوجته على المسرح يرقصون آخر رقصة لهم قبل انتهاء حفل زفافهم على أنشودة "اللي جمعنا". "اللي جمعنا حب له معنى منه مش ممكن حد يمنعنا اللي باقي بينا حلم هيعينا أوله الدنيا آخره الجنة واهي كلها أيام وتضمنا الأيام يجمعنا بعد الحب بيت مبني على الإسلام يلا استعدي خلاص وزودي الإخلاص أيام يا أغلى الناس وتتحقق الأحلام اللي جمعنا حبه له معنى أجمل لحظة عشتها في الدنيا دي كلها إني اخترتك منها وأنك وافقت عليّ
وبقيتي ليا أنا، ياهادية ياحنينة" ظلت كلمات الأنشودة تتردد وعين كل عاشق تحكي ما بداخل الفؤاد. وبعد أن انتهوا من الرقصة، قام كل عاشق بحمل زوجته وقرة عينه ودار بها. صفق لهم الجميع بشدة، ومنهم من يشعر بالسعادة لأجلهم، ومنهم من يحسد كل زوج على زوجته، ولكن ليس حقداً أو غلاً، ولكنهم أيضاً يرجون الله أن يجعلهم سعداء دائماً. ومنهم من ينظر لهم بحقد وكره ويخطط لتدمير حياتهم فيما بعد. وصعد كلاهما إلى الغرف التي حجزوها في الفندق.
*** دخل المشفى وهو يدعو الله كثيراً أن تستجيب والدته وتتحدث ولو بحرف واحد فقط. فهو أصبح أكثر التزاماً ويقيم الليل كل ليلة ندماً على ما ارتكبه من معاصي وذنوب، وأيضاً طالباً من الله أن يشفي والدته. وقف أمام الغرفة وهو متردد كثيراً في الدخول، ولكن بعد دقائق بسيطة دخل الغرفة. أحضر مقعداً ووضعه جوار فراش والدته. "عامله إيه يا أمي؟ " قال عادل بحب وحنان. ظلت تنظر للفراغ ولم ترمش حتى. فأكمل بوجع وهو يقبل يديها:
"أمي ارجعلي أنا تعبت والله، ارجعلي." فشرع في البكاء. ظل يتمتم بكلماته يحثها على التحدث وأن تعود مرة أخرى، ولكنها لم تستجب. بعد وقت، رفع وجهه من على كف يدها واردف وهو يمسح دموعاته: "تعرفي أمجد الشريف اتعدم من يومين." عندما سقطت على مسامعها ذلك الخبر، نظر لها ودموعها تنهمر على وجنتيها. قامت برفع يديها قائلة بصعوبة: "اللهم لك الحمد."
أكملت ببكاء مرير: "حقي وحق جوزي وولادي رجع، مهما حصل مش مسامحاه وأنا خصيمته يوم القيامة قدام ربنا." أخذها عادل بداخل أحضانه وظل يبكي. لقد استجاب الله لدعواته ووالدته الآن تتحدث. يا الله كم أنت كريم حقاً، بعد إلحاح منا لك تستجيب ولا تخيب ظننا بك أبداً. ابتعد عادل عن والدته وأخذ يقبل يديها ورأسها وقام باحتضانها مرة أخرى وأردف من بين بكائه: "تعرفي ياماما أنا قولت لو اتكلمتي أنا هعمل عقيقة وأتجوز." "بجد...
قالتها والابتسامة تملأ وجهها البشوش. هز "عادل" رأسه بتأكيد. قطع حديثهم دخول أحدهم إلى الغرفة. التفت عادل، وجد فتاة ترتدي زي الأطباء (البالطة) وعلى وجهها ابتسامة طفيفة. الفتاة: مساء الخير يا حضرة الرائد. عادل بهيام: مساء النور. الفتاة وتدعى إنجي: أنا جايه أكشف على الأستاذة راندا. _: اتفضلي طبعاً. قالها بارتباك، ثم ولج للخروج من الغرفة كي تفحص الطبيبة والدته. وبعد قليل خرجت إنجي، قالت: _: أستاذ عادل، مامه حضرتك...
_: مالها؟ قالها بخضة وقلق. أجابته بنبرة مطمئنة إياه: اطمن حضرتك، بس أنا لقيتها بتقول إنها عايزة حضرتك وعايزاني أنا كمان. دلف "عادل" وخلفه "إنجي". قال بلهفة: خير يا ماما، فيكي حاجة؟ ابتسمت "رندا" وطلبت من إنجي أن تتقدم. فانصاعت لها الأخرى على الفور وقالت بحنان: _: اتجوزي إنجي يا عادل، انتوا الاتنين لبعض. نظر كل منهما للآخر بصدمة من طلبها، ولكن فضلا الصمت. خرجت إنجي بعد وقت من الغرفة، ولكن أوقفها صوته: _: آنسة إنجي...
وقفت "إنجي" مكانها، فاتجه نحوها وكان هناك مسافة بينهم. قال بقلق أخفاه ببراعة: _: انتِ موافقة؟ صمتت لبرهة وأجابت ونظرها مثبت على الأرض: حضرتك، أنا موافقة إنك تيجي تتقدم، بس الموافقة الأخيرة هتكون بعد صلاة الاستخارة. ورحلت كي تباشر عملها. وانتهى اليوم.
مرت عدة أيام وذهب "عادل" بصحبة والدته وأخته "منار" التي عادت من سفرها. بعد عملها بأن والدتها أصبحت على ما يرام، تقدم عادل لإنجي. وبعد أيام قليلة حصل على ردها بالموافقة. وتمت مراسم الخطبة، وكان كل منهما يحافظ على شروط الخطوبة، لأن الخطوبة ما هي إلا وعد بالزواج. ومر ثمانية أشهر وتزوج "عادل" أيضاً. وطلب من "إنجي" قبل يوم زفافهم أن ترتدي النقاب. فرحبت بذلك، وهو من قام بشراء كل شيء يخص النقاب.
أنا الحوريات الخمس، كانت كل واحدة تنتظر معاد ولادتها كي ترى ابنها أو ابنتها التي تشتاق له كثيراً. وفي يوم ما استيقظ أدهم على صوت أنين بجانبه. فقام يفزع ووجد "حور" تبكي بصمت. فاقترب منها وقال بفزع: _: مالك يا حور؟ "حور" ببكاء ووجع: مش عارفة يا أدهم، حاسة بوجع في ضهري، أنا شكلي بولد.
لم ينتظر "أدهم" كثيراً، وقام بحمل "حور" وذهب إلى المشفى. وقام الممرضات باستقباله وجهزن "حور" استعداداً لولادتها. فقام "أدهم" بالاتصال على أهلها وعلم الجميع، فأسارعوا للذهاب إلى المشفى. وطمئنوا أنها ستكون بخير هي وجنينها بأمر الرحمن. صرخت ريم بقوة بسبب ضربة قوية تلقتها من صغيرتها التي تحملها بين أحشائها. فاتجه الجميع نحوها: _: ااااااااه، مااااالك، مش قادرة، بولد، ااااااه، الحقوني.
حاول "مالك" أن يطمئنها، ولكنها كانت خائفة بشدة وطلبت أن يدخل معها. وبعد وقت ليس بالطويل، كانت مريم وياسمين وجنة يضربن أزواجهن. منهم من تقوم بعضهم، وأخرى تضربه على كتفه، وأخرى تمسك بشعره. ويصرخون بسبب ألم الولادة. فدخلوا هم أيضاً إلى الداخل كي تتم ولادتهم. مر الوقت وكان كل أب يحمل مولوده. فأدهم رزقه الله بولد سماه حمزة. أما مالك فرزقه الله بفتاة تشبه والدتها كثيراً، سماها آلاء.
أما أسر فرزقه الله بتوأم بنت وولد. البنت سماها خديجة والولد سماه حذيفة. محمود رزقه الله بتوأم فتاتان أسماهم فاطمة وعائشة. ومازن رزقه الله بتوأم ولدان أسماهم محمد وعلي. تكن الحياة متعبة وشاقة، ولكن ليس باستمرار. فهناك أيضاً راحة، حتى وإن كانت قليلة. مهما ابتليت، سيعوضك الله. واعلم أن صبرك له مفتاح فرج. وما ضاقت إلا فرجت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!