الفصل 37 | من 41 فصل

رواية عشقت طالبتي الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم منار حسين

المشاهدات
23
كلمة
0
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

بـ دار نجيه كانت هي والدة ممدوح، مرحة ومزاحة وهي تحتضن ممدوح. وهو يتعامل معها هي وزوجها بود، فهما دائمًا كانا معهم بالضراء قبل السراء. تتبسم، تهتف بسعادة بعض الأغاني الفلكلورية بصوت منخفض. نهتها نجيه بتحذير: "كفاية يا سعدية، ناسيه إن حمى ثريا لسه مكملش الأربعين ميت... الناس تقول علينا إيه." نظرت لها سعدية بنزق قائلة: "وأنا عملت حاجة، مش كفاية حتى مفرحتش بزرغوطة... والله لو مش الناس تلوم لكنت رقصت في الشارع...

بس عشان خاطر سراج جدع." ربتت سعدية على فخذ نجيه قائلة بأمل: "إن شاء الله ربنا هيعوض صبرك في ولادك خير، وربنا بيرد الظلم أهو. أخوكِ عمال يبيع الأرض حتة حتة، يسد ديون وخساير ابنه. الأرض اللي طمع فيها وكال حقنا فيها، ربنا مش هيباركله عشان خاطر اليتامى اللي كانوا محتاجين." نهض ممدوح يتثاءب قائلاً: "ابن خالي طول عمره مدلّع وخالي هو اللي فسده. هروح أنام، عندي مدرسة بكرة ولازم أبقى فايق." ابتسمت

له وقالت سعدية بمودة: "تصبح على خير يا عريس وعقبال الفرحة الكبيرة ياااارب." ابتسم لها وأمّن على دعائها. غادر ممدوح، بينما نظرت سعدية لأختها قائلة: "أنا قلت لك البنت رغد عاجبها ممدوح وعندها قبول له. روحي اخطبيها له، أهو شايفه الفرحة اللي منورة وشه، وترهنيني هو مش داخل ينام، ده رايح يكلم خطيبته." أومأت لها نجيه ببسمة قائلة: "والله كنت خايفة إن فتحي يستقل بنسبنا ويقول لي: 'بتي بتتقدم لها زينة الشباب وهتوافق على ولدك'."

قاطعتها سعدية: "وممدوح زينة الشباب، أدب وأخلاق ومش فقير. الفقير هو اللي عينه باصة للي في يد غيره وطمعان فيه، وممدوح قنعان. وفتحي ابن سوق وخابر الناس زين، وهو وافق على ممدوح عشان عارف إنه هيصون بنته. بالك العريس اللي كان متقدم لها ورفضته، سمعت إن أخلاقه بايظة يعني فلوسه ما كانتش هتنفع بنته لمن يفرط فيها ويخليها خدامة لأمه وأخواته. إنما هو عارفك زين إنتِ وممدوح، حتى ثريا، عارف إنها هتعيش هنا معززة مكرمة، ست البيت مش خدامة. لو ما عجبتش أمه يطلقها ويجيب لها غيرها."

أومأت نجيه قائلة: "معايا قرشين ممدوح لما كان بيشتغل في القهوة وكمان جمعية كنت قبضتها من مدة. ثريا كانت عاوزانا نعمل بها تسقيفة على السلم عشان الشتا، وأنا كنت حطاه على جنب قلت للزمن يمكن نحتاجهم لحاجة أهم. كنت بخاف على ثريا أكتر من ممدوح، والله كنت بقول هي حظها خايب، بس الحمد لله ربنا استجاب لدعانا ليها، وسراج مش زي اللي مش هيشوف من ربنا رحمة. أهو لو واحد غيره كان أقل شيء منعها تيجي قراية الفاتحة، لكن ده جه معاها. ربنا يريح قلبها."

ابتسمت سعدية قائلة: "أنا عرفت إن سراج عاشق ثريا يوم ما انضرب عليها نار وفتنت له وحكت اللي عملوه فيها. لو شفتي ملامح وشه وقتها، لو شافهم قدامه وقتها كان قطع أياديهم اللي امتدت على ثريا." وافقتها نجيه وأكملت: "كمان أنا رجعت اتحدت ويا ثريا عشان تتعالج، يمكن ربنا يكمل سعدها ويرزقها بالذرية الصالحة اللي تسعد بيها قلب سراج."

آمنت سعدية قائلة: "والله يا أختي قلت لها، الطب دلوقتي مبقاش فيه حاجة اسمها مبتخلفش. ناس ما كانوش مصدقين وربنا رزقهم من وسع بعيل واتنين، وفيهم اللي بقى معاه خمسة. وهي شكلها اقتنعت...

بصي بقى الأهم دلوقتي ممدوح. القرشين اللي معاكِ نجيب بيهم الشبكة لـ رغد، هي بنت ناس ولازم تتقدر برضك، واللي يفيض نجهز بيه الدور التاني نكمل بنائه وربنا يرزق بالتشطيبات والعفش. أنا دبرت جمعية كبيرة واتفقت مع ممدوح يدخل بمرتبه كله فيها، وأول واحد هيقبضها هو. أهي الجمعية زي قسط بيدفعه كل شهر." أومأت نجيه بدمعة سالت من عينيها وهي تنظر لسعدية بإمتنان. رأت نجيه تلك الدمعة فسألتها: "ليه بتعيطي دلوقتي؟

أجابتها بإمتنان: "طول عمرك كنتِ جانبي، حتى لما خدت الفلوس من أخوك ملومتيش عليا، ولا قلت بأخذ بنط على قفاكِ عند أمك وأخوكِ." تنهدت سعدية وهي تربت على

فخذ نجيه بإعطاء مبرر لها: "ربنا يعلم معزة ولادك في قلبي. ربنا مرزقنيش ببنات، والله رغم إني أنا وثريا مش بنتفق، بس بحسها بنتي، ونفسي أشوف ولادها. دول هيبقوا أول أحفادي إن شاء الله. وبعدين، الحاجة مرة يا أختي، وإنتِ كنتِ محتاجة، وربنا مش هيسامح ولا هيبارك لأخوكِ في اللي أخده من ورثنا. وأمك ميجوزش عليها غير الرحمة. أنا سمحتها هي اللي قوته علينا، وكانت عارفة إننا محتاجين وإنتِ كنتِ أكتر. بدل ما كانت تاخد ثواب في يتامى، هو ضحك عليها وخدها لصف وقسى قلبها علينا. أنا مسامحاها."

وافقتها نجيه قائلة: "أنا كمان مسامحاها، هي كانت مغصوبة منه." توقفت نجيه ثم تنهدت تشعر بسعادة وأمل قائلة: "حاسة ربنا هيعوض ولادي خير." بـ دار ولاء

في غرفة نوم خاصة بها، أغلقت باب الغرفة بالمفتاح. تركت الضوء مفتوحاً وجلست خلف مرآة الزينة، تقوم بمتابعة تلك الرسائل على هاتفها، تربط الأحداث برأسها. تتذكر الماضي الذي شكل قسوة قلبها هكذا. أم كانت جاحدة القلب تعتقد أن الولد هو ذو القيمة والفتاة مصيرها لزوجها دون امتيازات، سوى للؤم والخباثة أن تكون خبيثة تستطيع معايشة من حولها وتطويعهم لما تريد. لكن عمران كان ذو دلال، فهو الذي أكمل تعليمه وأصبح ذا شهادة عالية، كانت

تتباهى بها وسط بقية نساء العائلة، فهو ذو العقل المتنور. لكن رغم ذلك لم يسلم من خبثها. كان ذا إرادة خاصة، أدار شئون العائلة وقام بتوسيعها أكثر وأكثر. حتى حين أراد الزواج لم يمتثل لاختيار والدته، بل اختار هو بنفسه. لولا خطأ لم يعلمه، أن رحمة كانت أرملة وسبق لها الزواج، كانت أصبحت هي سيدة العائلة ذات الشأن العالي. لكن لم يكتشف ذلك إلا وقت عقد القران، وكان قبل الزواج بليلة واحدة. صدمة بدلت حياته. لو كان علم بها سابقاً

ربما كان أنهى الزواج.

تهكمت: "بل ربما كان التمس العذر لها وعشقها أكثر." وهو ظن أنهم خدعوه لإتمام الزواج بها، وتلك كانت الهفوة التي دخلوا له منها وأبقوه تحت سيطرتهم. بعد وفاتها ظل الندم ساكناً بقلبه وهو يتركها تفعل ما تشاء تحت غطاء سيادته، لكن الآن سراج ليس كوالده. هو ذو هيبة أكبر، كذلك سطوة. كذب حين قال إنه قدم استقالته، ظنت أنها نجحت حين أرسلت له من يتهمه باستغلال مكانته. كان خداعاً. سراج ما زال بالخدمة وهي أصبحت على يقين بذلك.

والسؤال بعقلها الآن: هل سيترك سراج منصبه بالجيش ويبقى هنا لإدارة شئون العائلة ويسحب كل سلطتها، أم يعود لمنصبه بالجيش ويرحل مرة أخرى، ويأخذ تلك المحتالة معه؟ أم تظل هما وهي أصبحت سيدة العائلة وتأخذ مكانتها بين النساء؟ "لاااا"، قالها عقلها بقطع. لن تستطيع تحمل ذلك. وماذا إذا اكتشف سراج أنها على صلة ببعض مطاردي الجبل، وأنها طوّعت كل من غيث وقابيل لمصلحتها؟

"لااا"، عقلها يرفض. تخشى أن يفتضح أمرها على يد سراج وتُشمت وتتشفي بها تلك المحتالة ثريا. شعور بغيض ورهبة بل رعب أصبح هاجس برأسها. لابد من القضاء على سراج قبل أن يكشف ذلك. فشل ذلك الأحمق قابيل كلفها الكثير، كذلك الشبح الخفي، الذي يرسل لها الرسائل. الهاتف كيف مسجل باسم "ممدوح الحناوي".

"الحناوي"، ذلك الجاحد الذي رفض عشقها له. لوهلة شعرت بنبض قلبها. تذكرت حين كانت ببداية صباها. رأت شاباً كان وسيماً بملامح سمراء اكتسبها من قسوة العمل تحت الشمس. كان عاملاً بمصنع الكتان التابع لهم. عيونه التي تشبه خضار ورقات الصفصاف الجافة. كان ذا هيبة رجولية. لكن صدفة علمت أنه متزوج ولديه طفلان. رغم فقره كان راضياً. كانت حياته معهم بسيطة، رزق يوم بيوم. لكن بسمة طفليه حين يعود إليهم مساءً بقليل كانت كافية تُغنيه عن

النظر لما لا ينفعه. لكن كلما رأته كانت تشعر بهوس الانجذاب لها. أرادت رجلاً يضحي من أجلها، ليس فقط بتلك العائلة الصغيرة. فسُهل أن تعوضه بذلك. لكن أرادت رجلاً يحارب من أجلها، مثلما سمعت عن أبطال خاضوا معارك من أجل العشق. هي الثرية بنت الأغنياء، أرادت أن يتحدى تلك السطوة ويفوز بها. لكن كلما تقربت منه كانت تجد النفور. حتى حين سنحت لها فرصة ضاعت بسبب تعنته وتمسكه بأولاده وزوجته التي تزوجها عن حب. هي أيضاً كانت من عائلة

ميسورة حقاً، ليست بثراء وسط عائلة العوامري، لكن ذو شأن أيضاً وتزوجها. حقاً كانت أجمل منها، تشبه ثريا كثيراً، عدا العينان. عينا ثريا تشبهان عينا والدها. كلما نظرت لهما تذكرت خيبة الماضي، بالحب الوحيد الذي سكن قلبها، وقتلته بيديها. ذكرى أخرى وعينيها تنصهر وهي تتذكرها. كيف دخلت خلفه لمخزن بالمصنع وهو يقوم بالمتابعة بعد انتهاء العمال عملهم بتنفية بذور الكتان، ليلاً كي يتمم على المخزن ويغلقه. كانت تراقبه وتلك فرصتها. دخلت

خلفه تعرض نفسها بمجون عليه، تحاول إغراءه مادياً وجسدياً. لكن لم ينفع ذلك معه. تضايقت من قوة رفضه لها. لم تدرِ كيف جلبت وشاح رأسها وتحكمت عليه بقوة وهي تضعه حول عنقه تضيق الخناق عليه، وهو حاول دفعها بقوة فوقعت على قش الكتان. تنظر له بكره وحقد وهو

ينزع عن رقبته وشاحها يقول: "احتراماً لقمة عيشي مش هتكلم لكن لو... قبل أن يكمل حديثه كان هنالك قطعة معدنية طويلة تشبه العصا لكن ضخمة الرأس (شومة)

. جذبتها وقامت بالضرب على رأسه ضربة واحدة بقوة الكره الذي تحكم منها. شعر الحناوي بألم ساحق برأسه ودوخة وصار يترنح إلى أن سقط فوق قش الكتان غافياً. لكن ما زال يحاول المقاومة. جنون امتلك عقلها، وهي تسحبه حتى خرج من المخزن وألقته سقط على الأرض. نظرت له وهو يقاوم ليقف لكن لم تتركه. عاودت خنقه بالوشاح حتى نجحت ولفظ آخر نفس. سحبت وشاح رأسها. رأت ذلك الزاحف على الأرض يخرج لسانه من فمه يبحث عن فريسة. وها هي فريسته، جثة ملقاة

أرضاً. اقترب يلعقها بلسانه. ما زال الدم ساخناً بجسد الحناوي. صيد لذلك الزاحف الذي التف على جسده واستلذ بالدم الدافئ من جسد الحناوي الساكن. فرصة، عقلها استلذ ما حدث والقتل ليس صعباً، بل سهل. وكان هذا أول ضحاياها التي سجلت بعد ذلك بموت الحناوي بلدغة ثعبان، وجرح رأسه. ربما بسبب مقاومته لذلك الزاحف. والضحية الثانية كان خطيبها وابن عمها الذي سلمته نفسها قبل الزفاف، فقد كان معقود قرانهما. وحاول التملص منها بعدما نال غرضه

منها. لكن هي علمت بسره، أنه يعمل بتجارة الآثار. لضمان صمتها أشركها معه ووافق على إتمام الزفاف وحفظ كرامتها. تمكنت من الاقتراب من الرأس المدبر الذي يديرهم هنا وأخذت مكانه. استغلت شجار بسيط بين عائلة العوامري وعائلة السعداوي وقتله، ليظهر ذلك على أنه ثأر بين العائلتين. لكن تم تصفية ذلك لعدم ثبوت قتل خطيبها على يد أحد أبناء السعداوي. لتنتهي الخصومة بنار باردة. بعدها رفضت الزواج بحجة الحزن على خطيبها الشاب. لكن امتثلت بعد

ذلك تزوجت أحد أبناء العائلة بعد وفاة زوجته. زوج بلا مزايا، حتى لم يعلم أنها لم تكن عذراء. أعطته نوعاً من البرشام جعل عقله يتغيب ويصدق ما أمامه دون شعور منه. مرت الأيام وكادت تنكشف على يد ابن زوجها الذي كان يدرس الطب. أرغمته على استنشاق كمية كبيرة من المخدرات. أنهت حياته. ذكريات إجرامها تمر أمام عينيها عبر شاشة ذلك الهاتف، وهي ترى تلك الصور التي تجمعها بـ عادل. نفى عقلها تماماً أن خلف ذلك ممدوح. لو كان هو ما كان أفصح

عن نفسه بتلك السهولة. رفعت عينيها عن الهاتف ونظرت لانعكاسها في المرآة، ترى نفسها الأحق بالمكانة والقيمة الكبيرة، ولا أحد سينافسها.

يحسم عقلها: "نهاية ثريا مع نهاية سراج." بـ دار عمران العوامري بعد مرور يومين، يوم الأربعين. صباحاً، بشقة آدم. خرجت حنان من الحمام تشعر ببعض التقلصات في بطنها. بنفس الوقت كان آدم في الغرفة ولاحظ اصفرار وجهها، كذلك انحناءها قليلاً ووضعها يدها أسفل بطنها. اقترب منها بلهفة سائلاً: "حنان مالك؟ إنتِ تعبانة؟ خلينا نروح للدكتورة."

وضعت يدها على معصمه قائلة: "لأ ده مغص عادي، سبق وحسيت بيه وسألت للدكتورة قالت لي، أوقات بيحصل كده. نقلق لو فضل لوقت طويل، وخلاص دلوقتي تقريباً راح. هرتاح شوية في السرير وبعدها هبقى أنزل عشان النهاردة الأربعين بتاع عمي عمران وأكيد هيجي ضيوف كتير. متقلقش عليا أنا كويسة." تنهد آدم باستسلام قائلاً: "تمام، عارف إن النهاردة اليوم هيبقى طويل وفيه شغل كتير، بلاش تجهدي نفسك."

أومأت له قائلة: "من غير ما تقول. أساساً خالتي رحيمة هنا ووقت ما تشوفني تقول لي: 'اقعدي ارتاحي'. اطمن يا حبيبي، إنت اللي بلاش تتأخر عشان ترجع بدري المسا." وافقه قائلاً: "هروح أشوف المخازن والمخزن الكبير هخليه لبكرة." شعرت بالقلق قائلة: "ربنا معاك يا حبيبي."

ابتسم لها بسمة ممغوصة وهو يقبل وجنتها ثم غادر. نظرت في أثره، شعرت بالأسى عليه، هو يحاول إخفاء حزنه خلف انخراطه في العمل الكثير. تنهدت بنفس اللحظة عاد ذلك المغص. وضعت يدها أسفل بطنها وذهبت نحو الفراش، جلست عليه وجذبت هاتفها. قامت بالاتصال على طبيبتها أخبرتها

ما تشعر به فأجابتها: "لأ متقلقيش الأعراض اللي بتقولي عليها ممكن ما يكونش لها تأثير على الحمل وهبعت لك اسم برشام خدي منه، ولو المغص فضل مستمر تعالي لي العيادة بكرة." -تمام يا دكتورة متشكره." أغلقت الهاتف وحاولت التنفس بهدوء وهي تتحمل ذلك المغص الذي شبه هدأ تأثيره. عصراً. استغلت ثريا ذلك الوقت القليل، قبل آذان المغرب، وخرجت من الدار خلسة. بعد قليل كانت بعيادة تلك الطبيبة النسائية.

نظرت لمساعدتها وقالت لها: "أنا كنت حجّزت ميعاد بالموبايل." سألتها المساعدة عن اسمها، أجابتها. ابتسمت المساعدة قائلة: "تمام، دورك بعد الست اللي جوه مع الدكتورة." أومأت ثريا، وجلست. بنفس الوقت بـ دار عمران العوامري. يدخل سراج، تقابل مع عدلات التي رحبت به فسألها على ثريا، فأجابته: "كنت شيفاها رايحة ناحية باب الدار من شوية، يمكن طلعت تجيب حاجة." شعر بقلق، بينما تفوهت عدلات: "محتاج مني حاجة؟

هز رأسه بنفي، غادرت عدلات بينما القلق ساكن عقل سراج. أخرج هاتفه وقام بالاتصال. انتظر رد ثريا، رغم أنها لم تتأخر وقامت بالرد سريعاً، لكن القلق ينهش قلبه. حين سمع صوته، تنهد بتسرع سائلاً: "ليه خرجتي من الدار؟ إنتِ فين يا ثريا؟ أجابته بهدوء: "أنا في مشوار ومش هتأخر، قدامي ساعة، ساعة ونص بالكتير وأرجع الدار." تساءل بقلق: "وليه ما خدتيش العربية بالسواق معاكِ؟

أجابته: "المشوار قريب، ومتقلقش قبل المغرب هكون في الدار قبل ميعاد خاتمة القرآن بتاع الأربعين." تنهد باستسلام: "تمام، متتأخريش." بنفس الوقت رأت إشارة مساعدة الطبيبة أن دورها قد حان. حاولت الهدوء كي تنهي الاتصال قائلة: "لأ مش هتأخر ومتقلقش، يلا لازم أقفل الاتصال." أغلقت الاتصال وحاولت تهدئة ضربات قلبها العالية وهي تتوجه نحو غرفة الطبيبة. بينما سراج أغلق معها الاتصال، وقام باتصال آخر سرعان ما رد عليه،

فسأله بقلق ولهفة: "المدام فين؟ أجابه: "المدام دخلت عيادة دكتورة نسا." هدأ سراج قليلاً قائلاً: "تمام، عينك عليها ممنوع تبعد عنها، مفهوم؟ ... تبقى زي ضلها." أغلق الهاتف، وقف يتنهد يحاول نفض ذلك الشعور السيء الذي يعرف له سبباً. لديه يقين بأن هناك غدار ربما يستغل اليوم بندالته وخسته.

بينما بداخل غرفة الكشف، انتهت الطبيبة من معاينة ثريا، ثم ذهبت نحو مكتبها. هندمت ثريا ثيابها ثم توجهت هي الأخرى نحو المكتب. أشارت لها الطبيبة بالجلوس فجلست. تنهدت بعملية قائلة: "بصي يا ثريا، هصارحك بحالتك كاملة... ممكن العلاج ياخد وقت كبير و... شعرت ثريا بغصة قوية وقاطعتها: "يعني ممكن مخلفش؟ تبسمت

الطبيبة بعملية قائلة: "كل شيء في إيد ربنا، وده مش معناه جزم إنك مش هتخلفي. أنا شفت حالات أسوأ من حالتك والحمد لله اتعالجت والنهاردة بقى عندهم ولاد كتير. بس بقول لك كده عشان عارفة إحساسك إيه، وعشان كده مش عاوزاكِ تستعجلي. الحكاية مجرد وقت." قاطعتها ثريا مرة أخرى: "وقد إيه الوقت ده؟

أجابتها الطبيبة: "مقدرش أحدد الوقت. كمان ممكن نلجأ للحقن المجهري وده نسبة نجاحه عالية جداً، فيه ستات كتير خاضت التجربة وبقت نسبة نجاحها فوق التسعين في المية." فكرت ثريا ثم سألتها: "يعني ممكن أستبدل العلاج بعملية الحقن المجهري؟ أومأت الطبيبة لها قائلة: "ممكن، بس في الحالة دي مش بس إنتِ اللي بتاخدي علاج، كمان زوجك." فكرت ثريا: ماذا لو أخبرت سراج بذلك؟ هل سيوافق؟ شعرت بغصة في قلبها. ربما وقتها يرفض. بعد المغرب.

كان هناك تجمع بـ دار عمران. تم توزيع أجزاء القرآن الكريم على الموجودين من أجل قراءته ترحماً على عمران. ظل لوقت ليس بطويل، انتهوا بعد العشاء تقريباً. بـ شقة سراج. كانت ثريا جالسة على الفراش، عقلها شارد. تفكر هل تخبر سراج بإجراء تلك العملية، أم تلتزم الصمت وتخوض رحلة علاج وحدها. لم تنتبه لدخول سراج إلا حين دخل إلى الغرفة وتنحنح وهو يقترب منها يشعر بأن هناك ما يزعجها. لم يسألها،

بل هي نهضت نحوه قائلة: "أنا حضرت لك الحمام، أكيد اليوم كان مرهق جداً." تفاجأت حين جذبها واحتضنها بقوة وهو يضع رأسه على كتفها، يزداد ضمة يديه لها. وعقله يتخيل لو أصاب ثريا مكروه. حين علم بخروجها جن عقله، وحين علم من الحارس أين هي أرسل سيارة حراسته بالمكان، لكن هدأ حين علم بعودتها سالمة. ضمته بقوة تشعر أنها تحتاج إلى ذلك الحضن. فكرت في إخباره بما تريد لكن أرجأت ذلك. فالليلة كانت صعبة، قررت تأجيل ذلك. شقة إسماعيل.

رغم أنه يشعر بالإرهاق النفسي، لا يعلم سبب إصرار خالته عليه الصعود والمبيت بشقته. فهو كان بالفترة الماضية يمكث بغرفته القديمة. دلف إلى الشقة، استغرب. كان هناك ضوء متسرب من غرفة النوم. بتلقائية ذهب إلى الغرفة لكن تسمر واقفاً على باب الغرفة حين رأى تلك التي نهضت تقترب منه قائلة: "تعيش وتفتكر يا إسماعيل." باستغراب وتسرع تفوه بسؤال: "قسمت، إيه اللي جابك هنا؟ غص قلبها وهي تقترب منه قائلة بعتاب: "هي دي مش شقتي؟

ولا إنت خلاص مبقتش عاوزني؟ أجابها إسماعيل: "لأ مش قصدي، بس... قاطعته وهي ترفع يديها حول عنقه بدلال قائلة: "بس إيه؟ فكرت إني مش عاوزاك؟

رغم الأسلوب اللي اتبعته معايا كان جاف، بس أنا رجعت عشان هنا مكاني جنبك، مش نتقابل في الأوتيلات زي ما قلت. على فكرة مش هنسالك اللي قلته، لو مكنتش مشيت كنت هقولك خدني معاك، لشقتنا. أنا بحبك يا إسماعيل، يمكن في لحظة طيش سمعت لكلام بابا، كمان كنت مضايقة وفعلًا حاسة إني وش نحس، خوفت إنت كمان تقول لي نفس الكلمة."

تهكم إسماعيل قائلاً: "أنا واحد شغال معظم وقته مع الأموات وعارف إن الموت مش بعيد عن أي إنسان، ومؤمن بالله وعارف إن كل شيء قدر. صحيح الإحساس لما يكون الشخص عزيز غير لما يكون معرفوش، وده مش أي شخص، ده أبوي." تنهدت بألم وهي تضمه تهمس جوار أذنه: "بحبك يا إسماعيل." لوهلة خف ألم قلبه وعاد برأسه ينظر لها. تعاملت بلؤم: "بس برضه زعلانة منك ومن اللي عملته معايا، كان إيه هدفك؟

تنهد قائلاً: "بدون هدف يا قسمت، حياتنا إحنا اللي نتحكم فيها، والطريق السهل مفيش أسهل منه." أومأت له ببسمة، فاقترب من شفاها. وضعت كف يدها حائل قائلة: "لأ أنا. لسه مضايقة من إنك سبتني في الأوتيل." تنهد بضجر قائلاً: "إنتِ مجرد ما سبتك في الأوتيل أضايقتي، وأنا اللي سبتني في أكتر وقت محتاجك فيه... قاطعته وضمته قائلة: "خلاص كفاية عتاب يا إسماعيل، خلينا ننسى ونبدأ حياتنا من غير ما نشيل من بعض." أومأ لها مبتسماً، ضمها بقوة

وهي الأخرى ضمته وهمست: "أنا بحبك يا برجوازي." تنهد في البداية بضجر وحين ضمته وقبلت وجنته تبسم كالطفل الذي عثر على هدية قيمة. بذلك البيت. ضحك غيث يصدح، هو ماكر. يعلم أن سراج الليلة لن يكون غافلاً، يتوقع أن تكون الضربة الثانية الليلة. لكن هو نجح أن يتلاعب بـ سراج الليلة. كان من السهل عليه اليوم خطف ثريا وهي خارجة من عند الطبيبة. تبدلت الضحكة لضجر وغليل، وهو يفكر: لماذا ثريا كانت عند تلك الطبيبة؟ أتكون حامل؟

نفى ذلك سريعاً وتذكر إخبار الطبيبة لهم قبل خروجها من الوحدة أن النزيف أثر على حالة الرحم وأصبح من الصعب الحمل بسهولة، قبل العلاج. إذن لماذا كانت عند الطبيبة؟ شعر بقهر. بالتأكيد تود الإنجاب من سراج. هنا أصبحت شرايينه متدفقة مثل فيضان عاصف. لا، لن يحدث ذلك. فتح ذلك الحاسوب ونظر إلى شاشته. ظهر الفراش واثنين نائمين عليه جوار بعضهما، لكن لاحظ شيئاً كأنه لا يوجد حركة رغم إضاءة الغرفة الخافتة، كذلك لا يوجد صوت. وذلك تكرر.

عاود التركيز، الصورة نفسها التي كانت بالأمس. تأكد حين عاود استرجاع فيديو الأمس. نفس الفرش ونفس طريقة النوم على الفراش والصوت صامت. هنا أيقن أن هناك خدعة، وهو وقع بها. باليوم التالي. صباحاً، بشقة قابيل.

ما زال هناك شك يتوغل بعقله من أفعال إيناس بالفترة الأخيرة. كذلك يشعر بالغضب من توبيخ ولاء المستمر له، لكن لن يستسلم وسيفعل أي شيء. انتهى الصبر لديه. صفعة ولاء الأخيرة له كانت النهاية. دخل إلى غرفة النوم، لاحظ ارتباك إيناس. ربما ليس ارتباك، بل مثل هذيان عقلي، وهي شبه تتحدث مع نفسها، لكن انتبهت حين دخل فصمتت. نظر لها قائلاً: "أنا خارج وهتأخر، عندي كام مشوار وهرجع المسا."

أومأت له. استغرب عدم فظاظتها وعادتها في سؤاله إلى أين سيذهب ومتى سيعود وترجيها له بألا يتأخر. غادر مترقباً. لحظات وخلعت إيناس ثيابها، بدلتها بأخرى وتسحبت من المنزل، تسير بترقب تتلفت حولها حتى وصلت إلى مكان تلك السيارة التي كانت تنتظرها. صعدت لها، لم تنتبه إلى تلك السيارة الأخرى التي سارت خلف السيارة، لكن السائق لاحظ ذلك، فقام بإرسال رسالة مضمونها أن هناك من يتبعه،

فأجابه الآخر: "تمام، تعالى لي عالبيت، والضيف يشرف وراك." بعد قليل. ترجلت إيناس من تلك السيارة، هوس النظر حولها يلازمها، حتى دخلت إلى الداخل. استقبلها غيث بهدوء بارد وفتور منه.

بينما ترجل قابيل من السيارة الأخرى، نظر إلى المنزل من الخارج كان قديماً. تساءل عقله ما الذي أتى بـ إيناس إلى هنا. شك في البداية أن هذا المنزل ربما مملوك لأحد المشعوذين. إيناس سبق حدثته عن إيمانها بتلك الخرافات. لم يتوانَ كثيراً، دلف إلى الداخل يدور حول المنزل. كان الطريق ممهداً حتى وصل باباً خلفياً قديماً، بمجرد أن وضع يده عليه انفتح. بحرص منه دخل من ذلك الباب، يترقب بذهول المنزل من الداخل عكس الخارج. حتى توصل إلى صوت إيناس التي تتحدث بصوت عالٍ يشبه الخناق. تتبع الصوت، ودخل إلى ذلك المكان.

بينما إيناس واقفة تصرخ على غيث الذي جلس بهدوء يسمع لها بضجر، لكن ينتظر وصول ذلك المتسلل. بالفعل وصل، وتفوه: "إيناس! نظرت له بذهول يكاد قلبها أن يتوقف. بينما غيث ينظر ببرود. بينما وقع بصر قابيل على ذلك الجالس، ولم يتعرف عليه، إلا حين تفوه ببرود: "أهلاً بأخويا في الرضاعة، ولا أقول أخويا اللي طمع في مراتي وقتلني عشان يوصل لها." بذهول خرج صوت قابيل متحشرجاً: "غيث! بمنزل والد حنان.

نهضت قائلة: "الحمد لله الدكتورة طمنتني إن المغص ملوش تأثير على الحمل وإنه عرض جانبي." تنهدت والدتها براحة: "الحمد لله، بس امشي عالعلاج اللي كتبته لكِ وبلاش تطاوعي نفسك على قلة الأكل." ابتسمت حنان قائلة: "حاضر يا ماما. همشي أنا بقى، عشان أنا مقلتش لـ آدم إني هاجي لهنا، كان هيقلق، ويعرف إني هروح للدكتورة." تبسمت لها قائلة: "الحمد لله. ابقي سلمي لي عليه."

تبسمت حنان وهي تغادر نحو تلك السيارة التي كانت تنتظرها أمام المنزل. صعدت إلى الخلف مباشرة وأغلقت الباب. جلست تسند ظهرها للخلف، لكن قبل أن تتحدث سمعت صوت إغلاق أبواب السيارة إلكترونياً، وآخر صوت قبيح تقول بارتياب وذهول: "حفظي! بعدها غابت عن الوعي أمام نظر ذلك المغفل الوضيع. أمام إحدى المحاكم. اقتربت تلك السيدة من ثريا. بسمت ثريا، فهي تعرفها جيداً، فهي نفسها التي صفعتها قبل أشهر حين تعمدت خسارة قضيته. تحدثت

السيدة برجاء وشبه توسل: "أستاذة ثريا أنا جايه لكِ عشان تتوسطي ليا عند سراج بيه؟ استغربت ثريا وسألتها: "أتوسط لك في إيه؟ أجابتها: "سراج بيه حكم على ابني يدفع النفقة بتاعة ولاده مضاعفة، لما جالنا الدار وقال ده عقاب يعني، يعني عشان ضربتك بالقلم." ذهلت ثريا من قول السيدة، لكن سرعان ما خفق قلبها وتبسمت باشتياق لذلك الذي مع الوقت تكتشف عنه أشياء كانت مخفية عنها.

بنفس الوقت توقفت سيارة نقل كبيرة أمام المكان. أخفت ثريا خلفها. في ذلك المنزل كان حديثه آمراً عبر الهاتف: "تكون عندي النهاردة. لو فشلت الأفضل تضرب نفسك برصاصة في دماغك." مساءً. بـ دار العوامرة. يسأل سراج عدلات عن ثريا، أجابته أنها لم تعود منذ الصباح منذ أن خرجت. ظن أنها بالتأكيد ذهبت لمنزل والدتها، قام بالاتصال على هاتفها. انتظر حتى نهاية الرنين الأول، ثم عاود الاتصال.

منتصف الرنين فُتح الخط، تفوه سريعاً: "حبيبتي أنا في الدار." صُعق حين سمع ذلك الصوت البغيض: "للأسف حبيبتك رجعت."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...