شعرت نجيه بالقلق بسبب تأخير ثريا. الساعة اقتربت من التاسعة مساءً، وثريا لم تعد للمنزل. فكرت ربما عادت وجلست بالمكتب الخاص بها. فتحت ذاك الباب ونظرت بالمكتب، كان مظلمًا، إذن هي لم تعد بعد. جذبت ذاك الهاتف المحمول القديم الطراز، بحثت بين بعض الأرقام حتى عثرت على رقم ثريا، قامت بالاتصال عليه، لكن لم يأتيها رد، رنين فقط. شعرت بالحيرة، ربما ذهبت لمنزل سعدية. كادت تهاتفها، لكن بنفس الوقت، دق الهاتف بيدها وأظهرت الشاشة رقم سعدية. أجابتها سريعًا، لكن زاد القلق في قلبها حين سألت عن ثريا وعاتبت أنها وعدتها بالذهاب لمنزلها ولم تأت. لم تعرف نجيه كيف تبرر لها، أتخبرها أن ثريا لم تعد للمنزل؟
لكن في آخر لحظة تراجعت، ربما تعود ثريا بخير، ولا تكتسب سوى قلق سعدية هي الأخرى. ظلت لوقت، أصبحت الساعة العاشرة مساءً. احتارت ماذا تفعل، لكن كأي أم يحركها مشاعرها، تنهدت بحسم قائلة: "هروح لممدوح الجهوه اللي بيشتغل فيها وأجوله، ممدوح حنين وميستحملش الهوا على أخته."
بالفعل خرجت من دارها، لكن أثناء سيرها، تعثرت وكادت تقع، لكن تمسكت بأحد عواميد الإنارة بالشارع. وقفت تلتقط نفسها. رأتها رغد التي كانت تقف بدكان البقالة الخاص بوالدها. خرجت مسرعة نحوها... وسألتها بلهفة: "خالتي نجيه خير بتجري كده ليه وكنتِ هتقعي؟ التقطت نجيه نفسها ونظرت إلى رغد، تدمع عينيها. لوهلة أرادت ألا تطلب منها مساعدة، لكن إلحاح رغد، كذلك شعورها الطيب نحوها... تفوهت بقلق:
"ثريا سرحت الغيط من قبل العصر ولساها مرجعتش لحد دلوك، وبتصل على موبايلها بيرن ومش بترد، كنت رايحة لممدوح الجهوه عشان يشوف أخته فين." حين ذكرت اسم ممدوح، خفق قلبها. وكذالك هي تشعر مع ثريا بالألفة وتحترمها عكس الكثير من بعض الأهالي. ترددت قبل أن تعرض عليها: "تعالي إقعدي مع أبوي في الدكان، وأنا هروح له القهوة أنادي عليه."
نظرت لها نجيه بإمتنان وكادت ترفض، لكن نهضت تسير معها إلى أن وصلن إلى محل البقالة. جلب والد رغد مقعدًا، جلست عليه. سردت رغد لوالدها. بينما عاودت نجيه الرفض ونهضت كي تذهب إلى ممدوح، لكن والد رغد حثها قائلًا: "خليكي جاعدة إرتاحي يا ست نجيه وأحمد هيروح مع رغد ينادوا لممدوح." نظرت نجيه نحو أحمد، الصبي الصغير، واقتنعت حين أكمل حديثه:
"إحنا في الصيف والدنيا ماشية، وإطمني إن شاء الله ثريا بخير، يمكن هنا ولا هنا. إنتِ عارفة حصيلة الصيف واسعة وثريا ليها محبين كتير." حاولت تهدئة قلبها وأومأت بتمني، أن يخيب حدس قلبها. *** بالإسطبل قبل قليل
شعرت ثريا بالخوف من نظرات عصران القذرة وهو يقترب منها، يخلع قميصه العلوي وما زال يرتدي سروال فوقه فانلة بنصف كم، تُظهر ضخامة جسده. ازدردت ريقها، وذكرى سابقة تمر أمام عينيها، لكن بشخص آخر. أغمضت عينيها لوهلة، تسمع صوت ضحكة تشفي، ورائحة فم تفوح منها رائحة كحول مقيتة. فتحت عينيها سريعًا كأنها ترى نفس الشخص، لكن هنالك اختلاف بالحجم بين هذا وذاك الذي كان، رغم جبروته واحتساؤه للكحوليات، كان يهتم بجسده الرياضي كي يتباهى بذلك ويخدع أنه شخص مثالي. لوهلة توجست خوفًا من ذاك البغيض.
نهضت واقفة دون شعور منها، سارت للخلف بخطوات، لكن كادت تتعرقل لولا تلك الأصفاد التي بقدميها موصولة بسلاسل حديدية مغروسة بالحائط. نظرت إلى ذاك الحجر التي كادت تتعثر به. بسرعة فكر عقلها وانحنت تجذب تلك القطعة، واستقامت سريعًا. بينما عصران يقترب، يضع يده فوق حزام بنطاله بحذر، يخشي من تهديد سراج له. إلى أصبح أمامها مباشرة، ضحك ضحكة شر يقول: "بتعصي أمر سراج باشا؟ متعرفيش غلاوة سراج باشا عندي، ده موصي عليكِ أوي."
تهكمت بسخرية واستبياع، رغم رجفة قلبها الذي ينتفض بداخلها، لكن لن تستسلم كما فعلت سابقًا. بالنهاية ماذا جنت من خلف ذاك الضعف؟ قالت بتريقة: "سراج باشا عليك أنت، وبلاش تقرب مني بدل ما تبقى نهاية عمرك على إيد 'مرة' (إمرأة)
هو سابقًا كان مجرمًا، لو ما زال بنفس العقلية ما كان تركها تتحدث. كما أنه ربما كان مجرمًا، لكن لم يهتك عرض امرأة سابقًا ولن يفعلها الآن. هو يمارس تهديد فقط. لكن ثريا يدها ترتعش وهي تمسك ذاك الحجر، كما أنها مستبيعة لن تتنازل عن الأرض حتى لو أصبحت قاتلة، وليتها فعلت ذلك من قبل...
يقترب بخطوات وئيدة إلى أن أصبح خطوة أو اثنان بينهم، يستفزها بضحكته الشريرة. بينما هي كأنها ترى غيث عاريًا يتلذذ وهو يحاول فرض ساديته عليها. وذكرى أخرى وهو يأخذها لشقة بالمدينة ويأتي بإمرأة عاهرة، يغصبها أن تشاهدهم بعينيها وهما يمارسان الغرام بتقزز من أجل إذلالها، وهدر كرامتها كانثى وزوجة. ذكريات بائسة تمر وهي فقط تشاهد، لا تعطي رد فعل. لأول مرة عليها اتخاذ قرار أنها لن تكون بدور ثانوي في قصة هي بطلتها. ليحدث ما يحدث. قبل أن يخطو عصران آخر خطوة...
أخذت القرار وتقدمت تلك الخطوة، وفي لحظة جسارة منها ضربت عصران بذلك الحجر على رأسه بعد أن استجمعت قوة شيطانية. في الحال تلقى عصران الضربة برأسه لعدم انتباهه، وعدم رؤيته لذاك الحجر. سقط ممددًا أمام قدميها، تنزف دماء رأسه وهو شبه غائب عن الوعي. نظرت له بعلو وألقت ذاك الحجر من يدها، تدمع عينيها بقسوة ما تشعر به. لم تتوقع يومًا أن تكون قاتلة. من اتخذت طريق القانون باختيارها، أضحت قاتلة. كان دخولها لعائلة العوامري أكبر سوء مسها بحياتها. هم الجحيم بعينه. لكن شعرت بندم وهي ترى دماء عصران تسيل أسفل قدميها. كذلك كأنها توهمت أن عصران قد ينهض ويعاود ما بدأه.
عادت بجسدها للخلف تبتعد عنه، لعدم انتباهها تعرقلت بسبب تلك السلاسل الموصولة بالأصفاد الذي بقدميها. اختل توازنها دون انتباه منها، لم تستطع أن تحفظ توازنها فسقطت دون انتباه للحائط وذاك الجزء الحاد البارز به. خبطت رأسها به، لم تشعر بشيء بعدها.
بسبب عدم سماعه لأي استغاثة، دلف إلى تلك الغرفة بغضب تحول إلى فزع وذهول من ما يراه أمامه. ذهب نحو عصران الجالس أرضًا يحاول استعادة قدرته، يتألم وهو يلف قميصه حول رأسه، يضع يديه فوقها، لكنه يرتدي ببقية ثيابه، ليس به عاريًا سوى ساعدي يديه. لكن شعر بالغضب الساحق منه وأمسكه من تلباب ثوبه بعنف، يسحبه بقوة عاصفة جعلته ينهض واقفًا وهتف بهجوم شرس: "عملت فيها إيه يا حقير؟
أنا قولتلك ترهبها وإياك تقرب منها، حنيت للإجرام من تاني." شعر عصران برهبة وبرر بخوف ودفاع عن نفسه: "والله ما لمستها زي ما قولتلي يا سراج بيه، أرهبها بس... توقف عصران عن استرسال تبريره، يشعر بدوخة. قبض سراج على كتفيه بغضب سائلًا: "بس إيه؟ إنطق." أجابه عصران: "معرفش يا باشا، دي ضربتني بالحجر على رأسي وبعدها حسيت إني دايخ ومش حاسس باللي حواليا، ولسه قدامك أهيه بحاول أفهم إيه اللي حصل."
تركه وذهب نحوها مباشرةً، رأى رأسها تنزف. لا يعلم لما شعر بالرفق عليها، هكذا فسر عقله. رفع ذاك الوشاح عن رأسها، تفاجأ بإندفاع الدماء. سريعًا خلع قميصه وزال ذاك الوشاح عن رأسها، حاول الضغط على رأسها يكتم اندفاع الدماء، وحملها ناهضًا يسير سريعًا نحو الخارج، غير مباليًا لعصران وإصابته الشبه خطيرة. خرج من الغرفة، ذهب لسيارة نصف نقل كانت بالإسطبل، أمر سائقها بلهفة: "إفتح الباب بسرعة."
فعل السائق ما أمره به، في ثوانٍ وضعها بالسيارة، وتحدث للسائق: "فين مفاتيح العربية؟ أخبره: "المفاتيح في كونتاكت العربية يا باشا."
أغلق باب السيارة واستدار سريعًا نحو الباب الآخر، صعد يقود السيارة بسرعة جنونية وهو يصرخ على حارس بوابة الإسطبل الخارجية أن يفتح له الباب سريعًا. قبل أن يصل إلى الباب كان مفتوحًا سريعًا. كان يقود السيارة في ظرف دقائق، صف السيارة بفناء الوحدة الصحية الخاصة بالبلدة وترجل سريعًا نحو الباب الآخر، حملها بين يديه. سمع بعض هزيان منها لم يستطع تفسير منه سوى كلمات: "أنا بكره عيلة العوامري."
لم يهتم بما سمع ودخل بها سريعًا إلى داخل الوحدة الصحية، يصرخ عليهم بأن يساعدوه. أرشده حارس الوحدة نحو غرفة الاستقبال بالوحدة، وضعها على فراش طبي. بنفس الوقت دخلت إحدى الممرضات، نظرت إلى الدماء التي تنشع من ذاك القميص الملفوف حول رأسها، نزعته ورأت ذاك الجرح، ثم نظرت نحو سراج قائلة: "الدكتور النبطشي هنا في الوحدة بيمر على حالة في الدور الثاني، هطلع أنادي عليه." لا يعلم سبب لقوله: "ومفيش هنا دكتورة ست." نظرت له قائلة:
"للأسف مفيش غير الدكتور النبطشي." أومأ لها قائلاً: "تمام، ناديه بسرعة."
أومأت رأسها بدهشة ثم غابت لدقائق. كان يشعر أنها ساعات، وهو يسمع هزيانها غير المفهوم وكلمات غاضبة بشأن "غيث". لا يعلم لما أراد النظر لملامحها وهي نائمة، لولا تلك الدماء التي تغطي جبينها وجزء من وجهها لكانت ملاكًا. كذلك لاحظ تلك الشعيرات الرمادية التي تتخلل شعرها البني المحروق تقترب من السوداء. لحظات كأن عقله شارد وقلبه مشدوه نحو تلك المصابة. أخرجه من ذاك التأمل نحنة الطبيب الذي دلف ببطء معه تلك الممرضة. لوهلة أراد ألا يدخل هذا الطبيب، لكن أصبح الضماد الملفوف حول رأسها دمويًا. تنحى جانبًا، شعر بضيق حين نزع الطبيب عن رأسها ذاك الضماد. وقبل أن يبدأ يتعامل مع إصابتها،
تحدث بمهنية: "ياريت تطلع بره الأوضة لحد ما نخلص تضميد جرح المصابة." نظر له سراج قائلاً: "لأ مش هخرج، وإتفضل شوف شغلك." كاد الطبيب أن يعاود الطلب منه، لكن الممرضة تحدثت بتبجيل لـ سراج قائلة: "ده سراج بيه العوامري. الوحدة مفتوحة بسبب تبرعات عائلته، وهو أكيد قلقان على المصابة." لمعت عين سراج بغرور من معرفة الممرضة السابقة له، رغم أنها بالبلدة منذ فترة وجيزة. وسأل عقله هل تعلم هاوية ثريا أيضًا؟
لكن لم تُظهر ذلك. بدأ الطبيب يتعامل مع حالة ثريا إلى أن انتهى. وضع ضماد طبي يلف رأس ثريا شبه كاملًا. ثم خلع قفازيه، وبالصدفة بسبب انحصار جلباب ثريا، رغم أنها أيضًا ترتدي بنطالًا أسفل جلبابها، لكن وضح جزء من إحدى ساقيها وظهر به جرح واضح. ذهب نحوه الطبيب وكاد يرفع البنطال، لكن توقف بعد أن قبض سراج على يده قائلًا بنبرة احتقان: "إنت هتعمل إيه؟ أجابه الطبيب: "مش شايف الجرح الظاهر في رجلها؟ هعالجه."
زفر سراج نفسه بضجر قائلًا: "لأ كفاية عليك كده، الجرح ده واضح إنه صغير والممرضة هتتعامل معاه." نظر له الطبيب بحدة قائلًا: "أنا هنا دكتور في المستشفى، وكمان المسؤول عن النبطشية، وواضح من الخبطة اللي في راس المصابة، كمان الجرح اللي واضح في رجلها إن فيه اشتباه جريمة في الموضوع، وهفتح تحقيق باللي شايفه ده." تهكم سراج من نبرة الطبيب الحادة، وقال باستهزاء: "واضح إنك مش من البلد هنا ومتعرفش أنا مين...
قاطعه الطبيب بلا اهتمام: "حتى لو كنت من البلد وأعرف جنابك كنت هعمل اللي يمليه عليا ضميري. واضح وجود جناية." ضحك سراج مستهولًا ومستكبرًا: "جنااايه! أعتقد مهمتك خلصت وتقدر تعمل اللي إنت عاوزه. إتفضل." كاد الطبيب يحتد لولا أن جذبته الممرضة وخرجت خارج الغرفة. طاوعها الطبيب فقط لأنه لا يحب الجدال مع ذاك المتكبر. خرج وهي خلفه. وقفت تقول له بزم: "إنت مش عارف مين الشخص اللي جوه ده؟ ده سراج بيه العوامري." تهكم الطبيب سائلًا:
"ومين بقى سراج بيه العوامري؟ أجابته بمكانته وسط عائلة العوامري المعروفة، ثم أكملت: "أنا كنت زيك مكنتش أعرفه بس كان راكب حصانه وبيتمشى بيه في البلد وكنت واقفة مع جوزي في دكان العلف، واحد من الفلاحين عرفه، وجال ده سراج بيه العوامري." تهكم الطبيب قائلًا: "متغطرس يعني." "طب والمصابة دي كمان تبقى مين؟ أجابته: "لأ دي معرفهاش، يمكن قريبه (قريبته)
.. أو تخصه. هنعرف هي مين لما يسجل اسمها في المرضى، وكمان أنا هعاود أدخل الأوضة وهسأله هي مين، مع إن شكلها مش غريب علي." غصبًا امتثل الطبيب وغادر. بينما عاودت الممرضة الدخول إلى الغرفة وعرض خدماتها عليه وسألته باستفسار: "هي المريضة دي تقرب لجنابك؟ تنفس واحتار بماذا يجيب عليها، لكن بالنهاية قرر وأجابها: "لأ دي لقيتها وأنا ماشي عالطريق."
ذهلت الممرضة وهي تشعر باستغراب كيف هذا لم يعرفها وبهذه اللهفة الواضحة. هي ظنت أنها قريبه وربما تخصه. لم تهتم وسألت: "طالما كده كان لازم تسمح للدكتور يقدم بلاغ في النقطة (قسم الشرطة) . جنابك لاقيتها عالطريق يمكن اللي اتسبب في إصابتها قاطع (قاطع) طريق. ليه تحمل نفسك مسؤولية طالما متعرفش هي مين؟ أجابها: "بس أنا أعرف هي مين كويس؟ تسألت باستفسار: "حضرتك تعرفها منين؟
بصعوبة لا يعلم سبب لماذا لم يكن يريد أن يقول أنها كانت زوجة "غيث" ابن عمته، لكن غصب أجابها: "تبقى أرملة ابن عمتي." تبسمت الممرضة قائلة دون انتباه: "أنت جبتها هنا شهامة منك يعني، عشان خاطر كده. لو كان حد غير جنابك مكنش جابها، أنا مكنتش أعرف شكلها بس اللي أعرفه إنها مصانتش موت جوزها وسابت داره قبل الأربعين بتاعه... شابة وحلوة ولسه صغيرة أكيد مش... قاطعها سراج بغضب قائلًا:
"أعتقد كفاية كلام فارغ، التحقيق بتاعك ده يخلص، ومش عاوز حد يعرف بأنها موجودة هنا بالوحدة، وإتفضلي شوفى شغلك، الجرح اللي في رجلها داويه." شعرت الممرضة بحرج من صد سراج لها، بدأت في مداواة ساق ثريا، وخرجت وتركته معها، يشعر باستغراب من شعوره بالضيق والغضب والاستغراب الأكبر وجوده هنا. لما لا يطلب من أحد العاملين الموجودين بالمشفى الاتصال بأحد ذويها.
زفر نفسه وهو ينظر لها وهي غافية رغم ذاك الضماد على رأسها تبدو كأنها صافية، وعلى وجهها بسمة لا يعلم إن كانت بسمة أم مجرد ملاحظة منه. *** بينما خرجت الممرضة وذهبت إلى إحدى الغرف كانت خاصة بالممرضات، كان معها ممرضة أخرى، جلسن سويًا. سردت لها عن وجود سراج مع تلك الفتاة. لم تستغرب الأخرى قائلة: "وفيها إيه؟ اللي أعرفه هنا إن أرملة الأخ بيتجوزها أخوه، ويمكن هو عينه عليها." فكرت الممرضة:
"بس ده مش أخوه ده واد عمته، ومن عيلة العوامري. كمان اللي سمعته إن البت دي مسببة ناحية لعيلة العوامري." أجابتها الممرضة الأخرى: "يمكن عاملة الدوشة دي عشان كده، إنها تتجوز واحد تاني منهم. بس تفتكري مين اللي اتسبب في اللي حصل لها؟ أجابتها: "معرفش، بس لهفته عليها تقول إنه مش هو. من شكل إصابتها كده إن حد ضربها على راسها، وكان في جرح في رجلها، يمكن كان حد عاوز يغتصبها." وضعت الممرضة الأخرى يدها على فمها بذهول قائلة:
"ربنا يحفظ أعراض أهلنا. هقوم أشوف الست اللي محجوزة فوق دي، والله حالتها مستاهل الحجز، بس الناس مفكرة الوحدة فيها عناية أكتر من الدار." غادرت الممرضة الأخرى. بنفس الوقت دق هاتفها، أخرجته من جيب معطفها ونظرت له، ثم قامت بالرد تسمع سؤال زوجها لها عن بعض الأغراض ومتى ستنتهي ورديتها بالوحدة. أجابته ثم سردت له عن ما حدث قائلة:
"بس شكل سراج بيه ده راجل قوي، لو واحد غيره كان على الأقل سابها لما وصلها الوحدة، شكلها كده كان حد عاوز يأذيها وهو نجدها منه." *** بأحد مقاهي البلدة وقفت رغد على جنب قريب منها، ودخل أحمد ينادي على ممدوح الذي خرج معه وتوجه ناحيتها يقول بلهفة وذم: "رغد إيه اللي جابك هنا دلوقتي؟ القهوة كلها شباب... وممكن يعاكسوكي وأنا مكنتش هسكت لهم." شعرت رغد بسعادة أنها لا يود أن يضايقها أحد. توترت قائلة:
"خالتي نجيه عندنا في الدكان، بتقول إن ثريا لحد دلوقتي مرجعتش الدار وهي قلقانة عليها أوي." شعر ممدوح بقلق قائلًا: "إزاي مرجعتش للدار؟ استنى دقيقة وراجع لك." لم يمر أكثر من دقيقة وعاد ممدوح يقول لها: "خلينا نروح للدار، يارب تكون رجعت." أومأت له ببسمة وهي تسير على الطرف الآخر جوار أخيها الذي يفصل بينهم، تحاول هي وأخوها مجاراة خطواته السريعة إلى أن وصل إلى ذاك الدكان ووجد والدته جالسة. سألها بلهفة: "أمي.. ثريا رجعت؟
أومأت رأسها بـ "لا". أخرج ممدوح هاتفه يتصل على ثريا، ولا يأتيه رد. شعر بزيادة القلق قائلًا: "موبايلها بيرن ومش بترد، هي مش متعودة متردش. معقول تكون لسه في الغيط؟ هروح أشوفها وأرجع." تنهدت نجيه بدموع قائلة: "وإيه اللي هيقعدها في الغيط لحد دلوقتي؟ دي كانت بترجع للدار يا دوب الشمس تغيب."
ساور ممدوح القلق بشدة وفكر بـ عائلة العوامري، وكاد يتفوه، لكن قبل ذلك صدح رنين هاتف صاحب البقالة. قام بالرد كان تاجر الأعلاف يسأله عن بعض المنتجات لديه، وسمع بالصدفة قول ممدوح الذي لم يهتم: "أكيد اللي ورا اختفاء ثريا عيلة العوامري. أنا رايح لهم." نهضت نجيه بفزع وتمسكت به قائلة: "اعقل يا ممدوح، وإهدي." بضجر تفوه ممدوح: "عقلت كتير وصبرت، مش كفاية... قاطعه صاحب البقالة:
"إهدي يا ممدوح وإسمع لحديت أمك، بس أخلص من المكالمة." غصبًا صمت ممدوح يتآكل قلبه القلق ويصور له الشيطان، لما لا تذهب ويحدث ما يحدث. بينما سريعًا أكمل البقال الحديث عبر الهاتف مع ذاك الشخص الذي سمع حديث ممدوح وذكر عائلة العوامري. بفضول منه سأله. حاول البقال عدم الإفصاح عن اختفاء ثريا، بينما تفوه الآخر: "مراتي ممرضة في الوحدة وبتجول إن سراج العوامري هناك ومعاه ثريا اللي كانت متجوزة ابن عمته." اندهش البقال قائلًا
باستفسار: "إنت متأكد من حديثك ده؟ ثريا مع سراج في الوحدة، طب ليه؟ أجابه الآخر: "معرفش. مراتي من شوية كنت بسألها هتعود إمتي، وجالت لي كده وبس، وكمان طلبت مني شوية مستلزمات للدار وعشان كده بتصل عليك عشان إنت بتبيع أرخص." أغلق البقال الهاتف. ونظر نحو ممدوح ونجية التي وقفت باستغاثة تسأله: "مين اللي كان بيتحدث معاك؟ أنا سمعتك بتقول ثريا وسراج." بهدوء قال لها ما أخبره له ذاك الشخص. سريعًا كاد يذهب ممدوح،
لكن تشبثت به نجيه قائلة: "خدني معك يا ولدي." برأفة منه احتوى يدها وذهبا الاثنان إلى الوحدة. تنهد البقال قائلًا: "ربنا يطمن قلوبهم. والله نظرتي في ممدوح اتغيرت، طلع راجل." تبسمت رغد وهي تؤمن على دعاء والدها، تشعر بمشاعر صافية نحو ممدوح الذي يظهر عكس شخصيته الحقيقية، أنه غير مبالي بما يحدث حوله. *** بعد قليل بالوحدة الصحية
ما زال عقل سراج غير مستوعب لما حدث، يلوم عقله كيف وصل به الدناءة لهذا الحد. لم يحسب أن يصل إلى هذا المستوى ولا تلك النتيجة. لا يعلم لما يظل معها بالغرفة، لما لم يغادر ويخبر الوحدة بذويها وتنتهي الليلة. بالفعل وقف حين فُتح باب الغرفة ودخلت نجيه خلفها ممدوح الذي نظر إلى سراج باستحقار ثم ذهب نحوه غير مباليًا: "أختي فيها إيه يا سراج، متفكرش إني هسكت على قذارة عيلة العوامري."
نفض سراج يدي ممدوح ونظر إلى نجية التي اقتربت من فراش ثريا تبكي وهي تراها ممددة هكذا بوجهها الشاحب وضماد رأسها. كاد أن يتواجه سراج ويلقن ممدوح درسًا لا بأس به بسبب سبه لعائلة العوامري، لكن ارتأف قلبه حين سمع قول نجية باستجداء وهي تقبل وجنة ثريا بدون قصد منها: "اصحي يا روحي عملوا فيكِ إيه تاني منهم لله، ربنا ينتقم منهم. جلت لكِ تغور الأرض وإبعدي عن شرهم. كفاية اللي حصلك قبل كده." لم يفهم قول نجية ماذا ومن تقصد؟
هل تقصد عائلة العوامري؟ هو حقًا المسؤول عن ما حدث لها الليلة، لكن ماذا حدث سابقًا ولماذا قالت تلك السيدة ذلك. ما زال ممدوح يحاول التهجم على سراج لكن تدخل حارس الوحدة وعامل آخر وطلبوا من سراج المغادرة منعًا للإشتباك وإثارة مشاكل في غنى عنها. امتثل لذلك وغادر متعسفًا، يشعر بغضب عارم. *** بعد قليل دخل إلى دار والده. تقابل مع آدم الذي انخص بسبب الدماء على ملابسه سائلًا بقلق: "سراج إيه الدم اللي على هدومك؟ دم؟ إنت كويس."
أجابه سراج: "أنا بخير، هطلع آخد دُش وأقلع الهدوم دي، تصبح على خير." تنهد آدم بارتياح، قائلًا: "الحمد لله، بس إيه سبب الدم ده." أجابه بضجر: "بعدين." امتثل آدم قائلًا: "سراج في موضوع خاص بيا كنت عايز أكلمك فيه." تركه سراج يصعد السلم قائلًا: "بعدين يا آدم، أنا مصدع ومحتاج أرتاح."
امتثل آدم، رغم فضوله معرفة سبب تلك الدماء. بينما صعد سراج إلى غرفته توجه نحو حمام الغرفة مباشرة، خلع ثيابه وفتح صنبور المياه وقف أسفلها يعيد عقله ماحدث منذ رؤيته لـ ثريا اليوم، إلى قبل دقائق وحديث والدتها المبهم. يشعر بتشتت في عقله. أغلق صنبور المياه وجذب منشفة، لكن قبل أن يخرج من الحمام وقع بصره على ملابسه الملوثة بدماء ثريا. ترك النظر للملابس، وخرج من الحمام ذهب نحو فراشه وارتمى بجسده عليه، يشعر كأنه بإعصار. أغمض عينيه، سرعان ما غفى.
***
فجأة انقشعت الغيوم وسطعت الشمس. ظهرت معها حورية مضيئة تجذبه لها بإشارة منها. اقترب منها يخفق قلبه. أصبحت خطوة بينهم. عاودت بعض الغيوم تكاد تقترب منها. شعر بلهفة، جذبها عليه، ينظر لشفتيها يشعر بإحساس خاص لأول مرة يتوغل منه. يريد تذوق شفتيها وتقبيلها. اقترب بوجهه، اختلطت أنفاسه معها. أغمض عينيه لوهلة ثم فتحهما وعاود النظر إلى شفاها. بلا شعور منها رفع يده يجذب رأسها يحتوي شفتيها بين شفتيه بقبلة شغف واجتياح. ترك شفاها وسارت رغبة أخرى تؤرق جسده. لأول مرة يتملكه ذاك الشعور الخاص. ضمها قويًا، يديه تكاد تخترقها للحظات يحتويها. عاود يقبلها مرة و
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!