الفصل 21 | من 41 فصل

رواية عشقت طالبتي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم منار حسين

المشاهدات
22
كلمة
0
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 51%
حجم الخط: 18

ذهول عقلي لما سمعه. مستحيل أن يتخيله عقله. والأصعب كيف ثريا مرت بكل هذا؟ تذكر تبلدها معه منذ بداية زواجهم. كان يظن أن هذا دلال. بل كان جفاف مشاعر بداخلها وكأنها انُسحقت. عاود ينظر إلى سعديه وسؤال برأسه قبل أن يسأله. أجابته سعديه: "مكنش ينفع نبلغ الشرطة. الدكتورة نفسها خافت من سطوة عيلة العوامري." تفهم ذلك، لكن سؤال آخر سأله: "وليه ثريا وافقت ترجع تاني مع غيث وتعيش معاه؟ توقف للحظات قبل أن يستطرد سؤاله

بترقب بقلب يشعر بالغيرة: "ثريا كانت بتحب غيث؟ ضحكة مؤلمة في وجه سعديه تغص في قلبها:

"ثريا بعد ما فاقت، كانت عاوزة ترجع لدار أمها. وأنا وممدوح كنا مرحبين بكده. بس نجيه خافت عليها من حديث الناس الفارغ. ومحاولتش تضغط عليها. بس فجأة لقيناها هي اللي غيرت قرارها وقبلت ترجع تاني معاه ل داره. وقعدت حوالي تلات أسابيع مكنش حد بيزورها. حتى كان حديثها مع نجيه قليل. وأنا كنت زعلانة منها ومكنتش بكلمها. لحد يوم ما عرفنا إن غيث اتقتل. روحت أنا ونجيه نقدم واجب العزا. بس طردونا. ومحدش رضى يدخلنا. وتاني يوم طردوا ثريا كمان من الدار. وفضلت راقدة في السرير حوالي شهر ونص. كانت طول الوقت شبه نايمة. أو يمكن كانت بتدعي النوم."

استغرب سراج، يغص قلبه وهو يسأل بترقب: "كانت بتحبه للدرجة دي؟ تهكمت سعديه بسخرية واستهزاء قائلة:

"ثريا قلبها معرفش الحب. ثريا كانت زي اللي بتداري. مش عاوزة تقابل حد ولا حد يشوفها. زي اللي كانت بتتوارى من وصمة عار. كنت بحس أنها بتعاقب نفسها على غلط وخايفة حد يعرفه. لحد ما وصل لينا المحامي بتاع أبو غيث. إن لازم ثريا تعمل إعلام وراثة. عشان يقدروا طبعًا يتصرفوا في الأملاك اللي كانت باسم غيث. وثريا كانت من ضمن الورثة. ولازم غصب عنهم يعترفوا بده. وقتها ثريا اتبدلت تاني وحسيت إنها عاوزة تستقوي. وفعلاً استقوت. وغصب عن

عينهم خدت حتة الأرض اللي متساويش واحد على مية من ميراثها في غيث. وتنازلت عن بقية ميراثها. معرفش سبب ليه تنازلت. واسمعنا حتة الأرض دي بالذات. وهما وافقوا غصب. لأن لو ثريا اتمسكت ووقفت قصادهم كانت هتنول أكتر منها. بس هما وافقوا. فكروا أنها مسألة وقت وهترجع لهم تاني. بس ثريا رفضت. حتى إنت كمان رفضت تبيع لنا الأرض."

كل ما يسمعه يثير في عقله تساؤلات أكثر وترقب لإجابة واحدة يود معرفتها: "هل ثريا كانت مغرمة بغيث؟ " والإجابة بالتأكيد ستكون غير مقنعة ولا مؤكدة. تنهدت سعديه بأسف، ربما هذا جزء من جواب على سؤال عقل سراج: "ثريا طول عمرها بتدور ع السند اللي تتسند عليه وتحس بأمان. ولغاية دلوقتي السند ده مش حاسة موجود. حتى معاك يا سراج. ثريا زمان قبل موت أبوها كانت بتخاف تعدي من قدام شارع الترب (المقابر)

. بس لما مات أبوها الخوف ده راح وبقت تروح كتير. ولما نتوه كنا ندور عليها ونلاقيها قاعدة جنب قبر أبوها. ولما كنا نمنعها كانت تقول إنها بتحس بالأمان لما بتسند ضهرها على جدار القبر. إن إيد أبوها بطبطب عليها. ولما كبرت بقت تقول أنها بتحس أن ده المكان الوحيد اللي مفيش فيه لا لمكانه ولا لفلوس. هنا الأماكن كلها شبه بعض. بعيد عن الصخب. الصمت له حالة خاصة."

انفزع قلب سراج لوهلة. ثريا تعتقد أن الموت هو الراحة. لكن لن يسمح بذلك تلك المحتالة. ما زال هناك من ينتظر عودتها. ليس لهدف سوى أن وجودها ذات أهمية كبيرة وخاصة. بدأ في سؤال خلف آخر يسأله لـ سعديه وهي تجيب حسب معرفتها. لكن ذُهل حين شعر بحياء وهو يسأل سعديه عن ذاك الأثر الذي في فخذ ثريا: "وإيه السبب في علامة الحرق اللي في فخد ثريا؟ ضيقت سعديه عينيها بعدم فهم قائلة: "حرق إيه ده؟ استغرب سراج عدم معرفتها، وفسر ذلك:

"ثريا عندها علامة كبيرة بفخدها الشمال ومتهيأ لي إنها أثر لحرق واضح كده." استغربت ذلك وبتلقائية قالت: "بعد موت غيث كانت بتعرج. ولما سألتها قالت إنها وقعت على رجلها. ويمكن مجزوعة. يمكن ده السبب. بس لا إيه اللي هيحرقـ... نظرت سعديه وسراج لبعضهما. فمن يفعل وينتهك عرض سهل عليه الحرق. خفق قلب سراج. هناك أسرار مازالت إجابتها لدى ثريا. انتهى ظلام الليل وأعلنت الجوناء عن يوم جديد.

بمنزل قابيل. لم يهتم بمرض زوجته هكذا، مثلما يشعر الآن بانشقاق في قلبه منذ أن علم بإصابة ثريا. وهو مثل الممسوس عقله. يقف بحقد في شقته يهذي: "أكيد سراج هناك. لازم أشوف طريقة أعرف بها حالة ثريا إيه بالظبط. لو وصلت أخطفها من المستشفى. مستحيل؟ لم يستوعب عقله. فقط يهذي كأنه له الحق بذلك. فكر وفكر. يزداد غلول قلبه وشيطان عقله. يهذي باسمها "ثريا، ثريا". يتنفس كأنه يدخل إلى صدره دخانًا يزفره لهبًا. كيف أصيبت؟

لابد أن يبيد تلك العائلة. تتلاعب به الظنون وهو يحاول أن يصل إلى أحد ويسأله عن حالتها دون الشك في سبب سؤاله. لا يود أن يعلم أحد بمكانة ثريا في قلبه. لكن لا. لن يهتم. توجه نحو باب شقته. لكن توقف يلوم نفسه: "بلاش تتسرع وتكشف نفسك يا قابيل. سراج مش زي غيث. غيث كنت بتعرف تسيطر عليه بحتة بت من بنات الليل تركع تحت رجليه. تنفذ رغباته ويتوه معاها. سراج مالوش في كده." جلس بإنهاك فكري وقلبي على مقعد بالردهة. يلوم نفسه:

"فضلت مستني فرصة عشان تقرب من ثريا. وفي لحظة خطفها سراج. زي ما عمل غيث قبله. دلوقتي لازم أفكر في طريقة أتخلص بيها من سراج. مش لازم أنتظر كتير." تلاعب شيطانه به وهو يفكر حتى رسم له بداية الخطة التي بنهايتها سينهي سراج.

بدار عمران العوامرة. رغم أنه للتو قد عاد إلى الدار، صعد مباشرةً إلى شقته. دلف إلى غرفة النوم يشعر ليس بإرهاق بدني بل أيضًا بألم في ساقه يشتد. تفاجئ حين وجد حنان مستيقظة. ونهضت من فوق الفراش حين جلس على ذاك المقعد. اقتربت منه بقلق سائلة: "آدم. ثريا. أخبارها إيه؟ أجابها وهو يخلع نعليه:

"لسه في مرحلة الخطر. ربنا يُلطف. أنا جاي أغير هدومي وأخد هدوم تانية عشان سراج. إسماعيل هناك معاه في المستشفى. مش هينفع نسيبه لوحده في الحالة اللي هو فيها. أول مرة أشوفه بالشكل المهزوز ده." وضعت حنان يديها على كتفي آدم تمسد عليهم برتابة وتبسمت قائلة:

"عشان بيحبها. رغم إني الكام يوم اللي عشتهم هنا كنت بحس ثريا بتحاول تبعد عن الدار أكتر وقت. ولاحظت معاملة عمتك ولاء ليها فيها نوع من التكبر عليها. يمكن ثريا اللي مش من النوع الاجتماعي واللي بتاخد عالناس بسرعة. بس حاسة قلبها نضيف." رفع آدم يديه وجذب حنان لتجلس على ساقيه وضمها مبتسمًا وهو يقبل وجنتها قائلاً:

"فعلاً بحس إن ثريا عندها شوية انطواء من اللي حواليها. حتى من سراج نفسه. رغم أنهم متجوزين. بحس أنها من النوعية اللي بتخاف تظهر مشاعرها فتتصدم. أو تتخذل. كمان بتحاول تبان قوية وهي هشة جدًا." لمعت عين حنان ببسمة وهي ترفع يدها تضعها فوق وجنة آدم تتحدث بإعجاب: "حبيبي. واضح إن هواية الكتابة مأثرة عليه. عنده فضول زايد يعرف دواخل الشخصيات ويحلل نفسياتها." ابتسم وهو يقبل يدها يضمها أكثر له قائلاً:

"مش فضول زايد. أنا اتعودت متسرعش في الحكم على أفعال الناس. يمكن تكون دي ملكة ربنا عطاها لي من صغري. أو يمكن تكون موهبة مكتسبة بعد اللي مريت بيه. كان لازم يكون عندي طولت بال قبل الإرادة." غص قلب حنان وضمت آدم وهمست جوار أذنه بنعومة: "أنا بحبك يا آدم. وبحب قلبك الطيب." ابتسم وضمها مستمتعاً، قبل عنقه. وكاد ينهض وهو يحملها. لكن شعر بألم في ساقه. ظل جالساً. شعرت حنان بآه خافتة خرجت من فم آدم. نظر لوجهه قائله:

"آدم. أنا حاسة إنك بتتألم من رجلك. المفروض تعمل عليها أشعة. كمان بتاخد مسكنات كتير في الفترة اللي فاتت." ابتسم وهو يضم وجهها بين يديه قائلاً: "أنا بخير صدقيني. هما شوية وجع بسيط فترة وهيروح." تدللت ببسمة: "وماله برضوا. عشان خاطري اعمل أشعة وفحوصات حتى لو روتيني." ابتسم وهو يضمها قائلاً: "تمام. بس نطمن على ثريا وهعمل الفحوصات عشان قلب سيادتك يطمن." تبسمت وهي تضمه بحب...

لكن فجأة شعرت بغصة وهي تعلم أن بعودة حفظي للوعي سيكون هناك عواقب. تنهدت بتمني أن لا يحصل شيء يفسد عشقها لذاك الآدمي الذي يغمرها بعشق ومحبة ودلال لم تشعر به سابقاً.

بالمشفى. غصباً واقف كل من سعديه ونجيه المكوث بغرفة. قام سراج بحجزها لهن، وتركهن كي لا يشعرن بالحرج منه. ذهب إلى مكان غرفة ثريا. لكن لاحظ حركة غريبة أمام الغرفة. خروج الممرضة وعودتها ببعض الأدوية. كذلك دخول أكثر من طبيب ومكثوا لوقت. سبب هاجس له وحسم أمره. سيدخل إلى الغرفة. لن يهتم بمنع الأطباء. لكن فتح باب الغرفة. كان هناك باب آخر زجاجي معتم. قبل أن يفتحه تفاجئ بفتح أحد الأطباء للباب. نظر له قائلاً:

"أنا مقدر حالة قلقك عالمريضة. بس ممنوع الدخول. والمريضة نقدر نقول عدت مرحلة الخطر. وان شاء الله لو محصلش لها انتكاسة. ممكن بكرة تتنقل غرفة مجهزة بس عشان الأوكسجين. لأن إصابة الرئة هيبقى لها تأثير عالتنفس الطبيعي. هياخد وقت على ما ينتظم بشكل طبيعي. فمن فضلك بلاش عدم انصياع. وبس الحالة تستقر بشكل أفضل أوعدك اسمحلك تدخل لها. وده هيبقى لوقت صغير." أومأ سراج له متفهماً رغم قلقه وشعوره بالاشتقياق.

بدار عمران العوامرة ظهراً. وقفت زوجته تطلب منه بإستحياء: "مش المفروض إني أروح أنا وإيمان نزور ثريا عشان خاطر سراج." كاد أن يسمح له بالموافقة. لكن تلك الخبيثة ولاء قد جاءت وسمعت قولها تهكمت بسخط قائلة:

"مش بيقولوا الدكاترة مانعة الزيارات. لازمتها إيه. وبعدين ليه نتشحطط، كلها كام يوم وترجع لهنا. عن نفسي بمرض لما بروح المستشفى. كفاية الأيام اللي فاتت كنت شبه مرافقة لإيناس. وجولت للدكتور تكمل علاجها بره المستشفى. وسمح بكده. هترجع النهاردة. مش عارفة إيه النحس اللي فجأة صابنا. هي أعتاب وأقدام. كنا بخير. بس هجول إيه. على رأي المرحومة أمي. كترة النسوان في الدار بيجيب الخراب."

عن قصد كانت تتحدث ولاء حين رأت حنان تقترب من مكانهم. لم تبال حنان بحديثها الماسخ. وذهبت نحو عمران وتبسمت له ثم قالت: "آدم من شوية وصل المستشفى وقالي إن حالة ثريا شبه مستقرة." تبسم عمران كذلك زوجته التي تمنت: "ربنا يكمل شفاها يااارب." بينما همست ولاء بحقد: "عاملة كيف البِسس (القطط) بسبع أرواح... ثم نظرت إلى حنان قائلة بتصريح: "وإنتِ لابسة أسود كده ورايحة فين؟ أجابتها: "رايحة دار أبوي." اعترضت ولاء قائلة:

"لاه. إنتِ لسه عروسة والمفروض مكنتيش تروحي دار أبوكِ قبل شهر عالأقل. كفاية لبسك الأسود ده فال شؤم." نظرت لها حنان بتحدي قائلة: "ماله لبسي الأسود. ده حتى الأسود موضة. وكمان أنا خدت الإذن من آدم جوزي وهو وافق. وهو اللي كلمته تمشي عليا. عن إذن حضرتك. لازم أفوت على دار مرات عمي الأوا عشان أعرف هنطلع المقابر أمتى نزور عمي ونقرأ له الفاتحة وندعي له بالرحمة. الرحمة تجوز عالحي والميت."

لم تنتظر حنان وغادرت وتركت ولاء تشتعل. بينما فهيمة كانت تخفي بسمتها. وعمران لم يبال. إلا حين نظرت له ولاء وقالت بإستهجان: "الدار مربطها ساب. بقى كل واحد بيعمل اللي هو عاوزه. إمبارح ثريا عاندت وراحت الفرح اللي اتصابت فيه. والتانية رايحة عشان تطلع المقابر. إنت لازم يكون لك كلمة في الدار دي. كفاية دلع فاضي... الحريم لازم يتحكموا بجبضة جوية كده هيتمرعوا ومحدش هيعرف يمشي عليهم كلمة." صمتت فهيمة. بينما تفوه عمران قائلاً:

"تمام. هتكلم مع آدم أقول لمرته تخف زيارات لدار أهلها. دلوك عندي ميعاد في مصنع الكتان ولازم ألحقه. والمسا هروح المستشفى عشان سراج. جهزي نفسك يا فهيمة إنتِ وإيمان هبعتلكم السواق ياخدكم." أومأت فهيمة بقبول. بينما شعرت ولاء بالكيد لكن ضمرته في قلبها. بعد مغادرة عمران نظرت لـ فهيمة التي تبدلت ملامحها. شعرت بغيظ قائلة:

"حلو دور الحنية اللي بترسميه ده. بس متنسيش. سراج مش ولدك. ده ابن جوزك. ومفيش مرات أب بتتمنى خير لولاد جوزها." لم ترد فهيمة وتركتها وغادرت بعد أن نادت عليها عدلات التي لاحظت حديث ولاء معها. ذهبت نحو عدلات وسارتا إلى داخل المطبخ. تفوهت عدلات: "بتحدف طوب ومبتحسش بنفسها. دي اتجوزت من هنا ابن جوزها اللي كان شاب زي الورد فجأة مات." تفوهت فهيمة: "بلاش نبقى زيها يا عدلات ومتنسيش لها ودان في كل مكان مش عاوزاهم يتكلم."

تنهدت عدلات: "والله يا فهيمة إنتِ طيبة ومنكسرة. دي مينفعش معاها الطيب." نظرت لها فهيمة نظرة تحذيرية. فصمتت لثواني ثم قالت: "الحج عمران سمح لك تزوري ثريا في المستشفى." أومأت لها بموافقة. تنهدت عدلات قائلة: "هاجي معاكِ. ثريا غالية عندي والله ما تستاهل. اللي كانت تستاهل رصاصة في نص دماغها هي وباء على رأي الغلبانة ثريا." عاودت فهيمة نفس النظرة التحذيرية. فصمتت حين دخلت إحدى الخادمات عليهن.

بالمشفى مساءً. سمح الطبيب لـ سراج بخمس دقائق فقط يدخل إلى غرفة العناية. تعقم وارتدى كمامة ثم ذهب نحوها. وقف يتأمل ملامحها للحظات. لم ينكر جمالها سابقاً لكن اليوم كانت شاحبة الوجه. كذلك تلك الأنابيب الطبية الموصولة بفمها وأنفها. خفق قلبه بألم. وهو يقترب أكثر إلى أن أصبح بجوارها. انحنى على يدها. غص قلبه من كم الإبر المغروسة بها. قبل راحة يدها ونظر لها قائلاً:

"تعرفي يا ثريا إنتِ فعلاً محتالة. عرفتي تحتلي قلبي. قلبي اللي كنت مفكر أنه من فولاذ وقادر أتحكم فيه. من أول مرة شوفتك. شيء كان بيجذبني ليكِ. تحديكي. عنادك. مش عارف. بس كنت ببقى عاوز دايماً أبقى قريب منك. فاكرة يوم لما قولت لعصران يومه بالاغتصاب؟

حسيت بندم وغيره. أيوه غيرت عليكي منه. رغم إني كنت متأكد أنه مش هيقدر يقرب منك. لما دخلت ولقيتك بتنزفي قلبي اتخلع مني. إنتِ محتالة يا ثريا. في لحظة اتغلغلتي مني وبقيت مش عارف إيه بيجذبني ليكِ. دلوقتي عرفت إيه اللي كان بيجذبني تمردك وعصيانك. السراج الغاضب في لحظة حنين وقع في غرام الأرض."

بمركز الشباب. بوقت راحة مستقطع بين التمرين جلست إيمان على أحد المقاعد. كذلك جسار. بينما الأشبال يتهامسون فيما بينهم حول من الأفضل فيهم بإشادة المدربين. تبسم جسار وهو ينظر إلى إيمان وبفضول لا يعلم سبباً له: "تعرفي إني بستغرب إن بنت هنا في الصعيد تهوى رياضة الكاراتيه." اعتدلت في جلستها ونظرت له قائلة: "وإيه الغريب في ده؟ لمعت عيناه بوميض خاص وهو يجيب عليها:

"معروف بنات الصعيد بتتجوز بدري. حتى لو الزمن اتغير وبقوا يتعلموا بس مش اهتمام برياضة. ورياضة عنيفة زي الكاراتيه. اللي أعرفه إن الأهالي عندهم شوية تحفظ عالبنات." تنهدت. حقاً كان هناك اعتراض من والدها. لكنها لجأت لـ آدم صاحب القلب النقي. والذي لديه تأثير على...

والدها وافق مكرهاً على أنها لفترة لن تطول. فقط بضع أشهر وستمل. لكن تلك الرياضة رغم عنفها. لكن شغلت عقلها وأدمنتها وأصبحت هي ملاذها. كي لا تفتعل المشاكل مع عمتها ولاء بسبب تحكماتها. رغم أنها حاولت كثيراً أن تتلاعب بعقل والدها. لكنها لن تكون صورة أخرى من والدتها وتتقبل وتقبل أن تكون لها سطوة على قراراتها بشأن حياتها. لمعت عين جسار بإعجاب.

جلسة صفو بين إيمان وجسار وأحاديث مرحة تنساق بينهم دون شعور. لكن قطع تلك الجلسة صوت رنين هاتف. إيمان نهضت وتوجهت إلى ذاك الركن التي تضع به متعلقاتها الخاصة. جذبت هاتفها وقامت بالنظر له. خفق قلبها لوهلة حين رأت رقم والدتها. لكن حاولت تملك قلقها وبامت بالرد. سرعان ما تنهدت براحة حين أخبرتها والدتها قائلة: "الحج عمران وافق نروح المستشفى لـ ثريا وقال هيبعت لنا العربية كمان ساعة كده. بلاش تتأخري عشان ميتعصبش علينا."

أجابتها: "تمام يا ماما. أنا مسافة السكة وهكون عندك في الدار." أغلقت الهاتف ثم ضمت متعلقاتها الخاصة بتلك الحقيبة وذهبت نحو مكان جلوس جسار قائلة: "أنا مضطرة أمشي دلوقتي. كمل انت بقية تمرين الأشبال. سلام." لم تنتظر وغادرت. ود أن يسألها عن سبب مغادرتها. لكن وقف ينظر في أثرها بمشاعر تنساق وتتبدد النظرات وتزداد الخفقات.

بعد مرور يومين. تحسنت حالة ثريا. خرجت من غرفة العناية الخاصة، إلى غرفة عادية. لكن ما زالت تسبح بتلك الغيبوبة. تنهد الطبيب ونظر إلى سراج قائلاً: "المفروض إن إحنا وقفنا المخدر من الفجر. ودلوقتي قربنا عالعصر. والمفروض كانت تفوق. لو مفاقتش لوحدها لبكرة الصبح هنلجأ للإفاقة الخاصة." شعر سراج بالأسى قائلاً: "وإيه السبب لعدم إفاقتها؟ أجابه الطبيب:

"مفيش سبب طبي. ده ممكن رد فعل من المريض. أوقات كتير بتحصل. إن العقل يتسبب في غيبوبة للجسم كله. بس طبياً مفيش تفسير. الحالة أصبحت مستقرة. وزي ما قولت هننتظر لبكرة. يوم فات أربعة وعشرين ساعة كاملة على وقف المخدر." أومأ سراج برأسه قائلاً: "تمام. بس ليا رجاء عندك. أكيد والدة المريضة أو خالتها هيسألوا عن حالتها. بلاش تقول لهم الكلام اللي قولته ليا دلوقتي. بس عشان منزودش قلقهم. إنت شايف حالتهم عاملة إزاي."

أومأ الطبيب موافقاً، ثم غادر الغرفة. ظل سراج ينظر إلى ثريا وتنهد وهو يقترب منها. انحنى يقبل رأسها. ثم قبل وجنتيها واقترب من أذنها هامساً: "مش كفاية نوم يا محتالة. اصحي بقى. وحشتني عيونك." باليوم التالي. بمنزل عم حنان. ظهراً. كانت تشعر بنظرات زوجة عمها التي تحتقرها. هي ووالدتها. نهضت قائلة: "مش يلا يا ماما زمان أبوي راجع عشان يتغدا."

نهضت سناء بموافقة. وودعن تلك السيدة التي تنظر لهن بغلول. حتى أنها لم تتمسك ببقائهن لوقت قليل. لكن تفاجأن قبل أن يفتحن باب المنزل. بفتح الباب. وقفن مثل الصنم للحظات. إلى أن تحدث ذاك الذي دخل يستند على أخيه قائلاً بنبرة شبه استهزاء وتقليل من شأن آدم: "حنان بنت عمي هنا في دارنا. قصدي دارها. أمال المحروس آدم فين دلوك. لا يكون في الإسطبل نايم جنب الحصنة بينش العصافير عنهم."

كادت أن ترد. لكن نكزتها سناء تعلم أن ذاك الوغد مستفز. صمتت حنان لوهلة. ثم أغاظته قائلة: "حمد لله على سلامتك. نورت دارك. يلا يا أمي." كادن أن يعادرن. لكن قبل خروجهن تفوه حفظي: "سلميلي على أبو نسب." أجابته بهدوء: "يوصل. يا حفظي." بالمشفى. خرج الطبيب مبتسماً يقول: "الحمد لله. المريضة استجابت وفاقت. بس رجاءً يا جماعة بلاش إجهاد للمريضة."

تبسموا له وهم يندفعون إلى الغرفة. شعروا بسعادة حين وجدوا ثريا قد فاقت من غفوتها. بحذر اقتربوا منها وظلوا يمرحون بجوارها. وهي فقط تنظر لهم ولأفعالهم. لم تستغرب من قبلة والدتها ولا خالتها لها. لكن شعرت بغرابة ممزوجة بسعادة حين اقترب ممدوح منها وقبل جبينها مبتسماً، يقول: "حمد لله على سلامتك يا ثريا." بخفوت أجابته تشعر بسعادة: "الله يسلمك يا ممدوح."

تقابلت عيناهما بحديث صامت. فقط مشاعر أخوية لأول مرة يشعر بها الاثنان. ودمعة تلألأت. لكن سرعان ما ابتسم ممدوح وقبل جبينها مرة أخرى مبتسماً. ثم تنحى. ظهر سراج الذي يخفق قلبه بسعادة وتبسم واقترب منها فقط قائلاً: "حمد لله على سلامتك يا ثريا." أومأت برأسها صامتة. ما زال هناك جزء من ذاكرتها لم يستوعب ما تراه. من لهفة وسعادة لعودتها. بعد مرور عدة أيام. بالمشفى ظهراً. حاولت ادعاء القوة قائلة:

"البتاعة اللي على وشي دي خانقاني أساساً مش عارفة أتنفس." تنهد بسؤال: "تقصدي إيه بالبتاعة اللي على وشك دي؟ أشارت بيدها إلى تلك الأنابيب على أنفها الخاصة بالتنفس الاصطناعي. تبسم بخفاء قائلاً: "دي أنابيب عشان تظبط التنفس عندك." تذمرت قائلة: "لأ دي خانقاني. مش كفاية الإبر المغروسة في إيديا دي. حاسة إني زي اللي متقيدة." أغمض عينيه وسحب نفس عميق ثم فتحهما ونظر لها قائلاً:

"ثريا. بلاش دلع. وافتحي شفايفك لازم تاكلي. وإلا الدكتور هيلجأ للمحاليل." لم تبال ثريا. تنهد سراج قائلاً: "ثريا بلاش تبقي زي الأطفال. اللي أمهم بتتحايل عليهم عشان ياكلوا." نظرت لذاك الطبق بإمتعاض قائلة: "أولاً أنا مش طفلة ومش بعند. وفعلاً جهاز الأوكسجين ده مضايقني وأقدر أتنفس من غيره. ثانياً مش هاكل من أكل العيانين ده. هستنى لما خالتي تيجي. أنا قولت لها على كام صنف وقالت هتجيبهم. بس هي اتأخرت. يمكن الطريق زحمة."

تنهد سراج باسمًا: "على فكرة خالتك جت وإنتِ كنتِ نايمة. والأكل ده هي اللي جابته. ثريا. إنسي الأكل اللي طلبتيه منها. مستحيل." زفرت ثريا بضجر قائلة: "يعني خالتي جابت الاكل ده ومشيت. ومجبتش اللي قولت لها عليه ليه. وأيه اللي مستحيل؟ أنا نفسي جوعت وبطني نشقت من أكل المستشفى والمسلوق." تبسم سراج قائلاً: "للأسف مفيش أكل غير كده. وكفاية دلع." تنهدت بضجر قائلة: "مش بدلع. خلاص هشيل جهاز الأوكسجين. وهاكل بإيدي."

تنهد سراج بإستسلام قائلاً: "تمام هشيلك أنابيب الأوكسجين لحد ما تاكلي وبعدها... قطعت حديثه بضجر: "بعدها إيه. أنا اتخنقت من الأنابيب دي. حاسة إن عيني احولت وإنها بضيق نفسي." ضحك سراج. نظرت له بضجر قائلة بإستياء: "بتضحك على إيه. أكيد كان نفسك أموت. وتلاقي إنت اللي بتقول لخالتي تستخسر فيا الأكل اللي طلبته منها."

ابتسم وهو يقوم بإزاحة تلك الأنابيب عن أنفها. شعر بأنفاسها فوق ساعديه. نظر لوجهها وبلا انتظار وضع قبلة ناعمة خاطفة فوق شفتيها. شعر كأن تلك القبلة "قبلة بمذاق الحياة".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...